فيها فى شوال-أو فى ذى القعدة-كان حلف الفضول، وسببه أن رجلا من زبيد (^٤) قدم مكة معتمرا، ومعه تجارة له،
_________________
(١) هو حاطب بن أبى بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمى مات فى سنة ٣٠ هـ (الإصابة ١:٣٠٠)
(٢) هو خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمى-ويقال الخزاعى-أبو عبد الله. توفى سنة ٣٧ هـ أو ٣٩ هـ. (الإصابة ١:٤١٦). وفى تاريخ الخميس ١:٢٦٠ «وولد أيضا محمد بن مسلمة الأنصارى».
(٣) لم يورد المؤلف أحداثا فى هذه السنة. وفى تاريخ الخميس ١:٢٦٠ «قتل فيها هرمز الظالم بن أنو شروان بعد خلعه، وتولى الملك كسرى أبرويز بن هرمز بن أنو شروان، وهو الذى كتب إليه النبى ﷺ ودعاه إلى الإسلام، فأبا ومزق الكتاب، فقال النبى ﷺ مزق الله ملكه كما مزق كتابى. فخرج عليه ابنه شيرويه وقتله.
(٤) فى الأصول وشفاء الغرام ٢:١٠٣ «من بنى زبيد» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ١:٢٥٩، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٠٨، والسيرة الحلبية ١:٢١٥.
[ ١ / ١١٨ ]
فاشتراها منه العاصى بن وائل السّهمىّ. فآواها إلى بيته ثمّ تغيّب.
فابتغى متاعه الزبيدىّ فلم يقدر عليه، فجاء إلى بنى سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا عليه (^١)، فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوّف فى قبائل قريش يستعين بهم. فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك أشرف على أبى قبيس-ويقال: على الحجر-حين أخذت قريش مجالسها، ثم قال بأعلى صوته:-/ يا آل فهر لمظلوم بضاعته … ببطن مكّة، نائى الأهل والوطر
ومحرم شعث لم يقض عمرته … يا آل فهر وبين الحجر والحجر
هل مخفر من بنى سهم بخفرته … فعادل أم ضلال مال معتمر
إن الحرام لمن تمّت حرامته … ولا حرام لثوب العاجز العذر (^٢)
فلما نزل من الجبل أعظمت ذلك قريش فتكلموا فيه، فقال المطيبون؛ وهم بنو عبد مناف بن قصىّ، وبنو أسد بن عبد العزّى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرّة، وبنو الحارث بن فهر: والله لئن قمنا فى هذا لتغضبن الأحلاف. وقال الأحلاف؛ وهم بنو عبد الدار بن قصىّ، وبنو مخزوم، وبنو سهل، وبنو جمح، وبنو عدىّ ابن كعب: والله لئن تكلمنا فى هذا لتغضبن المطيبون، فقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفا فضولا دون المطيبين ودون الأحلاف.
ويقال: إن الزّبير بن عبد المطلب لما سمع قول الزّبيدىّ قال:
_________________
(١) هذا اللفظ من م.
(٢) شفاء الغرام ٢:٩٩ - ١٠٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٠٨، والسيرة الحلبية ١:٢١٥.
[ ١ / ١١٩ ]
إن هذا الأمر ما ينبغى لنا أن نمسك عنه. فطاف فى بنى هاشم، وبنى المطلب، وبنى أسد بن عبد العزّى، وبنى تيم بن مرّة، وبنى زهرة بن كلاب؛ فاجتمعوا فى دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرّة، وصنع لهم يومئذ طعاما كثيرا، وكان رسول الله ﷺ يومئذ معهم، فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم وتعاقدوا وتحالفوا بينهم بالله القائل: لا يظلم أحد بمكة غريب ولا قريب، ولا حرّ ولا عبد. إلا كنا جميعا مع المظلوم على الظالم حتى نأخذ له حقه ونرد إليه مظلمته ممن ظلمه-شريفا أو وضيعا؛ منا أو من غيرنا-ما بلّ بحر صوفة، وما رسا حراء وثبير فى مكانهما، وعلى التأسى فى المعاش. ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه فى جفنة، ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت فيه أركانه ثم أتوا به فشربوه، ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل فقالوا: والله لا نفارقك حتى تؤدى إليه حقه.
فأعطى الرجل حقّه، فقال قوم من قريش: إنه قد دخل هؤلاء فى فضل من الأمر؛ فسمى حلف الفضول.
وقال آخرون: تحالفوا على مثل حلف تحالفت عليه قوم من جرهم فى هذا الأمر: ألا يقروّا ظلما ببطن مكّة إلا غيّروه، وهم:
الفضل بن شراعة، والفضل بن وداعة، والفضل بن فضالة (^١).
_________________
(١) وفى سبل الهدى والرشاد ٢:٢٠٩ «وهم الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعه، والفضل بن الحارث. هذا قول العتبى، وقال الزبير: الفضل بن شراعة، والفضل ابن قضاعة». وفى تاريخ الخميس ١:٢٦١ «الفضيل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن بضاعة». وانظر الروض الأنف ١:١٥٥، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٦٠،٢٦١، والاكتفا ١:٨٨،٨٩.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقال الزبير بن عبد المطلب:-
حلفت لنعقدن حلفا عليهم … وإن كنّا جميعا أهل دار/
نسمّيه الفضول إذا عقدنا … يعزّ به الغريب لدى الجوار
ويعلم من حوالى البيت أنّا … أباة الضيم نمنع كل عار
إذا رام العداد لنا حراما … أقمنا بالسيوف والازورار (^١)
ثم قال الزبير:-
إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا … ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا … فالجار والمعترّ منهم سالم (^٢)
قالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول، ما لو دعيت إليه اليوم لأجبت، وما أحبّ أنّ لى به حمر النعم (^٣).
وكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس حتى أدخل فى حلف الفضول (^٤).
ويقال سبب حلف الفضول غير ذلك؛ فيقال إن قيس بن شيبة السلمى-ويقال رجل من ثمالة-باع متاعا من أبىّ بن
_________________
(١) الروض الأنف ١:١٥٦، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٥٩، وشفاء الغرام ٢:١٠٣. ما عدا هذا البيت الأخير.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) شفاء الغرام ٢:١٠٠.
(٤) الاكتفا ١:٩١.
[ ١ / ١٢١ ]
خلف، فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بنى جمح، فلم يقم بجواره، فقال قيس:-
يا لقصى كيف هذا فى الحرم … وحرمة البيت وأخلاق الكرم
أظلم لا يمنع منى من ظلم (^١)
وبلغ الخبر عباس بن مرداس فقال:-
إن كان جارك لم تنفعك ذمّته … وقد شربت بكأس الذل أنفاسا
فأت البيوت وكن من أهلها صددا … لا تلق ناديهم فحشا ولا باسا
ولم تكن بفناء البيت معتصما … تلقى ابن حرب وتلقى المرء عباسا
ساقى الحجيج وهذا ياسر فلح … والمجد يورث أخماسا وأسداسا (^٢)
فقام العباس وأبو سفيان حتى ردّا عليه [متاعه] (^٣).
واجتمعت بطون من قريش فى دار عبد الله بن جدعان فتحالفوا على ردّ الظلم بمكة، وألا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا له بحقه.
ويقال: إن سبب حلف الفضول أن قريشا كانت تتظالم فى الحرم، فقام عبد الله بن جدعان، والزّبير بن عبد المطلب فدعوا إلى التحالف على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، فأجابوهما وتحالفوا فى دار ابن جدعان (^٤) /.
_________________
(١) الوفا بأحوال المصطفى ١:١٣٦. وشفاء الغرام ٢:١٠١
(٢) شفاء الغرام ٢:١٠١، مع اختلاف واضح فى البيتين الثانى والثالث.
(٣) الإضافة عن المرجع السابق.
(٤) تاريخ الخميس ١:٢٦١.
[ ١ / ١٢٢ ]
وفيها شكا النبى ﷺ إلى عمّه أبى طالب فقال: إنى منذ ليال يأتينى آت معه صاحبان، فينظرون إلىّ ويقولون: هو هو ولم يأن له، (^١) فإذا كان قرار يك لرجل منهم ساكت (^١). فقد هالنى ذلك. فقال يا ابن أخى: ليس بشئ حلمت. ثم رجع إليه بعد ذلك فقال: يا عم سطا بى الرجل الذى ذكرت لك فأدخل يده فى جوفى حتى إنى لأجد بردها. فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطبّب بمكة، فحدثه وقال: عالجه. فصوّب به وصعّد، وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه وقال: يا عبد مناف ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته. وليس الرئى من الشيطان، ولكنه من النواميس الذين يتجسّسون القلوب للنبوّة. فرجع به.
***