وكانت هذه المرأة تقول: مرّ بى وإنّ بين عينيه لنورا مثل الغرّة، ودعوته له رجاء أن يكون لى، فدخل على آمنة فأصابها، فحملت برسول الله ﷺ.
وكان الحمل برسول الله ﷺ فى شعب أبى طالب-قيل عند الجمرة الكبرى، ويقال الوسطى-فى ليلة الجمعة من شهر رجب، وقيل فى أيّام التشريق. وكان من دلالة حمل آمنة بالنبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن كل دابّة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: حمل برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وربّ الكعبة، وهو إمام (^١) الدنيا وسراج أهلها. ولم يبق كاهنة فى قريش، ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، وانتزع علم الكهانة منها. ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا والملك مخروسا (^٢) لا ينطق يومه ذلك. ومرت وحش الشرق إلى وحش الغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشّر بعضهم بعضا [وله] (^٣) فى كل شهر من شهوره نداء فى الأرض، ونداء فى السماء: أبشروا فقد آن لأبى القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا (^٤).
قالت آمنة: ما شعرت أنى حملت بالنبىّ صلى الله تعالى عليه
_________________
(١) فى الأصول والزهر الباسم لوحة ١٣٥ «أمان». والمثبت عن شرح المواهب ١:١٠٨، وقد أكدها بقوله بالميم.
(٢) كذا فى هـ: وفى ت، م «فحرسا». وفى الزهر الباسم لوحة ١٣٥ «أخرس».
(٣) الإضافة عن تاريخ الخميس ١:١٨٥ والزهر الباسم لوحة ١٣٥.
(٤) وقد ضعفه القسطلانى فى المواهب اللدنيه ١:١٠٨.
[ ١ / ١٥ ]
وسلم، ولا وجدت له ثقلا كما تجد النساء، إلا أنى قد أنكرت رفع الحيض.
وبقى ﷺ فى بطن أمه تسعة أشهر كملا، ويقال ستة، وقيل سبعة، ويقال ثمانية، وقيل عشرة أشهر (^١) لا تشكو وجعا ولا ريحا ولا مغصا ولا ما يعرض للنساء من الثقل والوخم وأدواء الحمل، إلا أنها أنكرت رفع حيضتها-وفى حديث شداد (^٢) عكسه، وجمع (^٣) بأن الثقل فى ابتداء العلوق والخفّة عند استمرار الحمل؛ ليكون خارجا عن المعتاد.
وهلك أبوه عبد الله وهو حمل، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا ومولانا بقى نبيّك هذا يتيما. فقال الله تعالى للملائكة: أنا لنبيى ولىّ وحافظ ونصير (^٤). ويقال مات عبد الله قبل ميلاد النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم بشهرين، وقيل وهو فى المهد، ويقال ابن ثمانية
_________________
(١) عيون الأثر ١:٢٥، وتاريخ الخميس ١:١٨٦.
(٢) هو شداد بن أوس بن ثابت الأنصارى، أبو يعلى الصحابى، ابن أخى حسان بن ثابت، توفى بالشام قبل الستين، وقيل بعدها. وعنه: أن رجلا من بنى عامر سأل رسول الله ﷺ ما حقيقة أمرك؟ فقال: بدوّ شأنى أنى دعوة أبى إبراهيم وبشرى أخى عيسى، وأنى كنت بكر أبى وأمى، وأنها حملت بى كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكى إلى صواحبها ثقل ما تجد، ثم إن أمى رأت فى منامها أن الذى فى بطنها نور … الخ». (شرح المواهب ١:١٠٧)
(٣) والذى جمع بين حديث شداد وما قبله هو الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهانى. (المرجع السابق)
(٤) الزهر الباسم لوحة ١٣٦.
[ ١ / ١٦ ]
وعشرين يوما، وقيل وهو ابن شهرين، ويقال ابن سبعة أشهر، ويقال ابن سنة، وقيل ابن سنتين، وقيل ابن ثمانية وعشرين شهرا (^١) / والأول أثبت-فى دار النابغة (^٢) بالمدينة، وقيل بالأبواء بين مكة والمدينة.
ولما مرّ من حمله ﷺ ستة أشهر قالت آمنة: أتانى آت: وأنا بين النائم واليقظان فوكزنى برجله وقال لى: يا آمنة هل شعرت بأنك قد حملت؟ فكأنى أقول ما أدرى. فقال: إنك قد حملت بخير البرية وسيّد هذه الأمة ونبيّها، وخير العالمين طرّا، فإذا ولدتيه فسمّيه أحمد ومحمدا؛ فإن اسمه فى التوراة والإنجيل أحمد، يحمده أهل السماء والأرض، واسمه فى الفرقان محمد، فسمّيه بذلك واكتمى شأنه؛ فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام وعلقى عليه هذه. فأنتبهت وعند رأسى صحيفة من ذهب مكتوب فيها هذه: أعيذه بالواحد. من شرّ كل حاسد. وكل خلق رائد. من قائم وقاعد. عن السبيل عاند. على الفساد جاهد. من نافث أو عاقد. وكل جنّ مارد. يأخذ بالمراصد. فى طرق الموارد. أنهاهم عنه بالله الأعلى. والكفّ الذى لا يدى (^٣). يد الله فوق أيديهم، وحجاب
_________________
(١) وانظر تاريخ الخميس ١:١٨٧، وشرح المواهب ١:١٠٩.
(٢) وفى شرح المواهب ١:١١٠ «النابعة بفوقية فموحدة فعين مهملة كما فى الزهر الباسم، قال الخميس وهو رجل من بنى عدى بن النجار».
(٣) كذا فى الأصول. وفى الخصائص الكبرى ١:١٠٦ «والكف الذى لا يرى» وفى شرح المواهب ١:١٠٧ «والكنف الذى لا يرى».
[ ١ / ١٧ ]