لما أهلك الله أبرهة، وسلّط عليه الطّير الأبابيل ازدادت قريش والعرب فى تعظيم الحرم، والمشاعر العظام، والشهر الحرام، ووقّروها، ورأوا أن دينهم خير الأديان وأحبّها إلى الله، (^١) وقالت قريش: نحن أهل الله (^١)، وبنو إبراهيم، وولاة البيت الحرام، وساكنوا (^٢) حرمه وقطّانه، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف العرب لأحد مثل ما تعرف لنا. فابتدعوا عند ذلك أحداثا فى دينهم، أداروها بينهم، قالوا: لا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون من الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفّت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا من الحلّ مثل ما عظموا من الحرم؛ فقصروا عن مناسك الحج؛ فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها-وهم يعرفون ويقرّون أنّها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويقرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها-وجعلوا موقفهم فى طرف الحرم (^٣) من نمرة بمفضى المأزمين، يقضون به عشية عرفة، ويظلون
_________________
(١) سقط فى ت، هـ، والمثبت عن م، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٧٦.
(٢) كذا فى الأصول. وفى أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٦ «وسكان حرمه»
(٣) كذا فى م، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٨٠. وفى ت «الجبل». وفى هـ «الحل».
[ ١ / ٦٣ ]
به يوم عرفة فى الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلف؟؟؟، فإذا عمّت الشمس رءوس الجبال دفعوا.
وكانوا يقولون: نحن الحمس-والأحمس فى لغتهم؟؟؟ المشدد فى دينه-ويقال: إنما سموا الحمس بالكعبة لأنّها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد (^١).
ويقال: إنما سمّوا الحمس لشجاعتهم-والحماسة الشجاعة-
ثم جعلوا لمن ولدوا (^٢) من سائر العرب من سكان الحلّ والحرم مثل الذى لهم بولادتهم إيّاهم، يحل لهم ما يحل لهم. ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.
وكانت خزاعة، وكنانة، والأوس، والخزرج، وجشم، وبنو عامر (^٣) بن صعصعة، وأزدشنوءة، وجرم (^٤)، وزبيد، وبنو ذكوان من بنى سليم، وعمرو اللات، وثقيف (^٥)، وغطفان،
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٨١.
(٢) فى الأصول «لمن ولد». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٢٨، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٧٧.
(٣) كذا فى الأصول. وفى المحبر لابن حبيب ١٧٨، وأخبار مكة للأزرقى ١: ١٧٩، وشفاء الغرام ٢:٤٢ «وبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة».
(٤) كذا فى الأصول، وشفاء الغرام ٢:٤٢. وفى أخبار مكة للأزرقى ١: ١٧٩ «جذم»
(٥) فى الأصول «وعفيف» والمثبت عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٩ وشفاء الغرام ٢:٤٢.
[ ١ / ٦٤ ]
والغوث، وعدوان وعلاّق (^١)، وقضاعة، ومدلج، وعدوان (^٢)، والحارث بن عبد مناف، وعضل وحلفائهم، وإن كان من ساكنى الحرم، ومن دان دينهم قد دخلوا معهم فى ذلك-وكان بقية العرب يسمون الحلّة-
ثم ابتدعوا فى ذلك أمورا لم تكن؛ فقالوا: لا ينبغى للحمس إذا كانوا محرمين أن يأقطوا الأقط، ويسلئوا السّمن، ولا يمخضوا اللبن، ولا يأكلوا الزّبد، ولا شيئا من نبات الحرم. ولا يلبسوا الوبر ولا الشّعر، ولا يغزلوه ولا ينسجوه، ولا يدخلوا بيتا من الشّعر، ولا يستظلّوا إلاّ فى بيت من الأدم ما كانوا حرما (^٣).
وكانوا يعظّمون الأشهر الحرم، ولا يخفرون فيها الذّمّة، ولا يظلمون فيها (^٤).
ثم رفعوا فى ذلك فقالوا! لا ينبغى لأهل الحلّ أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل فى الحرم إذا جاءوا حجاجا أو عمّارا، ولا يأكلوا فى الحرم إلا من طعام (^٥) أهل الحرم-إمّا قرى وإمّا شراء-
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٩ «وعلاف».
(٢) تكررت «عدوان» فى الخبر فى جميع الأصول.
(٣) أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٧،١٨٠.
(٤) المرجع السابق ١:١٨٠.
(٥) سقط فى ت، هـ. والمثبت عن م، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٧٧، والسيرة النبوية لابن كثير ١:١٣٠.
[ ١ / ٦٥ ]
وكانوا مما سنّوه أنهم إذا أنكحوا عربيّا امرأة منهم اشترطوا عليه أنّ كلّ من ولدت له فهو أحمسىّ على دينهم (^١).
وأنه إذا أحرم الرجل منهم فى الجاهلية وأوّل الإسلام فإن كان من أهل المدر-يعنى من أهل البيوت والقرى-لا يدخل بيتا من البيوت، ولا يستظلّ تحت سقف بيت، ينقب أحدهم نقبا فى ظهر بيته فمنه يدخل إلى حجرته، ومنه يخرج، ولا يدخل من بابه، ولا يجوز تحت أسكفّة الباب ولا عارضته؛ فإن أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم تسوّروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطوح، ثم ينزلون فى حجرتهم، ويحرّمون أن يمروّا من تحت عتبة الباب/، فكانوا كذلك حتى جاء الإسلام (^٢).
وكان إذا حج الصّرورة (^٣) من الحلّة-رجلا كان أو امرأة-لا يطوف بالبيت إلا عريانا إلاّ أن يطوف فى ثوب أحمسىّ-إمّا عارية وإما إجارة-يقف أحدهم بباب المسجد من خارج فيقول: من يعير مصونا من يعير معوزا؟ فإن أعاره أحمسىّ ثوبا، أو أكراه طاف فيه، وإن لم يعره ألقى ثيابه بباب المسجد من خارج ثم دخل الطّواف وهو عريان، يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يأخذ عن يمينه ويطوف، ويجعل الكعبة عن يمينه، فإذا أتمّ طوافه سبعا استلم الركن، ثم استلم نائلة، فيختم بها
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٩
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٠،١٨١.
(٣) الصرورة: من لم يسبق له الحج. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ٦٦ ]
طوافه. ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تلمس فيأخذها فيلبسها، ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك عريانا (^١). وقيل: وإن طاف وعليه ثيابه ضرب وأنتزعت منه (^٢).
ويقال: كانوا لا يطوف الرجل منهم أوّل حجة يحجها إلا فى ثياب جدد، أو ثياب أهل الله سكان الحرم؛ ويقولون: لا نطوف فى الثياب التى قارفنا فيها الذنوب، فمن لم يجد طاف عريانا إلا أن يتكرّم منهم متكرّم فيطوف فى ثيابه، فإن طاف فيها لم تحل له أن يلبسها أبدا، ولا ينتفع بها هو ولا غيره، فإذا فرغ ألقاها بباب المسجد، ولا يمسّها أحد من خلق الله حتى تبليها الشمس والأمطار والرياح ووطء الأقدام. وفيه يقول ورقة بن نوفل:-
كفى حزنا كرّى عليه كأنه … لقى بين أيدى الطائفين حريم (^٣)
وقيل: إن الرجل أو المرأة من الحلة إذا لم يجد ثياب أحمسىّ يطوف فيها، ومعه فضل ثياب يلبسها غير ثيابه التى عليه طاف فى ثيابه التى جاء بها من الحلّ، فإذا فرغ من طوافه نزع ثيابه التى طاف فيها، ثم جعلها لقى يطرحها بين إساف ونائلة، فلا يمسها أحد ولا يحركها، ولا ينتفع بها حتى تبلى من وطء الأقدام ومن الشمس والرّياح والمطر (^٤).
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٧،١٧٨.
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٦.
(٣) أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٤،١٧٥. وفى سيرة النبى لابن هشام ١/ ١٣١، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٨٤ لم يذكر قائله.
(٤) أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٨.
[ ١ / ٦٧ ]
وقيل: كانت الحلّة تطوف بالبيت؛ الرجال بالنهار، والنساء بالليل (^١). وأما الحمس فكان (^٢) الصرورة منهم يطوف فى ثيابه (^٢).
وجاءت امرأة منهم يوما-وكان لها جمال وهيبة (^٣) - فطلبت ثيابا عارية فلم تجد من يعيرها، فلم تجد بدا من أن تطوف عريانة؛ فنزعت ثيابها بباب المسجد، ثم دخلت المسجد عريانة فوضعت يدها على فرجها وجعلت تقول:-
اليوم يبدو بعضه أو كلّه … وما بدا منه فلا أحلّه/
فجعل فتيان مكة ينظرون إليها (^٤).
ويقال: إن المرأة منهم إذا طافت عريانة تضع إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها، ثم تنشد البيت المتقدم (^٥).
وقيل: إن بعض نسائهم يتّخذ سيورا فتعلقها فى حقوها (^٦) وتستتر بها.
وصار هذا كله سنّة فيهم، وذلك من صنع إبليس وتزيينه لهم ما يلبّس عليهم من تغيير الحنيفيّة دين إبراهيم.
_________________
(١) وفى الخبر عن ابن عباس: فكانت قبائل من العرب من بنى عامر وغيرهم يطوفون بالبيت عراة؛ الرجال بالنهار والنساء بالليل. (أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٢).
(٢) كذا فى م، هـ. وفى ت «فكانت الصرورة منهم تطوف فى ثيابها».
(٣) كذا فى الأصول. وفى أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٨ «وهيئة».
(٤) المرجع السابق ١:١٧٨.
(٥) أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٢.
(٦) كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق «فى حقوتها».
[ ١ / ٦٨ ]
وجاءت امرأة تطوف عريانة، وكان لها جمال، فرآها رجل فأعجبته، فدخل الطواف فطاف إلى جانبها لأن يمسها (^١)، فأدنى عضده من عضدها فالتزقت عضده بعضدها، فخرجا من المسجد من ناحية بنى سهم هاربين على وجوههما، فزعين لما أصابهما من العقوبة، فلقيهما شيخ من قريش-خارجا من المسجد-فسألهما عن شأنهما، فأخبراه بقصتهما، فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذى أصابهما فيه ما أصابهما، فيدعوان ويخلصان ألاّ يعودا. فرجعا إلى مكانهما فدعوا الله سبحانه وأخلصا لله ألاّ يعودا؛ فافترقت أعضادهما، فذهب كل واحد منهما فى ناحية (^٢).
وكانت الحلة يخرجون إلى عرفات ويرونها موقفا ومنسكا، وكان موقفها بالعشىّ دون الأنصاب، ومن آخر الليل مع الناس بقزح. وكان بعضهم لا يرى الصفا والمروة (^٣)، وبعضهم يراها، وكان الذين يرونها خندف، وكان سائر الحلّة لا يرونها؛ وذلك أنهم قالوا: ما كان أهل الجاهلية ممن يطوف بهما إلا لإساف ونائلة؛ لأن إساف على الصفا ونائلة على المروة.
فلما جاء الله بالإسلام أمر الحمس أن يقفوا مع الحلة بعرفة، وأن يفيضوا من حيث أفاض الناس منها مع الحلة، وأمر الحلة أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وأعلمها الله أنها مشعر؛ فقال ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).
_________________
(١) فى ت، هـ «يمسكها». والمثبت عن م وأخبار مكة للأزرقى ١:١٧٨.
(٢) المرجع السابق ١:١٧٨،١٧٩، والروض الأنف ١:٢٣٢.
(٣) أى: لا يرى وجوب الطواف والسعى بينهما. هامش شفاء الغرام ٢:٤٢.
(٤) سورة البقرة آية ١٥٨.
[ ١ / ٦٩ ]