_________________
(١) وانظر حرب الفجار فى موضعها من هذا الجزء ص ١٠٣،١٠٩.
(٢) وفى الاكتفا ١:٢٠٨ «وزعم ليث بن أبى سليم أنهم وجدوا حجرا فى الكعبة قبل مبعث النبى ﷺ بأربعين سنة-إن كان ما ذكر حقا-مكتوبا فيه من يزرع … الخ. (¬*) وانظر فى مولده ﷺ: سيرة النبى لابن هشام ١:١٠٣، وطبقات ابن سعد ١:١٠٠، وتاريخ الطبرى ٢:١٢٤، ودلائل النبوة ١:٨٤، والاكتفا ١:١٦٧، والوفا بأحوال المصطفى ١:٩٠، وصفة الصفوة ١:٥٢، والكامل لابن الأثير ١: ١٨٥، وعيون الأثر ١:٢٦، وتاريخ الإسلام ٢:٥، والسيرة النبوية لابن كثير ١: ١٨٣، والبداية والنهاية ٢:٢٥٩، والعقد الثمين ١:٢١٨، والإمتاع ١:٣، والخصائص الكبرى ١:٩٩، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٠١، والسيرة الحلبية ١: ٨٦، وتاريخ الخميس ١:١٨٥، وشرح المواهب ١:١٠٦.
[ ١ / ٤٥ ]
قالت آمنة: لما دنت ولادتى أتانى الآتى الذى أتانى فقال:
قولى أعيذه بالواحد الصّمد (^١) من شرّ كلّ حاسد. فكنت أقول ذلك، فذكرت ذلك لنسائى، فقلن لى: علّقى حديدا فى عضديك وفى عنقك. ففعلت، فلم يكن يترك علىّ إلا أياما فأجده قد تقطّع؛ فكنت لا أتعلقه.
وكانت آمنة تحدّث عن نفاسها وتقول: لقد أخذنى ما يأخذ النساء ولم يعلم بى أحد من القوم: ذكر ولا أنثى-وإنى لوحيدة فى المنزل وعبد المطلب فى طوافه فسمعت وجبة (^٢) شديدة وأمرا عظيما؛ فهالنى!! فرأيت كأنّ جناح طير أبيض قد مسح على فؤادى، فذهب عنّى كلّ رعب وكلّ فزع ووجع كنت أجده، ثم التفتّ فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا-وكنت عطشى- فشربتها، فأضاء منى نور عال، ثم رأيت نسوة كالنّخل الطوال كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بى، فبينا أنا أعجب وأقول:
واغوثاه، من أين علم بى هؤلاء؟! واشتدّ بى الأمر وأنا أسمع الوجبة الشديدة فى كل ساعة أعظم وأهول، فإذا أنا بديباج قد مدّ بين السماء والأرض، فإذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس. ورأيت رجالا قد وقفوا فى الهواء بأيديهم أباريق فضّة، وأنا أرشح عرقا كالجمان، أطيب ريحا من المسك الأذفر، وأقول: يا ليت
_________________
(١) وفى الخصائص الكبرى ١:١٠٥ «أعيذه بالواحد من شر كل حاسد».
(٢) وجبة: أى هدة، وهى سقوط شئ وقع مثل الحائط وشبهه. (المعجم الوسيط)
[ ١ / ٤٦ ]
عبد المطلب قد دخل علىّ-وعبد المطلب عنى ناء-فرأيت قطعة من الطّير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطّت حجرتى، مناقيرها من الزّمرّد، وأجنحتها من اليواقيت؛ فكشف الله لى عن بصرى فأبصرت-ساعتى تلك-مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات؛ علما فى المشرق، وعلما فى المغرب، وعلما على ظهر الكعبة. فأخذنى المخاض، واشتد بى الأمر جدا؛ فكنت كأنى مسندة إلى أركان النساء، وكثرن علىّ حتى لا أرى معى فى البيت أحدا، وأنا لا أرى شيئا، وجعلت أنظر إلى النجوم تدنو حتى (^١) إنى لأقول (^١) لتقعنّ على، فوضعت محمدا مختونا مسرورا نظيفا طيّبا مدهونا مقطوع السّرة، مقبوضة أصابع يديه، مشيرا بالسبابة كالمسبّح بها، ووقع على الأرض معتمدا على يديه ساجدا رافعا رأسه إلى السماء-ويقال: إنه وقع جاثيا على ركبتيه ينظر إلى السماء- ثم قبض قبضة من الأرض وأهوى ساجدا، وخرج معه نور أضاء له البيت والدار، وقصور الشام وأسواقها؛ حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى (^٢)، وأضاء ما بين المشرق والمغرب (^٣).
وكان مولده صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الاثنين حين طلع الفجر، فى أول ربيع الأول. وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: فى
_________________
(١) مكانهما بياض فى ت.
(٢) بصرى: مدينة بالشام من أعمال دمشق وهى قصبة كورة حوران لها شهرتها عند العرب قديما وحديثا. (معجم البلدان لياقوت)
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ١:٢٠٦،٢٠٧، والخصائص الكبرى ١:١١٩، وشرح المواهب ١:١١١.
[ ١ / ٤٧ ]
ثالثه. ويقال: لثمان. وقيل: لعشر ليال. ويقال: لاثنتى عشرة ليلة.
وقيل: لسبع عشرة. ويقال: لثمان عشرة خلت منه. ويقال: لثمان بقين منه؛ وقيل: يوم عاشوراء. ويقال: فى صفر. وقيل: فى ربيع الآخر. ويقال: أول اثنين من شهر ربيع الأول غير معيّن-يوم أرسل الله الأبابيل عام الفيل. ويقال: يوم الفيل: وقيل: بعده بثلاثين يوما. ويقال: بأربعين يوما. وقيل: بخمسين يوما. ويقال:
بخمسة وخمسين يوما. وقيل: بثمانية وخمسين يوما. ويقال: بشهرين وستة أيام. وقيل: بعشر سنين. ويقال: باثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر واثنى عشر يوما. وقيل: بثلاثين سنة. ويقال: بأربعين سنة.
وقيل بسبعين. ويقال: لاثنتى عشرة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة الفيل. وقيل: ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة. ويقال: بأربعين سنة (^١).
والراجح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ولد عام الفيل فى الدار التى فى الزّقاق المعروف بزقاق المولد، وكانت بيد عقيل بن أبى طالب؛ وهبها له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم-فيما قبل-فلم تزل فى يده حتى مات، فابتاعها محمد بن يوسف الثقفى (^٢) -أخو الحجاج-من ولده، فبنى داره التى يقال لها دار ابن يوسف،
_________________
(١) وانظر هذه الأقوال مسندة إلى قائليها فى السيرة النبوية لابن كثير ١: ١٩٨ - ٢٠٣، وشرح المواهب ١:١٣٠.
(٢) هو محمد بن يوسف الثقفى، ولى إمارة اليمن، واشتهر بالجور والعداء لبيت على كرم الله وجهه، ومات فى اليمن سنة مائة أو ما قبلها. (الوافى بالوفيات ٥:٢٤٢)
[ ١ / ٤٨ ]
وأدخل ذلك البيت فى الدار حتى أخرجته الخيزران (^١) -حين حجت-فجعلته مسجدا يصلّى فيه. ويقال: ولد بشعب بنى هاشم. وقيل: بالدار التى عند الصفا. ويقال بالرّدم. وأغرب بعضهم فقال: ويقال: بعسفان.
قالت آمنة: فلما وضعت محمدا رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيّب عن وجهى، فسمعت مناديا ينادى يقول: طوفوا بمحمد شرق الأرض وغربها، وأدخلوه البحار كلّها؛ ليعرفوه باسمه وصفته وصورته. ويعلمون أنه سمّى فيها الماحى لا يبقى شئ من الشّرك إلا محى به فى زمننا. ثم تجلّت فى أسرع وقت، فإذا به مدرج فى ثوب صوف أبيض، أشدّ بياضا من اللبن، وتحته حبرة خضراء قد قبض محمد على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرّطب الأبيض، وإذا قائل يقول: قد قبض محمد على مفاتيح النّصر، ومفاتيح الرّيح، ومفاتيح النّبوّة. ثم أقبلت سحابة أعظم من الأولى، ونور؛ يسمع منها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة من كلّ مكان وكلام الرجال، حتى غشيته، فغيب عنى أطول وأكثر من المدة الأولى، فسمعت مناديا ينادى يقول: طوفوا بمحمد الشرق والغرب، وعلى مواليد (^٢) النبييّن، وأعرضوه على كل روحانىّ من
_________________
(١) هى الخيزران بنت عطاء زوجة الخليفة المهدى، وأم الهادى والرشيد، وكانت من ربات السياسة والنفوذ والسلطان، توفيت سنة ١٧٢ هـ وقيل ١٧٣ هـ، فى خلافة ابنها هارون الرشيد. شذرات الذهب ١:٢٨٠، (وأعلام النساء لكحالة ١: ٣٩٥ - ٤٠١)
(٢) كذا فى م، هـ. وفى ت «موالد».
[ ١ / ٤٩ ]
الجن والإنس والطير والسباع، وأعطوه صفاء آدم، ورقّة نوح، وخلة إبراهيم، ولسان إسماعيل، وبشرى (^١) يعقوب، وجمال يوسف، وصوت (^٢) داود، وصبر أيّوب، وزهد يحيى، وكرم عيسى، وأغمروه فى أخلاق الأنبياء. ثم تجلّت عنه فى أسرع من طرفة العين، فإذا به قد قبض على حريرة خضراء مطويّة طيّا شديدا، ينبع من تلك الحريرة ماء معين، وإذا قائل يقول: بخ بخ؛ قبض محمد على الدنيا كلها، لم يبق خلق من أهلها إلا دخل فى قبضته طائعا بإذن الله؛ ولا قوة إلا بالله. فبينما أنا أتعجّب وإذا بثلاثة نفر، ظننت أن الشمس تطلع من خلال وجوههم، فى يد أحدهم إبريق من فضة، وفى ذلك الإبريق ريح المسك، وفى يد الثانى طست من زمرّد أخضر، عليها أربعة نواحى (^٣)، فى كل ناحية من نواحيها لؤلؤة بيضاء، وإذا قائل يقول: هذه الدنيا-شرقها وغربها وبرّها وبحرها- فاقبض يا حبيب الله على أىّ ناحية شئت. قالت: فدرت لأنظر أين قبض من الطست، فإذا هو قد قبض على وسطها، فسمعت قائلا يقول: قبض على الكعبة وربّ الكعبة، أما إنّ الله قد جعلها له قبلة ومسكنا مباركا. ورأيت فى يد الثالث حريرة بيضاء مطويّة طيّا شديدا، فنشرها فأخرج منها خاتما يحار أبصار الناظرين دونه/، ثم
_________________
(١) فى الأصول «صبر يعقوب» والمثبت عن الخصائص الكبرى ١:١٢١، وتاريخ الخميس ١:٢٠٣، وشرح المواهب ١:١١٣، وسترد صفة الصبر فى نفس الخبر منسوبة إلى أيوب.
(٢) كذا فى م، والمراجع السابقة وفى ت، هـ «صفوة».
(٣) كذا بالأصول؛ والخصائص الكبرى ١:١٢٢.
[ ١ / ٥٠ ]
حمل ابنى فناوله [صاحب] (^١) الطست-وأنا أنظر إليه-فغسله بذلك الإبريق سبع مرّات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ختما واحدا، ولفّه فى الحريرة، واستدار عليه خيطا من المسك الأذفر، ثم حمله فأدخله بين أجنحته ساعة، وقال فى أذنه كلاما كثيرا لم أفهمه، وقبّله بين عينيه وقال: أبشر يا محمد، فما بقى لنبىّ علم إلا قد أعطيته؛ فأنت أكثرهم علما، وأشجعهم قلبا، معك مفاتيح النصر، وقد ألبست الخوف والرعب، ولا يسمع أحد بذكرك إلا وجد فى فؤاده وخاف قلبه (^٢) وإن لم يرك يا حبيب الله. ثم رأيت رجلا أقبل نحوه حتى وضع فاه على فيه فجعل يزقّه كما تزقّ الحمامة فرخها، فكنت أنظر إلى ابنى يشير بإصبعه يقول: زدنى زدنى. فزقّه ساعة ثم قال: أبشر يا حبيبى، فما بقى لنبىّ حلم إلا قد أوتيته، ثم احتمله فغيّبه عنى، فجزع فؤادى، وذهل قلبى، فقلت: ويح قريش والويح لها: ماتت كلها، أنا فى ليلتى وفى ولادتى أرى ما أرى، ويصنع بولدى ما يصنع ولا يقربنى أحد من قومى!! إن هذا لهو أعجب العجب. فبينما أنا كذلك وإذا أنا به قد ردّ علىّ كالبدر، وريحه يسطع كالمسك، وهو يقول: خذيه فقد طافوا به الشرق والغرب على مواليد الأنبياء أجمعين، والساعة كان عند أبيه آدم، فضمه إليه وقبله بين عينيه وقال: أبشر يا حبيبى؛ فأنت سيّد الأولين والآخرين.
وناولنيه ومضى، وجعل يلتفت ويقول: أبشر بعزّ الدنيا وشرف
_________________
(١) سقط فى الأصول، والإثبات عن الخصائص الكبرى ١:١٢٣.
(٢) فى الأصول «وخاف عليه». والمثبت عن الخصائص الكبرى ١:١٢٣.
[ ١ / ٥١ ]
الآخرة، فقد استمسكت بالعروة الوثقى، فمن قال بمقالتك وشهد بشهادتك حشر غدا يوم القيامة تحت لوائك وفى زمرتك.
ولمّا أن وضعت آمنة بعثت جاريتها إلى جدّه عبد المطلب فجاءت إليه-وهو جالس فى الحجر معه ولده ورجال من قومه- فأخبرته أن آمنة قد ولدت غلاما، فسرّ بذلك، وقام هو ومن كان معه، فدخل عليها فأخبرته خبره، وحدثته بكل ما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميه. فأخذه عبد المطلب فأدخله على هبل فى جوف الكعبة، وقام عبد المطلب يدعو الله ويشكر له الذى أعطاه إيّاه فقال:-
الحمد لله الذى أعطانى … هذا الغلام الطيّب الأردان
قد ساد فى المهد على الغلمان … أعيذه بالله (^١) ذى الأركان
حتى يكون بلغة الفتيان … حتى أراه بالغ البنيان
أعيذه من كل ذى شنآن … من حاسد مضطرب الجنان
ذى همة ليس له عينان … حتى أراه رافع اللسان
أنت الذى سمّيت فى الفرقان … فى كتب ثابتة المثان (^٢)
أحمد مكتوب على اللسان
ثم دفعه عبد المطلب إلى نسوة يكفئين عليه برمة (^٣) لأنه كان
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الروض الأنف ١:١٨٤، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٣٧ «بالبيت ذى الأركان».
(٢) كذا فى م، والروض الأنف ١:١٨٤، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٠ ٢٠٨. وفى ت، هـ ودلائل النبوية ١:٩٣ «المبانى».
(٣) البرمة: وعاء من الفخار. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ٥٢ ]
من عادة قريش إذا ولد لهم المولود من تحت الليل دفعوه إلى نسوة يكفئن عليه برمة، فلا ينظرن إليه حتى يصبحن، فكفأن عليه برمة ضخمة، فلما أصبحن اشتغلن بأمه، فلما أتين إليه وجدن البرمة قد انفلقت عنه باثنين، ووجدنه مفتوح العينين، شاخصا ببصره إلى السماء، وهو يمصّ إبهامه تشخب لبنا، فتعجّبن من ذلك، فأرسلن إلى جده، فأتاهن، فقلن له: ما رأينا مولودا مثله؛ وجدناه قد انفلقت عنه البرمة، ووجدناه مفتوحا عينيه شاخصا ببصره إلى السماء، فنظر عبد المطلب إلى ذلك فعجب منه، وخطى عنده، وقال! احفظنه فإنى أرجو أن يصيب خيرا، وليكوننّ لابنى هذا شأن-فكان له شأن (^١).
ويقال: إنّ دفع عبد المطلب النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النسوة يكفئن عليه البرمة كان قبل أن يدخله على هبل.
ولمّا ولد النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم سمع هاتف على الحجون يقول:-
فأقسم ما أنثى من الناس أنجبت … ولا ولدت أنثى من الناس واحدة
كما ولدت زهريّة ذات مفخر … مجنّبة لؤم القبائل ماجدة (^٢)
وهتف آخر على جبل أبى قبيس:-
يا ساكنى البطحاء لا تغلطوا … وميّزوا الأمر بعقل مضىّ
_________________
(١) دلائل النبوة ١:٩٣، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢١٠، وسبل الهدى والرشاد ١:٤١٨، وتاريخ الخميس ١:٢٠٤. وفى الأصول اضطراب فى ضمائر النسوة.
(٢) سبل الهدى والرشاد ١:٤٢٦ مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٥٣ ]
أم بنى زهرة من سرّكم … فى غابر الدهر وغمر النّدىّ
واحدة منكم فهاتوا لها … فيمن مضى للناس ومن بقى
واحدة من خيركم مثلها … جنينها مثل النبى التّقىّ (^١)
وبشّرت ثويبة الأسلميّة مولاها أبا لهب بن عبد المطلب بولادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعتقها حين بشّرته بميلاده صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فأثابه الله على ذلك بأن يسقى فى كل ليلة اثنين فى مثل نقرة الإبهام.
وفى ليلة مولد النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم نكّست الأصنام كلها، وأما اللاّت والعزّى فإنهما أخرجا من خزائنهما وهما يقولان: ويح قريش جاءهم الأمين، جاءهم الصديق، لا تعلم قريش ماذا أصابها. وأما البيت فأيّاما سمعوا من جوفه صوتا وهو يقول: الآن يردّ علىّ نورى، الآن يجيئنى زوّارى، الآن أطهّر من أنجاس الجاهلية؛ أيتها العزّى هلكت. ولم تسكن زلزلة البيت ثلاثة أيام.
وهذا أول علامة رأت قريش من مولد النبىّ ﷺ.
وكان بمكة يهودىّ قد سكنها يتّجر بها، فلما كانت الليلة التى ولد، فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال حين أصبح فى مجلس من مجالس قريش: يا معشر قريش هل فيكم من مولود ولد هذه الليلة؟ قال القوم: والله لا نعلمه. قال: الله أكبر أما إذا أخطأكم
_________________
(١) الوفا بأحوال المصطفى ١:٩٦، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٢٧ - مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٥٤ ]
فلا بأس، انظروا واحفظوا يا معشر قريش ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبىّ هذه الأمة الأمين (^١) به شامة بين كتفيه أو منكبيه، سوداء ظفراء فيها شعرات متواترات، كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين؛ وذلك أن عفريتا من الجن أدخل إصبعه فى فمه، فمنعه من الرضاع.
فتفرّق القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه، فلما أن صاروا إلى منازلهم أخبر كلّ إنسان منهم أهله فقالوا: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام، وسموه محمدا، فالتقى القوم فقالوا:
قد سمعتم حديث اليهودى، وقد بلغكم مولد هذا الغلام. فانطلقوا حتى جاءوا اليهودى فى منزله فقالوا: أعلمت أنه ولد فينا مولود؟ فقال: أبعد خبرى أو قبله؟ قالوا: قبله، واسمه أحمد. قال فاذهبوا بنا إليه حتى ننظره. فخرجوا معه حتى دخلوا على آمنة بنت وهب، فقالوا: أخرجى إلينا ابنك. فأخرجته، فكشفوا له عن ظهره. فرأى تلك الشامة، فوقع مغشيّا عليه، فلما أفاق قالوا له: ويلك ما بالك؟! قال: ذهبت والله النّبوّة من بنى إسرائيل، وخرج الكتاب من بين أيديهم، وهذا الذى يقتلهم، ويبتر أحبارهم، فازوا (^٢) العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش (^٣)؟ أما والله ليسطونّ بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب.
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ١:٨٩، والسيرة النبوية لابن كثير ١: ٢١٢، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٠٩، وشرح المواهب ١:١٢٠ «هذه الأمة الأخيرة».
(٢) كذا فى الأصول.
(٣) كذا فى م، هـ. وفى ت «العرب».
[ ١ / ٥٥ ]
وكان فى النّفر يومئذ هشام والوليد ابنا المغيرة، ومسافر بن عمرو، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعتبة بن ربيعة فى نفر من بنى عبد مناف وغيرهم (^١).
ولما كان اليوم السابع من ولادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذبح عبد المطلب كبشا عقّ به عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وسماه محمدا، وجعل مائدة ودعا قريشا، فلما أكلوا قالوا: يا عبد المطلب أرأيت ابنك هذا الذى أكرمتنا على وجهه، ما سميته؟ قال:
سميته محمدا. قالوا: فلم رغبت به عن أسماء أهل بيته؟ قال: أردت أن يحمده الله فى السماء، وخلقه فى الأرض. ولعله لمّا أخبرته آمنة بما رأت، وما قيل لها سمّاه بذلك، أو أن الله ﷿ ألهمه ذلك.
وقيل إنما سماه محمدا لرؤيا رآها: رأى كأن سلسلة خرجت من ظهره لها طرف فى السماء وطرف فى الأرض وطرف فى الشرق وطرف فى الغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كلهم يتعلّقون بها، فقصّها فعبّرت له بمولود يكون من صلبه، يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض؛ ولذلك سماه محمدا. ولم يتسم بهذا الاسم أحد قبله إلى أن ذاع قبل وضعه أنه يبعث فى هذا الأوان نبى اسمه محمد، فسمّى جماعة من العرب أبناءهم بذلك طمعا أن يكون هو (^٢). وقد حمى الله من سمّى
_________________
(١) دلائل النبوة ١:٨٩، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢١٢، وشرح المواهب ١:١٢٠، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٠٩.
(٢) هذا اللفظ من هـ.
[ ١ / ٥٦ ]
بذلك ادّعاء النبوة، أو أن أحدا يدّعيها له. ومن بديع حكمة الله تعالى منعه أن يتسمّى بأحمد أحد سواه، ولا يدعى به مولود قبله؛ لئلا يدخل لبس أو شكّ على ضعيف اليقين.
وختن صلى الله تعالى عليه وسلم يوم سابعه؛ ختنه جدّه.
ويقال: إن جبريل ختنه حين طهّر قلبه. وقيل: إنه ولد مختونا كما سبق (^١).
وأرضعته صلى الله تعالى عليه وسلم أمّه سبعة أيام، ثم أرضعته ثويبة الأسلمية مولاة عمّه أبى لهب بلبن ابنها مسروح- وكانت أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب وبعده أبو سلمة بن عبد الأسد-وأرضعته صلى الله تعالى عليه وسلم حاضنته أم أيمن بركة الحبشيّة. ويقال أرضعته خولة بنت المنذر بن زيد بن أسد بن خداش. ثم التمس له صلى الله تعالى عليه وسلم المراضع، وكان قدم مكة عشر نسوة من بنى سعد بن بكر بن هوازن يلتمسن الرضعاء، منهن أم كبشة حليمة ابنة أبى ذؤيب، ومعها زوجها أبو كبشة الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة، وابنها منه عبد الله ترضعه، وهى على أتان قمراء تدعى سدرة، ومعهم شارف لقاح لا سنّ لها، يقال لها السمراء، لقوح قد مات تبيعها بالأمس، ليس فى ضرعها قطرة لبن، قد يبس من العجف، وكانوا قد أصابتهم سنة شهباء، لم تبق لهم شيئا.
_________________
(١) وانظر الأخبار الواردة فى ذلك والحكم عليها فى السيرة النبوية لابن كثير ١: ٢٠٨ والخصائص الكبرى ١:١٣٣، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٢٠، وتاريخ الخميس ١:٢٠٥ وشرح المواهب ١:١٢٣.
[ ١ / ٥٧ ]
قالت حليمة: وما كنا ننام ليلتنا أجمع مع صبيّنا الذى معنا من بكائه من الجوع؛ ما فى ثديى ما يغنيه، وما بشارفنا ما يغذّيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج؛ فخرجت على أتان لى قمراء فلقد أذمّت (^١) بالركب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة، نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم تركته؛ وذلك أنّا كنا نرجو المعروف فى رضاع من نرضع من أبى المولود، وأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا، فكلنا تركه لذلك، ولم تبق امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى، فلما أجمعن على الانطلاق إلى بلادهن قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم أجد رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ فإنه امتع من أن أرجع بغير رضيع. فقال: لا عليك أن تفعلى؛ عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأتيت أمه فأخذته-وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره-فقالت لى أمه: يا ظئر، سلى عنه، فإنى رأيت كأنه خرج من فرجى شهاب أضاءت له الأرض كلها حتى رأيت قصور الشام؛ فسلى عنه فإنه يكون له شأن، وإنه لم يزل يذكر أنه يخرج من ضئضئ (^٢) عبد المطلب نبىّ، ولقد أتيت فقيل لى: قد حملت بسيّد الأنام، ولقد قيل لى ثلاث ليال: استرضعى
_________________
(١) أذمت الركب: أى حبستهم. ويقال أذمت الدابة: كلت فوقفت وتأخرت. (المعجم الوسيط).
(٢) الضئضئ: الأصل. يقال هو من ضئضئ كريم. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ٥٨ ]
ابنك فى بنى سعد، ثم فى آل أبى ذؤيب. فقالت حليمة: فإن أبا هذا الغلام الذى فى حجرى أبو ذؤيب وهو زوجى.
وطابت نفس حليمة، وسرّت بكل ما سمعت، ثم قالت: والله إنى لأرجو أن يكون مباركا. ولما أن دفع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حليمة شيعها عبد المطلب وهو يقول:-
يا ربّ هذا الركب المسافر … محمدا فاقلب بخير طائر (^١)
وازجره عن طريق الفواجر … واجلبه عند كل جلب فاخر
أحلس ليس قلبه بطاهر … وحيّة تصيد بالهواجر
إنى أراه مكرمى وناصرى
قالت حليمة: فخرجت برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى رحلى فأجد الأتان قد قطعت رسنها فهى تجول فى الدار، وأجد الشارف قائمة تقصع بجرّتها، فقلت لزوجى: إن هذا المولود مبارك. فقال: لقد رأينا بعض بركته.
_________________
(١) لفظ «محمد» ساقط من الأصول والإضافة من الزهر الباسم لوحة ١٣٠ والشعر فيه:- لاهم رب الراكب المسافر محمدا فاقلب بخير طائر وحزه عن طريق الفواجر وحية ترصد بالهواجر واحفظه لى من كل شر طائر من كل شيطان وكل ساحر حتى يكون مكرمى وناصرى وعصبتى أرجوه للمعاشر ثم تؤديه على الأباعر مسلما رب إلى المشاعر كخير حال وارد وصادر ويلاحظ أن الشطر «واجلبه عند كل جلب فاخر» ليست فى مكانها المناسب من السياق بالأصل.
[ ١ / ٥٩ ]
قالت حليمة: وكان ابنى والله لا ينام من الجوع، فلما وضعت رسول الله ﷺ فى حجرى أقبل علىّ ثدياى بما شاء الله من اللّبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك، ثم قام زوجى إلى شارفنا تلك-وكانت والله ما إن تبضّ بقطرة-فلما وقعت يده على ضرعها فإذا هى حافل، فحلب قعبا فسقانى، ثم حلب قعبا آخر فشرب حتى روى، ولمس ضرعها فإذا هى بعد حافل، فحلب قعبا آخر فحقنه فى سقايته، وبتنا بخير ليلة شباعا رواء، فقال صاحبى: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه!! فقلت: والله إنى (^١) لأرجو أن يكون ذلك الخير (^١)، وأخبرنى بخبر الشارف، وأخبرته بخبر ثديىّ وما رأيت منهما، ثم أصبحنا فغدونا، فركبت أتانى وحملت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معى عليها، فجعلت تتقدّم الركب حتى ما يقدر عليها شئ من حمرهم حتى إن صواحبى ليقلن لى: يا ابنة أبى ذؤيب، ويحك اربعى علينا، أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها معنا؟! فأقول: بلى والله إنها لهى. فيقلن: والله إن لأتانك هذه لشأنا.
ويقال، قالت حليمة: فركبت الأتان وركب الحارث الشارف، وحملت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين يدىّ على الأتان-وكان والله ما إن يلحق الحمر ضعفا-فلما أن طلعنا على صواحبنا بوادى
_________________
(١) كذا فى ت. وفى م، هـ «إنى لأرجو ذلك»
[ ١ / ٦٠ ]
السّرر (^١) مرتعات وهما يتواهقان (^٢) فى المسير فقلن: هى حليمة وزوجها، ثم قلن: هذا حمار أنجى (^٣) من حمارتها، وهذا بعير أنجى من بعيرها، وما يقدران على أن يضبطا رءوسهما، حتى نزلت معهنّ، فقلن: يا حليمة ماذا صنعت؟ قلت: أخذت-والله- خير مولود رأيته قط وأعظمه بركة. فقالت النسوة: أهو ابن عبد المطلب؟ قلت: نعم، وأخبرتهنّ بما قالت آمنة فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وما أمرتنى أن أسأل عنه، وما رأت حليمة من إقبال درّها ودرّ لقوحها (^٤) وما رأوا من نجاء الأتان واللّقحة (^٤).
قالت حليمة: فما رجعنا من منزلنا حتى رأيت الحسد فى بعض نسائنا، فمررنا (^٥) بشيخ من هذيل عرّاف كبير، فقالت النسوة: سلى هذا، فجئت إليه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخبرته خبره، وما قالت فيه آمنة، فصاح الهذلىّ: يا آل هذيل اقتلوه اقتلوه، وآلهته ليملكنّ الأرض، وإنه لينتظر من السماء أمرا.
_________________
(١) السرر: بتثليث السين مع فتح الراء: واد على أربعة أميال من مكة، ويقال بالمأزمين من منى، كانت فيه دوحة سرّ تحتها سبعون نبيا أى قطعت سررهم. (معجم البلدان لياقوت)
(٢) يتواهقان: أى يتباريان. وفى الأصول «يتراهقان» والمثبت عن طبقات ابن سعد ١:١١١ والخصائص ١:١٤٤.
(٣) أنجى: أى أسرع. (المعجم الوسيط)
(٤) بياض فى ت. وفى م، هـ «وما راه ابرى الان واللحقه» ولا معنى لها. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٥) كذا فى ت، هـ وفى م «فمررت»
[ ١ / ٦١ ]
فقدمنا منازلنا من بلاد بنى سعد بن بكر-وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها-ولا نتعّرف من الله إلا البركة، فقدمنا على عشرة أعنز ما يرمنّ (^١) البيت هزالا، فإن كنّا لنريح الإبل وإنها لحفّل فنحلب ونشرب، ونحلب شارفنا غبوقا وصباحا، وإنى أنظر إلى الشارف قد نضيت فى سنامها، وأنظر إلى عجز الأتان فكان فيها الأمهار (^٢)، وإن كان عجزها لدابرا مما ينخسها. وكان راعينا ينصرف بأغنامنا شباعا لبّنا حفّلا، وتأتى أغنام قومنا جياعا هالكة ما إن تبضّ بقطرة؛ فنحلب ونشرب ما شئنا من اللبن، وما من الحاضر إنسان يحلب قطرة لبن ولا يجدها فى ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقول لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى ابنة أبى ذؤيب-ويقال: ابلغوا حيث تبلغ غنم حليمة-فيسرحون فى الشّعب الذى يسرح فيه. فتروح أغنامهم جياعا ما تبضّ بقطرة لبن كما كانت تأتى قبل ذلك، وتروح غنمى شباعا لبّنا حفّلا بطانا. قالت حليمة: ولم نزل نتعرّف من الله الزيادة فى الخير.
قال بعض من كان يرعى غنم حليمة: إنهم كانوا يرون غنم حليمة ما ترفع برءوسها، ويرى الخضر فى أفواهها وأبعارها، وما تزيد غنمهم على أن تربض ما تجد عودا تأكله؛ فتروح الغنم أهون منها حين غدت، وتروح غنم حليمة يخاف عليها الحبط (^٣).
_________________
(١) يرمن البيت: أى ما يبرحن البيت وما يفارقنه. (المعجم الوسيط)
(٢) الأمهار جمع مهرة: وهى غضاريف الضلوع التى توصل الضلوع مع الفص. (المعجم الوسيط)
(٣) الحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل، أو من أكل ما لا يوافق الدابة. (المعجم الوسيط)
[ ١ / ٦٢ ]
قالت حليمة: ولقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مسّ ضرع شاة لنا يقال لها أطلال فما نطلب منها ساعة من الساعات إلا حلبت عبوقا وصباحا، وما على الأرض شئ تأكله دابّة.