عبد الله بن عبد المطلب والدته آمنة بنت وهب.
كان جدّه صلّى الله تعالى عليه وسلم عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان القرشىّ الهاشمى خرج إلى اليمن فى رحلة فلقيه رجل من يهود، فقال: يا عبد المطلب هل لك أن تأذن لى أن أنظر إلى شيئين منك؟ قال: نعم، ما لم تكن عورتى. قال: لست أريد عورتك، إنما أريد أنفك ويديك.
فبسط يديه ونظر فيها فقال: أرى فى إحدى يديك وفى أنفك نبوّة، ولا يتمّ ذلك إلاّ ببنى زهرة، يا عبد المطلب، هل لك من شاعة؟ -والشاعة: الزوجة-قال: لا. قال: يا عبد المطلب
_________________
(١) فى م «وسميت ذلك الإصابة بتعريف الصحابة وأم القرى» وهو خطأ من الناسخ.
(٢) فى م «سبب تزويج».
[ ١ / ٦ ]
تزوّج فى بنى زهرة. فرجع فتزوّج هالة بنت وهب (^١)، وزوّج ابنه عبد الله أبا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم آمنة بنت وهب، فرجح عبد الله على عبد المطلب.
وكان عبد المطلب قد نذر حين لقى من قريش ما لقى: لئن ولد له عشرة نفر ثم عاشوا حتى يمنعوه لينحرنّ أحدهم لله ﷿ عند الكعبة. فلمّا تمّوا عشرة، وهم: الحارث، والزّبير، وحجل، وضرار، والمقوّم، والعبّاس، وأبو لهب، وحمزة، وأبو طالب، وعبد الله؛ وعلم أنّهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذى نذر، ودعاهم إلى الوفاء لله تعالى بذلك، فأطاعوا له، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كلّ رجل منكم قدحا فيكتب فيه اسمه ثم أتونى به. ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل-وكان أعظم أصنامهم-وقال لقيّم الصّنم: اضرب بقداح هؤلاء، وكان عبد الله بن عبد المطلب-أبو النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم-أصغر ولد أبيه، وكان أحبّ ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى لا يخرج القدح على عبد الله. ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشّفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة؛ الوثنين اللّذين تنحر قريش عندهما ذبائحهم. ليذبحه بها، فقام إليه قريش من أنديتها وقالوا: ما تريد أن تصنع يا عبد المطلب؟! قال: أذبحه-
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى تاريخ الطبرى ٢:١٧٦، والبداية والنهاية ٢: ٢٥١، وسبل الهدى والرشاد ١:٣٨٩ «هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة».
[ ١ / ٧ ]
ويقال إن العباس بن عبد المطلب اجترّه من تحت رجل أبيه حتى خدش وجه عبد الله خدشا لم يزل فى وجهه حتى مات-فقالت قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا ونحن أحياء حتى تعذر فيه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل (^١) منّا يأتى بابنه (^١) حتى يذبحه، فما بقاء الناس على ذلك! وقال المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم-وكان عبد الله بن عبد المطلب ابن أخت القوم-: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداء فديناه بأموالنا. فقالت له قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلق إلى الحجاز فإن به عرّافة يقال لها سجاح، لها تابع فسلها، ثم أنت على رأس أمرك. فقال: نعم. فانطلقوا حتى جاءوها وهى-فيما يزعمون-بخيبر، فسألوها فقالت: ارجعوا عنّى اليوم حتى يأتينى تابعى فأسأله. فخرج عبد المطلب يدعوا لله تعالى، ثم غدوا عليها فقالت: نعم قد جاءنى تابعى بالخبر؛ فكم الدّية فيكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل-وكانت كذلك-قالت:
فارجعوا إلى بلادكم فقدّموا صاحبكم وقدّموا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربّكم، فإذا خرجت القداح على الإبل فقد رضى ربّكم فانحروها ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكّة، فلما أجمعوا على ذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم
_________________
(١) فى الأصول «لا يزال رجل منا يأتى ابنه» والمثبت من سيرة النبى لابن هشام ١:٩٩، والكامل لابن الأثير ٢:٣.
[ ١ / ٨ ]
قرّبوا عبد الله وعشرا من الإبل، فخرجت على عبد الله، فلم يزالوا على هذا إلى أن جعلوها مائة، فخرج القدح على الإبل؛ فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضاء ربّك، وخلص لك ابنك/.
فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليه وعليها ثلاث مرّات.
فضربوا فخرج القدح على الإبل فى المرّات الثلاث، فنحرت ثم تركت لا يصّدّ عنها إنسان ولا سبع، ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله، فمرّ به على امرأة من بنى أسد يقال لها أم قتّال بنت نوفل ابن أسد بن عبد العزّى (^١)، وهى أخت ورقة بن نوفل-وهى عند الكعبة-فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ فقال: مع أبى. قالت: لك عندى مثل الإبل التى نحرت عنك وقع علىّ الآن. فقال لها: إنى مع أبى الآن لا أستطيع خلافه ولا فراقه، ولا أريد أن أعصيه شيئا. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة-وهو يومئذ سيّد بنى زهرة نسبا وشرفا-فزوّجه ابنته آمنة، وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا، فدخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها، فحملت بنبيّنا محمد ﷺ، ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التى كانت عرضت عليه نفسها-وهى فى مجلسها-فجلس إليها فقال لها:
ما لك لا تعرضين علىّ اليوم ما كنت عرضته علىّ بالأمس-أو مثل ما عرضت على بالأمس-؟ فقالت له: فارقك النور الذى كان
_________________
(١) وانظر الخلاف حول اسم هذه المرأة ونسبها فى طبقات ابن سعد ١:٨١ وتاريخ الخميس ١:١٨٤.
[ ١ / ٩ ]
معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة. وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل-وكان قد تنصّر واتّبع الكتب-إنه لكائن فى هذه الأمة نبىّ من بنى إسماعيل. فقالت فى ذلك شعرا:
الآن قد ضيّعت ما كنت قادرا … عليه وفارقك النور الذى كان حابكا
غدوت علىّ حافلا قد بذلته … هناك لغيرى فالحقنّ بشانكا
ولا (^١) تحسبنىّ اليوم خلوا وليتنى … أصبت حبيبا منك يا عبد داركا
ولكنّ ذاكم صار فى آل زهرة … به يدعم الله البريّة ناسكا
وقالت أيضا:
عليك بآل زهرة حيث كانوا … وآمنة التى حملت غلاما
ترى المهدىّ حين نزا عليها (^٢) … ونورا قد تقدّمه إماما (^٣)
وذكرت أبياتا وقالت فيها:
فكلّ الخلق يرجوه جميعا … يسود الناس مهتديا إماما
براه الله من نور صفاه … فأذهب نوره عنّا الظلاما/
وذلك صنع ربّك إذ حباه … إذا ما سار يوما أو أقاما
فيهدى أهل مكة بعد كفر … ويفرض بعد ذلكم القياما (^٤)
ويقال إن المرأة التى عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب هى فاطمة بنت مرّ الخثعميّة، وذلك أنّ عبد المطلب خرج
_________________
(١) فى م «فلا تحسبنى».
(٢) فى ت «عليه».
(٣) وانظر السيرة النبوية لابن كثير ١:٧٧.
(٤) كذا فى ت. وفى م والسيرة النبوية لابن كثير ١:١٧٨ «الصياما». وفى هـ «القساما».
[ ١ / ١٠ ]
بابنه عبد الله ليزوجه، فمرّ به على كاهنة من أهل تبالة (^١) متهوّدة قد قرأت أكثر الكتب، يقال لها فاطمة بنت مرّ الخثعميّة، وكانت من أجمل الناس وأعفّهم (^٢)، وكانت قد قرأت الكتب، وكان شباب قريش يتحدثون إليها، فرأت نور النّبوّة فى وجه عبد الله، فقالت له:
يافتى، من أنت؟ فأخبرها، قالت فهل لك أن تقع علىّ الآن وأعطيك مائة من الإبل؟ فنظر إليها وقال:-
أما الحرام فالممات دونه … والحلّ لا حلّ فاستبينه
فكيف بالأمر الذى تبغينه (^٣)
ثم مضى مع أبيه فزوّجه آمنة بنت وهب، فأقام عندها ثلاثا، ثم ذكر الخثعميّة وجمالها وما عرضت عليه، فأتاها فلم ير من الإقبال عليه ما رأى منها أولا، فقال: هل لك فيما قلت لى؟ فقالت: قد كان ذلك مرّة واليوم لا. فذهبت مثلا، قالت: أىّ شئ صنعت بعدى؟ قال زوّجنى أبى آمنة بنت وهب. فقالت: إنى والله لست بصاحبة ريبة ولكنى رأيت نور النبوة فى وجهك، فأردت أن يكون ذلك لى، وأبى الله إلاّ أن يجعله خيث أحبّ.
_________________
(١) تبالة: بلدة مشهورة من أرض تهامة فى طريق اليمن بينها وبين مكة اثنان وخمسون فرسخا، وبينها وبين الطائف ستة أيام، وبينها وبين بيشة يوم واحد، أسلم أهلها بدون حرب، وفتحت فى سنة عشر من الهجرة. (معجم البلدان لياقوت) وهى باقية باسمها إلى يومنا هذا، وهى واد مجاور لوادى بيشة على شاطئ. بيشة الشمالى، ويصب سيلها فى أسفل وادى بيشة. (صحيح الأخبار ١:٦٧).
(٢) كذا فى ت، هـ. وفى م «من أجمل النساء وأعفها ما عفها».
(٣) أضاف الروض الأنف ٢:١٤١، والكامل لابن الأثير ٢:٤، والبداية والنهاية ٢:٢٥٠، وتاريخ الخميس ١:١٨٤ «يحمى الكريم عرضه ودينه».
[ ١ / ١١ ]
وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد الله بن عبد المطلب وتأبّيه عليها فذكروا ذلك، فأنشأت تقول:
إنى رأيت مخيلة لمعت … فتلألأت بحناتم (^١) القطر
فلمأتها (^٢) نورا يضئ به … ما حوله كإضاءة الفجر
فرجوتها فخرا أبوء به … ما كلّ قادح زنده يورى
لله ما زهريّة سلبت … منك الذى استلبت وما تدرى (^٣)
وقالت أيضا:
بنى هاشم قد غادرت من أخي … كم أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح عند خموده … فتائل قد ميهت (^٤) له بدهان
وما كل ما يحوى الفتى من تلاده … لحزم ولا ما فاته لتوان/
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه … سيكفيكه جدّان يصطرعان
فلما قضت منه أمينة ما قضت … نبا بصرى عنه وكلّ لسانى (^٥)
وقيل أن عبد الله بن عبد المطلب حين مرّ بالخثعميّة كان متزوّجا بأمنة بنت وهب؛ وذلك أن عبد الله كان فى بناء له، فأقبل
_________________
(١) الحناتم: السحائب السود. (المعجم الوسيط)
(٢) فلمأتها: لمحتها ونظرتها. (هامش السيرة النبوية لابن كثير ١:١٧٩)
(٣) وانظر تاريخ الطبرى ٢:١٧٥، والسيرة النبوية لابن كثير ١:١٧٩، والكامل لابن الأثير ٢:٤ مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
(٤) فى ت «صبت» وفى م «ميثت» والمثبت عن هـ وتاريخ الطبرى ٢: ١٧٦.
(٥) وانظر تاريخ الطبرى ٢:١٧٦، والكامل لابن الأثير ٢:٤ والبداية والنهاية ٢:٢٥٠،٢٥١.
[ ١ / ١٢ ]
وعليه أثر الطّين والغبار، فمرّ بامرأة من خثعم (^١)، فلما رأته ورأت ما بين عينيه دعته إلى نفسها وقالت له: إن وقعت بى الآن (^٢) فلك مائة من الإبل. فقال لها: أغسل (^٣) عنى هذا الطين الذى علىّ وأرجع إليك. فدخل على آمنة بنت وهب فواقعها، فحملت برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الطّيّب المبارك، ثم رجع إلى الخثعميّة فقال لها: هل لك فيما قلت؟ فقالت: لا. قال: ولم؟ قالت: إنك مررت بى وبين عينيك نور ثم رجعت إلىّ وقد انتزعته (^٤) آمنة بنت وهب منك (^٥).
ويقال: إن المرأة الخثعميّة كانت تعرض نفسها فى موسم من المواسم، وكانت ذات جمال، وكانت معها أدم (^٦) تطوف بها كأنها (^٧) تبيعها، فأتت على عبد الله بن عبد المطلب، فلما رأته أعجبها فقالت: والله إنى ما أطوف لبيع الأدم ومالى إلى ثمنها من حاجة، ولكن أتوسّم الرّجال أنظر هل أجد كفئا، فإن كان لك حاجة فقم. فقال لها: مكانك حتى أرجع إليك.
_________________
(١) كذا فى م، هـ وفى ت «بامرأة خثعمية».
(٢) هذا اللفظ من ت.
(٣) فى م «حتى أغسل».
(٤) فى ت «نزعته».
(٥) السيرة الحلبية ١:٦٤.
(٦) الأدم: جمع إدام: وهو ما يستمرأ به الخبز، وجمع أديم: وهو الجلد أو الطعام المأدوم. (القاموس المحيط)
(٧) فى الأصول «كأنه تبيعه».
[ ١ / ١٣ ]
فانطلق إلى أهله فبدا له فواقع أهله، فحملت بالنبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما رجع إليها قال: ألا أراك هاهنا! قالت: ومن أنت؟ قال أنا الذى وعدتك. قالت: لا ما أنت هو. ولئن كنت ذاك لقد رأيت فى وجهك وبين عينيك نورا ما أراه الآن.
وقيل: إن المرأة التى مر بها عبد الله بن عبد المطلب هى ليلى العدويّة؛ وذلك أن عبد الله خرج ذات يوم متخصرا (^١) مترجلا حتى جلس فى البطحاء، فنظرت إليه ليلى العدويّة فدعته إلى نفسها، فقال عبد الله: أرجع إليك. ودخل على آمنة بنت وهب فواقعها وخرج، فلما رأته ليلى قالت: ما فعلت؟ فقال: قد رجعت إليك.
قالت: لقد دخلت بنور ما خرجت به، ولئن كنت لممت بآمنة بنت وهب لتلدنّ ملكا.
ويقال إنّ المرأة التى مرّ بها عبد الله بن عبد المطلب هى امرأة له أخرى كانت مع آمنة بنت وهب؛ فمرّ بامرأته تلك وقد أصابه أثر من طين عمل به، فدعاها إلى نفسه، فابطأت عليه لما رأت من أثر الطين، فدخل فغسل أثر الطين ثم دخل عامدا إلى آمنة بنت وهب، ثم دعته صاحبته التى كان أرادها إلى نفسه فأبى للذى صنعت به أوّل مرّة، فدخل على آمنة فأصابها. ثم خرج فدعاها إلى نفسه فقالت: لا حاجة لى بك؛ مررت وبين عينيك غرّة فرجوت أنى أصبتها (^٢) منك، فلما دخلت على آمنة ذهبت بها منك.
_________________
(١) متخصرا: أى وضع رداءه أو يده على خصره، أو متكئا على المخصرة: وهى العصا التى يتوكأ عليها. (القاموس المحيط)
(٢) كذا فى ت، م. وفى هـ «أصيبها».
[ ١ / ١٤ ]