فيها كان عامل مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعى، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفى (^٢).
وفيها حجّ بالناس عمر بن الخطاب ﵁، فسأل عن أويس القرنى كما كان يسأل، وصعد إلى أبى قبيس فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أويس من مراد؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية من قرن (^٣) فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لى يقال له أويس، فأنا عمه، وهو حقير بين أظهرنا خامل الذكر، وأقل مالا، وأوهن أمرا من أن يرفع إليك ذكره. فسكت سيدنا عمر ﵁، وظن أنه ليس هو أويس الذى يريده، وقيل إنه إنما سكت؛ عمّى عليه كأنه لا يريده، ثم قال: يا شيخ وأين ابن أخيك هذا الذى تزعم؟ أهو معنا بالحرم؟ قال الشيخ:
نعم يا أمير المؤمنين هو معنا فى الحرم، غير أنه فى أراك عرفة يرعى
_________________
(١) وانظر المرجعين السابقين.
(٢) تاريخ الطبرى ٥:٤٢، والكامل لابن الأثير ٣:٣٢.
(٣) قرن: قبيلة يمنبة. (معجم البلدان لياقوت)
[ ٢ / ١٣ ]
إبلا لنا. فركب عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب ﵄ على حمارين لهما، وخرجا من مكة، وأسرعا السير إلى أراك عرفة، ثم جعلا يتخللان الشجر ويطلبانه، فإذا هما به فى طمرّين من صوف أبيض، قد صف قدميه يصلى إلى الشجرة، وقد رمى ببصره إلى موضع سجوده، وألقى يديه على صدره، والإبل حوله ترعى. قال عمر لعلى ﵄: يا أبا الحسن، إن كان فى الدنيا أويس القرنى فهذا هو، وهذه صفته. ثم نزلا عن حماريهما [وشدّا بهما] (^١) إلى أراكة، ثم أقبلا إليه يريدانه.
فلما سمع أويس حسّهما أوجز فى صلاته، ثم تشهّد وسلم.
وتقدما إليه فقالا له: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال أويس:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال عمر: من الرجل؟ قال:
راعى إبل وأجير للقوم. فقال عمر ﵁: ليس عن الرعاية أسألك، ولا عن الإجارة، إنما أسألك عن اسمك، فمن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا عبد الله وابن أمته. فقالا: قد علمنا أن كل من فى السموات والأرض عبيد الله، وإنّا نقسم عليك بحقّ الحرم والمسجد المعظم إلا أخبرتنا باسمك الذى سمّتك به أمك. قال: يا هذان ما تريدان إلىّ؟ أنا أويس بن عبد الله. فقال عمر ﵁: الله أكبر، نحب أن توضح لنا عن شقّك الأيسر. قال: وما حاجتكما إلى ذلك؟ فقال له على ﵁: إن رسول الله ﷺ وصفك لنا،
_________________
(١) إضافة عن حلية الأولياء ٢:٨٢.
[ ٢ / ١٤ ]
وقد وجدنا الصفة كما خبرنا، غير أنه أعلمنا أن بشقك الأيسر لمعة بيضاء كمقدار الدينار أو الدرهم، ونحن نحبّ أن ننظر إلى ذلك.
فأوضح لهما ذلك عن شقه الأيسر، فلما نظر علىّ وعمر إلى اللمعة البيضاء ابتدرا أيهما يقبل قبل صاحبه، وقالا: نشهد أنك أويس القرنى. ثم بكيا طويلا، وقالا: يا أويس إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نقرئك منه السلام، وأمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا، فإن رأيت أن تستغفر لنا-يرحمك الله-فقد خبّرنا بأنك سيّد التابعين، وأنك تشفع يوم القيامة فى عدد ربيعة ومضر. فبكى أويس بكاء شديدا ثم قال: عسى أن يكون ذلك غيرى. فقال علىّ: إنّا قد تيقنا أنك هو-لا شك فى ذلك-فادع الله لنا- رحمك الله-بدعوة وأنت محسن. فقال أويس: ما أخصّ باستغفار نفسىّ ولا أحدا من ولد آدم، ولكنه فى البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات فى ظلم الليل وضياء النهار، ولكن من أنتما يرحكما الله؟ فإنى قد خبرتكما وشهرت لكما أمرى، ولم أحبّ أن يعلم بمكانى أحد من الناس. فقال على:
أما هذا فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأما أنا فعلىّ بن أبى طالب. فوثب أويس فرحا مستبشرا فعانقهما وسلم عليهما ورحّب بهما، وقال: جزا كما الله عن هذه الأمة خيرا. قالا: وأنت جزاك الله عن نفسك خيرا. ثم قال أويس: ومثلى يستغفر لأمثالكما؟ فقالا: نعم، إنا قد احتجنا إلى ذلك منك، فخصّنا-رحمك الله -منك با حتى نؤمّن على دعائك. فرفع أويس رأسه وقال:
[ ٢ / ١٥ ]
اللهم إنّ هذين يذكران أنهما يحبانى فيك. وقد رأونى فاغفر لهما، وأدخلهما فى شفاعة نبيهما محمد ﷺ. فقال له عمر ﵁:
مكانك-رحمك الله-حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائى، وفضل كسوة من ثيابى؛ فإنى أراك رثّ الحال، هذا المكان الميعاد بينى وبينك غدا. فقال: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بينى وبينك، ولا أعرفك بعد اليوم ولا تعرفنى، ما أصنع بالنفقة؟ وما أصنع بالكسوة؟ أما ترى على إزارا من صوف، ورداء من صوف؟ متى أرانى أخلقهما؟ أما ترى نعلى مخصوفتين، متى ترانى أبليهما؟ ومعى أربعة دراهم أخذتها من رعايتى، متى ترانى آكلها؟ يا أمير المؤمنين إن بين يدىّ عقبة لا يقطعها إلا كل مخف مهزول، فأخفّ-يرحمك الله-يا أبا حفص؛ إن الدنيا غرارة غدارة، زائلة فانية، فمن أمسى وهمته فيها اليوم مدّ عنقه إلى غد، ومن مدّ عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجمعة، ومن أعلق قلبه بالجمعة لم ييأس من الشهر، ويوشك أن يطلب السنة، وأجله أقرب إليه من أمله، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غدا من مجاورة الجبار، وجرت من تحت منازله الثمار. فلما سمع عمر ﵁ كلامه ضرب بدرته (^١) الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، ليتها عاقرا لم تعالج حملها. [ألا من يأخذها بما فيها ولها؟ ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت ها هنا حتى آخذ] (^٢) أنا ها هنا. ومضى أويس يسوق الإبل بين يديه، وعمر وعلى ﵄ ينظران إليه حتى غاب فلم يروه، وولى عمر وعلىّ ﵄ نحو مكة.
_________________
(١) فى الأصول «بيده» والمثبت عن حلية الأولياء ٢:٨٣.
(٢) سقط فى الأصول والمثبت عن المرجع السابق.
[ ٢ / ١٦ ]
ولما صدر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من منى أناخ بالأبطح. ثم كوّم كومة من البطحاء، ثم ألقى عليها طرف ثوبه فاستلقى، ومدّ يده إلى السماء فقال: اللهم ضعفت قوتى، وكبر سنّى، ورقّ عظمى، وانتشرت رعيّتى؛ فاقبضنى إليك غير مضيّع ولا مفرّط ولا مفتون.
ثم رجع إلى المدينة، فما انسلخ ذو الحجّة، حتى قتل ﵁ (^١)، وبويع عثمان بن عفان ﵁.
وفيها أذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لأزواج النبى ﷺ فحججن (^٢)، فلما ارتحل عمر من المحصّب من آخر الليل أقبل رجل يشير فقال: قالت عائشة ﵂ [: سمعت رجلا على راحلته يقول] (^٣) -وأنا أسمع-:
أين كان عمر أمير المؤمنين نزل؟ قالت: فقال له قائل/-وأنا أسمع-: هذا كان منزله، وأناخ فى منزل عمر ﵁، ثم رفع عقيرته يتغنى فقال فى ذلك:
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٣:٣٣٤ - ٣٤٢، وتاريخ الطبرى ٥:٣٣ - ٣٨، والكامل لابن الأثير ٣:٢٠ - ٢٢، وصفة الصفوة ١:٢٨٧ - ٢٩٢، والبداية والنهاية ٧:١٣٧، والمختصر فى أخبار البشر ١:١٦٤،١٦٥، وتاريخ الخلفاء ١٣١ - ١٣٤، وتاريخ الخميس ٢:٢٤٨ - ٢٥٠.
(٢) الاستيعاب ٣:١١٥٨، والبداية والنهاية ٧:١٣٨، والنجوم الزاهرة ١:٧٧، والذهب المسبوك ١٧.
(٣) إضافة عن طبقات ابن سعد ٣:٣٣٣، وتاريخ الخلفاء ١٤٤.
[ ٢ / ١٧ ]
عليك سلام من أمير وباركت … يد الله فى ذاك الأديم الممزّق
فمن يسع أو يركب جناحى نعامة … ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بوائق (^١) فى أكمامها لم تفتّق
قالت عائشة ﵂: فلما سمعت ذلك قلت لبعض أهلى اعلموا علم الرجل. فانطلقوا إليه يسألونه فلم يجدوه فى مناخه؛ فو الله أنى لأحسبه من الجنّ، حتى إذا قتل عمر ﵁ نحل الناس هذه الأبيات جماع بن ضرار أو شماخ بن ضرار (^٢).
***