يقول النجم عمر بن فهد فى مقدمته لهذا الكتاب: وقد ألف شيخنا السيد الشريف الإمام العلامة الحافظ المؤرخ قاضى المسلمين تقى الدين أبو الطيب محمد بن شيخنا الإمام العلامة أقضى القضاة شهاب الدين أبى العباس أحمد بن على بن أبى عبد الله الحسنى الفاسى المكى المالكى-أثابه الله الثواب الجزيل، وكان له بكل خير كفيل-لأخبار بلده مكة المشرفة عدّة مؤلفات؛ منها: شفاء الغرام بأخبار بلد الله الحرام، ومختصراته الستة، وكتاب العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين ومختصراته الثلاثة، وذكر أثناء كتبه المذكورة حوادث وأخبارا اتفقت بمكة المشرفة وأعمالها، فى الجاهلية والإسلام؛ أحببت أن أفرد ذلك مرتبا على السنين، مبتدئا من مولد النبى ﷺ، وألحق به كثيرا مما لم يذكره، وأذكر فى كل سنة من مات بها من الأعيان من أهلها وغيرهم، وكثيرا ممن مات من أهلها بغيرها.
وقد تبين لى من معايشتى للكتاب أنه اعتمد فى تاليفه على كل من سبقه من المؤرخين سواء فى كتب السيرة النبوية أو كتب التاريخ العام، وهى كثيرة يمكن تبينها من التعليقات التى أثبتناها فى الهوامش توثيقا لنقول ابن فهد، وحقا فقد كان صادق اللهجة أمينا فى النقل، ولا شك أنه بذل جهودا مضنية فى جمع معلوماته، وتتبع روياته، وإسنادها إلى أهلها، وترتيب إيرادها ضمن سياقه. وهو يؤرخ
[ مقدمة 1 / ١٧ ]
للأحداث فى سنة وقوعها منتقلا من سنة إلى سنة، لا يخرج عن أحداث مكة إلا فيما له صلة بها. مع الاهتمام ببيت الله الحرام وكل ما يحدث بشأنه منذ واقعة الفيل حتى سنة ٨٨٥ هـ. وكل ما يتجدد فى المسجد الحرام، وما يطرأ على مكة من سلم أو حرب، وغلاء أو رخص، وما ينزل بها من أمطار وسيول، وما يعتورها من أوبئة وأمراض، ومن يموت بها من الأعيان، وما يقع فيها من الحوادث، ويتابع مواسم الحج. وأحوال ضيوف الرحمن، وما يلقونه فى الطريق من أمن وسلامة، أو نهب وإهانة. ويصف حجّ الخلفاء والسلاطين والملوك وعلية القوم من علماء وصلحاء وأثرياء، ويتابع ذكر أمراء مكة وقضاتها وأئمتها وما يجرى منهم وعليهم.
وبالجملة فهو يقدم صورة واضحة عن مكة المكرمة وأعمالها من النواحى السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعمرانية، والاقتصادية، على رقعة واسعة جدا من التاريخ. ولعل ابن فهد هو المؤرخ الوحيد الذى أرخ لمكة فى الحقبة التى تقع بين سنتى ٨٣٠،٨٨٥ من الهجرة النبوية؛ فلم نعثر بعد على كتاب يتناول هذه الحقبة، اللهم إلا ما كتبه أبو البقاء محمد بن أحمد بن الضياء القرشى المكى المتوفى سنة ٨٥٤ هـ ضمن مخطوطته عن تاريخ مكة والمسجد الحرام والقبر الشريف؛ مغ ضيق فى المساحة الزمنية من الحقبة التى تناولها ابن فهد، وضيق فى المساحة العلمية التى أوردها إذا قورنت بما أورده ابن فهد.
[ مقدمة 1 / ١٨ ]
ومن هنا تأتى قيمة كتاب إتحاف الورى بأخبار أم القرى، لعمدة المؤرخين لما بعد زمن التقى الفاسى (¬*).
***
ومن معالم منهجنا فى تحقيق هذا الكتاب: أننا تتبعنا ما ورد به فوثقناه جزئية جزئية مستهدين بالمراجع الواردة ضمن الفهارس، وما فاتنا من التوثيق فهو النذر اليسير.
وأننا اعتمدنا فى تحقيق الجزء الأول على مصورات لثلاث نسخ مخطوطة هى:-
١ - مصورة عن نسخة تيمور المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٢٠٤ تاريخ تيمور، وقد رمزنا إليها بالحرف «ت».
٢ - مصورة عن نسخة الحرم المكى الشريف بخط أحمد بن مصطفى كتبجى، وقد رمزنا إليها بالحرف «م»
٣ - مصورة عن نسخة هندية محفوظة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد رمزنا إليها بالحرف «هـ»
وأننا وقفنا بالتحقيق عند نهاية أخبار سنة ثلاثين وثمانمائة.
_________________
(١) = *) مراجع التقديم: الضوء اللامع للسخاوى ٦:١٢٦ - ١٣١، والبدر الطالع للشوكانى ١:٥١٢ - ٥١٣. وبلوغ القرى للعز بن فهد، وبنو فهد مؤرخو مكة المكرمة للدكتور ناصر بن سعد الرشيد.
[ مقدمة 1 / ١٩ ]
أما بقية الكتاب فموضوع رسالة لنيل درجة الدكتوراه فى التاريخ الإسلامى، يعدها المحاضر عبد الكريم على الباز.
***
وأخيرا فإذا كان آل فهد: النجم عمر، والعز عبد العزيز، وجار الله محمد قد أرخوا لمكة المكرمة وعلمائها وأعيانها وأمرائها وأوديتها وبلدانها، فما أحرى بجامعة أم القرى أن تنهض بجمع تراث آل فهد، وأن تضعه بين يدى المحققين توطئه لنشر مكتبة تاريخية عن مكة المكرمة.
والله ولى التوفيق وهو نعم المولى ونعم النصير
فهيم محمد شلتوت
مكة المكرمة
فى ٣ من ربيع الثانى سنة ١٤٠٣ (١٧ من يناير سنة ١٩٨٣)