ومؤلف الكتاب هو محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن فهد القرشى الهاشمى المكى، وقد اشتهر بعمر، وترجمته كتب التراجم ضمن من اسمه عمر.
[ مقدمة 1 / ٨ ]
ولد بمكة المكرمة فى ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة سنة اثنتى عشرة وثمانمائة من الهجرة النبوية، ونشأ بها كما ينشأ أبناء العلماء؛ فحفظ القرآن الكريم، وكتابا فى الحديث ألفه له والده، ثم اتجه إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل فأخذ يحفظ كتابا فيه، وقبل أن يتمه حفظا حوله أبوه إلى فقه الإمام الشافعى؛ فأقبل على دراسته، واشتغل بكتبه، وإلى جانب ذلك أقبل على حفظ أصول كتب النحو ومتونه؛ كل ذلك على جلة الشيوخ بمكة المكرمة المقيمين بها والوافدين إليها.
ومما لا شك فيه أنه سمع من الوافدين إلى مكة المكرمة عن مجالس العلم وشيوخه المبرزين فى فنونه المختلفة فى مصر والشام وغيرهما، فتطلعت نفسه إلى حضور تلك المجالس ولقاء هؤلاء الشيوخ ومدارستهم والأخذ عنهم. فلما أنس من نفسه إلحاح الرغبة على الاستزادة من العلم والمعرفة، والقدرة على الارتحال إلى حيث يقيم العلماء الذين طبقت سمعتهم آفاق العالم الإسلامى والعربى منه على وجه الخصوص بدأ أول رحلاته العلمية؛ فخرج إلى مصر فى أخريات سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، ودخل القاهرة فى الرابع والعشرين من المحرم من سنة ست وثلاثين، والتقى بشيوخها وعلمائها، فسمع منهم وحضر عليهم وأخذ عنهم، ولازم شيخ الإسلام الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر، فتدرب به فى التدريس والفتوى، وأخذ عنه ما شاء، ثم خرج إلى الشام فى رمضان من نفس السنة مارا بغزة والخليل والقدس الشريف والرملة وأخذ فيها عن جلة شيوخها
[ مقدمة 1 / ٩ ]
ونزل الشام وطوف ببلاده حتى وصل حلب، ثم قفل راجعا، ولم يترك فى البلاد التى زارها عالما يشار إليه بالبنان إلا والتقى به وأخذ عنه.
ثم عاد إلى القاهرة ولكنه لم يطل المقام بها ورجع إلى البلاد الشامية، وطوّف بها، وزار مدنها، والتقى بعلمائها. ثم أقام بحلب فترة طويلة أتاحت له أن يأخذ عن البرهان إبراهيم بن محمد بن خليل، الحافظ الحلبى شيئا كثيرا جدا.
ثم عاد إلى القاهرة مرة ثالثة وارتحل منها إلى الإسكندرية، وفى طريقة إليها زار مدنا كثيرة والتقى بشيوخها وسمع منهم، ولم يتيسر له دخول الإسكندرية لخلاف وقع بينه وبين رفيقه فى الرحلة برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعى.
ورجع إلى مكة المكرمة مع ركب الحاج المصرى فى موسم سنة ثمان وثلاثين. وقد استغرقت رحلته هذه قرابة ثلاث سنوات، تحمل فيها كثيرا من العلوم عن خلق كثيرين، وتزايدت فوائده، وصار كثير المسموع والمروى، والمجاز فيه.
وأصبح بيته فى مكة مقصد العلماء وطلاب المعرفة، وذاع صيته وراج علمه، وقوبل من الشيوخ ورواد العلوم بالتقدير؛ فاستمدوا من فوائده، وعوّلوا على اعتماده.
وكأن ابن فهد لم يقنع بما استفاده فى رحلته هذه لذلك نراه يشد الرحال فى جمادى الآخرة من سنة خمسين وثمانمائة إلى القاهرة
[ مقدمة 1 / ١٠ ]
ويلتقى بشيخه الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر ويلازمه ويكتب عنه بخطه الكثير من المطولات وغيرها، ويعرف العالى والنازل، ويأخذ عن غيره أيضا من العلماء. فى تواضع لا يحول بينه وبين الاستفادة حتى ممن هو مثله أو ممن هو دونه.