بقلم الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم رئيس لجنة إحياء التراث
كانت الفترة التي عاش فيها ابن حجر العسقلاني في أخريات القرن الثامن والنصف الأول من القرن التاسع، من أحفل الفترات التاريخية بالعلماءِ، وأزخرها بالمدارس ودور الكتب، وأَملئها بحلقات الدروس ومجالس الفتيا والمناظرات؛ كما كانت هذه الفترة أيضا جزءًا من العصر الذي يطلق عليه مؤرخو الآداب العربية العصر المملوكي؛ وهو العصر الذي غنيت فيه مصر والشام بصنوف المعارف والفنون والآداب؛ بعد أن تقوّض صرح الخلافة العباسية ببغداد، وهجرها العلماءُ والشعراءُ؛ نتيجة لغزوة التتار المعروفة في التاريخ، وهرعوا إلى دمشق وحلب والقاهرة والإسكندرية وقوص؛ وأَخلدوا إلى حياة علمية خصيبة في ظل الملوك والأُمراءِ في هذه البلاد.
ويعدّ الإمام ابن حجر العسقلاني من أبرز العلماء الذين عاشوا في هذه الحقبة؛ كان كوكبهم الساطع، وشيخهم الأَكبر، وإمامهم غير مدافع؛ بما تهيّأ له من الذكاءِ والفطنة والزكانة، وما مكنّت له الحياة في القاهرة - وهي حاضرة العلم وقبة الإسلام إذ ذاك - وما أفاده من رحلاته في الحجاز واليمن والشام، وما شغل به من رفيع المناصب وسنيّ المراتب؛ حتى
[ المقدمة / ٣ ]
استأهلت حياته المباركة أن يضع فيها تلميذه العالم المؤرخ شمس الدين السخاوى كتابا حفيلا؛ تحدث فيه عن مراحل حياته، وأطوار عمره وأَحداث دهره.
كما يعد كتابه "إنباءُ الغمر بأَنباء العمر" وهو الذي تعنى لجنة إحياءِ التراث بنشره - صورة صادقة لذلك العصر، ومرآة صافية انعكست عليها أحداثه وسير رجاله؛ جمع فيه من الحوادث وأخبار الأعيان من الرجال، ما وقع بين سنتى ٧٧٣ و٨٥٠ هـ، وهى السنة التي توفّى بعدها بعامين؛ اعتمد فيها - كما ذكره في صدر الكتاب - على تاريخ ناصر الدين بن الفرات وصارم الدين بن دقماق والتقى الفاسي ونظرائهم، وعلى العلماءِ الذين لقيهم في أَسفاره، وخالطهم في حَلِّه وترحاله، ثم على ما عرفه من مزاولة المناصب التي تولاها، وأَضاف إلى ذلك كما ذكره الأُستاذ الدكتور المحقق ما أَفاده من "معرفته الشخصية لبعض السلاطين؛ معرفة ترقى إلى حد الصداقة والمجالسة، واستشارتهم إياه فيا أبهم عليهم وأغلق من أُمور السياسة ذات الصلة بالشرع؛ حتى لقد أَخذ بعض الأَخبار عنهم؛ ناسبًا كل خبر إلى مصدره، وبذلك توفَّرت له المادة التاريخية التي هيّأَتها له دراسته العميقة للأَحاديث الشريفة ورجالاتها".
وقد كان هذا الكتاب منذ صدر عن مؤلفه من المراجع الهامة في بابه، يصبو الباحثون إلى مطالعته، وتتعلق الآمال بنشره، ولا يُعرَف عنه إلا شذرات يسيرة مما يَنقل عنه من جاءَ بعده، كالسيوطيّ والسخاويّ وابن إياس؛ كما ظلت مخطوطاته محفوظة في دور الكتب؛ لا يعرفها إلَّا القليل من الخبراءِ بنوادر الكتب ونفائس المخطوطات؛ إلى أَن انتدب
[ المقدمة / ٤ ]
لتحقيقه العالم الدكتور حسن حبشى أستاذ التاريخ الإسلاميّ في العصور الوسطى بكلية الآداب بجامعة عين شمس، وهو الموضوع الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بمادة الكتاب؛ وقد بذل في تحقيقه أَوسع الجهد وغاية المرغوب؛ فكان بهذا العمل النافع وبالكتب التي صنّفها وحققها، والبحوث والمحاضرات التي أذاعها، من الروّاد الذين أَدُّوا إلى التاريخ الإسلامي أَجل الخدمات.
ويعتبر هذا الجزءُ أحد أَجزاءِ الكتاب الثلاثة: ونرجو بعون الله وتوفيقه - حين يتم نشره أن يكون من أَعظم المراجع شمولا، وأكثرها استيعابا، لعصر ابن حجر؛ أَزهى العصور الإسلامية في التأليف.
والله الموفق للصواب
أبو الفضل إبراهيم
[ المقدمة / ٥ ]