في أَول المحرّم استقر قراجا شادُّ الشرابخاناه دويدارًا كبيرًا عوضًا عن قجاجق بحكم موته فلم ينشب أَن مات وهو متوجّه صحبة العساكر بالصالحية في ثالث صفر ودُفن في جامعها ثم نُقل بعد ذلك إلى القاهرة، قال العينْتابي: "كان فاسقًا قليل الخير، وخلّف موجودا كثيرًا احتاط عليه السلطان".
وفيه أَوْلَمَ بكتمر جلق على بنت (^١) الناصر وبنى بها ليلة الجمعة حادي عشره.
وفي ليلة الحادي والعشرين منه اجتمع رجلان مِن العوامّ بدمشق فشربا الخمر فأَصبحا محروقَيْن، ولم يوجد منهما نار ولا أَثر حريق في غير يديهما وبعض ثيابهما، وقد مات أَحدهما وفي الآخر رمق، فأَقْبل الناسُ أَفواجًا لرؤيتهما والاعتبار بحالتهما.
وفيه فشى الطاعون بطرابلس وحوران ودمشق، ووقع جرادٌ بالرملة وبالساحل.
* * *
وفيه توجّه أَحمد بن أُويس في عسكر بغداد إلى تبريز ليستولي عليها، وقد سار صاحبها قرا يوسف إلى أَرزنكان لقتال قرايلك التركماني وكانت بينهما عداوة، فبلغ ذلك قرا يوسف وأَن أَحمد بن أُويس اتفق مع شاه رخ بن تمرلنك وغيره على قرا يوسف. فرجع (^٢) قرا يوسف عن محاربة قرايلك وتوجّه إلى تبريز، فجمع أَحمد بن أويس عسكرًا كبيرًا فيهم ابن الشيخ إبراهيم الدربندي وأُمراء البلاد، فاقتتلوا في يوم
_________________
(١) كانت صغيرة السن لم تبلغ بعد السابعة من عمرها، انظر النجوم الزاهرة، ج ٦ ص ٢٢٧.
(٢) الوارد في العراق بين احتلالين ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤ أن أحمد بن أويس هاجم تبريز وكان بها شاه محمد النجوي قائما مقام قرا يوسف فلم يستطع الصمود في وجه ابن أويس الذي دخلها دون مقاومة تذكر، ولما ترامت هذه الأنباء إلى قرا يوسف اضطر للعودة بعد أن فتح أرز نكان بطريق المصالحة، ولم يقف الأمر به عند هذا الحد بل عين نائبا عنه بها هو بير محمد عمر، وعاد حيث التقي مصافه بمصاف ابن أويس في منخفضات غازان في معركة انتهت بهزيمة ابن أويس "وفي أثناء هزيمته ضربه تركماني فوقع من فرسه فانتزع منه أسلحته وثيابه وتركه لشأنه، فاضطر أن يسلك من ممر ماء إلى بستان فعرفه شيخ إسكافي" وقد وعده أحمد ببعقوبة إن أخفى خبره، غير أن زوجة الإسكافي أشارت على بعلها أن يعلم قرا يوسف فاستجاب لها فجاءوا به إليه في ثياب رثة، واستكتبه صكا بتنازله عن بغداد لابنه محمد الذي بادر للنهوض إلى بغداد كما سيجيء بالمتن.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
الجمعة ثاني عشري ربيع الآخر، فانكسر ابن أويس وفُقِد ابن أويس وولدُه علي وكثير من الأُمراء، وأُسِر ابن الشيخ وعدّةٌ من الأُمراء.
واستولى قرا يوسف على تبريز وغيرها، ويقال إن ابن أُويس اختفى في عين ماءٍ فدخل عليه بعض الفرسان فأَراد قتله فعرّفه بنفسه فأَحضره إلى قرا يوسف فأَكرمه واستمرّ معه في الاعتقال، فيقال إنه قُتِل خنقًا.
* * *
وحاصر محمد بن قرا يوسف بغدادَ أَشهرًا وبها "بَخْشايش" (^١) مملوك أَحمد [بن أويس] فلم يصدِّق بموت أَحمد واستمرّ على الخطبة له، ثم أَقام صبيًّا يقال له أويس ابن أَخي أَحمد فسلطنه، ثم قامت ببغداد ضجة في الليل قُتِل فيها بَخْشايش، وأُشيع أَن الذي أمر بقتله أَحمد بن أويس وأَنه حيّ يرزق وأَنه ظهر ببغداد، وصارت الأَوامر تخرج من دار أَحمد على لسانه، واستقر عبد الرحيم بن الملَّاح موضع بخشايش وأُعيدت الخطبة باسم أَحمد وبطل أَمر أويس (^٢)، فرجع محمد بن قرا يوسف بمن معه عن حصار بغداد، ثم قُتل عبد الرحيم بن الملَّاح فأَشاعت أُم الصبي أويس أَن أَحمد بن أُويس قُتل فأَعادوا ابنها إلى السلطنة فعاد عليهم محمد فحاصرهم، فأُشيع ثانيا أَن أَحمد حيٌّ، وقد وقعت ضجة عظمى.
وشاع أَن أَحمد ظهر فاجتمع الناس إلى داره فخرج إليهم شخص في زي أَحمد على فرس فقبّلوا له الأَرض وذلك لَيْلًا، وسأَلوه أَن يظهر لهم في النهار فوعدهم وظهر لهم عند غروب الشمس فصاحت العامة: "هذا السلطان أَحمد" وظنُّوا ذلك حقيقة، ثم ظهر فسادُ ذلك وأَن ذلك كله مخرَّجٌ على أُم أُويس، وآل الأَمر إلى غلبة محمد بن قرا يوسف على بغداد، ونزح عنها أُويس بمن معه فسار إلى تستر فملكها وانقضى أَمر أَحمد بن أُويس، وكانت غلبة محمد [بن قرا يوسف] على بغداد في أَول سنة أَربع عشرة.
_________________
(١) دأبت نسخة هـ على كتابة اسمه "بخشاش".
(٢) هو أحد أولاد أحمد بن أويس.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وهربت مرضعة حسن بن أَحمد بن أُويس إلى حلب فقدمت به في رمضان، وقيل إن قرا يوسف لمّا ظفر به سلَّمه لبعض أَصحابه وقال: "إنِّي لم أُنْصَر عليه بقوّتي ولكن بغدره"، وكان قرا يوسف لا يحبّ القتل فخشى مَنْ فرّ إلى قرا يوسف من أَحمد أَن يطلقه فيهلكهم فتسبّبوا في قتله إلى أَن لم يجد بدًّا من الأَمر بقتله فأَمر بخنقه ظاهرا، وأَسرّ إلى مَنْ يخفيه أَن يُبقِي عليه، ثم أَحضر شخصًا يشبهه فشنقه، فرضي أَصحابه بذلك.
ولهذا كان قرا يوسف وولده محمد ومن عرف القصة إذا أُشيع أَن أَحمد حيَّ يصدّقون بذلك ولا يتوقَّفون، وقد أُشيع بعد ستِّ سنين من هذا التاريخ أَنَّه حيّ.
* * *
وفيه في ثالث عشري صفر نودي بالقاهرة أَن تكون الفلوس بإثني عشر درهمًا كلُّ رطلٍ وكان بستة؛ والذهب بمائتين منها، واشتدّ الأَمر وفُقِد الخبز وغلقت الأَسواق فغضب الناصر من ذلك، وكان قد حصّل من الفلوس جملة كبيرةً لتحسين بعض الناس له ذلك، وسوّلت له نفسه أَنَّه إذا صيّرها بإِثني عشر كل رطل ربح في كل أَلفٍ أَلْفًا أُخرى، فاشتدت عليه مخالفتهم لأَمره وهَمَّ بأَن يضع السيف في العامّة، وبات (^١) من الناس في كرب، ثم لم يزل به الأُمراءُ حتى أَذن أَن يكون بتسعٍ كلُّ رطل، فنودي بذلك فسكن الحال قليلا وظهرت المآكل، ثم شفع إليه الأُمراءُ أَن يعيدها كما كانت عليه لما حصل لهم من العطلة في تجهيزهم إلى السّفر فنودِيَ عليها بستةٍ ففُتحت الأَسواق.
وقيل كان السبب أَنه سأَل عن سعر الحديد الذي يُنْعل به الخيول والبغال وعن الحديد والسلاسل فقيل له: "كل رطل بإثني عشر"، فأَنكر ذلك وقال: "الفلوس من النحاس، وهو أَغْلى من الحديد، فكيف يكون النحاس أَرخص من الحديد! " فلما تخيّل المماليك أَن ذلك بسببهم نفروا منه فرجع عن ذلك.
_________________
(١) في ز: "وبات الناس في كرب".
[ ٢ / ٤٦١ ]
وفيها انحطَّ سعر الغلال بعد سفر الناصر إلى الشام حتى وصل الشعير من مائةٍ وخمسين إلى ستين، وقِسْ على ذلك.
* * *
وفي هذه السنة كثرت الفتن بجبال نابلس بين ابن عبد الساتر وابن عمه عبد القادر شَيْخَيْ العشير، وعظم البلاءُ بحيث أَن الدّرب انقطع من السالك.
وفي جمادى الأُولى استقرّ محمد التركماني في نيابة الكرك.
وفيه توجّه عثمان بن طرغلي المعروف بقرايلك إلى أَرزنكان وأحرق ديارها وجلا أَهلها معه إلى بلاده.
وفيه اقتتل سلمان بن أَبي يزيد مع أَخيه موسى وهزمه وحصره بأَفلاق، وآل الأَمر إلى استيلاء موسى على مملكة أَخيه، ومات أَخوه في هذا العام.
ووقع بين ابن قرمان وبين ابن كريمان قتال، وكثرت الفتن بين التركمان واستعرّت البلاد نارا، ولله الأَمر.
* * *
وفي جمادى الآخرة وصل الفرنج الذين استأْذنوا الناصر - في العام الماضي لما دخل القدس - أَن يُجدّدوا عمارة بيت لحم، فوصلوا في هذا العام إلى يافا ومعهم عَجَلٌ وصنَّاع وأَخشاب، فأَخرجوا المرسوم واستدعوا الصّناع للعمل بالأُجرة، فأَتاهم عدة وشرعوا في إزاحة ما في طريقهم من الأَوعار ووسعوا الطريق بحيث يسع عشرة أَفراس ولم تكن تَسَعُ غير فارس، وأَحضروا معهم دُهنًا إذا وضعوه على الصخرة سهل قطعها، فلما رجع الناصر إلى دمشق عرّفه نصحاؤه بسوءِ الفالة في ذلك، فكتب إلى أَرغون كاشف الرملة بمنعهم من ذلك والقبض عليهم وعلى مَن معهم من الصّناع والآلات والسلاح والجمال والدّهن، فختم على مخازنهم وحملهم وما معهم إلى القاهرة.
* * *
[ ٢ / ٤٦٢ ]
وفي ثانى عشري رمضان استقر تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله في نظر الكسوة ووكالة بيت المال بعد موت الطويل.
وفي سابعه استقرّ شهاب الدين بن الكشك في قضاء الحنفيّة بدمشق، ونجمُ الدين بن حجّي في قضاء الشافعية بطرابلس.
وفي رمضان أَوقع قرقماس بالتركمان ونهب منهم غنمًا كثيرًا وجمالًا ومالًا، فوافاه كتاب الناصر يأْمره بالوصول إليه، فوصل وأَهدى له مما كسبه من التركمان أَربعة آلاف رأْس غنم.
وفي شوّال قَبض الناصر على جانبك القرمي فضربه ضربًا مبرحًا وسجنه بالقلعة.
* * *
وفي ذي القعدة قدم الأُستادار تاج الدين بن الهيصم والوزير سعد الدين بن البشيري إلى القاهرة لتحصيل الأَموال، فأَظهر الأُستادار مرسوم الناصر بقبض تِرَك الموتى جميعها من ذوي الأَموال مطلقًا: سواءٌ من كان له وارثٌ أو مَن لم يكن، فعظمت المصيبة وكثرت الشناعة، وبالغ في استرجاع الميراث ممن أَخذه بحقّ: مِن ولدٍ وأَخٍ وزوجٍ وزوجةٍ وغير ذلك، فشاع بين الناس أَن الناصر أَمر بتغيير حكم الله.
* * *
وفي هذه السنة كان في أَول العام وباءٌ ببلاد فلسطين وحوران وعجلون ونابلس وطرابلس فمات خلق كثير جدًّا، ثم كان في آخرها الطاعون بدمشق ونواحيها.
وفيها ارتفعت (^١) الأسعار بالقاهرة وبلغ القمح مائة وثلاثين، والشعيرُ ثمانين، والذهب مع ذلك غالٍ جدًّا، بلغ الإفرنجيّ مائتي درهم والهرجة مائتين وعشرين.
* * *
وفيها جدّد مرجان الهندي - خزندار شيخ - الجامع بحكر السماق ورتَّب في إمامته شهاب
_________________
(١) في هـ "تناقصت".
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الدين الأَذرعي ابن أَخي قاضي أَذرعات، ورتب فيه كمال الدين الشرائحي (^١) متصّدرًا لسماع الحديث.
وفيها (^٢) عَزَّر القاضي شمسُ الدين الإخنائي قاضي الشام جمالَ الدين عبدَ الله المجادلي بسبب ما يكثر من المذكور من النميمة بالناس فضربه وحبسه، وشكره الناس على ذلك؛ قرأت ذلك بخط ابن حجي.
* * *
وفي هذه السنة كانت الحادثة العظيمة بفاس من بلاد المغرب حتى خربت، وذلك أَن ملكها - وهو أَبو سعيد عثمان بن أَحمد بن إبراهيم بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق - قَرَّر في تدبير مملكته الحاجبَ عبد الله بنَ الطريفي فأَوقع بينه وبين أَبي فارس صاحب إفريقية، وجهز محمد بن أبي يحيى زكريا بالعسكر ليحاصر تونس، فمازال أَبو فارس ينصب له أشراك المكائد حتى أَوقعه وهزمه ومزّق عسكره، فلمّا تمكْن من ذلك كاتب ابنَ الأَحمر بأَن يفرج عن محمد بن عبد العزيز بن أَبي سالم - وكان معتقَلًا عنده مع جماعة من ذرّية بني مرين ممن يرشح للملك - فأَفرَج عنه وسلطنه في أَوّل شعبان منها وجهزه، فاجتاز البحر حتى نازل فاس في خامس ذي الحجة، فخرج عليه (^٣) عبد الله بن الطريفي لقتاله فكبابه فرسه فقَبض عليه محمد وأَمر به فأُحرِق، واستمرّ في حصار فاس؛ وكان ما سنذكره في التي بعدها إن شاءَ الله تعالى.
* * *
_________________
(١) في ك "الحسباني".
(٢) أمام هذا الخبر في هامش هـ بخط غير خط الناسخ "قلت استمر المجادلي المذكور على النميمة والغيبة وانطلاق اللسان بكل موبقة إلى أن مات في حدود سنة أربعين وثمانمائة، وكان قبيح القول والفعل والشكل، وتقدمت له محنة أخرى في سنة عشر بحضرة نوروز وذلك. . . . . ." ثم كلمات غير مقروءة.
(٣) ساقطة من ك.
[ ٢ / ٤٦٤ ]