مات فيها من الأُمراء:
١ - أَرِسطَاي (^١) نائبُ الإسكندرية وكان من كبار الأُمراء الموجودين، باشر في دولة الملك الظاهر رأْسَ نوبة كبيرًا، وكان له حرمة عند المماليك، وولي الحجوبية في دولة النَّاصر ومات بالاسكندرية في العُشْر الأَوسط من ربيع الآخر.
٢ - بَاشْ بَاي -بفتح الموحّدة وسكون المعجمة بعدها موحّدة أُخرى خفيفة- تنقَّل في سلطنة الناصر حتى استقرّ رأْس نوبةٍ كبيرًا، فمات في جمادى الآخرة بالقاهرة.
٣ - إينال الأَجرود: ذُبح مَع مَنْ أَمَرَ الناصر بذبحهم من الأُمراء.
وكذلك:
٤ - أَرنْبُغَا.
٥ - وبيبرس إبن أُخت الظاهر.
٦ - وسودون المارديني.
٧ - وبيغوت.
٨ - وثابت بن نعير بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني أَمير المدينة، وليها سنة سبعٍ وثمانين، وعُزِل عنها بجماز ثم وليها بعد عزل جماز.
ومات في هذه السنة:
_________________
(١) ترجم له السخاوي في الضوء اللامع ٢/ ٨٢٤، وقال: "أهمله شيخنا" يعني في الإنباء، والضبط من Wiet: op. cit. No. ٣٥٦.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
٩ - إبراهيم بن علي الباريني الشَّاهد إمام مسجد الجوزة (^١)، سمع من ابن أَميلة (^٢) الجزء الأَول من "مشيخة الفخر"، وكان أَحد العدول بدمشق، مات في ذي الحجة وقد جاوز الخمسين.
١٠ - أَحمد بن عبد الله الحسن بن طوغان بن عبد بن الله بن الحسن بن طوغان ابن عبد الله الأَوْحدي (^٣) شهاب الدين المقرئ الأَديب، وُلد في المحرم سنة إحدى وستين، وقرأَ بالسبع على التقي البغدادي، ولازم الشيخ فخر الدين البلبيسي، وسمع على ناصر الدين الطبردار وجُوَيْرِية وابن الشيخة وغيرهم، وسمع معي مِن بعض مشايخي؛ وكان جدّه -الحسن ابن طوغان- قدم من بلاد الشرق سنة عشر وسبعمائة فاتصل بخدمة بيبرس الأوحدي نائب القلعة وناب عنه بها فشُهر بذلك، وكان شهاب الدين هذا لهجا بالتاريخ، وكتب مسودّةً كبيرة لخطط (^٤) مصر والقاهرة وبيّضَ بعضه وأَفاد فيه فأَجاد، وله نظم كثير أَنشدنا منه، فمنه:
إنِيّ إذا مَا نابَنِي … أَمْرٌ نَفَى تلذَّذِي
واشتدَّ مِنيّ جزّعِي … وجَّهْتُ وجْهِي للَّذِي
ومات في تاسع عشري جمادى الأولى:
١١ - أَحمد بن علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى البلبيسي الأصل المقرئ المالكي
_________________
(١) انظر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ٢/ ٤٢٨.
(٢) هو عمر بن حسن بن مزيد بن أميلة المراغي المتوفى سنة ٧٧٨، وكان كثير التحديث كما عظم الانتفاع به، انظر ابن حجر: الدرر الكامنة ٣/ ٢٩٩٧، وشذرات الذهب ٦/ ٢٥٨، وإنباء الغمر ج ١ ص ١٤٢، ترجمة رقم ٥٥.
(٣) نسبة لبيبرس الأوحدي تائب القلعة كما سيأتي بعد قليل.
(٤) أشار السخاوي في الضوء اللامع ج ١ ص ٣٥٨ - ٣٥٩ إلى أنه بيض بعضها فبيضها المقريزى ونسبها لنفسه مع زيادات.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
المعروف بابن الظُّرَيّف (^١)، تاج الدين، سمع من ناصر الدين التونسي وغيره، وطلب العلم فأَتقن الشروط ومهر في الفرائض وانتهى إليه التمهّر في فنِّه، مع حظٍ كبير من الأَدب ومعرفةِ حلّ المترجم وفكِّ الأَلغاز مع الذكاءِ البالغ، وقد وقَّع للحكام وناب في الحكم، وكان يودُّني كثيرًا وكتب عني من نظمي، وقد نُقِم عليه بعض شهاداته وحُكْمِه، ثم نزل عن وظائفه بأخرة وتوجّه إلى مكة فمات بها في شهر رجب، وقد نسخ بخطه "تاريخ الصّفدي الكبير"، و"تذكرته"، بطولها، ورأَيْتُ بخطه في سنة مجاورتي "شرح عروض ابن الحاجب" وغير ذلك.
١٢ - أَحمد بن محمد بن ناصر بن علي الكنانيّ المكي، وُلِد قبل الخمسين (^٢) ورحل إلى الشام فسمع من ابن قوالِح وابن أَميلة بدمشق ومن بعض أَصحاب ابن مزيز بحماة، وتفقَّه حنبليًّا، وكان خيّرًا فاضلًا، جاور بمكة فحصل له مرضٌ أَقعده فعجز عن المشي حتى مات سنة ٨١١ (^٣).
١٣ - أَحمد بن محمّد التَّلعْفَرِي (^٤) ثم الدمشقي، شهاب الدين كاتب المنسوب، مات بدمشق كهلا ويقال كان أُستاذًا في ضرب القانون، حسنَ المحاضرة.
١٤ - أَحمد بن محمد اليغموري شهاب الدين، ولي الحجوبية وشدّ الدواوين بدمشق، وكان مشهورًا بالمعرفة في المباشرة، ورأيته عند جمال الدين الأُستادار، وكان يُظْهِر محبة العلماء وتعجبه مباحثهم ويفهم جيّدًا. مات في جمادى الأُولى.
١٥ - بركة (^٥) بن موسي بن محمد بن محمود، بدر الدين بن شرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب، الحلبي الأَصل ثم الدمشقي، وُلد سنة سبعين تقريبًا، وولي وكالة بيت المال ثم كتابة السر بدمشق يسيرًا ثم نظر الجيش، وكان كثير التخليط والهجوم على المعضلات مع كرم النفس ورقة الدين. مات في صفر خنقًا بأَمْر جمال الدين الأُستادار.
_________________
(١) الضبط من السخاوي: الضوء اللامع ٢/ ٤٠.
(٢) "قبل الخمس"، في الضوء اللامع ٢/ ٥٦٦.
(٣) أرخه الفاسي سنة ٨١٢ هـ.
(٤) الضبط من ز.
(٥) انظر فيما بعد، ص ٤١٦، حاشية رقم ٤.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
١٦ - أَبو بكر بن محمد بن أَحمد بن عبد العزيز الدمشق، البعلوني الأَصْل، تقي الدين ابن شيخ الربوة، اشتغل في الفقه ومهر في مذهب أبي حنيفة ودرّس بالمقدّمية (^١) وأَفتى، وكان قد اشتغل على الشيخ صدر الدين بن منصور وغيره. مات في ربيع الأَول عن ستين سنة، ويقال إنَّه تغيّر حاله في الفتوى والحكم بعد فتنة اللنك.
١٧ - أَبو بكر بن محمد بن صالح الجِبْلي -بكسر الجيم بعدها موحّدة ساكنة- ابن الخيّاط الشافعي اليمني، تفقَّه بجماعةٍ من أَئمة بلده (^٢)، ومَهر في الفقه ودرَّس بالأَشرفية وغيرها من مدارس تعزّ، وتخرّج به جماعة، وكان يقرّر من الرافعي وغيره بلفظ الأَصل، وكان مشاركًا في غير الفقه وله أَجوبة كثيرة عن مسائل شتّى، وولى القضاء مكرهًا مدّةً يسيرةً ثم استعفى. مات في شهر رمضان. رأيتْهُ بتعز.
١٨ - أَبو بكر بن محمد السَّحري (^٣) أحد النبهاء من الشافعية. مات في جمادى الآخرة.
١٩ - الجُنَيْد (^٤) بن أَحمد بن [محمد (^٥) الكازروني] البَلْياني (^٦) الأَصل نزيل شيراز، سمع من أَبيه بمكة من ابن عبد المعطي والشهاب ابن ظهيرة وأَبي الفضل النويري وجماعة، وبالمدينة وبلاده، وأَجاز له القاضي عزُّ الدين بن جماعة، ومن دمشق عمر بن أَميلة وحسن ابن هبل والصّلاح بن أَبي عمر في آخرين، خرّج له عنهم الشيخ شمس الدين الجزري مشيخةً وحدّث بها. ومات في هذه السنة بعد أَن صار عالم شيراز ومحدّثها وفاضلها. أَفادنا
_________________
(١) الأرجح أنها المقدمية الجوانية بدمشق، إذ ورد في النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٥٩٨ أن أباه كان مدرسا بها.
(٢) أي مدينة تعز كما أشار لذلك الضوء اللامع ج ١١ ص ٧٨ رقم ٢١٣.
(٣) "السجزي" في الضوء اللامع، ج ١١ ص ٩٤ ترجمة رقم ٢٥٥.
(٤) هذه الترجمة غير ورادة في ظ.
(٥) فراغ في ز، ك، هـ، ش، ث، والإضافة من الضوء اللامع ٣/ ٣١٢.
(٦) الضبط من الضوء اللامع ج ٣ ص ٧٩ حاشية رقم ١، حيث ذكر أن "بليان" من أعمال شيراز؛ على أنه ورد في معجم ياقوت ١/ ٤٩٣ (طبعة بيروت) أنها بالضم وتشديد اللام وفتحها وياء مخففة، وقال في تعريفها "موضع في شعر زهير".
[ ٢ / ٤٠٨ ]
عنه ولده الشيخ نور الدين محمد (^١) لما قدم رسولًا عن ملك الشرق بكسوة الكعبة في سنة ثمانٍ وأربعين.
٢٠ - سليمان بن عبد الناصر بن إبراهيم الإبشيطي الشافعي، الشيخ صدر الدين، وُلد قبل الثلاثين، واشتغل قديمًا وبرع في الفقه وغيره، وكتب الخطَّ الحسن وجمع ودرّس وأَفاد وأَفتى، وسمع من الميدومي وغيره، وناب في الحكم بالقاهرة وغيرها، وكانت فيه سلامة، وكان صدر الدين المناوي يعظِّمه، وعجز بآخره وانهرم وتغيّر قليلا مع استحضاره العلم جيدًا. جاوز الثمانين.
٢١ - شعيب بن عبد الله أَحد من كان يُعتَقد في القاهرة من المجذوبين، وكان يسكن في حارة الروم. مات في رجب.
٢٢ - ضياء الدين ضياء بن عماد الدين التبريزي، كان ديّنا فاضلا محبًّا في الحديث، كثير النفور من الاشتغال في العقليات، ملازمًا لقراءَة الحديث وسماعه وإسماعِه مع لزوم إسناده، ملازمًا للخير؛ مات في هذه السنة، أَخبرني بذلك الشيخ عبد الرحمن التبريزي صاحبنا وهو [الذي] ترجمه لي (^٢).
٢٣ - علي بن أَحمد بن عماد الدمياطي العلَّاف المعروف بابن العطَّار، كان يجيد نظم المواليا ويحفظ منها شيئًا كثيرًا، كتب عنه الشيخ تقي الدين المقريزي وقال: "لقيتُه شيخًا مُسِنًّا".
قُلْت لو كلّ المنى … عقد الجفا حُلى
وسُكَّرِ الوصل في … دست الوفا حَلّى
قالت جمالي بأَنـ … ـواع البها حلّى
والغير قد حاز حسني … وأَنت في حلِّي
_________________
(١) راجع ترجمته في الضوء اللامع ٧/ ٥٢٨.
(٢) وردت الترجمة التالية بعد هذا: "عبد الرحمن بن يوسف الكفري، تقدم في سنة تسع وثمانمائة".
[ ٢ / ٤٠٩ ]
٢٤ - علي بن موسى بن أَبي بكر بن محمد الشيبي -من بني شيبة حجبة الكعبة- وكان محمد والد جدّه دخل اليمن فوصل إلى حَرَض (^١) فخرج إلى الحُرَث (^٢) ساحل موْر (^٣) وهو وادٍ عظيم به عدّة قرى منها الحسّانيّة: قرية أبي حسّان بن محمد الأَشعري وكان مِّمن يُعْتَقد، فاتفّق أَن طائفتين من قومه وقعت بينهم فتنة فقُتل بينهم قتيل فاستوهب دمه فقالوا له بشرط "أَن تسكن معنا" فأَسّس لهم مكان قرية فسكنوه وهو معهم فنُسِبت إليه؛ وكانت له أخت فزوّجها بمحمّد والد أبي بكر لأَنه تفرّس فيه الخير فأَقام عندهم، فلما حملت توجّه لمكة وعهد لامرأَته إنْ ولدت ذكرًا أن تسميه "أبا بكر" ففعلت، ومات الشيخ أَبو حسّان فخلفه في زاويته ولد أُخته أَبو بكر المذكور.
وكان لأَبي حسّان إتساعٌ من الدنيا، وكانت النذور تصل إليه من عدة بلاد فظهرت لأَبي بكر كرامات، وخلَفه في زاويته ولده عليّ وكان كثيرَ العبادة والتجريد، ويقال إنَّه قعد مدةً لا يأْكل في الأَسبوع غير مرّة ولم يتعلَّق بشي من أمور الدنيا، وخلفه في مكانه ولده إسحق بن علي وكان على طريقته إلى أَن مات، فخلفه أخوه موسى وكان عابدًا صاحب مكاشفات وكرامات، وكان ذكيًّا مذاكرًا، فلما مات قام ولده موسى بن علي بن أَبي بكر فاشتهر بالصلاح والدعاء والسخاءِ وحُسن الخلق وكثرة الخير وطول الصمت، وكان يُدمِنُ على سماع الحديث والتفسير على الفقيه أَحمد العلقي، وكان نزل فيهم وتزوّج الفقيه علي بن موسى أُخته. وكان الشيخ علي يذاكر بكثير من الحديث والتاريخ والسيرة، مع المحافظة على الوضوء وصلاة الجماعة، وكان موسّعًا عليه في الدنيا ويلبس أَحسن الثياب، وله ولدٌ اسمه عبد الله (^٤) نصب بعده بالزاوية وكان كثير التلاوة ومات في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. وسيأْتي ذكر قريبه محمد بن أَحمد بن حسين بن أَبي بكر الشيبي فيمن مات
_________________
(١) انظر ابن عبد الحق البغدادي: مراصد الاطلاع ١/ ٣٩٢.
(٢) في هـ "الحادث"، والضبط بالمتن من مراصد الاطلاع ١/ ٣٩١.
(٣) ورد التعريف به في مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٣١ بأنه أحد مشارف اليمن الكبار وإليه يصب أكثر أودية اليمن".
(٤) انظر ترجمته في الضوء اللامع ٥/ ١٢٨.
[ ٢ / ٤١٠ ]
سنة تسعٍ وثلاثين وثمانمائة، نقلتُ ذلك من "تاريخ اليمنِ" للجنيدي تذييل الشيخ حسين بن الأهدل.
٢٥ - عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أَحمد بن هبة الله ابن محمد بن هبة الله بن أَحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله ابن أَبي جرادة محمد بن عامر العقيلي، القاضي كمال الدين أَبو القاسم الحلبي ثم المصري المعروف بابن العديم، وُلد سنةَ أَربعٍ وخمسين (^١) واشتغل ببلده وناب في الحكم، ثم استقلّ به في سنة أَربعٍ وتسعين عوضًا عن ابن الجاولي فباشره بحرْمةٍ وافرة، وحصّل أَملاكًا وثروةً كبيرة، وكان وجيها عند الكبار وله حرمة وافرة، وأُصيب في اللنكية ثم دخل القاهرة في آخر السنة، وقدم القاهرة غير مرة، وفي الآخر استوطنها لما طَرَقَ الططر البلاد الشامية فأُسِر مع مَن أُسِر، ثم خلص بعد رجوع اللنك فقدم القاهرة في شوّال وحضر مجلس القاضي أَمين الدين الطرابلسي قاضي الحنفية، ثم سعى وولي القضاءَ بها في سادس عشري رجب سنة خمسٍ وثماني مائة، ثمّ درّس بالشيخونية انتزعها من الشيخ زادة بحكم اختلال عقله لمرضٍ أَصابه، وكان له ولدٌ نجيبٌ غايةً في الذكاء حسنَ الخلّة قد ناب عن والده مدّةً فما قدر على مقاومته، وعاشر الأُمراءَ وداخَل الدولة وكبر جاهه وعظم مالُه، وكان لا يتحاشى مِن جمْع المال من أَيِّ وجْه كان؛ وقد سمع من ابن حبيب وابنه، وكان من رجال الدنيا دهاءً ومكرًا، ماهرًا في الحكم، ذكيًّا خبيرًا بالسَّعْيِ في أُموره، يقظًا غير متوانٍ في حاجته، كثيرَ العصبّية لمن يقصده. مات قبل رجب بنحوٍ من عشرين يومًا بعد أن نزل لولده محمد -وهو شابٍ- عن تدريس الشيخونية وقبْلَها المنصوريّة وباشرهما في حياته وأَوصاه أَن لا يفتر عن السّعي في القضاء فامتثل أَمره واستقرّ بعده.
وكان الكمال كثير المروءَةِ متواضعًا بشوشًا كبير الجرأَة والإقدام والمبادرة في القيام في حظِّ نفسه، محبًّا في جمْع المال بكل طريق، عفا الله عنه.
_________________
(١) أمامها في هامش هـ "في تاريخ المقريزي سنة اثنتين وستين. كذا نقل لي عنه".
[ ٢ / ٤١١ ]
قال القاضي علاءُ الدين في تاريخه: "استقلّ بالقضاءِ سنة أَربعٍ وتسعين وسبعمائة عوضًا عن جمال الدين بن الحافظ فباشره بحرمةٍ وافرة، وكان رئيسًا له مروءَة وعصبّية، عارفًا بأُمور الدنيا ومعاشرةِ الأَكابر ومخالطة أَهل الدولة".
٢٦ - عيسى بن موسى بن صبح الرّمثاوي الشافعي أَحد العدول بدمشق، مات في أَول عشر السبعين.
٢٧ - قاسم بن علي بن محمد بن عليٍّ الفاسي، أَبو القاسم المالكي، سمع من أَبي جعفر الطنجالي الخطيب والقاضي أَبي القاسم بن سلمون وأَبي الحسين محمد بن أَحمد التلمساني في آخرين يجمعُهم برنامجه، وتلا بالسبع على جماعة، وقرأَ الأَدب وتعانى النظم. جاور بمكَّة فخرّج له صاحبنا غرس الدين [خليل] الأقفهسي (^١) مشيخةً وحَدّث بها، وكان يَذكرُ أَنها سُرقت منه بعد رجوعه من الحج ويُكثِر الأَسف عليها. لقيتُه بالقاهرة وأَنشدني لنفسه إجازة:
معَانِي عِيَاضٍ أَطْلَعَتْ فَجْرَ فَخْرِهِ … لِمَا قد شَفًى مِنْ مُؤلِم الجَهْلِ بالشِفَا
مَغَانِي رياضٍ مِنْ إفادَةِ ذكرِهِ … شَذًا زهرها (^٢) يُحْيِي مَنَ اشْفَى عَلى شَفَا
مات بالمارستان المنصوري، وكان قد مدح جمال الدين الأستادار وأَثابه.
٢٨ - محمد بن إبراهيم بن بركة العبدلي، شمس الدين المزيّن الشاعر المشهور الدمشقي، وُلد سنة إحدى (^٣) وثلاثين وسبعمائة، ومَهَر في نظم الشعر خصوصا المقاطيع مع عدم معرفته بالعربية، رأَيْتُه بدمشق وأنشدني كثيرًا من مقاطيعه المجيدة، وكان يذكر أَنه أَخذ عن ابن الوردي والصفدي، وبينه وبين الشيخ أبي بكر المنجِّم أَهاجٍ؛ وكان وصوله إلى
_________________
(١) هو خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم، ويعرف بالأشقر وبالأقفهي، ولد سنة ٧٦٣، واهتم بالحديث دراسة وطلبا وتسميعا، وكان قدومه القاهرة سنة ٧٩٨، ورحل إلى اليمن ودمشق والمدينة ومكة ثم رحل إلى الهند حيث كنباية ثم مضى إلى هرمز وهراة وسمرقند، واشتغل في رحلته بالتجارة أيضًا وكانت وفاته سنة ٨٢٠ هـ، وإذا كان الأقفهي قد تخرج مشيخة الفاسي فقد ترجم له الفاسي الذي وصفه بالمهارة في "معرفة المتأخرين والمرويات والعوالي"، انظر الضوء اللامع ٣/ ٧٦٥، وشذرات الذهب ٧/ ١٥٠.
(٢) في هـ "أزهارها".
(٣) جعل الضوء اللامع، ٦/ ٨٧٠ ولادته سنة ٧٣٥ هـ.
[ ٢ / ٤١٢ ]
حلب في صفر ثم دخل دمشق، واتفق أَن التمرية أَسروه فاستصحبوه من سنةِ ثلاثٍ وثمانمائة إلى سمرقند فأَقام بها مدةً ثم خلص منهم، وسار في هذه السنة فقدم إلى دمشق فاستعاد وظائفه ولكنه لم يعش إلَّا يسيرًا -بعد أَن قدم- دون شهر.
وكان يذكر أَنه رأَى النبي ﷺ في المنام فبشَّره أَنه يتخلَّص من الأَسر ويعود إلى دمشق، فكان كذلك.
وعمل مائة مليح عارض بها الصفدي وابن الوردي وسمّاها "شين العرض بالملاح، بعد الزين والصّلاح" ومن شعره:
للشافِعيِّ عذَارٌ … يَقُولُ قولًا ذَكِيًّا
لا خيْر في شافعي … إنْ لم يكُنْ أَشْعَرِيًّا
مات في جمادى الآخرة (^١).
٢٩ - محمد بن إبراهيم بن عبد الله الكردي، الشيخ شمس الدين القدسي نزيل القاهرة، وُلد (^٢) سنة سبعٍ وأَربعين وسبعمائة وصَحِبَ الصالحين، ثم لازم الشيخ محمد القرمي ببيت المقدس وتلمذ له، ثم قدم القاهرة فقطنها، وكان لا يضع جبينه بالأَرض بل يصلِّي في الليل ويتلو، فإن نعس أَغفى إغفاءَةً وهو مُحْتَبٍ ثم يعود؛ ومن شعره:
لمْ يَزَلِ الطَّامِعُ فِي ذِلَّةٍ … قَدْ شُبِّهَتْ عنْدِي بذلّ الكلابْ
وَلَيْس يَمْتَازُ عَلَيْهِم سوى … بوجْهه الكَالِح (^٣) ثم الثيابْ
وكان يواصل الأَسبوع كاملًا (^٤)، وذكر أَن السبب فيه أَنَّه تعشَّى مع أَبويه قديمًا فأَصبح لا يشتهى أَكْلا، فتمادى على ذلك ثلاثة أَيام، فلمّا رأَى أَنّ له قدرةً على الطي تمادى
_________________
(١) أشار الضوء اللامع ٦/ ٨٧٠ إلى أن المقريزي جزم بهذا الشهر، على حين أن هناك من يقول إن وفاته في شعبان من هذه السنة، كما أنها كانت في السنة التي بعدها.
(٢) كان مولده بالقدس، انظر الضوء اللامع ٦/ ٨٩٠.
(٣) "الصالح" في ك.
(٤) يعني بلا أكل كما سيرد حالا.
[ ٢ / ٤١٣ ]
فيه فبلغ أَربعًا ثم انتهى إلى سبعٍ. وكان يَعرف الفقه على مذهب الشافعي، وكان يُكثر من قوله في الليل:
قُومُوا إِلى الدَّارِ مِنْ ليلى نحيِيّها … نَعَمْ ونَسْأَلُها عن بَعضِ أَهْلِيها
ويقول أَيضا: "سُبْحَان رَبّنَا إِنْ كانَ وَعْدُ ربِّنَا لمَفْعُولا" (^١)، وكان يذكر أَنه يقيم أَربعة أَيام لا يحتاج إلى تجديد وضوء. مات بمكة في ذي القعدة.
٣٠ - محمد (^٢) بن أَحمد بن عبد الله القزويني ثم المصري، الشيخ شمس الدين، سمع من مظفر الدين بن العطَّار وغيره، وكان على طريقة الشيخ يوسف الكوراني المعروف بالعجمي ولكنه حسن المعتقد كثير الإِنكار على مبتدعة الصوفية. اجتمع بي مرارًا وسمْعت منه "تلخيص أَحاديث"؛ وكان كثير الحج والمجاورة بالحرمين. مات في شعبان بمكة.
٣١ - محمد بن حسين بن الأَمين محمد بن القطب محمد بن أَحمد بن علس القسطلاني، أَبو الحسن زين الدين المكي؛ سمع من عثمان بن الصفي وغيره، مات في ربيع الآخر عن نحو سبعين سنة فإن مولده سنة ٤٢.
٣٢ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أَحمد بن خلف الخزرجي المدني، أَبو حامد رضيّ الدين بن تقيّ الدين بن المطري، وُلد سنة ستٍ وأَربعين وسبعمائة، وسمع من العزّ ابن جماعة، وأَجاز له يوسف الدّلاصي والميدومي وغيرهما من مصر، وابنُ الخبّاز وجماعة من دمشق، وكان نبيهًا في الفقه، وله حظٌّ من حُسْنِ خَطٍّ ونظم ودين، وكان مؤذِّن الحرم النبويّ وبيده نظر مكة، ثم نازع صهره شيخنا زين الدين بن الحسين في قضاء المدينة فوليه في أَول سنة إحدى عشرة، فوصلت إليه الولاية وهو بالطائف فرجع إلى مكة وسار إلى المدينة فباشر بقية السنة وحجّ فتمرّض فمات عقب الحجّ في سادس عشر ذي الحجة عن إحدى وستين سنة.
_________________
(١) سورة الإسراء، آية ١٠٨.
(٢) ذكره السخاوي بهذا الأسم ثم قال إن ابن حجر سمى جده محمدًا في معجمه، وأن هذا هو الصواب، الضوء اللامع ج ٦ ص ٣٢٨، وبهذا ترجم له في الضوء ج ٧ ص ١٠٥ رقم ٢٢٦، كما ذكر -نقلا عن ابن حجر أيضًا، ولعل ذلك في المعجم- أنه كان يسكن في زاوية العجمي بالقرافة.
[ ٢ / ٤١٤ ]
٣٣ - محمد بن علي بن محمد بن محمود بن علي بن عبد الله بن منصور السلمي، شمس الدين الدمشقي المعروف بابن خطيب زُرَع (^١)، كان جدّ والده خطيب زرع فاستمرت بأَيديهم، ووُلد هذا في ذي الحجة سنة أَربعٍ وسبعين، وكان حنفيًا فتحوّل شافعيا وناب في قضاء بلده، ثم تعلَّق على فنّ الأَدب ونظم الشعر، وباشر التوقيع عند الأُمراء، ثم اتَّصل بابن غراب (^٢) ومدحه وقدم معه إلى القاهرة، وكان عريضَ الدعوى جدًّا
واستخدمه ابنُ غراب في ديوان الإنشاء، وصحب بعض الأُمراء وحصّل وظائف، ثمّ رقَّت حاله بعد موت ابنِ غراب إلى أَن مات في ذي القعدة؛ وهو القائل:
وأَشْقَرٍ في وَجْهِهِ غُرَّةً … كأنها في نُورِها فجْرُ
بَلْ زَهْرَةُ الأُفق لأَنِّي أَرَى … مِنْ وقها قد طَلَع البدْرُ
وله فيما اقتُرِح عليه فيما يُقْرأَ مدحًا فإذا صُحِّفَ كان هجوًا:
التَّاجُ بالحقُ فوْقَ الرأْسِ يرفَعُه … إذ كَانَ فَرْدًا حَوَى وصْفا مجالسُه
فضْلًا وبذْلًا وصُنْعا فاخِرًا وسَخًا … فأَسْأَلُ اللهَ يُبْقِيه ويحرُسُهُ (^٣)
مات في ذي القعدة.
٣٤ - محمد بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي ثم الدمشقي المعروف بابن الفخر، كان خيّرا في عدول دمشق. مات في شعبان.
_________________
(١) الضبط من ز، هذا وقد عرفها ياقوت: المعجم ٢/ ٩٢١ بأنها قرية صغيرة من أعمال حوران، وكذلك جعلها ٣٧٥. Dussaud: op.cit p وإن كان قد ذكر الاختلاف في نطقها فأشار إلى أن بعضهم كياقوت ضبطها بضم الزين وسكون الراء والعين، والبعض الآخر كابن بطوطة بفتح العين وختمها بتاء. ثم عاد نفس المؤلف. op.cit p.٥١٦، فأشار إلى النطق الأول وأنها تنطق أيضًا Zourre، وهذا في القديم، وأنه وردت الإشارة إليها في إحدى رسائل تل العمارنة.
(٢) وذلك حين مجيئه إلى دمشق حيث استخدمه في ديوان الإنشاء.
(٣) تصحيف هذين البيتين كما أورد في الشذرات ٧/ ٩٤ هو: الباخ بالخف فوق الرأس يرقعه … إذ كان قردا حوى وضعا مخالسه فصلا ونذلا وضيعا فاجرا وسخا … فأسأل الله ينفيه ويخرسه.
[ ٢ / ٤١٥ ]
٣٥ - محمد بن محمد بن علي بن منصور الحنفي، بدرُ الدين بنُ قاضي القضاة صدر الدين، وُلد سنةَ ستٍ وخمسين تقريبًا، وولي قضاء العسكر في حياة أَبيه وتدريس الركنيّة (^١)، وخطب بجامع منكلي بغا، وكان قليل البضاعة وكانت له دنيا ذهبَتْ في الفتنة. مات في رمضان.
٣٦ - محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فهد الهاشمي نجم الدين، سمع من العزّ بن جماعة وابن عبد المعطي وغيرهما وحدّث، وأقام بأَصفون (^٢) الجبلين من صعيد مصر مدة ثم رجع ومات بمكة في ربيع الأَول وقد جاوز الخمسين، وهو والد صاحبنا تقي الدين؛ وقد مات أَبوه (^٣) كمال الدين في سنة سبعين.
٣٧ - محمد بن محمد بن محمد بن عبد البّر بن يحيى بن عليّ بن تمام السبكي، جلال الدين بن بدر الدين بن أَبي البقاء الشافعي المصري، وُلد قبل سنة سبعين، واشتغل في صباه قليلًا، وكان جميل الصورة لكنه صار قبيح السّيرة كثير المجاهرة بما أَزْرى بأَبيه في حياته وبعدْ موته بل لولا وجوده لما ذُمّ أَبوه.
وقد ولي تدريس الشافعِيّ بعد أَبيه بجاه ابن غراب بعد أَن بذل في ذلك دارًا تساوي أَلف دينار؛ وولى تدريسَ الشيخونية بعد صدْر الدين المناوي بعد أَن بذل لنوروز مالًا جزيلًا وكان ناظرها. مات في جمادى الأُولى (^٤).
_________________
(١) هناك مدرستان بدمشق إحداهما الركنية الجوانية الشافعية، والأخرى الركنية البرانية الحنفية، والأرجح أن المقصود في المتن هو الركنية الجوانية، فقد كان ابن منصور شافعيا، انظر عنها النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٢٥٣ وما بعدها، وعن البرانية، نفس المرجع ١/ ٥١٩ وما بعدها.
(٢) فراغ في ز، وقد ورد في هامش ظ (٢١٨ ب) "بالصعيد"، وفي هـ "أسوان"، ثم إشارة فوقها، وإزاءها في الهامش "بأصفور"، وقد صحح ما بالمتن بعد مراجعة ترجمة ابنه تقي الدين الواردة في الضوء اللامع ٩/ ٧٢٧، وفي ك "بأصفون بصعيد مصر"، وهي نفس عبارة الشذرات ٧/ ٩٥، وقد عرفها ياقوت: المعجم ١/ ٢١٢ بأنها قرية بالصعيد الأعلى على الشاطئ الغربي للنيل تحت إسنا، وانظر القاموس الجغرافي للبلاد المصرية، ق ٢، ج ٤، ص ١٥٢.
(٣) أي والد صاحب الترجمة وهو محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فهد الهاشمي، انظر الدرر الكامنة ٤/ ٤٣٨٢.
(٤) جاء بعد هذا ترجمة "بركة بن موسى بن محمد بن الشهاب الحلبي"، وقد نقلناها إلى موضعها في حرف الباء، انظر ما سبق ترجمة رقم ١٥ ص ٤٠٧.
[ ٢ / ٤١٦ ]
٣٨ - يلبغا بن عبد الله السالمي الظاهرى، كان من مماليك الظاهر ثم تمهّر وصيّره خاصكيًّا، وكان مِمَّن قام له بعد القبض عليه في آخر صفر فحمد له ذلك، ثم ولاَّه النظر على خانقاه سعيد السعداء سنة سبع وتسعين ووعده بالإمرة ولم يعجْلها له، فلما كان في صفر سنة ثماني مائة أَعطاه إِمرة عشرة وقرّره في نظر الشيخونيّة في شعبان، وكان يترقَّب أَن يعمل نيابة السلطنة فلم يتم ذلك، ثم جعله الظاهر أَحد الأَوصياء فقام بتحليف مماليك السلطان لولده النَّاصر، وتنقلَّت به الأَحوال بعد ذلك فعمل الأُستادارية الكبرى والإشارة وغير ذلك على ما تقدّم ذكره مفصّلا في الحوادث، ثم في الآخر ثار الشرُ بينه وبين جمال الدين فعمل عليه حتى سجنه في الإسكندرية.
وكان طول عمره يلازم الاشتغال بالعلم ولم يُفتح عليه بشيء منه سوى أَنه كان يصوم يومًا بعد يوم ويكثر التلاوة وقيام الليل والذكر والصّدقة، وكان لجوجًا مصَمِّما على الأَمر الذي يريده ولوْ كان فيه هلاكه، ويستبدّ برأْيه غالبًا، وكان سريع الانفعال مع ذلك.
وكان يحب العلماءَ والفضلاءَ، وقد لازم سماع الحديث معنا مدّةً، وكتب بخطِّه الطباق، وأَقْدَمَ علاءَ الدين بن أَبي المجد من دمشق حتى سمع الناس عليه "صحيح البخاري" مرارًا، وكان يبالغ في حبّ ابن العربي وغيره من أَهل الطريقة ولا يؤذي من ينكر عليه.
مات مخنوقًا وهو صائمٌ في شهر رمضان بعد صلاةِ عصرِ يومِ الجمعة، وما عاش جمال الدين بعده إلَّا دون عشرة أَشهر.
ومن محاسنه في مباشراته أَنه قَرّر ما يؤْخذ في ديوان المرتجع على كل مُقَدَّم: خمسين أَلفا، وعلى الطبلخاناه: عشرين أَلفًا، وعلى أُمراء العشرة: خمسة آلاف، فاستمرّت إلى آخر وقت، وكان المباشرون في دواوين الأُمراء -قبل هذا- إذا قُبض على الأَمير أَو مات يلقون شدّةً من جَوْر المتحدث على المرتجع، فلما تقرّر هذا كتب به أَلواحًا ونقشها على باب القصر، وهي موجودة إلى الآن.
[ ٢ / ٤١٧ ]
وهو الذي ردّ سعر الفلوس إلى الوزن وكانت قد فحشت جدا بالعدم حتى صار وزنُ الفلس خرُّوبتين.
وكان يذكر أَنه من أَهل سمرقند وأَنّ أَبويْه سمّياه "يوسف"، وأنه سُبِي فجُلِب إلى مصر مع تاجرٍ اسمه "سالم"، فنُسب إليه فاشتراه برقوق وصيّره من الخاصكية، وأَوّلُ مانبَّه ذكرَه ولايةُ خانقاه سعيد السعداءِ وذلك في جمادي الآخرة سنة ٩٧؛ وكان يُكْثِر الاجتماع بالعلماء، ثم ولى إمرة عشرة في تاسع شعبان سنة إحدى وثماني مائة ونظرَ خانقاه شيخون فباشره بعنف، ثم صار أَحد الأَوضياءِ لبرقوق، وهو الذي قام بتحليف الأُمراءِ للنَّاصر، فأَوّل ما نُسب إِليه من الجور أَنه أَنفق في المماليك نفقة البيعة: على أَن الدينار بأَربعة وعشرين، ثم نودي عند فراغ النفقة بأَن الدينار بثلاثين، فحصل الضرر التام بذلك.
ثم استقرّ في الأُستادارية في ثالث عشر ذي القعدة سنة سبعٍ فسار سيرةً حسنةً عفيفةً، وأَبطل مظالمَ كثيرة منها تعريف منية ابن بني خصيب وضمان العرصة وأَخصاص الغسّالين وأَبطل وَفْر الشُّونَ، وكسرما بمنية السيرج وناحية شبرا من جرار الخمر [وكان] شيئًا كثيرًا، وتشدّد في النظر في الأَحكام الشرعية، وخاشن الأُمراءَ وعارضهم فأَبغضوه، وقام في سنة ثلاثٍ وثمانمائة فجمع الأَموال لمحاربة تمرلنك فشنعت عليه القالة كما تقدّم.
وقُبِض عليه في رجب منها وتسلَّمه ابنُ غراب وعمل أُستادارًا وأَهانه، وعوقب وعُصِر ونُفِى إلى دمياط، ثم أُحْضر في سنة خمسٍ وثمانمائة وقُرّر في الوزارة والإشارة، فباشر على على طريقته في العسف، فقُبض عليه وعوقب أيضًا وسُجن، ثم أُفْرِج عنه في رمضان سنة سبع وعمل مشيرًا فجرى على عادته، ثم قُبض عليه وسُلِّم لجمال الدين الأُستادار فعاقبه ونفاهُ إلى الإسكندرية فرجمَتْه العامّة وهو يسير في النيل، فلم يزل بالسجّن إلى أَن بذل فيه جمالُ الدين للنَّاصر مالًا جزيلًا فأَذن في قتله فقتل. وكان له مروءَة وهمة عالية.
* * *
[ ٢ / ٤١٨ ]
والحمد (^١) لله ربّ العالمين. وصلَّى الله وسلَّم على خير خلقه أَجمعين.
انتهى المجّلد الأَول بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه سنة اثنتي عشرة وثماني مائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* * *
_________________
(١) من هنا حتى النهاية في هذه الصفحة غير وارد في ظ، ولكن في ك: "آخر المجلد الأول والحمد لله على العافية، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كبيرا، آمين. وحسبنا الله ونعم الوكيل. قتلوه سنة اثنتي عشرة وثمانمائة في أول المجلد الثاني إن شاء الله تعالى". وفي نسخة هـ "آخر المجلد الأول والحمد لله على إنعامه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كبيرا. آمين وحسبنا الله ونعم الوكيل. يتلوه سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، أعان الله على إكماله".
[ ٢ / ٤١٩ ]
بسم (^١) الله الرحمن الرحيم
رب يسّر وتمِّم بخير
اللَّهُمَّ صلّ وسلم على أَشرف خلقك سيدنا محمد وآله وصحبه وسلْم تسليما.