١ - أَحمد بن سعيد (^١) بن أَحمد السماقي الحسباني الشاهد بسوق ساروجا، أَخو القاضي شرف الدين قاسم. مات في جمادى الآخرة عن سبعين سنة بدمشق.
٢ - أَحمد بن عبد اللطيف بن أَبي بكر بن عمر الشَّرْجي (^٢) ثم الزبيدي، اشتغل كثيرًا ومهر في العربية، وكذا كان أَبوه سراج الدين، ودرّس شهاب الدين بالصلاحية بزبيد، اجتمعْتُ به وسمع عليَّ شيئًا من الحديث وسمعْتُ من فوائده. مات بحرَض (^٣) عن أَربعين سنة.
٣ - أَحمد بن محمد بن أَبي الوفاء محمد بن محمد بن محمد الشاذلي، شهاب الدين
_________________
(١) أورده السخاوي مرة باسم "سعد" في الضوء اللامع ١/ ٣٠٥، وأخرى باسم "سعيد" في نفس المرجع ٦/ ٦١٦، هذا وقد جعل وفاته في جمادى الأولى لا الآخرة. وقد صحح ما بالمتن بعد مراجعة ترجمته في الضوء اللامع ١/ ٣٠٥ وترجمة أخيه قاسم في نفس المرجع ٦/ ٦١٦.
(٢) راجع الضوء اللامع ١/ ٣٥٤ والضبط منه ٤/ ٨٩٥ ومن شذرات الذهب ٧/ ٩٦ وإن نسبته إلى "شرجه" وذكرت أنها من نواحي مكة، على حين أن مراصد الاطلاع ٢/ ٧٩٠ ذكر أنها "من أول أرض اليمن "وهذا أصح.
(٣) حرض بلد في أوائل اليمن من جهة مكة، انظر مراصد الإطلاع ١/ ٣٩٢.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
المشهور بابن وفا، أَخو الشيخ علي (^١) الماضي سنة سبع وثمانمائة، وأَحمد هو الأَسنّ وعليٌّ هو الأَشهر، وكان عند أَحمد سكونٌ وقلة كلام وليس له نظم، وكانت تُذكر له أَحوال حسنة، ولم يكن يعمل المواعيد إلَّا مع خواصّ أصحابه، ونبغ له أَبو الفضل محمد (^٢) ففاق الأَقْران في النظم والذكاء. ومات غريقًا بعد أَبيه بسنة، وكانت (^٣) وفاة شهاب الدين في شوال وله ست وخمسون سنة.
٤ - أَبو بكر بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي أَخو الشيخ جمال الدين، اشتغل قليلًا وسمع من عز الدين بن جماعة وغيره، ومات (^٤) في جمادى الآخرة.
٥ - أَبو بكر بن عبد الله بن خليل (^٥) المنجّم الشاعر، تعانى التنجيم والآداب، وكان بارعا في النظم والمجون وله مطارحات مع أُدباء عصره أَولهم شمس الدين المزين ثم خطيب زرع ثم علي البهائي، واشتهر بخفة الروح والنوادر المطربة. ومات في صفر، وهو القائل:
حَنَفِيٌّ مدرّسٌ حَاز خدًّا … كَرِياض الشَّقِيق في التَّنْمِيق
لو رآهُ النُّعْمان في مجلس الدرْ … س لقال النُّعْمَانُ: هذا شَقيقي
_________________
(١) راجع ما سبق ترجمة رقم ١٧ ص وفيات ٨٠٧، وانظر أيضا الضوء اللامع ٦/ ٤٦.
(٢) الوارد في ترجمته في الضوء اللامع ٦٧/ ١٨ أنه مات سنة ٨٥٢ هـ وهذا يخالف ما جاء في المتن من أنه مات بعد أبيه بسنة، ولكن بمراجعة شذرات الذهب ٧/ ١٠٦ - ١٠٧ تبين أن "أبا الفضل" هو "عبد الرحمن "وقد مات غريقًا في النيل سنة ٨١٤، وقد ترجم له السخاوي: الضوء اللامع ٤/ ١٨٣ فقال: "عبد الرحمن ويسمى محمدا أيضا" وجعل وفاته سنة ٨١٤ هـ، ثم أشار إلى أن ابن حجر ذكره في تلك السنة، ثم ذكر السخاوي أيضا أنه رآى له ترجمة بخط ابن حجر مرة أخرى أرخ فيها وفاته غرقا بسنة ٨١٥.
(٣) خطأ السخاوي أستاذه ابن حجر إذ جعل وفاته سنة ٨١٤ وليست كما بالمتن، انظر الضوء اللامع ٣/ ٥٣٦؛ هذا وقد ذكرته شذرات الذهب فيمن مات سنة ٨١٢ كما بالمتن.
(٤) كان موته بمكة، هذا وقد اتفق الضوء اللامع ١١/ ١٠٢ وشذرات الذهب ٧/ ٩٧ على أن موته كان في جمادى الأولى.
(٥) لم يرد هذا الإسم في سلسلة نسبه بالضوء اللامع ١١/ ١٠٥، حيث أورده السخاوي هناك باسم "أَبو بكر بن عبد الله بن قطلبك الدمشقي" وأنه آثر عشرة الصلاح خليل، وهكذا أيضا سماء الشذرات ٧/ ٩٧.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وله في شمس الدين المزين الشاعر زحل أَوله:
سيرك يا مزين أَمْسى … ناقص البراعهْ
لكن في الحرام حيث تحمده … كامل البضاعه
سيرك يا ربّيط سير … محلول من قبح فعالَكْ
وانْتا حرامي مجروح … وعرضك بحالك
وتهجي "المنجم" أَما … تبصر يا "عر" حالك
لا تلعب بِدِيل معي … وتمل رقاعه
أَفضحك واسقيك شربه … ولَاسِمّ ساعهْ
ولما مدح الشيخ عليُّ البهائي بدرَ الدين بن الشهاب محمود بقصيدته التي أَولها:
أَلا يا نسمَة الرِّيح … قِفي أُبْدِيكِ تبْريحِي
قفي أُخبرْكِ عنْ جسْمي … وإن شئت أَقُلْ روحي
ناقضه المنجم بقوله:
طِرادُ البَغْل في الرّيحِ … على فرسٍ من الشيح
وشُرْبي الخَلَّ ممزوجًا … بأَمْراق القواليح
ونقلي يابس الزعرور … مع بعْر التماسيح
وقوْم في حبان الثلج … قد فازوا بتشليحي
ويعني من دمشق الشا … م ليلًا غير مصبوح
وتعويضي بأَكلْ اللِّفْ … تِ عن تلك التفافيح
وسمعي في حقول الفِجل … أَصوات الذراريح
على شبه الضفاديع الَّ … تي في بحر إطْفيح
أَحبّ إليّ من شعر … شبيه الشيح في الريح
وتلميح كتلميح ال … دِّمَاغَات المساميح
إذا عاناه معصومٌ … شكا ذا للمساكيح
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وعاد ببرده يشكو … من لقولنج والريح
ترانى حين أَسمعه … بصدْرٍ غير مشروح
أَقول لنفْسيَ اعتزِّى … وعن أَبياته روحي
قريض من معاليه … حلى الحي لذي الروح
وناظمه أخو جهلٍ … مِنَ القوم المشاكيح
ووزن الشعر يشغله … بنقصان وترجيح
بنظم مظلم يطفي … أَشِعّات المصابيح
ولولا بدر دين الل … هِ مخدومي وممدوحي
لأَظلم بيت أَفكاري … ولم أَظفر بتوضيح
ولا عارضْتُ في شعري: … "أَلا يا نسمة الريح"
أَنشدنيها بنصها ناصر الدين البارزي بالقاهرة، ثم أَنشدنيها بنصها ولده القاضي كمال الدين بأَلبيرة على شاطئ الفرات في سنة آمد (^١)، وأَنا لإنشاد الثاني أضبط.
٦ - أَبو بكر بن علي الحمصي سيف الدين المعمار، اشتهر بذلك وتقدّم في فنّه وعاش أَزيد من تسعين سنة بدمشق (^٢).
٧ - خليل بن محمد بن خليفة بن عبد العال الحسباني، ابن عم الشيخ شهاب الدين وصهره على ابنته، كان خيّرًا ديّنًا ورث من أَبيه مالًا جزيلا غرم أَكثره في تزويج ابنة عمه المذكورة ثم كان آخر أَمره أن طُلِّقت منه، وقد ولي قضاءَ حسبان.
٨ - عبد الله بن أَحمد اللخمي التونسي الفُرِّياني (^٣) - بضم الفاءِ وتشديد الراءِ بعدها تحتانية خفيفة وبعد الأَلف نون - كان فاضلًا مشاركًا في الفقه والعربية والفرائض مع الدين والخير. مات راجعًا من مكة إلى مصر ودفن بعد عقبة أَيلة (^٤) في المحرم.
_________________
(١) يعني بذلك سنة ٨٣٦ هـ.
(٢) نقل هذه الترجمة بنصها السخاوي في الضوء اللامع ١١/ ١٥٩ مشيرًا إلى الإنباء.
(٣) الوارد في شذرات الذهب ٧/ ٩٧ أنها نسبة إلى "فريانة" وقد عرفها مراصد الاطلاع ٣/ ١٠٣٤ بأنها قرية كبيرة من نواحي إفريقية قرب سفاقس.
(٤) مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام وهي آخر الحجاز كما قال مراصد الاطلاع ١/ ١٣٨.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
٩ - عبد الرحيم بن محمود بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن علي (^١) بن عقيل السُّلَمي البعلبكي، زين الدين خطيب بعلبك وابن خطيبها، وُلد سنة تسع وعشرين أو قبلها، ومات أبوه (^٢) سنة خمسٍ وثلاثين [وسبعمائة] وهو (^٣) الكاتب المجوّد المشهور بهاء الدين محمود فربّاه جده (^٤) وولي خطابة بلده وكانت بيد سلفه منذ أَربعمائة سنة فيما يقال، وقد حدّث عبد الرحيم عن الحجّار وغيره بالإِجارة، وكان من أَعيان شهود بلده موصوفًا بالخير. مات في ربيع الأَول.
١٠ - علي بن الحسن بن أَبي بكر بن الحسن بن علي بن علي بن وهَّاس الخزرجي موفق الدين الزبيدي، اشتغل بالأَدب ولهج بالتاريخ فمهر فيه وجمع لبلده تاريخًا كبيرًا وآخر على الحروف (^٥) وآخر في الملوك، وكان ناظما نائرًا. اجتمعْتُ به بزبيد وكتب لي مدحًا. مات في أَواخر هذه السنة وقد جاوز السبعين.
١١ - علي بن محمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن الناشري موفق الدين الشاعر المشهور الزبيدي، اشتغل بالأَدب ففاق أقرانه، ومدح الأَفضل ثم الأَشرف ثم النَّاصر، وكانوا يقترحون عليه الأَشعار في المهمّات فيأتي بها على أَحسن وجه، وكانت طريقة شعره الانسجام والسهولة دون تعاني المعاني التي لهج بها المتأَخرون
_________________
(١) "أحمد" في الضوء اللامع ٤/ ٤٧٨.
(٢) ولد الأب سنة ٦٨٨، وعنى بالخط وتخرج عليه جماعة من الدماشقة فيه، انظر ابن حجر: الدرر الكامنة ٥/ ٤٧٧٦، أما الجد فشابهه ابنه في كتابة الخط المنسوب، ووصفه الذهبي بالعقل والصلاح، وأشار إليه في معجمه، راجع الدرر الكامنة ٤/ ٣٨٩٠.
(٣) "هو" هنا يقصد بها والد المترجم.
(٤) انظر حاشية رقم ٢.
(٥) في الضوء اللامع ٥/ ٧٠٦ والشذرات ٧/ ٩٧ "الأسماء" بناء على ما ورد في معجم ابن حجر، واسم هذا الكتاب "طراز أعلام اليمن في طبقات أعيان اليمن "وسماه أيضا "العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن"، انظر: Brokelmann Gesch، der Araber Lit.; Supp. II، ٢٣٥، وراجع أيضا فهرس المخطوطات العربية بالجامعة العربية بالقاهرة ج ٢ ق ٣ ص ٢٤٥.
[ ٢ / ٤٤١ ]
حجَّ في سنة إحدى عشرة ورجع فمات بنواحي حرَض في المحرّم (^١) أَو في الذي بعده وقد جاوز الستين (^٢).
رأَيْتُه بزبيد وسمعْتُ من نظمه قليلًا.
١٢ - قجاجق (^٣) بن عبد الله الدويدار الناصري، كان حسن الخلق ليّن الجانب مسرفًا على نفسه، ولي الدويدارية الكبرى فباشرها بلطف ورفق. مات في أَواخر السنة وقيل في سادس المحرم من التي تليها.
١٣ - محمد بن أَحمد بن أَبي القاسم الوزير كمال الدين بن المقرئ الزبيدي، ناب في الوزارة باليمن، وناب عن القاضي مجد الدين الشيرازي في القضاءِ، وكان فاضلًا.
١٤ - محمد بن عبد الله بن أَبي بكر، الشيخ شمس الدين القليوبي الشافعي، اشتغل بالعلم وتلمذ للشيخ وليّ الدين الملوي، ورأَيْت سماعه على العرضي ومظفر الدين بن العطَّار في "جامع الترمذي" وما أَظنّه حدّث عنهما. واشتهر بالخير والدين، وكان متقلّلا جدا إلى أن قُرّر في مشيخة الخانقاه الناصرية بسرياقوس فباشرها إلى أَن مات في جمادى الأُولى، وكان متواضعا ليّنا.
١٥ - محمد بن عبد الله الخردفوشي (^٤) أحد من كان يُعْتَقد. مات في ربيع الآخر.
١٦ - محمد بن [عبد الرحمن (^٥)] بن يوسف الحلبي المعروف بابن سحلول، ناصر الدين: كان عمه عبد الله وزيرًا بحلب، وُلد سنة. . . . . . . . . (^٦)، وسمع "المسلسل"
_________________
(١) ذكر السخاوي في الضوء اللامع ٥/ ٩٨٥ أن ابن حجر أورد وفاته في معجمه في أول ربيع الأول ٨١٢ هـ.
(٢) هذه الترجمة من بدايتها حتى هنا نقلتها الشذرات ٧/ ٩٨ دون الإشارة إلى أخذها من إنباء الغمر.
(٣) ويسمى في بعض المراجع "قجاقع" وبهذا يسميه العيني، وكان قجاجق من خاصكية الظاهر برقوق، ثم رقاه ابنه الناصر فرج إلى التقدمة، ومن ثم نعته ابن حجر هنا "بالناصري"، انظر الضوء اللامع ٦/ ٦٩٨.
(٤) بالقاف في الضوء اللامع ٨/ ٢٧٨.
(٥) الإضافة من الضوء اللامع ٨/ ٤١.
(٦) فراغ في جميع النسخ.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
بالأَولية عن أَحمد بن عبد الكريم وسمع عليه "الأَربعين المخرجة في صحيح مسلم" بسماعه على زينب الكنديّة عن المؤيد، وسمع من ابن الحبال "جزءَ المناديلي"، أَنا عبد الخالق بن علي بن واصل البصري، ثنا أَبو جعفر السعيدي، ثنا أَبو القاسم إبراهيم بن محمد المناديلي؛ وولي مشيخة خانقاه والده فكان أَهل حلب يتردّدون عليه لرئاسته وحشمته وسؤدده ومكارم أَخلاقه، وكان مواظبا على إطعام مَن يرد عليه ثم عظم جاهه لما استقل جمال الدين الأُستادار بالتكلُّم في المملكة فإنه كان قريبه من قِبَل الأُم لأَنَّ أُم جمال الدين بنت عبد الله عمّ شمس الدين [أَبي] المذكور، وكان استقرّ في مشيخة الشيوخ بعد موت الشيخ عزّ الدين الهاشمي، ثم سافر من حلب إلى القاهرة فبالغ جمال الدين في إكرامه وجهزه إلى الحجاز في أُبّهة زائدة، و[كان] أَحمد ولد جمال الدين يومئذٍ أَمير الركب فحجَّ وعاد فمات بعقبة أَيلة في شهر الله الحرام، وسَلِم ممّا آل إليه أَمر قريبه جمال الدين [وآله (^١)].
١٧ - محمد بن عمر بن إبراهيم بن القاضي العلَّامة شرف الدين هبة الله البارزي، ناصر الدين الحموي قاضي حماة هو وأَسلافه، كان موصوفًا بالخير والمعرفة فاضلًا عفيفا مشكورا في الحكم، باشر القضاءَ مدّةً، ومات بحماة في هذه السنة، وجدّه هبة الله هو القاضي شرف الدين البارزى العالم المشهور.
١٨ - محمد بن محمد بن موسى بن سَليم - بفتح المهملة - الحجاوي (^٢)، كان من أَهل العلم الهيئة، وولي وظيفة التوقيت بالجامع الأُموي ثم انتقل إلى حجا بلده فمات هناك في شعبان.
١٩ - محمد بن موسى بن محمد بن سلمان الحلبي الأَصل الدمشقي بدر الدين بن الشهاب محمود، وُلد في حدود الخمسين (^٣)، ونشأَ بدمشق واشتغل وتعانى الأَدب ونظم الشعر وولي
_________________
(١) الإضافة من الشذرات ٧/ ٩٩ في ترجمة "يوسف" الواردة في هذه السنة برقم ٢٢، ص ٤٤٥.
(٢) "الججاوي" في الضوء اللامع ١٠/ ٦٦.
(٣) "ويقال في حدود سنة سبعين"، الضوء اللامع ١٠/ ٢٠٩.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
كتابة السر بدمشق وطرابلس، وكان ولي توقيع الدست بحلب رئيسًا كريما ذكيًا له مروءَة وعصبية إلَّا أنه كان يُنسب إلى أَشياءَ غير مرضية، كتب عنه القاضي علاءُ الدين في ذيل تاريخ حلب من نظمه، ومات في السجن بدمشق سنة ٨١٢ على يد جمال الدين الأُستادار.
٢٠ - نصر الله بن أَحمد بن محمد بن عمر، التستري الأَصل ثم البغدادي نزيل القاهرة، جلال الدين أَبو الفتح، وُلد في حدود (^١) الثلاثين، ومات أَبوه وهو صغير فربّاه الشيخ الصالح أَحمد السقا وأَقرأَه القرآن، واشتغل بالفقه على مذهب الحنابلة، وسمع الحديث من جمال الدين الخضري (^٢) وكمال الدين الأَنباري وأَبي بكر بن قاسم السنجاري في آخرين، وأَسانيدهم نازلة، وقرأَ الأُصول على الشيخ بدر الدين الإِربلي، وأَخذ عن الكرماني شارح البخاري "شرح العضد على ابن الحاجب"، وولي تدريس الحديث بمسجد يانس (^٣) ببغداد ومدارس الحنابلة كالمستنصرية والمجاهدية، وصنف في الفقه وأُصوله ونظم كتابا في الفقه (^٤): ستة آلاف بيت وأُرجوزة في الفرائض: مائة بيت جيّدة في بابها وله: "مختصر ابن الحاجب" و"مدائح نبوية".
وكان يذاكر الناس ببغداد وانتفع الناس بذلك وخرج من بغداد فبالغوا في إكرامه، وكان مقتدرًا على النظم والنثر، ثم قدم القاهرة في سنة تسعين، وتقرّر في تدريس الحنابلة بمدرسة الظاهر برقوق وكان قد امتدحه وعمل له رسائل في مدح مدرسته، وحدث بالقاهرة بـ "جامع المسانيد" لابن الجوزي بسماعه له بإسنادٍ نازل إلى مؤلفه. مات في عشرين صفر بعد أَن مرض طويلًا.
_________________
(١) في الضوء اللامع ١٠/ ٨٤٩ "ولد سنة ٧٣٣".
(٢) "الحضري"، في هـ.
(٣) هكذا في هـ، والضوء اللامع ١٠/ ٨٤٩ "مسجد يانس" وكذلك في العزاوي: العراق بين احتلالين ٢/ ١١٥ س ٤ وإن كان قد تشكك فوضع بعدها كلمة "كذا" ولكنها "ياسر" في ز.
(٤) سماه شذرات الذهب ٧/ ٩٩ "نظم الوجيز في الفقه".
[ ٢ / ٤٤٤ ]
٢١ - نصر الله بن محمد الصرخدي ناصر الدين، أَحد الفضلاء، مات في أحد الربيعين.
٢٢ - يوسف بن أَحمد بن محمد بن أَحمد بن جعفر بن قاسم البيري ثم الحلبي نزيل القاهرة، الأَمير جمال الدين، ولد سنة ٧٥٢ (^١)، وكان أَبوه خطيب إلبيرة فصاهر الوزير عبد الله بن سحلول فنشأَ جمال الدين في كنف خاله، وكان أَولًا بزيّ الفقهاء، وحفظ القرآن وكتبا في الفقه والعربية، وسمع من شمس الدين بن جابر الأَندلسي قصيدته "البديعية"، وعرض عليه "أَلفية ابن معطى" وأَخذ عنه في شرحها له بحلب، ثم قدم مصر بعد سنة سبعين وهو بزيّ الجند فخدم أُستادار الأَمير بجاس وعُرف به وطالت مدّته عنده، ثم ترقَّى إلى أَن تزوّج بنت أُستاذه وعظم قدره ومحله، فباشَر الأُستادارية عند جماعةٍ من الأُمراء كبيبرس وسودون الحمزاوي وغيرهما، وعمر الدور الكبار، وعمر في داخل القصر بجوار المدرسة السابقية (^٢) منزلًا حسنًا فيقال إنه وجد فيه خبية للفاطمييّن.
واشتهر ذكره بالمروءَة والعصبية وقضاء الحوائج للناس، فقام بأَعباء كثير من الأُمور وصار مقصد الملهوفين يقضي حوائجهم ويركب معهم إلى ذوي الجاه، ولم ينزل معظما نافذ الكلمة إلى أَن قُرر في الأُستادارية رابع رجب سنة سبع وثمانمائة بعد هرب ابن غراب مع يشبك فحُمِدَتْ سيرته.
ثم وقع بينه وبين السالمي لتهوّر السالمي فقبض عليه في ذي الحجة واستبدّ بالأَمر إلى أَن قرّر في الأُستادارية الكبرى عوضًا عن ابن قيماز في رابع رجب سنة ثمان بعد أَن
_________________
(١) انظر الضوء اللامع ١٠/ ١١٥٧، والشذرات ٧/ ٩٩.
(٢) وهي من إنشاء سابق الدين مثقال الآنوكي.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
رسم عليه في بيت شادّ الدواوين يومًا وليلة، واستمر مع ذلك يتحدّث في أُستادارية الأَمير الكبير بيبرس، ثم لمّا تغيرت الأُمور التي بسطناها في سنة ثمان وثمانمائة وتمكَّن ابن غراب من المملكة أَراد الفتك بجمال الدين ثم اشتغل عنه بمرضه ولم يلبث أَن هلك، واستولى جمال الدين على الأُمور واستضاف الوزارة ونظر الخاص والكشف بالوجه البحري واستقرّ مشير الدولة.
ثم لما قُتل يشبك صفى له الوقت وصار عزيز مصر على الحقيقة، لا يُعقَد أَمر إلَّا برأْيه ولا تنفصل مشورة إلَّا عن رأْيه، ولا يخرج إقطاع إلَّا بإِذنه، ولا يَستخدم أَحدٌ من الأُمراء ولو عَظُم - كاتبًا عنده إلَّا من جهته، ولا تباع دار حتى تُعرض عليه، ولا يثبت مكتوب على قاضٍ حتى يستأْذنه، ولا يباع شيء من الجوهر والصيني ولا من آنية الذهب والفضة ولا من القز (^١) والصوف والحرير ولا من كتب العلم النفيسة حتى تُعرَض عليه، ولا يلي أَحدٌ وظيفةً ولو قَلَّت - حتى نواب القضاة - إلَّا بأَمْره، ثم تجاوز ذلك حتى صار لا يَخْرُج إقطاع ولوْ قلَّ إلَّا بمشورته، ولا يحكم أَمير في فلاحه حتى يؤامره، ولا تُكتب وصية حتى تُعرَض عليه أَو يَأْذن فيها.
وخضع له الآمر والمأمور، وكثر تردّد الناس إلى بابه حتى كان رؤساءُ الدولة من الدويدارية وكاتب السِّرِّ ومَن دونهما ينزلون في ركابه إلى منزله، ولا يَصْدُر أَحد منهم إلَّا عن رأْيه، ثم شرع في انتهاك حرمة الأَوقاف فحلَّها أَوّلًا فأَوّلا حتى استبدل بالقصور الزاهرة المنيفة بالقاهرة كقصر بشتك (^٢) والحجازية وغيرهما بشيءٍ من الطين من
_________________
(١) "الفرو" في الضوء اللامع ١٠/ ١١٥٧.
(٢) أفاض المقريزي في خططه ٢/ ٤١٣ - ٤١٧ في وصف هذين القصرين. وقصر بشتاك منسوب إلى بانيه الأمير بشتاك الذي شيده على مساحة كبيرة من الأرض، وبالغ فيه حتى وصفه المقريزي بأنه "من أعظم مباني القاهرة". وله شبابيك من حديد تشرف على شارع القاهرة، وينظر من أعلاه عامة القاهرة والقلعة والنيل والبساتين"، وكان تمام بنائه سنة ٧٣٨ هـ، وعلى الرغم من حسن روائه إلا أن صاحبه "كان إذا نزل إليه ينقبض صدره ولا تنبسط نفسه ما دام فيه حتى يخرج منه. . . فكرهه وباعه لزوجة بكتمر الساقي". أما قصر الحجازية فكان يعرف أولا بقصر الزمرد في أيام الفاطميين، ثم لما كان زمن الأيوبيين اشتراه الأمير بدر الدين بن خطير الحاجب، ثم صار يعرف بقصر قوصون، ثم اشترته خوند تتر الحجازية ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون فبالغت في الصرف عليه وتزيينه، فأصبح ينسب إليها وبنت بجواره مدرستها المعروفة بالمدرسة الحجازية وجعلت القصر وقفًا عليها.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الجيزة وغيرها، وكان قبل ذلك يتوقَّى في الظاهر، فربّما رام استبدال بعض الموقوفات فيعسّر عليه القاضي إلى أَن تجتمع شروط ذلك عند من ذهب إلى جوازه، فيبادر هو قيدسّ بعض الفعلة إلى ذلك المكان في الليل فيفسد في أَساسه إلى أَن يكاد يسقط، فيرسل مَن يحذّر سكانه، فإذا اشتهر ذلك بادر المستحقّ إلى الاستبدال، ومَن غفل منهم أَو تمنَّع سقط فينقص من قيمته ما كان يدفعه له لو كان قائمًا، ثم بطلت هذه الحيلة لمّا زاد تمكُّنه بإعانة القاضييْن: الحنفي تارة والحنبلي أُخرى.
سمعْتُ القاضي كريم الدين بن عبد العزيز يقول: "كنتُ في جنازةٍ فتوجَّهْتُ للمقبرة فرأَيت ابن العديم فقبَّحْتُ له انتهاك حرمة الأَوقاف بكثرة الاستبدالات فقال: إن عشْتُ أَنا والقاضي مجد الدين - وأَشار إلى سالم الحنبلي - لا يبقى في بلدكم وقف"، والعجب أَن رؤساءً كانوا ينكرون أَفعال جمال الدين في الباطن: رعايةً له أَو فرقًا منه، فما هو إلَّا أَن قُتل فتوارد الجميع على اتِّبَاعهِ فيما سَنَّ من ذلك حتى لم يسلم من ذلك أَحدٌ منهم، ولم يزل الأَمر يتزايد بعد ذلك.
ثم لم يزل جمال الدين يترقَّى ويحصّل الأَموال ويداري بالكثير منها ويمتنُّ على الناصر بكثيرٍ من الأَموال التي ينفقها عليه إلى أَن كاد يغلب على الأَمر.
وفي الآخر صار يشتري بني آدم الأَحرار من السلطان، فكلّ من تغيّر عليه استأْذن السلطانَ في إهلاكه واشتراه منه بمالٍ معيّن يعجل بحمله إلى الناصر ويتسلَّم ذلك الرجل فيهلكه، فهلك على يده خَلق كثير جدا، وأَكثرهم - في التحقيق - من أَهل الفساد.
وفي الجملة كان [قد] نفذ حكمه في الإِقليمين: مصر والشام، ولم يَفُتْه من المملكة سوى اسم السلطنة، مع أَنه ربما كان مُدِح باسم "الملِك" ولا يغير ذلك ولا ينكره. تقدّم أَنه قُتل في جمادى الآخرة.
ولقد رأَيت بعد قتله منامًا حاصله أَنني ذكرت وأَنا في النوم ما كان فيه وما صار إليه وما ارتكب من الموبقات فقال لي قائل: "إن السيف محاءُ الخطايا" فلما استيقظتُ اتفق
[ ٢ / ٤٤٧ ]
أني نظرتُ هذا اللفظ بعينه في "صحيح ابن حبان" (^١) في أَثناء حديث، فرجوْتُ له بذلك الخير. ولعمْري لقد ارتكبوا في حقِّه منذ قُبض عليه إلى أَن قُتل ما لم يرتكبه في حقِّ مَن دونه فيما كان فيه من الإهانة والإفراط في ظلم البرآء مِن أَهله حتى وُضِعت امرأَتُه سارة (^٢) بنت الأَمير بجاس - وهي حاملٌ - على دستِ نارٍ فأَسقطت، ورأَت من الذل ما لا يوصف وماتت بعد ذلك قهرًا، فلله الأمر.
٢٣ - يوسف بن قاضي الصنمين (^٣)، نقيب الشافعي، لم يكن محمود السيرة فيما يقال.
* * *
_________________
(١) هو محمد بن حامد بن أَحمد السبتي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ.
(٢) انظر الضوء اللامع ١٢/ ٣٠٤.
(٣) الضوء اللامع ١٠/ ١٣١٩.
[ ٢ / ٤٤٨ ]