١ - إبراهيم بن محمد بن دقماق، صارمُ الدين، مؤرخ الديار (^١) المصرية في زمانه، كان جده دقماق أحد الأُمراء الناصريّة ونشأ هو محبًا في الفن التاريخي فكتب بخطِّه منه مالا يحصى، وجَمع تاريخًا على الحوادث وتاريخًا على التراجم وجمع "طبقات الحنفية"، وحصلت له بسببه محنة في سنة أربع (^٢) وثمانى مائة ذكرتها في الحوادث، وولى في آخر الأمر إمرة دمياط فلم تطل مدته فيها ورجع إلى القاهرة بها في ذى الحجة في أواخرها وقد جاوز الستين، وكان اشتغاله بالأدب عريًّا عن العربية عامِّيَّ العبارة، وكان جميل العشرة، فكه المحادثة، كثير التودّد، قليل الوقيعة في الناس.
٢ - أحمد بن إسماعيل بن عبد الله الحريري، شهاب الدين، اشتغل بالعلم ومهر في الطب والهيئة والمعقولات، ونظر في الأدب، وتزيَّا بزيّ العجم وكان مملقا جدا، اجتمعْتُ به في الكُتْبِيين مرارًا وسمعتُ من نظمه وفوائده، ثم اجتمع بالملك الظاهر بآخره فأعطاه وظائف الشيخ علاء الدين الأقفهسى فأثرى وحسُنت سيرتُه وحاله وتزوج وسلك الطرق الحميدة. مات في خامس ذي القعدة بمصر.
_________________
(١) في هـ "القاهرة" ثم كتب في الهامش "صوابه الديار المصرية".
(٢) جاء في تعليق لناسخ "في الهامش "لم يتقدم في السنة المذكورة شيء".، ويلاحظ أن ابن حجر اخطأ في قوله بالمتن "سنة أربع وثماني مائة" والصحيح فيها أن تكون "سنة خمس وثمانى مائة"، راجع في ذلك ما سبق، ص ٢٣٤، س ١٢ - ١٤.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
٣ - أحمد بن قاضي الترك (^١) الحنفى، شهاب الدين، أحد الفضلاء المتميزين من الحنفية، مات في هذه السنة بالقاهرة، وأخذ عنه بدر الدين العيني المحتسب وكان يُطريه.
٤ - أحمد بن صدقة بن تقى العِزَّى - نسبةً إلى عز الدين بن جماعة - كانت أمه تزوّجت مفتاح بن عبد الله عتيق البدر بن جماعة وكان في خدمة عز الدين، أخذ الفقه واشتغل قليلًا ثم لازم سوق الكتب في حانوتٍ ثم افتقر فصار (^٢) أحد الكتبة، وكان ينسخ مع ضعف خطه، وكان ساكنًا ضعيف الحال والبنْيَة.
٥ - أحمد بن عبد العجيمي الحنبلي، شهاب الدين، أحد الفضلاء الأذكياء أخذ عن كثيرٍ من شيوخنا، ومهر في العربية والأصول، وقرأ في علوم الحديث، ولازم الإقراء والإشغال في الفنون، ومات عن ثلاثين سنة بالطاعون في شهر رمضان بالقاهرة.
٦ - أحمد بن عمر بن علي بن عبد الصمد البغدادي الجوهرى، شهابُ الدين، وُلِد سنة خمس وعشرين، وقدم من بغداد قديمًا مع أخيه (^٣) عبد الصمد فسمع من المزِّي والذهبي وداود (^٤) بن العطار وغيرهم، وسمع بالقاهرة من شرف الدين بن عسكر، وكان محبًّا في العلم والعلماء مع المروءة التامة والخير، وكان يحب التَّواجد في السماع مع المعرفة التامة بصنف الجوهر والمذاكرة الحسنة. قرأتُ عليه "سنن ابن ماجة" بجامع عمرو بن العاص، وقرأتُ عليه قطعةً كبيرة من "طبقات الحفاظ" للذهبي وقطعةً كبيرة من "تاريخ بغداد" للخطيب [البغدادي]. مات في ربيع الأول وقد جاوز الثمانين وتغير ذهنُه قليلا.
_________________
(١) في ك "التركي".
(٢) جاء أمامها في هامش ز بخط الناسخ "لعله دلالا على الكتب"، يؤيد هذه العبارة ما قاله السخاوى في الضوء اللامع، ج ١ ص ٣١٩، من أنه افتقر فصار ينادى على الكتب، وقد جاء في ك "فصار ينادى على الكتب" وفى هـ: "فصار … على الكتبة".
(٣) هكذا في ز، هـ، ولكن ورد في الضوء اللامع ٢/ ١٥٤ أنه قدم مع أبيه وهمه من دمشق.
(٤) هو داود بن إبراهيم المولود سنة ٦٦٥ والمتوفى في ٧٥٢ هـ، وكان قد ولى دار الحديث القليجية بدمشق، وروى عنه الذهبي وترجم له وأثنى عليه هو ومن في طبقته، راجع عنه ابن حجر: الدرر الكامنة ٢/ ١٦٧٧، والنعيمي: الدارس على تاريخ المدارس ١/ ٥٧١.
[ ٢ / ٣٦١ ]
٧ - أحمد بن محمد بن عبد الغالب الماكسيني، وُلد في سنة ثمان (^١) وثلاثين، وسمع من جماعة وحدّث، وهو من بيتِ رواية، وكان يَكتب القصص ثم جلس مع الشهود بالعادلية (^٢)؛ وكان يكتب خطأ حسنًا. مات في صفر.
٨ - أحمد بن محمد بن عمر القليجي (^٣) ولد شمس الدين، كان من موقِّعى الحكم وناب أيضًا، وكان حسن العشرة إلَّا أنه لم يشتهر بالعلم، وكان بيده وظيفة إفتاء دار العدل فاستقر فيها بعده ابن الطرابلسي.
٩ - أحمد بن محمد بن قماقم الدمشقى الفُقَّاعي، شهاب الدين، كان أبوه فقاعيًّا فاشتغل هو بالعلم، وأخذ عن علاء الدين بن حجى وقرأ بالروايات على ابن السلار، وكان يفهم ويذاكر، وقدم القاهرة سنة الكائنة العظمى فأقام بها مدة ورجع إلى دمشق فمات بها في جمادى الآخرة، وكان قد اجتمع بي مرارًا وسمع بقراءتي على البلقيني في الفقه والحديث. "وقماقم" لقب أبيه، قال ابن حجى: "كان يستحضر البويطي"، وسمعْتُ البلقيني يسميه: البويطي لكثرة استحضاره له، وقد درس بالأمجدية (^٤) ومات في جمادى الآخرة (^٥).
_________________
(١) الوارد في السخاوى: الضوء اللامع ٢/ ٣٦٩ أنه ولد سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وقد أخذت الشذرات ٧/ ٨٢ بالتاريخ المذكور في المتن.
(٢) لم يبين ابن حجر بالمتن ولا السخاوى في الضوء اللامع ٢/ ٣٦٩ أي العادليتين يقصد: الصغرى أم الكبرى، راجع عنهما الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٣٤٨ - ٣٨٢.
(٣) "القليحي" بالحاء - وهو خطأ - في الضوء اللامع ٢/ ٤٥٤.
(٤) هي من مدارس الشافعية بدمشق، وموضعها بالشرف الأعلى، وتنسب إلى مؤسسها الملك المظفر نور الدين عمران بن الملك الأمجد، وقد يقال أيضا الأمجد بهرام شاه بن فروخشاه، راجع أبو شامة: ذيل الروضتين ص ١٧٠، والنعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ١٩٩ وما بعدها، وقد ورد في تعليقات الأمير جعفر الحسنى في نشره المدارس ص ١٦٩ حاشية رقم ١ أن هذه المدرسة قد درست وبقيت التربة وهى غربي المدينة وشمالي طريق بيروت.
(٥) وردت بعد هذا ترجمة "أحمد بن محمد بن نشوان بن محمد الحوارى"، وقد نقلناها إلى سنة ٨١٩ في الجزء الثالث من إنباء الغمر سيما وإن ابن حجر يقول في هذه الترجمة في نهايتها "مات في جمادى سنة تسع عشرة"، ولقد انتبه إلى هذا ناسخ نسخة ز فكتب أمامها في الهامش: "لعله من المؤلف سبق قلم"، كما جاء في هامش هـ "ذكر هنا سهوا وقد ذكر في محله سنة ٨١٩"، وقد نص السخاوى أيضا على هذه السنة في ترجمته له، انظر الضوء اللامع ٢/ ٥٦٧، ولكن شذرات الذهب وقعت في الخطأ إذ نقلت عن ابن حجر ترجمته ومن ثم أوردتها مرتين إحداهما في وفيات سنة ٨٠٩ (انظر الشذرات ٧/ ٨٢) والأخرى سنة ٨١٩ (شرحه ٧/ ١٣٥)، وفى الأولى منهما إشارة إلى أنها نقلتها من ابن قاضي شهبة، ولكنها في ج ٧، ص ١٣٠ س ٢١، قالت "مات في جمادى الأولى من هذه السنة (أي سنة ٨١٩) ووهم من أرخه سنة تسع". راجع أيضا ترجمته المنقولة عن ابن قاضي شهبة في النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
١٠ - أحمد بن محمد [بن عمر] الطنبدي (^١)، بدر الدين، أحد الفضلاء المهرة، أخذ عن أبي البقاء والإسنوى ونحوهما، وأفْتى ودرّس ووعظ، وكان عارفًا بالفنون ماهرًا في الفقه والعربية فصيح العبارة، وله هناتٌ (^٢) سامحه الله تعالى.
١١ - أحمد بن محمد البالسي (^٣) الأصل ثم الدمشقى شهاب الدين الحنفى الجواشني (^٤)، اشتغل في صباه وصاهر أبا البقاء على ابنته، وأفتى ودرّس وناب في الحكم، وولى نظر الأوصياء ووظائف كثيرة بدمشق، وكان حسن السيرة، ثم ناب في الحكم ثم سعى في القضاء استقلالًا فباشر قليلًا جدا ثم عُزل ثم سعى (^٥) فلم يتم له ذلك، ومات في جمادى الآخرة.
١٢ - إسماعيل بن ناصر بن خليفة الباعونى، (^٦) عماد الدين، كان شيخ الناصرة من عمل صفد على طريقة الفقراء، وهو أخو القاضي شهاب الدين (^٧) الذي ولى قضاء دمشق. وكانت لإسماعيل وجاهة وثروة وتجارة؛ عاش سبعين سنة ومات في ذى الحجة.
١٣ - أبو بكر بن محمد بن إسحق السلمى، شرف الدين بن القاضي تاج الدين المناوى، وُلِد قبل الستين، وأجاز له ابن جماعة فهرست مروياته، واشتغل قليلًا، وقرأ
_________________
(١) نصت الشذرات ٧/ ٨٣ على أنه بالذال نسبة إلى قرية بمصر، وتوجد قريتان بمصر بهذا الاسم، إحداهما بالصعيد بمركز مفاعة، انظر القاموس الجغرافي، ق ٢ ج ٣، ص ٢٤٩ والأخرى بالوجه البحرى بمركز شبين الكوم، انظر نفس المرجع ق ٢ ج ٢، ص ١٩٢. هذا ويجوز فيها الدال والذال.
(٢) يقارب هذا عبارة المقريزى في السلوك، ورقة ٦٤ أ، من قوله عنه "لم يكن مرضى الديانة".
(٣) نسبة إلى بالس (بكسر اللام)، وتعرف في كتب جغرافيي العصور الوسطى الغربيين وفي المراجع الأجنبية باسم Barbalissus، وعرفها الإصطخرى وابن حوقل والمقدسى بأنها بلدة بالشام بين حلب والرقة من الثغور على شاطيء الفرات الغربى وهى أول مدينة من مدن الشام يلقاها القادم من العراق، وكانت في أيام الإصطخرى ذات حدائق وبساتين ثم ذكر ياقوت في معجمة ١/ ٤٧٧ أنها منسوبة إلى بالس بن الروم بن سام بن نوح، انظر أيضا ابن عبد الحق البغدادي: مراصد الاطلاع ١/ ١٥٦.
(٤) في ظ "الخواشي" وفى ز "الحواشي"، وفى السلوك، ورقة ٦٣ ب "الحواشي" وقد وردت في الضوء اللامع ٢/ ٥٩٥ "الجواشني"، وذكر نفس المرجع ج ١١ ص ١٩٧ أن "الجوشن" بدون ألف بعد الواو نسبة إلى تربة ابن جوشن؛ على أنه ورد في النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٦٢٤ س ١٤ "الجواشينى"، وبهذا الإسم أيضا في ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٠١ ص ٤.
(٥) أي أنه سعى في العودة إلى مباشرة القضاء.
(٦) نسبة إلى باعون بالقرب من عجلون من عمل صفد.
(٧) ترجم ابن حجر له في وفيات سنة ٨١٦ من هذا الكتاب، وانظر أيضا: السخاوى: الضوء اللامع ٢/ ٦٥٥، وابن طولون: قضاة دمشق، ص ١٢٢ - ١٢٤.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
التنبيه، وسمع على الشيخ شهاب (^١) الدين بن خليل وغيره، وناب في الحكم عن ابن عمه صدر الدين [محمد بن إبراهيم]، وكان مزجيَّ البضاعة، وقد درس بعدّة أماكن، وخطب بالجامع الحاكمي. مات في جمادى الآخرة وقد قارب الخمسين (^٢).
١٤ - جكم بن عبد الله، أبو الفرج الظاهرى، كان من مماليك الظاهر [برقوق] وأول ما أمره طبلخاناه في سنة موته، واستقر رأس نوبة بعد موته وذلك في خامس ذي القعدة سنة إحدى [وثمانى مائة]، وقيل مات قبل أن يتأمّر.
وأوْل ما شهر أمره في تاسع ذي القعدة سنة إحدى وثمانى مائة بعد موت أستاذه بقليل، واستقر هو وتنكزبغا وآقيغا الأشقر وخيربك وسودون من زاده وباش باي رءوس نواب صغارًا، ثم كان هو الذي قيد أيتمش بعد هزيمة تنم وسجنه هو والأمراء بالقلعة. وكان يحب العدل والإنصاف فلم يمكِّن أحدًا من الفساد بدمشق في تلك الوقعة.
ولما عاد الناصر إلى مصر أمره تقدمةً عوضًا عن دقماق بحكم انتقاله لنيابة حماة، ولم يخرج فيمن خرج في وقعة اللنك، فلما كان في التاسع من شوال سنة ثلاث ثارت الفتنة بين الأمراء فقام جكم وسودون الطيار وطرباى وطائفة، ثم لحق بهم سودون طاز أمير آخور ومعه من الخيول السلطانية ما احتاج إليه، فعرض الناصرُ على جكم نيابة صفد فامتنع، فأرْسل إليه نوروز ومعه القاضي الشافعي - وهو يومئذ ناصر الدين الصالحي - فعوق نوروز عنده، فرجع القاضي إلى الناصر فأخّره فتخلَّى الناصر عن يشبك وكان هو المطلوب، فتحاربوا فانهزم يشبك ونُهِبت داره ثم قبض عليه وبعثه هو ومَن معه إلى الإسكندرية واستقر دُويدارًا عوضًا عن يشبك وصار هو المشار إليه، وباشر بحرمة ومهابة، ونادى
_________________
(١) "بهاء الدين" في الضوء اللامع ١١/ ١٩٦.
(٢) في ز، ظ، ك "الستين" وقد صححت إلى ما بالمتن بعد مراجعة السلوك المقريزى، ورقة ٦٣ ا حيث قال: "مات عن بضع وخمسين سنة" مما يتفق وما ذكره ابن حجر في المتن من أن ولادة صاحب الترجمة كانت قبل سنة ٧٦٠ هـ، ومع أن السخاوى: شرحه ١١/ ١٩٦ أشار إلى سنة ولادته هذه إلا أنه جعل وفاته سنة ٨٠٩ كما بالمتن، وقال إنه مات وقد قارب "الستين".
[ ٢ / ٣٦٤ ]
بالقاهرة: "من ظُلِم فعليه بباب جكم"، واستبد بأحوال المملكة إلى أن نافره سودون طاز فثارَتْ بينهما الفتنة في شوال سنة (^١) وكان لهم وقعة في أواخر السنة ففرّ جكم ونوروز ثم عاد نوروز إلى الطاعة، وأُحيط بجكم فسُجِن بالإسكندرية هو وسودون طاز، ثم اتَّفق أنه هرب إلى شيخٍ نائبِ دمشق فأقام عنده إلى أن كانت وقعة يشبك مع الناصر حتى كانت وقعة السّعيدية، فلمّا كان من انهزام الناصر منها - وذلك في ذى الحجة سنة سبعٍ - انْعزل يشبك وأتباعه واختفوا بالقاهرة ورجع شيخ وأتباعه إلى دمشق، وليس لذلك سبب إلَّا تعاظم جكم وتصريحه بإرادة السلطنة لنفسه فنافسوه في ذلك وخذلوه.
ثم اتفق جكم وشيخ وحاربا نوروز وكان الناصر قد جعله نائبَ الشام، ثم كتب الناصر لجكم بنيابة حلب فدخلها وقتل بها جماعة، فانحرف شيخ عنه لكوْنه تمالأ مع نوروز عليه، ثم أخذ حكم أنطاكية ثم واقع (^٢) نعيرا فهزمه وغنم شيئًا كثيرًا ثم قتل نعيرًا بعد ذلك.
ثم ولَّى الناصر دمرداش نيابة حلب فسار هو وشيخ ومعهم العجل بن نُعَير فقاتلهم جكم بالرَّسْتن (^٣) فهزمهم، فرجع شيخ إلى بُصْرى (^٤) ونوروز إلى دمشق فسار الناصر إلى قتال جكم ففرّ إلى ألبيرة (^٥)، فدخل الناصر حلب ثم عاد إلى دمشق فرجع جكم وملك حلب؛ وأراد النَّاصر الرجوع إلى حلب فخالفه العسكر وتفرّقوا فقوى جانب جكم وتسمى بالسلطنة، وتلقَّب "العادل"، ورَتَّب المملكة، وضرب السكة باسمه، وخُطب له بحلب، وأطاعه نوروز ولبس خلعته وقبل له الأرض وخَطب باسمه.
وأقام حكم الحرمة ونشر العدل، وكان عظيم المهابة زائدًا على الحد وقوي جدًّا، واستخف بأمر الناصر، وخرج لمحاربة التركمان ليستريح خاطره منهم إذا قصد مصر
_________________
(١) فراغ في جميع الأصول.
(٢) في ز "فواقعه".
(٣) بليدة قديمة بين حماة وحمص وكانت على نهر العاصي.
(٤) بصرى - بالضم والقصر - تطلق على موضعين أحدهما بالشام، وكانت قصبة حوران وتعرف في المراجع الغربية باسم Bostra وهي قديمة جدا وتبعد عن دمشق قرابة أربع مراحل.
(٥) سبق التعريف بها، انظر ص ٣٥٦، حاشية رقم ٤.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
فكان من أمره ما كان. وكانت سلطنته في رابع شوال من السنة، وقتْلُه في حادى عشر ذي القعدة منها (^١).
وكان نائبُ البيرة أظهر مخالفته فخرج إليه بالعسكر الحلبي فطلب الأمان فآمنه، فاستمر ذاهبًا بالعسكر إلى ماردين فأطاعه صاحبها ونزل معه بعسكره، وكان من أمْر قَتْله ما كان.
وكان جكم شجاعًا مقدامًا مهيبًا يتحرى العدل والإنصاف، وكان يصغى لنظم الشعر ويحب سماعه ويجيز عليه الجوائز السنية.
١٥ - حسن بن علي بن عمر الأسعردى، صاحبنا بدر الدين، كان من بيت نعمةٍ وثروة فأحب سماعَ الحديث فسمع فأكثر، وكتب الطباق وحصل الأجزاء، وسمع من أصحاب التقى سليمان ونحوهم، وأحبّ هذا الشأن وذهبتْ أجزاؤه في وقعة تمرلنك، وقد رافقنى في السماع وأعطانى أجزاء بخطِّه، وبلَغنى أنَّه حدث في هذه السنة (^٢) بدمشق ببعض مسموعاته؛ ومات بدمشق في ربيع الأول.
١٦ - حسن (^٣) بن محمد بن حسن بن إدريس بن حسن بن علي بن عيسى بن علي بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن يحيى بن يحيى بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي الحسيني الشريف، بدر الدين بن ناصر الدين بن حصن الدين بن نفيس الدين المعروف بالنسابة، وهو سبط الشريف النسابة حسن بن علي بن سليمان بن مكى بن كاسب بن بدران بن حسن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن علي بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي، سَمع من الوادياشي والميدومى وغيرهما، وولى مشيخة الخانقاه البيبرسية نحوًا من عشر سنين ثم ثار عليه الصوفية لسوء
_________________
(١) أمامها بخط مطالع نسخة ز في هامشها "فيه مخالفة لما سبق. فليطالع".
(٢) أي سنة ٨٠٩ هـ.
(٣) سماه المقريزي في السلوك، ورقة ٦٣ ا - ب "حسن بن محمد بن حسين النسابة الحسين". لكن راجع س ١٦ هنا.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
سيرته فيهم فعُزل عنهم ثم أعيد، وكان عارفًا بأنساب الأشراف، كثير الطعن في كثيرٍ ممّن يدّعى الشرف، وقد رام الخلافة مرة، وكان يذكر أن أُمّه حسينية وقد ذكرنا نسبها، وأنَّ أُم أبيه من بني العباسي وهي صفية خاتون بنت الخليفة المستمسك بالله محمد بن الحاكم، وكان كثير المعاشرة للقبط وصار عارفًا بالسّعْى كثير الدهاء. مات في سادس عشر شوّال وقد جاوز الثمانين ممتَّعًا بسمعه وبصره.
وأصله من سِرْسِنِه (^١) وتكسب بالشهادة مدة، وكان يتطاول إلى الخلافة مع جهلٍ مفرط وقلَّة ديانة.
١٧ - خليل بن عبد الله البابَرْتى (^٢) الحنفى، الشيخ خير الدين، كان فاضلًا في مذهبه محبًا للحديث وأهله، مذاكرًا بالعربية كبير المروعة، وقد عُيّن لقضاء الحنفية مرة فلم يتم ذلك. ولى قضاء القدس في سنة ٨٤ [٧].
١٨ - رسول بن عبد الله القيصرى ثم الغزى، شهاب الدين الحنفى، قدم دمشق في حدود السبعين وهو فاضل، وسمع من ابن أميلة وابن حبيب، ثم ولى نيابة الحكم بدمشق في أول دولة الظاهر، ثم ولى قضاء غزة في أيام ابن جماعة وحصّل مالًا كثيرًا بعد فقرٍ شديد، ثم مات بدمشق في جمادى الآخرة وقدشا خ (^٣).
١٩ - صَدَقة بن محمد بن حسن الأسعرْدي، كان من خواص ابن غراب وكان واسطة حسنةً عنده، وبنى تربة وجامعًا ومات في ربيع الآخر (^٤) بمكة.
_________________
(١) في الضوء اللامع ج ٣ ص ١٢٣، ص ٢٨، وفى ك "سرسه" وقد وردت في مراصد الاطلاع ٢/ ٧٠٧ برسم "سرسن" وذكر أنها في أقصى بلاد الترك، هذا وقدور دفى لستر انج: بلدان الخلافة الشرقية؛ ص ٥١٨ بليدة قديمة اسمها "سرسندة".
(٢) في هـ "البابري"، وورد اسمه في ك "خليل بن عبد الله الباصرى"، راجع العيني: عقد الجمان، والضوء اللامع ٣/ ٧٥٦.
(٣) وردت بعد هذا في جميع نسخ الإنباء الترجمة التالية "شيخ زاده الخرزاتي. تقدم في التي قبلها، وقد حذفناها من هنا اكتفاء بورودها من قبل في هذا الجزء، ص ٣٣٥ ترجمة رقم ١١.
(٤) "ربيع الأول" في الضوء اللامع ٣/ ١٢١٢.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
٢٠ - صديق بن علي بن صدّيق الأنطالى، شرف الدين،، وُلد سنة بضع وأربعين وقدم من بلاده بعد الستِّين فاشتغل بالعلم ونزل في المدارس ورافق الصدر الياسوفى في السماع، وأكثر عن ابن رافع، وسمع من بقية أصحاب الفخر وغيرهم؛ وكان على دينٍ وصيانة ولم يتزوج، ثم سكن القاهرة وصار أحدَ الصوفية بالبيبرسية وكان يتردّد إلى دمشق. مات في الطاعون في رمضان. اجتمعْتُ به ولم أسمع منه بل أجاز لي.
٢١ - عبد الله بن خليل بن يوسف الماردانى (^١)، جمال الدين الحاسب، انتهت إليه رئاسة علم الميقات في زمانه، وكان عارفًا بالهيأة مع الدين المتين، وله أوضاعٌ وتآليف، وانتفع به أهل زمانه.
وكان أبوه من الطبالين ونشأ هو مع قراء الجوق وله صوتٌ مطرب، ثم مهر في الحساب، وكان شيخ الخاصكي قد قدّمه ونوّه به. مات في جمادى الآخرة.
٢٢ - عبد الله بن سيرين الهندى الحنفى، جمال الدين نزيلُ القاهرة، سَمع من ابن عبد الهادى، وحدّث وخطب بالظاهرية البرقوقية، وكان يحدّث عن الهند بعجائبَ والله أعلم بصحتها.
٢٣ - عبد (^٢) الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الخشاب الحنفى: اشتغل بالعلم بالشام ثم قدم القاهرة وناب في الحكم عن ابن العديم، ثم ولى قضاء الشام في هذه السنة فوصل مع العسكر فباشر يومين، ثم سعى عليه ابن الكَفْرى (^٣) فأُعيد، ثم ماتا جميعا في هذا الشهر وبينهما في الوفاة يوم واحد، ومات هذا ولم يبلغ الثلاثين. رأيْتُه في القاهرة ولم يكن ماهرًا في العلم.
٢٤ - عبد الرحمن بن محمود بن عثمان البصروى نزيل دمشق، زين الدين القُرشي،
_________________
(١) نسبة لجامع الماردانى بالقاهرة وليس لمدينة ماردين.
(٢) يستدل من ترجمته الواردة في قضاة دمشق لابن طولون، ص ٢٠٥ أن ابن حجر نقل ما بالمتن من ابن حجى.
(٣) انظر فيما بعد ترجمة رقم ٢٥.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
تعالى الكتابة ودخل ديوان التوقيع بدمشق، ثم قدم القاهرة سنة اللنك فالتجأ إلى فتح الدين كاتب السرّ، فراج عليه ونفق سوقه لديه حتى عوّل عليه في أمر الديوان، وصار المشار إليه فيه لحسنِ تأنيه وأخْلاقِه ومعرفته وحسنِ خطِّه ونفاذ رأيه؛ وكان جميل المعاشرة، طُعِنَ في لسانه فكان فتح الله يتعجب من ذلك لكونه لم يكن فيه أعظم من نُطْقِه فابتُلِي فيه. مات ولم يكمل الخمسين.
٢٥ - عبد الرحمن بن يوسف الكَفْرى (^١) الحنفى زين الدين، وُلد سنة إحدى وخمسين؛ وحضر على ابن الخباز في الثالثة سنة أربع وخمسين، وأسمَعهُ أبوه من جماعة، سمعْتُ منه في الرحلة (^٢)، وولى القضاء غير مرة بعد الفتنة ولم يكن محمود السيرة. وكان يتجر بالكتب ويعرف (^٣) أسماءها مع وفور جهلٍ بالفقه وغيره. مات في يوم الأحد (^٤) ثالث ربيع الآخر.
٢٦ - عبد الكافي بن محمد بن أحمد بن فضل الله الشافعي، جمال الدين، كاتب السرّ، كان رئيسًا فاضلًا دينًا (^٥) له نظمٌ ونثر، كثير الاستحضار للتاريخ والأدب، وذكر نه وُلد في المحرم سنة ستٍّ وثلاثين وسبعمائة، وآخر العهد به سنة أربع وثمانى مائة بطرابلس، ذكره القاضي علاءُ الدين في تاريخ حلب وذكر أنه أجازه بحلب مرويّاته، وكان قدمها ثم رجع فمات بطرابلس فلتحرر (^٦) سنة وفاته.
_________________
(١) راجع ابن طولون: قضاة دمشق ص ٢٠٥؛ هذا وقد ورد ضبطه في العيني: عقد الجمان، لوحة ٢٦٠ بكسر الكاف.
(٢) يستفاد من مطالعة ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٠٥ س ٧ - ١٢ أن هذه الترجمة هي نفس الترجمة التي أوردها ابن طولون نقلا عن ابن حجر، ولكن عبارة "سمعت منه في الرحلة" الواردة في كل من ابن حجر وابن حجى تدع الإنسان في حيرة: أيهما الذي كتب في الواقع هذه الترجمة؟.
(٣) في قضاة دمشق لابن طولون، ص ٢٠٥ ص ١٠ "يحرف".
(٤) ذكر المقريزي في السلوك، ورقة ٦٤ ب، أن موته كان ليلة السبت سادس عشر ربيع الأول، وقد أشار العيني في عقده إلى الشهر دون اليوم.
(٥) في هـ، ك "أديبا".
(٦) وردت عبارة "فلتحرر سنة وفاته" في نسخ المخطوطة المستعملة هنا، ويلاحظ أن السخاوى لم يستطع في الضوء اللامع ٤/ ٨١٧ تحديد سنة وفاته بل اكتفى بأن نقل ما جاء بمتن الإنباء أعلاه.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
٢٧ - عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي ثم المصرى، قطب الدين بن تقى الدين بن الحافظ قطب الدين، سمع من الحسن [بن أحمد] الإربلي (^١) وأحمد بن علي المشتولى (^٢) وغيرهما، وتصرّف بأبواب القضاة. سمعتُ منه، [و] مات في نصف (^٣) السنة وله ثلاث وسبعون سنة.
٢٨ - عبد الهادي بن عبد الله بن خليل بن علي بن عمر بن مسعود البسطامي المقدسي نزيل القاهرة، كان شابًا فاضلًا ماهرًا، سمع الحديث ونظم الشعر وكتب الطباق ودار على الشيوخ، ثم اجتمع عليه أتباعُ أبيه فتمشْيخَ فيهم، ودخل القاهرة فاستوطنها وراج أمرُه بها حتى مات وله نحو الثلاثين سنة، سمعْتُ من نظمه ببيت المقدس ورافقني في بعض السماع على المشايخ في أول سنة ثلاثٍ وثمالى مائة.
٢٩ - على بن إبراهيم القضامي، علاء الدين الحموى الحنفى أحد الفضلاء، أخذ العربية عن سرى الدين بن هانئ المالكي، والفقْة عن أثير الدين بن وهبان وتمهّر وبهرت فضائله، وولى قضاء بلده، وقدم القاهرة سنة الكائنة العظمى فاشتهرت فضائله وعُرِفت فنونه وحدث وأفاد. سمعْتُ منه وسمع من نظمى وأكثر الثناء على. مات في ربيع الآخر، ومن نظمه:
خُذْ بيدى يا كريمُ خُذْ بيدى … قَدْ عِيل صَبْرى وقد وَهَى (^٤) جَلدِى
_________________
(١) ترجم له ابن حجر في الدرر الكامنة ٢/ ١٤٩٥ فذكر أنه سمع مع الذهبي الكثير، ونقل عنه أنه كان صادقًا في نقله، وألف كتبا وتاريخا وسيرة نبوية، "وكان مظلما في دينه ونحلته" ولكنه أشار إلى أنه مات في سنة ٧٢٦، وهكذا أيضا أدرجه ابن العماد الحنبل: شذرات الذهب ٦/ ٧٢ فيمن مات في هذه السنة.
(٢) ورد اسمه بصور مختلفة فهو في ك "المشتولى" وفى هـ "المستولى" بلا تنقيط وفى البعض "المتولى" وفى البعض الآخره "المتبولى"، وقد ذكره السخاوى في الضوء اللامع ٤/ ٨٦٥ برسم "المستولى"، ولكن المقصود به أحمد بن علي بن أيوب العلامى المشتولى، وقد حسن تحديثه ومات سنة ٧٤٤ هـ، انظر ابن حجر: الدرر الكامنة ١/ ٥٣١.
(٣) حدد السخاوى موته في ثامن رجب، انظر الضوء اللامع ٤/ ٨٦٥.
(٤) في ك "وهن".
[ ٢ / ٣٧٠ ]
إنْ لم تَجُدْ لى فمن يجودُ على … ضعْفِي بلا (^١) أمره ولا بلدي (^٢)
٣٠ - على بن أحمد اليمنى من أهل أبيات حسين، كان كثير العناية بالفقه وجَمع فيه كتابًا كبيرًا، وكان يلقب بالأزرق.
٣١ - على بن عبد الرحمن اليبرودي (^٣) ثم الدمشقى ابن أخي العلامة شمس الدين ابن خطيب يبرود (^٤)، سمع من بقية أصحاب الفخر وأخذ عن ابن رافع كثيرًا، وتفقه على عمه وعلى ابن قاضي شهبة، وكان يفهم جيدًا. مات في ذي القعدة بخُلَيْص (^٥) وهو مُحْرِم، قال ابن حجى إنه: "كان مقترًا على نفسه، جماعةً للمال، ولم يتزوج فيها علمْتُ".
٣٢ - على بن محمد بن عبد البر السبكى، علاء الدين بن أبي البقاء، وُلد سنة ٥٧ بدمشق، ونشأ بمصر، وقدم مع والده سنة خمس وسبعين، ودرس بالصارمية (^٦)، وولى قضاء
_________________
(١) بقية شطر البيت فراغ في النسخ، والإضافة من الضوء اللامع ٥/ ٥٣٩، وقد جاء في هامش هـ "تحرر".
(٢) وردت هذه الترجمة من قبل في وفيات سنة ٨٠٧، برقم ١٦ على الصورة التالية: "على بن إبراهيم بن علي القضامي علاء الدين الحموى، تفقه بالقاضي صدر الدين بن منصور، وأخذ النحو عن سرى الدين المالكي، وبرع في الأدب، وكتب في الحكم عن البارزي، ثم ولى القضاء بحماة، وكان من أهل العلم والفضل والذكاء مع الدين والخير والرياسة، سمعت من فوائده لما قدم القاهرة في أواخر سنة ثلاث وثمانمائة، وكتب عني من نظمي؛ ومن شعره: عين على المحبوب قد قال لي راح إلى غيرك يبنى اللجين فجئت بالتير مستدركا وقلت ما جيتك إلا بعين وكانت وفاته في ثامن عشر شهر ربيع الآخر من السنة". هذا وقد ذكره ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ٧/ ٨٥ باسم "القضاعي"، ثم أورد الناشر اسمه في فهرست الشذرات ص ٣٧٢ "على بن إبراهيم القضاعي الحموي المتقدم"، يعنى المتقدم في سنة ٧٠٩ في نفس المرجع ٧/ ٦٩ ولكنه ذكره هناك باسم "القضامي".
(٣) في هـ "البيرودى"، وفى الضوء اللامع ٥/ ٨١٥ "اليبروذي".
(٤) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان القرشي الجعبري ثم الدمشقى المعروف بابن خطيب يبرود، وقد درس بمصر والشام، وكان من أعيان الشافعية، راجع إنباء الغمر، ج ١ ص ١١٩ ترجمة رقم ٥٢، وابن حجر: الدرر الكامنة ٣/ ٣٣٨٤، وشذرات الذهب ٦/ ٢٥٣.
(٥) خليص حصن وقرية بين مكة والمدينة، انظر مراصد الاطلاع ١/ ٤٧٩.
(٦) من مدارس الشافعية بدمشق وتنسب لبانيها صارم الدين أزبك مملوك قايماز النجمى، وكان ذلك سنة ٦٢٢ هـ؛ هذا ويلاحظ أنه لم يرد له ذكر فيمن درس بالصارمية في النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس، ١/ ٣٢٦ - ٣٣١.
[ ٢ / ٣٧١ ]
القدس مرتين في دولة الظاهر ومرتين في دولة النَّاصر، وكان يذاكر بالفقه ويشارك في غيره، وأول ما استقر في سنة ست فحضر تقليدَه قضاةُ الشام وقضاةُ مصر.
مات في هذه السنة من رُعب أصابه بسبب مالٍ طُلِب منه على سبيل القهر فاختفى عند إبراهيم بن الشيخ أبي بكر الموصلى (^١) فمات مختفيًا رحمه الله تعالى. قال ابن حجى: "كان رئيسًا محتشمًا زكيًا فاضلًا، وهو آخر البيت السبكى. مات مختفيًا من الملك الناصر فرج".
٣٣ - عمر بن منصور بن سليمان بن سراج الدين القرمى الحنفى المعروف بالعجمي، ترافق هو وجمال الدين القيصرى فلما ولى جمال الدين حسبة القاهرة قرره في حسبة مصر ثم ولى هو حسبة القاهرة، ودرس بجامع ابن طولون في الفقه، وفي التفسير بالمنصورية وغير ذلك، وكان لشدّة صحبته لجمال الدين يُظَنّ أنه أخوه وليس كذلك، وكان حسن العشرةِ محمودَ المباشرةِ حسنَ الصلاةِ جميل الصورة مليحَ الشكل طلقَ المحيا، وكان يقال له "عُمَر فَلَقْ"، لأنه كان إذا أراد تأديبَ شخصٍ قال: "هاتوا فَلَق". مات في العشر الأول من جمادى الآخرة.
قال العينتابي: "كان يعرف بعض العلوم ولكنه كان عريض الدعوى، وكان ولي حسبة القاهرة في دولة منطاش فتأخر بسبب ذلك عند الملك الظاهر".
٣٤ - قطلوبغا الكركي أحد الأمراء الكبار في الدولة الناصرية، كان شابًّا حسنًا في دولة الظاهر، حفظ القرآن وكان يحسن القراءة بالألحان، وكان في زمن إمرته يحب العلماء ويجمعهم ويحسن إليهم ويتذاكرون عنده. توفى في شعبان وقد تقدم ذكره في مواضع من الحوادث.
_________________
(١) سترد ترجمته رقم ١ في وفيات سنة ٨١٤.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
٣٥ - محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الطبرى المكي الشافعي، أبو اليُمن إمام المقام، سمع من عيسى الحجى والزين أحمد بن محمد بن المحب الطبرى (^١) وابن عمّ أبيه عثمان بن الصّفي الطبرى وقطب الدين بن مكرم وعثمان بن شجاع بن عيسى الدمياطى (^٢) وعيسى بن الملك المعظَّم؛ وأجاز له يحيى بن فضل (^٣) الله وأبو بكر بن الرضى وزينب بنت الكمال ونحوهم؛ وولى إمامة المقام نيابةً ثم استقلالًا. وكان خيِّرًا سليم الباطن يعتقده كثير من الناس، وهو آخر من حدث عن عيسى بن عبد الله الحجي بالسماع وعن يحيى بالإجازة. ناهز الثمانين فإنَّه وُلد في شعبان سنة ثلاثين، سمعْتُ منه قليلًا ومات في صفر.
٣٦ - محمد بن إسماعيل بن علي القلقشندي، الشيخ شمس الدين بن العلَّامة تقى الدين المصرى ثم المقدسي، وُلد سنة ٥٥ وسمع من الميدومى وغيره، وأخذ عن خاله الشيخ صلاح الدين العلائي وعن والده تقى (^٤) الدين، ومهر وساد حتى صار شيخ بيت المقدس في الفقه وعليه مدار الفتوى. مات في رجب. أرخه ابن حجى.
٣٧ - محمد بن أنس الحنفى الطنبدائى (^٥) ناصرُ الدين نزيلُ القاهرة، وكان عارفًا بالفرائض أقرأها لجماعةٍ وانتفعوا به، وكان حسن السمت كثير الديانة محبًا في الحديث، كتب (^٦) منه الكثير، ومات وله دون الأربعين وقد سمع من ناصر الدين الجرداوى (^٧) وغيره.
_________________
(١) هو زين الدين أحمد بن محمد بن عبد الله الطبرى، ولد بمكة سنة ٦٩٣، اهتم بالحديث وأقام بمصر نجاتقاه، سعيد السعداء، ومات سنة ٧٤٢ (الدرر الكامنة ١/ ٦٢٩).
(٢) ابن حجر: الدور الكامنة ٣/ ٢٠٨٥.
(٣) هو يحيى بن فضل الله بن مجلى بن دعجان بن خلف العدوى، ولد بالكرك سنة ٦٤٥، وكتب في الإنشاء بدمشق كما وقع في الدست بها، وأثنى عليه الذهبي، ومات سنة ٧٣٨ ودفن بقرافة مصر ثم نقل إلى دمشق حيث دفن بصالحيتها، راجع عنه الدرر الكامنة ٥/ ٥٠٣٦.
(٤) هو إسماعيل بن علي بن الحسن نزيل القدس، ولد بمصر سنة ٧٠٢، وسمع من بعض أعلامها، ثم رحل إلى القدس وكانت وفاته سنة ٧٧٨، انظر الدرر الكامنة ١/ ٩٣٩ وإنباء الغمر، ج ١ ص ١٣٧، ترجمة رقم ١٣.
(٥) "الطنتدائى" في الضوء اللامع ٧/ ٣٦٤.
(٦) في شذرات الذهب ٧/ ٨٦ "قال ابن حجر: كتبت عنه الكثير".
(٧) "الحراوى" في الضوء اللامع ٧/ ٣٦٤.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
٣٨ - محمد بن أبي بكر بن أحمد النحريري المالكي، أخو خلف؛ ناب في الحكم وتنبه في الفقه ودرس؛ مات في نصف السنة.
٣٩ - محمد [بن أحمد (^١)] بن فُهَيْد المصرى، الشيخ شمس الدين المغيربي، نشأ في خدمة الصالحين ولازم الشيخ عبد الله اليافعي (^٢) بمكة وكان كثير الحج والمجاورة، وصحب طشتمر الدويدار فنوه بذكره، وكان الظاهر يعظِّمه ودخل معه دمشق فكان يصلِّى بجانبه في المقصورة فوق جميع الأُمراء، وكان حسن العشرة كثير المخالطة لأبناء الدنيا، وله مع أهل الحرمين مواقف. مات في جمادى الآخرة وقد جاوز الستين.
٤٠ - محمد بن محمد بن جعفر الدمشقى، الشريف شمس الدين، مات في شهر رمضان سنة تسعٍ وثمانى مائة بالقاهرة، وكان من الصوفية بسعيد السعداء، وكان جاور بمكة عدة سنين ثم ولى طرابلس مدةً طويلة، ولم يكن يعرف شيئًا من العلم، واتَّفق له أنه قال في الدرس وهو قاض: "عن سعيد بن أبي جبير"؛ وكان ذلك جوادًا، ثم نُقِل إلى قضاء طرابلس فاستمر إلى أن مات إلَّا أن الأمير جكم كان أرسل بعزله فوصل وقد مات. وكان كثير الرياسة والحشمة ومكارم الأخلاق وتقريب أهل العلم، وكان للشعراء فيه مدائح.
٤١ - محمد (^٣) بن محمد بن عبد الرحمن بن حيدرة الدجوى، تقى الدين أبو بكر، ولد سنة سبع وثلاثين وسمع من ابن عبد الهادى والميدوى والعُرضى وغيرهم، وتفقَّه واشتغل وتقدّم ومَهر، وكان ذاكرًا للعربية واللغة والغريب والتاريخ، مشاركًا في الفقه وغيره، وكان بيده عمالة المودع الحكمي فشانَتْه هذه الوظيفة، وكان كثير الاستحضار دقيق الخطَّ.
سمعْتُ منه وكتبَ لى تقريظًا حسنًا على بعض تخاريجى، وكان يغتبط بي كثيرًا ويحضنى على الاشتغال. نوّه السالمي بذكره وقرره مسمعًا عند كثيرٍ من الأمراء فحدّث مرارًا بصحيح مسلم؛ ومِمَّنْ قرأ عليه طاهر بن حبيب الموقِّع. مات [الدجوى] في أواخر ربيع الآخر وقيل في ثامن عشر (^٤) جمادى الأولى.
_________________
(١) الإضافة من المقريزي: السلوك، ورقة ٦٣ ا.
(٢) "اليافي" في السلوك، ورقة ٦٣ ا، وهو خطأ.
(٣) سماه المقريزى في السلوك، ورقة ٦٣ ا "محمد بن عبد الرحمن بن حيدرة".
(٤) أخذ المقريزى: السلوك، ورقة ٦٣ ا، بالتاريخ الثاني.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
٤٢ - محمد بن معالى بن عمر بن عبد العزيز الحلبي نزيلُ القاهرة ثم مكة، جاور كثيرًا وسكن القاهرة زمانًا، وحدّث عن أحمد بن محمد بن الجوخى ومحمود بن خليفة [المنبجي (^١)] وابن أبي عمر وغيرهم، واشتغل قليلًا وتنبه، وكان يذاكر بأشياء حسنة. سمعْتُ منه قليلًا [و] مات بمكة.
٤٣ - مسعود بن شعبان بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن مسعود بن علي بن محمد بن عبيد بن هبة الله الطائى الحلبي. أصْلُه من دير حسان، ونشأ وتفقَّه قليلًا ثم صار ينوب في أعمال البر عن القضاة، ثم ولى قضاء حلب عوضًا عن ابن أبي الرضى، ثم عُزِل ثم أعيد ثم عُزِل بابن مهاجر سنة تسعين وسبعمائة، ثم ولَّاه شهاب الدين الزهرى قضاء حمص، وكان يعرف طرق السّعْي، وله دربةٌ في الأحكام، واشتهر بأخذ المال من الخصوم، فحكى لى نائبُ الحكم جمالُ الدين بنُ العراق الحلبي - وكان خصيصًا به - أنَّه أوصاه أن لا يأخذ من أحدٍ من الخصْمَيْن إلَّا من يتحقَّق أنه الغالب. وسار مع كمشبغا لما توجه للظاهر عند خروجه من الكرك، فلم يزل صحبة الظاهر إلى أن دخل القاهرة فرعى له ذلك، فلما استقر في المُلك ولَّاه قضاء دمشق وقضاء حمص قبل ذلك، وتنقل في الولايات إلى أن استقر بطرابلس.
وكان جاهلا مقدامًا فسعى في الفتنة حتى ولى القضاء بدمشق وبغيرها ومات في هذه السنة في رمضان؛ قال القاضي علاء الدين بن خطيب الناصرية في تاريخ حلب: "إنَّه كان رئيسًا كريمًا حسن الأخلاق محتشمًا، يحب أهل العلم ويكرمهم".
٤٤ - مصطفى (^٢) بن عبد الله القرمانى، شارك في الفقه والفنون ودرس للحنفية بالصرغتمشية، وقرره سودون من زاده في مدرسته أوّل ما فُتِحَتْ، ومات في سابع عشر جمادي الآخرة (^٣).
_________________
(١) راجع ترجمته في ابن حجر: الدرر الكامنة ٥/ ٤٧٤٥.
(٢) سماء السخاوى في الضوء اللامع ٢/ ٦٤٨ "مصطفى بن زكريا بن أبيدغمش القرمانى"، وقال أيضا "سمى شيخنا (يعني ابن حجر) في إنبائه والده عبد الله"، وجاء في هامش نسخة هـ "وذكرت كائنته مع الشرف التباني بسبب السيد إبراهيم الخليل ﵇ في أول سنة سبع وتسعين من هذا التاريخ فراجعها"، انظر إنباء الغمر ج ١ ص ٤٤٨.
(٣) جاء بعد هذه الترجمة ما يلى: "نعير: أمير العرب، تقدم في التي قبلها" انظر ما سبق ص ٣٤٩ ترجمة رقم ٤١.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
٤٦ - يحيى (^١) بن محمد التلمسانى الأصبُحي المالكي النحوى نزيل المدينة، سمع من أبي الحسن البطرلي وأبي عبد الله بن مرزوق وأبي القاسم العَبْريني (^٢)، وأجاز له الوادياشي و[أبو العباس] بن يربوع وغيرهما، وشارك في الفقه ومهر في العربية. مات بعد أن رجع من الحج في المحرّم وله خمس وستون سنة، وكان قد أضر قبل موته.
٤٧ - يحيى بن منصور التونسى المالكي، كان من فضلاء التونسيين معتقدا فيهم، حج ورجع فمات بين خُلَيْص ورابغ وقد بلغ الستين.
٤٨ - يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن بن مسعود بن علي بن عبد الله بن خطيب المنصورية الحموي، القاضي جمال الدين، وُلد في ذى الحجة سنة ٣٧، واشتغل بحماة فأخذ عن بهاء الدين الإخميمي المصرى بدمشق وصدر الدين بن الخابورى وتاج الدين السبكي وجمال الدين بن الشريشي، وجد ودأب وحصل إلى أن تميز ومهر وفاق أقرانه في العربية وغيرها من العلوم، وشرح "الاهتمام (^٣) بمختصر الأحكام" في ست مجلدات، و"ألفية ابن مالك" (^٤) و"فرائض المنهاج" وغير ذلك، وله نظم حسن وشهرة ببلده وغيرها.
أخذ عن ابن المغلى وابن البارزى وغيرهما، وانتهت إليه مشيخة العلم بالبلاد الشمالية ورحل الناس إليه، وكان خيرًا ساكنًا؛ قال ابن حجى: "فاق الأقران" ومات في تاسع شوّال
_________________
(١) الظاهر أن هناك نسخة أخرى من الإنباء رجع لها السخاوى إذ ذكر في الضوء اللامع ١٠/ ١٠٢١ في ترجمة الأصبحي قوله "ذكره شيخنا في إنبائه فقال: يحيى بن محمد بن يحيى الجمال الأصبحي"، وكرر مثل هذا في ترجمة يحيى بن منصور التالية (رقم ٤٧) فقال في الضوء اللامع ١٠/ ١٠٤٧ "ذكره شيخنا في إنباله عقب يحيى بن محمد بن يحيى التلمساني فكأنه غيره".
(٢) في هـ "العريني" ولم ينقط غير النون.
(٣) الوارد في السخاوي والضوء اللامع ١٠/ ١١٨١ أنه عمل "الاهتمام في شرح أحاديث الأحكام".
(٤) "ابن معطى" في الضوء اللامع ١٠/ ١١٨١.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
منها بحماة، وكتبتُ عن القاضي علاء الدين بن خطيب النَّاصريَّة عنه قصيدةً (^١) داليةً نبوية.
٤٩ - يوسف (^٢) بن عبد الله الضَّرير، جمال الدين الحنفى أحد الفضلاء في مذهبه، جاوز الخمسين.
٥٠ - موفق (^٣) الدين الرومى، ولى قضاء غزة ثم قضاء حلب ثم قضاء العسكر بالقاهرة ثم قضاء القدس، ثم مات بالقاهرة في رجب؛ قال العينتابي: "كان من طلبته أكمل الدين وتولَّى قضاء الحنفية بعده بإشارته، وكان دينًا مشاركًا في العلوم إلَّا أنه كان مكثرًا من الكلام ربما جاسر مع الغضب".
_________________
(١) ذكر السخاوى، في الضوء اللامع ١٠/ ١١٨، بعض أبيات منها هي: أيعذل المستهام المغرض الصادي … إذا حدى باسم سكان الحمى الحادى لا تنكروا وجد معشوق أضر به … بعد، وقد قرب البادي من النادي إذا تعارفت الأرواح وأتلفت … فلا يفر تناء بين أجساد هذى رياح الرضى بالوصل قد عصفت … وكوكب السعد في أفق السني بادي
(٢) ليس هذا موضع الترجمة ليوسف هذا، فقد ترجم ابن حجر في وفيات سنة ٨١٩ في الإنباء ليوسف بن عبد الله المارديني الحنفى، وهي الترجمة التي نقلها السخاوى في الضوء اللامع ١٠/ ١٢٠٠ وعلق عليها بقوله "ويختلج في ظنى أنه الذي قبله (يعنى بذلك صاحب الترجمة أعلاه) والصواب في وفاته سنة تسع عشرة لا تسع".
(٣) جاء في هامش هـ أمام هذه الترجمة: "حدثني العلامة قاضي القضاة محب الدين بن العلامة محب الدين محمد بن الشحنة غير مرة قال حدثني زين الدين عمر بن خالد العدل بحلب، وأثنى عليه خيرا، وأنه لم يجرب عليه كذبا، قال حدثني قاضي القضاة زين الدين عمر بن أحمد بن الخرزى الحموي الشافعي أن ابن خطيب الناصرية هكذا تكلم في المهد مرة فقال الناطق من نواطقه، قال وقد رآني اجتمعت بابن الخرزى بعد ذلك مرارًا فلم يقدر لي أن أسأله عن ذلك".
[ ٢ / ٣٧٧ ]