١ - إبراهيم بن عمر بن علي المحلِّى، برهان الدّين التاجر الكبير، كان يذكر أَنه طلحيُّ النسب، وهو سبط الشيخ شمس الدين بن اللبان، تقدّم شيء من ذِكره في الحوادث مِن تجديده مقدّمة جامع عمرو وذلك في سنة أَربع وثمانى مائة، ومِن تجهيز العسكر من ماله إلى الإسكندرية. وكان معظَّما عند الدولة عارفا بأُمور الدنيا، وكان في آخر أَمره قد تموّل جدا بحيث أَنه أجهد فبلغ الغاية في المعرفة بِأُمور التجارة، ومات برهان الدين في ربيع الأَول بمصر ووَلَدُه (^١) إذْ ذاك باليمن فوصل إلى مكة ومعه بعض الأَموال ما لا يدخل تحت الحصر، حتى إنه كان معه في تلك السنة ستة آلاف زكيبة من أَصناف البهار، فتفرّقت أموالهما شذر مذر بأيدى العباد في جميع البلاد.
وقد سمعْتُ من برهان الدين عدة فوائد، وسمع عَلَيّ "ترجمة البخاري" من جمعي، وكان يقول: "ما ركبْتُ في مركبٍ قط فغَرقَتْ". وسسه يقول: "وأُحْضِرْتُ عند جدّى لما وُلدْتُ فبشَّر أَبي أنى أَصير ناخوذ (^٢)، ثم سمعت ذلك من جدّى وأَنا ابن أَربع سنين"، وكان أبوه مُملقًا فرُزق هو من المال ما رقى سماه.
٢ - إبراهيم بن محمد بن صدّيق بن إبراهيم بن يوسف الدمشقى المؤذن المعروف بالرَّسام (^٣)، وكان أبوه بوّابَ الظاهرية (^٤) مسندَ الدنيا من الرجال، سمع من الحجار الكثير، ومن إسحق الآمدى والشيخ تقي الدين بن تيميّة وطائفة، وتفرّد بالرواية
_________________
(١) هو أَحمد صاحب الترجمة رقم ٣ ص ٢٧١.
(٢) يقصد به صاحب السفينة.
(٣) في الضوء اللامع ج ١ ص ١٤٧، أن "الرسام" صفة أبيه.
(٤) لم يحدد ابن حجر في المتن ولا السخاوي في الضوء، شرحه، أي الظاهريتين: الجوانية أم البرانية، لكن راجع عهما النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس، ج ١ ص ٣٤٠ - ٣٥٩.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
عنهم، ومُتِّع بسمعه وعقْلِه، سمعْتُ منه بمكة وحدّث بها بسائر مسموعاته فأَكثروا عنه وانتفعوا به، وأَلحق جماعةً من الأَصاغر بالأَكابر، ورجع إلى دمشق ولم يتزوّج.
مات في شوال وله خمس وثمانون سنة وأشهر.
٣ - أَحمد بن إبراهيم بن عمر المحلّى، أَبو الفضل التاجر، كان شابًّا حسنًا كريمَ الشمائل عفيف الفرج؛ مات بعد موت أَبيه (^١) بمكة في أَواخر ذي القعدة.
٤ - أَحمد بن داود بن إبراهيم بن داود الصالحي القطَّان، روى عن عبد الرحيم بن أَبي اليُسْر. مات في رجب (^٢)
٥ - أَحمد بن علي بن محمد بن عليّ بن ضرغام بن عليّ بن عبد الكافي البكرى، الغضائري (^٣)، المعروف بابن سُكّر (^٤)، أَخو شيخنا شمس الدين [محمد] المقدم ذكره، سمع بإفادة أَخيه من يحيى بن يوسف بن المصرى (^٥) وغيرِه وحدّث.
سمعْتُ منه (^٦) بالقاهرة، ومات في رجب وقد جاوز السبعين.
_________________
(١) راجع ترجمة رقم ١ ص ٢٧٠.
(٢) جاءت بعد هذا في نسخ الإنباء الترجمة التالية: "أحمد بن عبد الكافي بن عبد الوهاب البليني" كان أبوه قاضي البلينة، واشتغل وتفقه وأقام بالقاهرة وتاب في الحكم بالحسينية، وولى الإعادة بالشافعي، وكان فاضلًا دينا خيرًا. مات كهلا". وقد خطأ السخاوى: الضوء ج ١ ص ٣٥٣ شيخه في إدراجه صاحب الترجمة في هذه السنة فقال: "ذكره شيخنا في سنة ست وثمانى مائة من إنبائه، وهو سهو بمائة سنة سواء. فوفاته سنة ست وسبعمائة. مع أنه لم يذكره في الدور"؛ وقد أصاب السخاوى في هذه الالتفاتة والتصويب إذ وردت ترجمة أحمد بن عبد الكافي البليني في المقريزي: السلوك في وفيات سنة ٧٠٦ هـ.
(٣) "العطاردى" في الشذرات ٧/ ٥٥، "العضايري" في هـ.
(٤) الضبط من الضوء ٢/ ٩٦.
(٥) راجع ترجمته في الدور ٤/ ٥٠٥٥، والشذرات ٦/ ١١٦.
(٦) أو أنه سمع من أحمد بن علي بن عبد الكافي صاحب الترجمة.
[ ٢ / ٢٧١ ]
٦ - أَحمد بن علي التركماني، يعرف بابن الشيخ [عليّ] (^١)، ولى نيابةً الكرك وصفد واستقرّ في آخر الأَمر أَميرًا كبيرًا بدمشق. مات (^٢) في ذي القعدة بمصر.
٧ - إسماعيل بن إبراهيم الجَبَرْتي ثم الزبيدي، وُلد سنة سبعمائة واثنتين وعشرين على ما ذُكر، وتعانى الاشتغال ثم تصوّف؛ وكان خيّرًا عابدًا حسنَ السمّت والملبوس، مغرًى بالسماع، مُجِدًّا في مقالة ابن عربى؛ وكنتُ أَظن أَنه لا يفهم الاتحاد حتى اجتمعتُ به فرأَيْتُه يفهمه ويقرّره ويدعو إليه حتى صار مَن لم يُحصّل كتاب "الفصوص" مِن أصحابه لا يلتفت إليه، وكان السلطانُ الأَشرفُ قد عظَّمه أَنه بسبب قام معه عند حصار الإمام صلاح [الدين الهروى] الزَّيدى بزبيد فاعتقده (^٣) وصار أَهلُ زبيد يقترحون له كرامات، وكان يداوم قراءة سورة يس في كل حالة ويعتمد فيها حديثًا موضوعًا؛ وأرانى جزءً جمعه له شيخُنا شمس الدين الشيرازي في ذلك، وقام عليه مرّةً [أتباع] الشيخ صالح المصرى فتعصَّبوا (^٤) عليه حتى نفوه إلى الهند. ثم كان الفقيه أَحمد النَّاشري (^٥) عالمُ زبيد يقوم عليه وعلى أَصحابه ولا يستطيع أَن يغيّرهم عما هم فيه لميل السلطان إليه.
وقد حدّث الشيخ إسماعيل بالإجازة عن القاسم بن عساكر، وبالخاصة عن أَبي بكر بن
_________________
(١) الإضافة من السخاوى: الضوء اللامع ٢/ ١٢٨.
(٢) ذكر السخاوى: شرحه ٢/ ١٢٨ أنه مات سنة ٨٠١.
(٣) وذلك أنه بشر السلطان الأشرف صاحب اليمن بالنصر وبهزيمة الإمام الهروى.
(٤) بلغت هذه المنازعة حدا أَن الجمال الذو إلى شاعر اليمن ومن أنصار صالح المصرى قال: صالح المصرى قالوا صالح … ولعمرى أنه للمنتخب كان على أنه من فتية … كلهم إن تمتحنهم مختلب رهط إسماعيل قطاع الطريق … إلى الله وأرباب الريب سفل، حمقى، رعاع، غاغة … أكلب فيهمو على الدنيا كلب تخذوا دينهمو زندقة … فاستباحوا اللهو فيه والطرب انظر في ذلك السخاوى: الضوء اللامع ٢/ ٨٩٣.
(٥) هو أَحمد بن أبي بكر بن علي الزبيدي، وكان شديد الحط على ابن تيمية في اليمن، وسترد ترجمته هنا سنة ٨١٥، انظر أيضا الضوء اللامع ج ١ ص ٢٥٧ - ٢٥٨، والشذرات ٧/ ١٠٩.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
المحبّ، ومات في نصف رجب وله بضعٌ وثمانون (^١) سنة، لأَنه ذكر أَن مولده سنة ٧٢٢.
٩ - إسماعيل بن علي بن محمّد البقِاعي ثم الدمشقى الناسخ، كان يشتغل بالعلم ويصحب الحنابلة ويميل إلى معتقدهم وينصحهم ويعظمهم ويُكَتّب (^٢) الناس مع الدين والخير، وله نظمٌ حسن أَنشدني منه بدمشق.
وقد كتب بخَطِّه "صحيح البخارى" في مجلدةٍ واحدة معدومةِ النظير سلمت من الحريق إلَّا اليسير من هوامشها فبِيعَتْ بأَزيد من عشرين مثقال.
فرّ في الكائنة إلى طرابلس فأَقام بها إلى آخر سنة خمسٍ ورجع فمات بدمشق في المحرم منها (^٣).
١٠ - آقْبْغَا الهدباني الظاهري [برقوق] كان من عتقاء الظاهر برقوق وتنقَّل في الخِدم إلى أَنْ ولى الحجوبيّة بحلب بعد رجوع الظاهر إلى السلطنة من الكرك، ثم نيابةَ صفد، ثم نيابةَ طرابلس، ثم نيابةَ حلب في سنة إحدى وثمانى مائة: سنةِ وفاة الظاهر. ثم كان ممَّنْ أَعان تنم نائبَ دمشق، فلما انكّسر تنم أُسر آقبغا فيمن أُسر ثم أُطلق وولى نيابة طرابلس سنة أَربع، ثم ولى نيابة حلب (^٤) بعد دقماق فدخلها في جمادى الأُولى سنة ستٍّ وثمانمائة فأَقام بها أَربعين يومًا، ثم مات ليلة الجمعة سابع عشرى جمادى الآخرة، وكان عاقلًا كثير السكوت، وأَنشأَ بحلب جامع (^٥) وداخِلُهُ تربة له ودُفن فيها.
_________________
(١) هكذا أيضا في عقد الجمان العين ٣/ ٢٠٧، ويلاحظ صحة هذا التقدير إذا أخذنا بما قاله ابن حجر في أول الترجمة من أن صاحبها ولد سنة ٧٢٢ هـ وإن كان السخاوى في الضوء اللامع ٢/ ٢٨٢ قد نقل عن ابن حجر أن المترجم كان يذكر أن مولده سنة بضع عشرة.
(٢) في الضوء اللامع ٢/ ٩٣٧ "يكتب الناس".
(٣) أمام هذه الترجمة في هامش هـ بخط البقاعي: "هذا الرجل من قريتنا خربة روحه من البقاع، ﵀".
(٤) فيما يتعلق بوظائفه وولاياته راجع ٤٧٧. Wiet: Les Biographies du Manhal، No وإن سماه أَبو المحاسن فيها "بالهيدباني"، ولكن السخاوي: في الضوء اللامع ٢/ ١٠١١ سماه كما بالمتن.
(٥) لكنه لم يكمله.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
١١ - أَبو بكر بن داود الصالحي [الحنبلي] أَحدُ مَن كان يُعتقد ويُزار بالصّالحية بدمشق، وله زاوية (^١) هناك، وكان على طريقة السلف، وله إلمام بالعلم. مات في رابع عشري (^٢) رمضان.
١٢ - أَبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى بن أَحمد بن عبد المعطى الخزرجي المكي، سَمع من عثمان بن الصفى أَحمد الطبرى بمكة ومن غيره، ودخل بلاد التكرور (^٣)، فاتفق أَنهم كانوا احتاجوا أَن يستسقوا فاستسقوا به فسُقوا وذلك ببلد مالى (^٤)، ثم رجع إلى مصر فأَقام بها؛ وكان يُكثر زيارة الصالحين بالقرافة ويشارك في قليل من الفقه ويدري التاريخ.
اجتمعتُ به مرارًا، ومات وله سبع وسبعون سنة، وكان يُعرف عند أَهل مصر بالفقيه أَبي بكر الحجازي.
١٣ - أَبو بكر بن محمد الحبيشي العدنى قاضي عدن [الشافعي]، وليه (^٥) مرارًا وكان نبيهًا في الفقه. مات في أَواخر السنة.
١٤ - دمشق خَجا بن سالم الدوكاري التركماني، تقدّم ذكره في الحوادث قُتل في رمضان من هذه السنة.
_________________
(١) هي الزاوية المعروفة بالداوودية التي ينسب البعض بناءها إلى ولده زين الدين عبد الرحمن، ولكن النعيمي: الدارس ٢/ ٢٠٣ أنكر تلك النسبة وأرجع بناءها إلى صاحب الترجمة إذ قال: "والذي في حفظى أَ الذي أنشأها - أي هذه الزاوية الداوودية - هو الشيخ أبو بكر وكانت وفاته سنة ٨٠٦".
(٢) "سابع عشري رمضان" في الضوء ١١/ ٨٣.
(٣) عرفها مراصد الاطلاع ١/ ٢٦٨ بأنها بلاد تنسب إلى قبيل من السودان في أقصى جنوب المغرب، وأهلها أشبه الناس الزنوج، انظر أَيضا دائرة المعارف الإسلامية، مادة "تكرور".
(٤) هي عاصمة الإقليم المعروف عند الجغرافيين العرب باسم "مملكة مالى" وتمتد من بلاد السنغال غربا إلى الهوسا شرقا، وجنوبها ساحل العاج، انظر في ذلك القلقشندي: صبح الأعشى ٥/ ٢٨٢ Ency. Isl. Art. Mali.
(٥) أي ولى قضاء عدن.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
١٥ - عبد الله بن عبد الله الدّوكارى (^١) المغربي المالكي نزيل مكة، أَقرأَ بها ودرّس وأفاد وناب في الحكم في بعض القضايا، وكان متجرئًا على العلماء، رحمه الله تعالى.
١٦ - عبد الله بن عثمان بن محمد الصالحي المعروف بابن حَمِيّة (^٢)، روى لنا عن البرزالي، وسمع من محيي الدين بن خطيب بعلبك وحدّثنا عن الحافظ علم الدين البرزالي.
١٧ - عبد الله بن الشيخ محمد بن أَحمد بن عبد الرحمن، ويقال ابن عثمان بن عمر التركستاني المعروف بالقرْمِي، وهو ولد الشيخ المشهور ببيت المقدس؛ اشتغل قليلًا وقدم حلب ثم دخل بغداد وأُسِر مع اللنكية ثم خلص، ويقال إنه جرت له محنة فخَنق نفسه بسببها على ما استفاض بين الناس. ومات سنة ست وثمانمائة في أَواخرها.
١٨ - عبد الله بن محمد المارديني (^٣) جمال الدين المعروف "بتمتَّع" (^٤)، كان من أَولاد الأَغنياء فورث مالًا كثيرًا فأَنفقه في الخيرات ثم افتقر وصار يكدى بالأَوراق وينظم اليسير في ذلك أَحيانا، وكان يعاشر الرؤساءَ؛ وللشيخ عز الدين الموصلي فيه نظم. مات في رمضان بدمشق.
١٩ - عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أَبي بكر بن إبراهيم، المِهْرَاني (^٥) المولد، العراقي الأَصل، الكردى، الشيخ زين الدين العراقي حافظ العصر، وُلد في جمادى
_________________
(١) "الدكارى" في الضوء اللامع ٥/ ١٠٣، ولعلها الدكالي (بفتح الدال وتشديد الكاف) نسبة إلى دكالة وهى بلد بالمغرب كما جاء في مراصد الاطلاع ٢/ ٥٣١.
(٢) الضبط من الضوء اللامع ٥/ ١١٦.
(٣) في ز "الماردي".
(٤) "تمنع" بالنون في الضوء اللامع ٥/ ٢٤٩.
(٥) نسبة إلى مهران (بالكسر ثم السكون) وهو اسم نهر السند كما قال مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٣٨.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الأُولى سنة خمس وعشرين وحفظ التنبيه في الفقه، واشتغل بالفقه والقراءات، ولازم المشايخ في الرواية وسَمع في غضون ذلك من عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادى وعلاء الدين التركماني، وقرأَ بنفسه على شهاب الدين بن البابا وتشاغل بالتخريج، ثم تنبّه للطلب بعد أَن فاته السماع من مثل يحيى بن المصرى آخِر من روى حديثَ السِّلفي عاليا بالإجازة ومِن الكثير من أَصحاب ابن عبد الدايم والنجيب وابن عارف، ولكنه أَدرك أَبا الفتح الميدومى فأَكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسنادًا، وسمع أَيضًا من ابن الملوك وابن القَطروانى (^١)، ثم رحل إلى دمشق فسمع من ابن الخبّاز ومن أَبي العباس المرداوى ونحوهما، وعنى بهذا الشأْن ورحل فيه إلى دمشق وحلب والحجاز، وأَراد الدخول إلى العراق ففترت هِمّته من خوف الطريق ورحل إلى الإسكندرية، ثم عزم على التوّجه إلى تونس فلم يُقدّر له ذلك.
وصَنَّف "تخريج أحاديث الإحياء"، وأَكمل مسودته الكبرى قديما ثمّ بيّضه في نحو نصفه، ثم اختصره في مجلد واحد (^٢) وبيّضه، وكتب منه النسخ الكثيرة.
وشرع في إكمال "شرح الترمذي" لابن سيّد الناس، ونظم "الألفية في علوم الحديث" لابن الصلاح وشرحها، وعمل عليها "نكتنا"، وصنف أَشياء أَخرى: كبارًا وصغارًا، وصار المنظور إليه في هذا الفنّ من زمن الشيخ جمال الدين الإسناوى وهلمّ جرًّا، ولم نَرَ في هذا الفنّ أَتْقن منه، وعليه تخرّج غالبُ أَهل عصره، ومنْ أخصّهم به صهره شيخنا نور الدين الهيثمي (^٣)، وهُو (^٤) الذي درّبه وعلَّمه كيفيّة
_________________
(١) هو محمد بن علي بن عبد العزيز القطرواني المتوفى سنة ٧٦٠ هـ، راجع عنه ابن حجر: الدرر الكامنة: ٤/ ٤٠٦٢.
(٢) ذكر السخاوى: الضوء اللامع ٤/ ٤٥٢ أن هذا المختصر كان هو المتداول في وقته وسماه "المغنى عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار".
(٣) راجع ترجمته في الضوء اللامع ٥/ ٦٧٦.
(٤) أي شيخه العراق.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
التخريج والتصنيف، بل هو الذي يعمل له خُطَب كُتُبه ويسميها له، وصار الهيثمى لشدّة ممارسته أَكثر استحضارًا للمتون من شيخه، حتى يَظُن من لا خِبْرة له أَنه أَحفظ منه، وليس كذلك لأَن الحفظ (^١) المعرفة.
وولى شيخنا قضاء المدينة سنة ثمانٍ وثمانين فأَقام بها نحو ثلاث سنين ثم سكن القاهرة، وأَنجب ولده قاضي القضاة وليّ الدين.
لازمْتُ شيخنا عشر سنين تخلَّل في أَثنائها رحلاتى إلى الشام وغيرها، وقرأْتُ عليه كثيرًا من المسانيد والأَجزاء، وبحثْتُ عليه شرحه على منظومته وغير ذلك، وشهد لي بالحفظ في كثير من المواطن وكتب لي خطَّه بذلك مرارًا.
وسئل عند موته: "مَن بقى مِن الحفَّاظ؟ "، فبدأ بي، وثنّى بولده، وثلَّث بالشيخ نور الدين (^٢)؛ وكان سبب ذلك ما أَشرْت إليه من إكثاري الممارسة لأَن ولده تشاغل بفنون غير الحديث، والشيخَ نورَ الدين كان يدرى منه فنًّا واحدا؛ وكان السائل للشيخ من ذلك: القاضي كمالُ الدين بنُ العرام، ثم سأَله الشيخ نور الدين الرشيد - على ما أَخبرني بذلك - بعد ذلك، فقال: "في فلان الكفاية"، وذكر وذكر أَنَّه عناني، وصرّح بذلك.
مات الشيخ عقب خروجه من الحمّام في ثامن شعبان وله إحدى وثمانون سنة سنة، نظيرَ عمر شيخ الإسلام سراج الدين، وفى ذلك أَقول في المرثية:
لا ينْقَضِي عَجَبي من وفقِ عُمْرِهما … العامُ كالعام، حتى الشهْرُ كالشهر
عاشا ثمانين عامًا بعْدَه سنةٌ … ورُبعَ عامٍ، سوي نقْصٍ لمعتبر
_________________
(١) أمامها في هامش هـ بخط البقاعي "أي الملكة الحاصلة في نفس العالم".
(٢) يعني نور الدين الهيثمي.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
والإشارة بذلك إلى أَنهما لم يُكملا الرّبع بل ينقص أَيامًا، وقد أَلممتُ برثائه في الرائيّة التي رثيْتُ بها شيخَ الإسلام البلقيني، وخَصَصْتُه بمرثية قافية، وهي:
مُصَابٌ لم يُنَفَّس للخناق … أَصارَ الدَّمعَ جارًا للمآقي
فرَوْضُ العلم بعد الزَّهْو ذاوٍ … ورُوحُ الفضل قد بَلغَ التَّراقي
وبحْرُ الدّمع يَجْرِى في انْدِفاقٍ … وبدْرُ الصَبرِ يَسْرى في انْمِحَاقِ
ولِلأَحْزَانِ بالقَلْبِ اجتماعٌ … يُنَادِى الصبرَ: حيَّ على افتراقِ
وَكَانَ الصَّبُّ إِنْ يُدْفَعْ بَصَبرٍ … يهونُ عليه معْ رَجْوِى التَّلاقِي
فأَمَّا بَعْدَ يأْس مِنْ تَلَاقٍ … فَهَذَا صِبْرُه مُرُّ المَذَاق
لقد عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وجَلَّتْ … بسَوْقٍ أُولى العُلومِ إلى السّياق
وأَشراطُ القِيامَةِ قدْ تَبدَّتْ … وآذَنَ بالنَّوى دَاعِي الفراقِ
وكَانَ بِمْصَر والشَّامِ البَقَايَا … وكَانُوا للفَضَائِلِ فِي اسْتِبَاقِ
فلمْ تبق المَلَاحِمُ والرِّزَايَا … بِأَرْضِ الشَّام للفُضلاء بَاقي
وطافَ - بأَرْضِ مصرٍ كلَّ عامٍ … بَكَأْسِ الحَيِّ للعُلَمَاء - سَاقِي
فأَطفأَت المَنُونُ سِراجَ عِلْمٍ … ونور نارُه لأُولى النفاق
وأَحْكَمَتِ (^١) الردى في ابن الحُسَيْن الـ … إمام فأَلحقته بالمساقي
على الحَبْرِ الذي شَهدَتْ قدومٌ … له بالإنْفِرَادِ على اتِّفاقِ
على حَاوِي عُلُومِ الشَّرْع جَمعًا … بِحِفْظٍ لا يخاف من الإبَاقِ
ومن فُتِحَتْ له قِدْمًا علومٌ … غَدَوْن لغيرِهِ ذات انغِلاقِ
وجارَى في "الحديث" قديمَ عهدٍ … فأَحَرزَ دونه خيل السباق
_________________
(١) في هـ "وأخلفت الرجاء".
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وبالسَّبع القراءَات العَوَالِي … رَقَى قُدُمًا إلى السَّبع الطِّباق
فسَلْ "إحْيَا عُلومِ الدِّينِ" عَنْهُ … أما وَافَاهُ معْ ضيقِ النطاق؟
فصيَّر ذكرَه يسْمو وينْمو … بتخْريج الأَحاديث الرقاق
و"شرح الترمذيّ" لقَدْ تَرَقَّى … به قِدْمًا إلى أَعْلَى المَرَاقِي
و"نظْم ابن الصَّلاح" له صلاحٌ … وهَذا شرْحُه في الأُفْق راقِي
وفى "نظْم الأُصُولِ" له وصولٌ … إلى مِنْهَاجِ حَقٍّ باشْتِياقِ
و"نظْمُ السيرة" الغرّا يُجَازَى … عليْها الأَجْرَ من رَاقى التراقي
دَعَاهُ بحَافِظِ العَصْرِ الإِمَامُ الْـ … كبيرُ الإسْتَوِيُّ لدَى الطِّبَاقِ
وعَلَّى قدرَه السبكيُّ وابنُ الـ … عَلَائِي والأَئِمَّةُ باتِّفاق
ومِن ستِّينَ عامًا لم يُجَارَى … ولا طَمعَ المُجارِى في اللّحَاقِ
يقضِّي اليوم في تَصْنِيف علمٍ … وطولٍ تهجّدٍ في الليل واقى
فبالصُّحْف الكَرِيمَةِ في اصطِباحٍ … وبالتُّحف الكريمة في اغتباق
فما فتَنْتهُ كأْس بالْتِشَامٍ … ولا أَلَهْاهُ ظبيٌ باعْتِنَاقِ
فتى كرمٍ يزيدُ، وشيخُ علمٍ … لَدَى الطُّلَّابِ معْ حمْل المشاقِّ
فيغرى طالبا علمًا ويَقْرِى … قرًى فدَّتْه ذات اتساق
ويا أَسَفِي عليه لِحفْظِ وُدٍّ … إذا نُسِبَتْ مَوَدَّاتُ الرِّفاقِ
ويا أَسَفي لتَقْيِيدَاتِ علمٍ … تولَّتْ بعْدَه ذاتَ انطلاقِ
عليه سلامُ ربّى كلَّ حِينٍ … يُلاقِيه الرضا فيما يُلاقِي
وأَسْقَتْ لَحْدَهُ سَحْبُ العَوَادِي … إِذَا انهلّت هَمَتْ ذاتُ الطباق
ودَانتْ رُوحَه فِي كُلِّ يومٍ … تَحيَّاتٌ إلى يَوْم التَّلاقي
[ ٢ / ٢٧٩ ]
٢٠ - عبد الصادق بن محمد الحنبلي الدمشقى، كان من أَصحاب ابن منجا، ثم ولى قضاء طرابلس وشُكِرت سيرته، ثم قدم دمشق وتزوّج بنت السّلاوى زوجة مخدومه تقيّ (^١) الدين بن المنجا وسعى في قضاء دمشق ومات في المحرّم، سقط عليه سقف بيته تهلك تحت الرّدم.
٢١ - على بن خليل بن علي بن أَحمد بن عبد الله بن محمد المصرى الحنْبلي، نور الدين الحِكْرى، كان فاضلًا نبيها، درّس وأفاد وعمل المواعيد بالجامع الأَزهر، ثم ولى قضاءَ الحنابلة قليلًا عوضا عن موفَّق الدين أَحمد بن نصر الله في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانى مائة فأَكثر من النواب، وسافر مع العسكر في وقعة تنم ثم رجع فأُعيد الموفّق في ذى الحجة منها ثم استمرّ مفصولًا (^٢) إلى أَن مات في تاسع المحرّم؛ وهو والد بدر الدين الحكرى الذي ناب في الحكم (^٣) بعد ذلك مدة، وسيأْتى سنة سبع وثلاثين وثمانى مائة.
٢٢ - على بن عمر بن سلمان الخوارزمي أَبو الحسن علاء الدين، وُلد سنة ستٍ وستين بمصر، وكان أَبوه من الأَخيار فنشأَ ولده على أَجمل طريقة وأَحسن سيرة، وأَكبّ على الاشتغال بالعلم، ثم طالع في كتب ابن حزم فهوى كلامَه واشتهر بمحبّته والقول بمقالته وتظاهَرَ بالظاهر، وكان حسنَ العبادة كثير الإقبال على التضرّع والاجتهاد والابتهال والدعاء، ونزل عن إقطاعه في سنة بضعٍ وثمانين، وأَقام بالشام مدة ثم عاد إلى مصر وباشر عند بعض الأُمراء. وقرأْتُ بخط الشيخ تقيّ الدين المقريزي أَن المذكور باشر شدّ الأقصر لبعض الأُمراء (^٤)، ولم يكن يُزرع بها إلَّا نحو أَلف فدان وباقيها بُورٌ وخرس.
_________________
(١) راجع ابن طولون: قضاة دمشق، ص ١٨٩.
(٢) جاء في عقد الجمان للعينى ٣/ ٢٠٦ "إنه ابتلى بتولية القضاء في مذهب الحنفية".
(٣) كانت نيابته في الحكم عن الحنابلة، كما أشار ابن حجر إلى أن بدر الدين ناب عنه أيضا في الحكم، انظر رفع الإصر، ص ٣٩٩.
(٤) جاء بعد هذه العبارة في الضوء اللامع ٥/ ٢٦٦ "فذكر أن مساحتها ٢٤.٠٠٠ فدان"، وكان ذلك في سنة ٧٩١ هـ.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وكان حسنَ العبادة شديدَ الإقبال على الله. مات في تاسع صفر.
٢٣ - على بن محمد بن عبد الوارث بن جمال الدين محمد بن زين الدين عبد الوارث بن عبد العظيم بن عبد المنعم بن يحيى بن حسن بن يعقوب بن محمد بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أَبي بكر الصديق القرشيّ التيميّ البكرى، الشيخ نور الدين، اشتغل بالعلم ومهر في الفقه خاصّةً وكان كثير الاستحضار قائمًا بالمعروف شديدًا على مَنْ يطلع منه على أَمرٍ منكر، فجَرَّه الإكثار من ذلك إلى أَن حسَّن له بعض أَصحابه أَن يتولى الحسبة، فولى حسبةَ مصر مرارًا وامْتُحِنَ بذلك حتَّى أَضرَّ ذلك. به، ومات في ذى القعدة مفصولا [عن الحسبة] وله ثلاث وستون سنة.
٢٤ - عمر بن إبراهيم بن سليمان، الرّهاوى الأَصل ثم الحلبي، زين الدين كاتبُ الإنشاء بحلب، قرأَ على الشيخ شمس الدين الموصلى وأَبى عشائر، وتعانى الأَدب وبرع في النظم وصناعة الإنشاء وحسن الخطِّ، وولى كتابةَ السرّ بحلب عوضًا عن ناصر الدين [محمد] بن أَبي الطيب، ثم ولى خطابة الجامع الأُموى بعد وفاة أَبي البركات الأَنصارى، وكان فاضلًا ذا عصبيّة ومروءة، وهو القائل:
يا غائبينَ وفي سِرِّى مَحَلُّهُمُو … دَمُ الفؤادِ بسَهْمِ البيْنِ مسفوكُ
أشتاقُكُم (^١) ودُموعُ العَيْنِ جاريةٌ … والقَلْبُ في رِبْقَةِ الأَسْواق مَمْلُوكُ
ومن شعره:
وحَائِكٍ يَحْكِيه (^٢) بدْرُ الدُّجى … وجهًا، ويحْكِيه القَنا قدًّا
ينَسْج أَكفانًا لعشَّاقِه … مِنْ غزْل جفنَيْه وقد سُدَّا
_________________
(١) في ز " أسيافكم".
(٢) في هـ: "مخلفه".
[ ٢ / ٢٨١ ]
وفيه يقول زين الدين عبد الرحمن بن الخراط (^١):
وفى الرهاويّ لِي مديحٌ … مُسَيَّرٌ أَعجَزَ الحلَاوى
قد أَطرَبَ السامعين طُرًّا … وكيف لا، وهْو في الرّهاوي
مات في ثاني ربيع الآخر من السنة.
٢٥ - عمر بن علي بن طالوت بن عبد الله بن سُوَيْد النابتي (^٢) ثم الدمشقي، ركن الدين، ناظر البدرائية (^٣) بدمشق وكان بزيّ الجند. مات في ذى الحجة.
٢٦ - عوض بن عبد الله الزاهد، كان منقطعًا بجامع عمرو بن العاص وللناس فيه اعتقاد. مات في رمضان.
٢٧ - فارح بن مهدى المرِينى القائد، كان مدبّر دولة بني مرين في سلطنة أَبي سعيد عثمان بن أَحمد بن إبراهيم بفاس. مات في أَواخر السنة بفاس.
٢٨ - قطلوبغا بن عبد الله، عمل مرةً أُستادارية أيتمش واشتهر به، ثم ولى الأُستدارية للسلطان مرارًا. مات في ربيع الأَول.
٢٩ - محمد (^٤) بن إبراهيم بن عمر البيدمرى، نشأَ نشأَة حسنة وقرأَ القرآن العظيم ونظم الشعر وتأَمّر وباشَرَ الخاص، وكانت له معرفة بالأُمور. مات في ربيع الآخر.
٣٠ - محمد بن أَحمد بن علي بن محمد، أَمين الدين المنهاجي سبطُ الشيخ شمس الدين بن اللَّبان، وُلد سنة بضعٍ وثلاثين واشتغل بالعلم وحفظ "التنْبيه"، وأُسْمع على
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن سلمان بن عبد الله الحموي المولد، عنى بالأدب والشعر وطارح الأدباء وأكثر من مدح كبار رجالات عصره، ولما سكن القاهرة امتدح حكامها، وتولى رئاسة ديوان الإنشاء بمصر بعد تقي الدين بن حجة الحموي، وامتدح برسباى حين جيء بجانوس ملك قبرص أسيرا إلى القاهرة، وكان موته سنة ٨٤٠ هـ.
(٢) نسبة إلى "نابت": وهو موضع بالبصرة، انظر مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٤٧.
(٣) انظر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٢٠٥ وما بعدها.
(٤) في هـ بخط الناسخ "صاهر الملك الناصر وصاهر سعد الدين بن غراب فإنهما تزوجا عنده".
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ابن عبد الهادي في "صحيح مسلم" وعلى جدّه لأُمّه، وكان معه عدة جهات باشَرَ فيها من الأَوقافِ الحكمية، وانقطع إلى القاضي صدر الدين المناوى واشتهر بصحبته وصارت له وجاهة، ثم تعاطى التجارة واتَّخذ له مطبخَ سكر وكَثُر ماله، ومات في شهر رمضان منها. سمعْتُ منه قليلًا.
٣١ - محمد بن أَحمد بن علي بن موسى بن الصاحب فخر الدين سليمان بن الشيرجي، كان يُعرَفُ بالأَنصارى، صحب الشيخ أَبا بكرٍ الموصلى وتُلْمِذَ له. حجَّ فمات بمكة في ذي الحجة.
٣٢ - محمد بن حسن بن علي المصرى الصوفئ المقرئ المعروف بالفَرْسِيسي (^١)، سمع من الحافظ أَبي الفتح بن سيد الناس ومِن أَحمد بن كَشْتَغْدى ولم يظهر سماعه إلَّا بآخره فإنه حضر السماع على الشيخ تقيّ الدين بن حاتم في "السيرة"، فقُرئت الطبقة فوُجِد اسمه فيها فأُقيم من السامعين وأُجْلِس مع المسمّع، ووُجد سماعُه بفوت، ثم وُجد في بعض النسخ ما يدل على أَنه أَكمل له، وإلى الآن لم أَتحقَّق ذلك. مات في شهر رجب وله سبع وثمانون سنة.
٣٣ - محمد بن حسين بن الشيخ مسلم السلمى، أَحدُ المشايخ المعتَقَدين بمصر. مات في ربيع الأَول.
٣٤ - محمد بن حيّان بن العلَّامة أبي حيّان بن العلامة أَبي حيان محمد بن يوسف بن على الغرناطي ثم المصرى، أَبو حيّان بن فريد الدين بن أَثير الدين، وُلد سنة أَربعٍ وثلاثين، وسمع من جدّه ومن ابن عبد الهادى وغيرهما؛ وكان شيخا حسن الشَّكل منوّر الشيبة بهيَّ المنظر حسنَ المحاضرة، أَضرّ بآخره. سمعْتُ منه يسيرًا ومات في ثالث رجب.
_________________
(١) نسبة إلى قرية فرسيس بين زفتى وتفهنا، انظر محمد رمزى: القاموس الجغرافي، ق ١ ج ٢ ص ٢٣.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
٣٥ - محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عثمان بن إسماعيل (^١)، شمس الدين الطائي خطيب الناصرية، وُلد سنة ثلاث وأربعين، وتفقَّه بعد أَن حفظ "التنبيه" على أَبي الحسن على البابي (^٢) والكمال عمر بن العجمي (^٣) والجمال بن الحكم التّيزيني (^٤)، وسمع الحديث من بدر الذين بن حبيب وغيره، وولى خطابة الناصرية واشتهر بها بها إلى أَن مات، وكان كثيرَ التلاوة والعبادة سليمَ الصدر؛ مات في جمادى الأُولى، وهو قاضي حلب أَبقاه الله.
٣٦ - محمد بن سلمان بن عبد الله، شمس الدين بن الحرّاني الفقيه الشافعي الحموى نزيل حلب، أَصله من الشرق وأَقدمه أَبوه طفلًا وسكن حماة وعلَّمه صناعةً الخرط (^٥)، ثم ترك وأَقبلَ على الاشتغال فأُخذ عن شرف الدين يعقوب بن خطيب القلعة والجمال يوسف بن خطيب المنصورية وصاهره [على أخته]، ثم رحل إلى دمشق وأَخذ عن زين الدين القرشي، ودأَب وحصّل وشارك في الفنون، ثم قدم حلب سنة ثلاث وتسعين وناب في الحكم عن ناصر الدين [بن خطيب نقرين] بن القطب، ثم عن أبي البركات، ثم ولى قضاءَ الرّها ثم ولى قضاء بُزاعة (^٦)، ثم ناب في الحكم بحلب أَيضًا، وولى عدة تداريس؛ وكان فاضلًا مفننا مشكورًا في أَحكامه ومات في سابع شهر ربيع الأَول بالفالج.
٣٧ - محمد بن عبد الملك بن عبد الكريم بن يحيى بن ناصر الدين بن القاضي محي الدين شيخ الشيوخ تقي الدين بن قاضي القضاة محيى الدين بن الزكيّ، وُلد بعد
_________________
(١) أمامها في هامش "بخط البقاعي،" "ابن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن علي بن هبة الله بن ناجية".
(٢) هو على بن الحسن بن قيس الشافعي مدرس الحديث الشريف بالإسكندرية، راجع ترجمته في ابن حجر: الإنباء ج ١ ص ٤٦ ترجمة رقم ٢٥، والدرر الكامنة ٣/ ٢٧١٤، وابن العماد الحنبل: شذرات الذهب ٦/ ٢٣٣.
(٣) انظر الدرر الكامنة ٣/ ٢٩٦٦، وإنباء الغمر، ج ١ ص ١١٧، ترجمة رقم ٤٤.
(٤) نسبة إلى تيزين من أعمال حلب، انظر عنها مراصد الاطلاع ١/ ٢٨٥، Duraud: Topographie Historique de la Syrie Antique et Medievale، pp. ٢٢٥ et seq.
(٥) ولذلك يعرف أحيانا بابن الخراط، انظر السخاوى: الضوء اللامع ٧/ ٦٤٣.
(٦) انظر مراصد الاطلاع ١/ ١٩٢ Dussaud: op. cit. p. ٣.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الخمسين وسمع من العُرضى وابن الجوخى (^١) وغيرهما من أَصحاب الفخر، وكان يرجع إلى دينٍ وعقلٍ، وكان هو أَسَنَّ إخوته. خرج مع القاضي علاء الدين بن أَبي البقاء في قسم بعض المغلات فقُطع عليهم الطريق فقُتِل هذا وجُرح علاء الدين فسقط فظنوا أَنه مات فسلم، وذلك في المحرّم من هذه السنة.
٣٨ - محمد بن علي بن عبد الله الحَرْفِي - بفتح المهملة وسكون الراء بعدها فاء - الشيخ قمر الدين (^٢) المغربي. مات في شوال.
٣٩ - محمد بن المبارك الآثاري، شمس الدين الآثارى، مات في المحرم عن ثمانين سنة، وكان مغرًى بالمطالب والكيمياء، كثيرَ النَّوادر والحكايات المعجبة، أُعجوبةً في وضعها، واللهُ يغفر له ولى.
٤٠ - محمد بن محمد بن أَبي بكر بن عبد العزيز القدسي، الشيخ شرف الدين أبو الفضل، وُلد بعد الأَربعين، وسَمع من الميدوى على ما كان يزعم، ثم حُبِّبَ إليه الطلب فسمع الكثير من أَصحاب الفخر وابن عساكر والأَبرقوهي (^٣)، ثم من أَصحاب أَصحاب وزيرة والقاضى والمطعم وغيرهم، ثم من أَصحاب الوالى والدبوسي والختنى ونحوهم، ثم من أَصحاب [أبى الحسن] بن قريش وابن كشتغدى والتفليسي وغيرهم؛ وعُنِىَ بتحصيلِ الأَجزاء وإفادةِ الطلبة وكتابة الطباق والدّلالةِ على المشايخ وتسميع أَولاده والإحسان إلى من يقدم عليه من الغرباء وخصوصا الشاميّين؛ وكتب بخطّه الحسن ما لا يُحصَى، وكان يحبس عن الناس أَسمعتهم فلم يمتَّع بما سمع ولاعاش له ولد ذكر بعد
_________________
(١) انظر ابن حجر: الدرر الكامنة ١/ ٦٤٢.
(٢) وكان أثيرًا عند الظاهر برقوق لرؤيا رآها له.
(٣) هو أبو المعالى أحمد بن إسحق بن محمد بن المؤيد بن علي المتوفى سنة ٧٠١ هـ، أصله من أبرقوه بأصبهان، وقد أكثر من السماع وحدث عنه الكثيرون ومنهم الذهبي، وكان يعرف بين الصوفية بالسهروردي للبسه الخرقة عنه، انظر عنه الدرر الكامنة ١/ ٢٨١، والشذرات ٦/ ٤.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
أَن كان يبالغ في تسميعهم ويجتهد في التحصيل لهم، وكان يتعانى نظم الشعر فيأتى بما يُضْحِك؛ إلَّا أَنه ربما وقع له ديوانٌ غير شهير فيأْخذ منه ما يمدح به الأَعيان خصوصًا القضاة إذا وُلُّوا ويستعين بمن يُغيّر له بعض الأَسماء، وربما عُثِر على القصيدة في ديوان صاحبها؛ وأَعجب ما وقع له أَنه أَنشد لنفسه عند ما ولى ناصر الدين بن الميلق القضاءَ:
إنَّ ابنَ مِيلقَ شَيْخٌ رَب زاويةٍ … بالناس غرّ وبالأَحوال غير درى (^١)
قد ساقَه قدَرٌ نحوَ القضاء ومَنْ … يسطيع ردّ قضاءٍ جاءَ عنْ قدرِ؟
فوُجد البيتان بعينهما للقاضى بدر الدين بن جماعة، وقد غيّر منهما بعض الشطر الأَول من البيت الأَول فقط وهو "فالعَبْدُ وهو فقيرٌ رَبُّ زاوية" إلى آخرها.
ومات في شوال بعد أَن جرت له محنة مع القاضي جلال الدين [البلقينى] لكونه مَدَحَ القاضي الذي عُزِل به فضربه أَتباعه وأَهانوه فرجع متمرّضًا فمات وتفرّقت كتبه وأَجزاؤه شذر مذر.
٤١ - محمد بن عبد الرحمن بن فُرَيج (^٢) المصرى، القاضي ناصر الدين بن الصالحي، من الصالحية التي بظاهر القاهرة، وُلد سنة بضعٍ وخمسين وسَمع على ماذَكر من الشيخ جمال الدين بن نباتة وغيره، وتعالى الأَدب، ونظم الشعر الوسط، وكتب الخطِّ الحسن، ووقَّع عن القضاة، ثم ناب في الحكم عن الحنفية ثم عن الشافعية، ثم وثب على منصب القضاء لما غاب المنادى فتمّ له ذلك عشرة أَشهر ثم عُزل، ثم أُعيد بعناية السالمي في شوال فاستمرّ فيه أَربعة أَشهر، ومات بعلة القولنج الصفراوي وأَسف أَكثر الناس عليه لحسن تودّده وكرم نفسه وطيب عشرته ومشاركته في العلم، ولأَنهم أَلفوا
_________________
(١) في الأصل، ز، هـ "غر من الناس بالأحوال غير درى" وما أثبتناه من الضوء اللامع ٩/ ١٦٦.
(٢) الضبط والتنقيط من ز، راجع السخاوى: ذيل رفع الإصر ص ٣٤٣ - ٣٤٤، هذا وقد أشار العيني: عقد الجمان ٣/ ٢٠٦ إلى أن صهره كان أمير المؤمنين.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
من المناوى ذلك البأْو المفرط فأَلانَ لهم الصالحي جانبه عن تواضعٍ وكرم. مات في ثاني عشر المحرم وتقدَّم في الصلاة عليه القاضي الحنفي.
وكان كثير البرّ للفقراء والأَغنياء لا يردّ سائلًا، وكان ذلك يؤدّى إلى حرمان بعض المستحقين [من (^١) الأَيتام ونحوهم] لأَن الذي تحت يده المال لا يردّ خَطَّه فيدفع لمن يكتب له من أَموال الأَيتام والأَوقاف، فيضيع ذلك على مستحقِّه من بعده، وقد استكثر في ولايته الأُولى هذه من النواب بالشفاعات من الأَكابر، ومنهم شمس الدين محمد بن يحيى المقرئ الصالحي، وكان استقر إمامًا عند قطلوبغا الكركي، فكلِّم القاضي حتى قرّره في الحكم بإيوان الصالحية في نوبة عز الدين البلقيني وشقّ ذلك على نوّاب الحكم.
٤٢ - محمد بن محمد بن محمد بن حسن المصرى (^٢) الصوفى القمني، سمع من شمس الدين بن القماح "صحيح مسلم" بفوت، وسمع من غيره وحدّث، وسمعتُ منه قليلًا. مات وله سبع وسبعون سنة فإنه كتب لي بخطه أَن مولده سنة ٧٢٩.
٤٣ - محمّد بن محمّد البجانسي (^٣)، شمس الدين، ولى الحسبة مرارًا وكان جائرًا في أَحكامه، قليل العلم، مبالغًا في السطوة بالناس، إلَّا أنّه أَعف من غيره. مات في رابع جمادى الأُولى.
٤٤ - محمد بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الحميد المقدسي ثم الدمشقي المقرئ المؤدب، روى لنا عن زينب بنت الخباز، ومات بطرابلس.
٤٥ - مسرور الحبشي المعروف بالشِّبلي، شيخ الخدام بالمدينة النبوية. مات معزولًا لعجزه.
_________________
(١) الإضافة من السخاوى: ذيل رفع الإصر، ص ٣٤٤، والضوء اللامع ٩/ ٢٦١.
(٢) نعته السخاوى في الضوء اللامع ٩/ ٥٢٢ بالقاهرى لا المصرى.
(٣) "المخانسى" في المقريزي: السلوك ٤٣ ب، و"النجانسي" في الضوء اللامع ١٠/ ١١١، وفي هـ "البخانسى".
[ ٢ / ٢٨٧ ]
٤٦ - يحيى بن عبد الله بن محمد بن محمد بن زكريا الغرناطي، أَبو بكر، كان إمامًا في الفرائض وشارك في الفنون، وصنَّف في الفرائض "كتاب المفتاح"، وولى القضاءَ ببلده، ومات في ربيع الأَول سنة ستٍ وثمانى مائة.
٤٧ - يوسف بن إبراهيم بن أَحمد الصفدى، كان شيخًا حسنًا منظما معتَقَدًا وله كلام على طريقة الصوفية. مات في ذى الحجة بصفد.
[ ٢ / ٢٨٨ ]