فيها دخل الناصر إلى القاهرة في ثاني عشري المحرّم وزار القدس في طريقه ولم يُفْقَد أَحدٌ مِمَّن كان صحبته إِلَّا ابن الفريخ الحكيم فإِنه اغتيل في الطريق.
وفي يوم وصوله إلى القلعة عُزل زين الدين بن الدميري من الحسبة واستقر شمس الدين يعقوب الدمشقي وكان قد صاهر إلى تقي الدين بن أَبي شاكر.
وفي سادسه دخل تغرى بردى نائب الشام.
وفى الثامن منه دخل الأَميران شيخ ونوروز دمشق فتلقَّاهما نائبها، وتوجَّه شيخ من دمشق إلى حلب، وتوجّه قرقماس من حلب يريد صفد، وتوجّه نوروز بريد طرابلس فوصلا إلى مقرّ نيابتهما وحكما بما أَرادا، فقدم الخبر على الناصر في ربيع الأَول أَنهما خالفا ما حلفا عليه وأَخرجَا الإقطاعات لمن أَرادا، وأَرسل كل منهما بمحاصرة بعض القلاع التي لم تدخل في نيابتهما، فتغيّر خاطر الناصر لذلك.
وفى الرابع والعشرين من المحرّم وصل بكتمر جَلق إلى القاهرة فتلقاه السلطان وخلع عليه وعلى دمرداش بنظر المارستان على العادة، ودخل النَّاصر البلد وهما معه بخلعتيهما، فدخل مدرسةَ جمال الدين وكانت قد غُيّرت (^١) من اسم جمال الدين لاسمه أَيضا، واستناب الأَميرُ ولدَ ناظر الجيش: صلاحَ الدين بن بدر الدين (^٢) بن نصر الله في النيابة عنه بالمرستان.
* * *
وفي حادي عشريه صُرف صدر الدين بن العجمي عن مشيخة التربة الظاهريّة واستقرّ حاجّي فقيه عوضًا عنه، وقُبض على صدر الدين فسُلِّم للأُستادار بسبب أن النَّاصر لمّا أَراد التوجّه إلى الشام أَودع كلِّ شيخٍ من المشايخ المشهورين - الذين جرت عادتهم بالتردّد
_________________
(١) انظر فيما بعد ص ٤٨١ ص ٧ - ١٥.
(٢) أمام هذا في هامش هـ "يعني ابن نصر الله".
[ ٢ / ٤٨٠ ]
إليه - عشرة آلافَ دينار، فلمّا عاد أَحضر إليه كلُّ واحدٍ ما استودعه إلَّا صدر الدين وأَحمد بن أَوحد الدين شيخ السرياقوسيَّة.
فأَما أَحمد فضمن دركه ابن أَبي شاكر فلم يلحقه عقاب؛ وأَمّا صدر الدين فكان قد حجَّ واستبضع بذلك المال بضاعةً، فلما عاد قُبض عليه وأُلزم ببيع تلك البضاعة فباعها بثمن بخس، وبقي عليه من الوديعة قريبٌ من أَلفي دينار، فلم يزل في الترسيم إلى أَن شَفع فيه بعض الكتاب فأُطلق، وبقي من المال زيادةً على الأَلف فذهبت (^١) جحافا.
* * *
وفي المحرّم أَراد الناصر بإِشارة بعض القبط أَن يأْخذ من المدرسة الجمالية برحبة العيد ما بها من الرخام وكان عجبًا في حسنه: انتقاه جمال الدين من بيوتٍ كبارٍ وجعله بها، فعزم [الناصر] على ذلك فأَشار عليه كاتب السرِّ فتح الله أَن يترك المدرسة على ما هي عليه لسوءِ السمعة في ذلك، والتزم له أَن يصيّرها مِلْكه ثم يوقفها هو فتُنسب إليه ويبطل منها اسم جمال الدين فأَصْغى لذلك؛ فتكلم فتح الله مع القضاة إلى أَن صوّروا في ذلك صورةً وحكموا بصحّتها، ومحوا اسم جمال الدين من المدرسة وأُثْبِتَ اسمُ الناصر، وصارت الجمالية هي الناصريّة وذلك من أَطرف ما يُسْمع، ولم يكن قَصْدُ فتح الله في ذلك إلَّا الخير على ما اطَّلعنا عليه من باطن القصة، ودخلها (^٢) الناصرُ في أواخر المحرّم وصلَّى بها وقرَّر مَن بها من المدرّسين والطلبة على حالهم في الأَغلب.
* * *
واستقر دمرداش أَتابكَ العسْكر بالقاهرة، وبكتمر جَلَق أَميرًا كبيرًا بها، وتكلَّم دمرداش هو وفتح الله في المرستان المنصوري.
وفى صفر جهَّز الناصر جماعةً من الأُمراء البطالين والمماليك إلى الشام على إقطاعات هناك ليكونوا أَعوانًا لنائب الشام فتوجّهوا.
_________________
(١) في هـ "بقيت مجانا".
(٢) أي دخل المدرسة الجمالية أو الناصرية كما أصبحت تسمى.
[ ٢ / ٤٨١ ]
وفي حادي عشريه استقر تقيّ الدين بن أَبي شاكر في نظر الخاص عوضًا عن مجد الدين بن الهيصم الذي مات في السنة الماضية.
وفي الرابع والعشرين منه قبَض على يشبك الموساوي وقنباي المحمّدى رأْس نوبة وكمشبغا المزوّق في آخرين وسُجِنوا بالإسكندرية، وعَزل تمراز من الإِمرة وصيّره طرخانًا وقرّر له شيئًا وخيّره بين الإِقامة بالقاهرة أَو دمياط فاختار دمياط فأُرسل إليها.
وفي أَواخر صفر وردت هديةٌ (^١) من مانويل (^٢) صاحب القسطنطينية وتدعى إسطنبول، وقرينها كتاب يصف محبته ويوصى بالنصارى من أهل ملَّته.
وفى أَواخر صفر استقر سودون من عبد الرحمن في نيابة غزَّة.
وفى سلخ صفر انقطع طوغان الدويدار عن الخدمة خوفًا على نفسه من واشٍ وَشَى به أَنه يريد الركوبَ على الناصر، فأَرسل إِليه يلبغا الناصري ودمرداش فلم يزالا به حتى أَصعداه إلى الناصر فعاتبه واعتذر، فسلَّم [الناصر] له غريمه وخلع عليه.
وفيه ارتفع الطاعون عن دمشق وما حولها، وكان ابتدأَ من شوال فأُحْصِى من مات من أَهل دمشق خاصّةً فكانوا نحوًا من خمسين أَلفًا وبارت (^٣) عدةٌ من القرى، وبقيت الزروع قائمةً لا تجد من يحصدها.
وفي ربيع الأَول أُطلِق إينال الساقي من سجن الإسكندرية وصرف جرباش كبَّاشة (^٤) عن الإِمرة وأُرسل إلى دمياط بطالًا.
وقَبض الناصر على جمع كبير من المماليك الظاهرية مِمَّنْ اتَّهمهم بالممالأَة عليه، وسجَن جماعةً بالبرج ثم ذبحهم بعد ذلك. وقَبض على خير بك وقتل جماعة ممن سَجَن
_________________
(١) أمامها في هامش هـ "هدية صاحب قسطنطينية".
(٢) كان الإمبراطور إذ ذاك هو عمانويل الثاني.
(٣) ويمكن قراءتها أيضًا "بادت".
(٤) الضبط من ك، هـ، لكنها في هـ "شرباش".
[ ٢ / ٤٨٢ ]
بالإسكندرية، ثم بالغ في القبض عليهم بأَنواع الحيل حتى زادت عدّة المسجونين في رمضان على أَربعمائة نفس.
وفى صفر توجّه موسى بن أَبي يزيد بن عثمان - بعد استيلائه على مملكةِ أَخيه سلمان بعد قتله - إلى مملكة أَخيه كرشجى (^١)، فاستخلف كرشجي (^٢) على بلاده ابنه مراد واستعدّ لقتال أَخيه، فالتقيا في شعبان من هذه السنة.
* * *
وفى أَول ربيع الآخر زوّج الناصرُ أُخته بيرم من أسنبغا الزردكاش وصيّره شاد الشراب خاناه، وكان يقال إن اسمه "محمد" وأَنه شامى، فغيّر اسمه فصار إلى ما صار إليه.
وفى الثالث عشر منه قُرّر فخر الدين عبد الغني بن أَبي الفرج - الذي كان كاشف البحرى ونائبَ قطيا - في أُستاداريّة الناصر، وسلّم له تاج الدين بن الهَيْصم الأُستادار وحواشيه، فبسط فخر الدين يده في الظلم وبالغ في ذلك كما سيأتى.
* * *
وفى هذه السنة دامت الحرب بين قرا يوسف وقرايلك أَكثر من شهر فقُتِل بينهما خلق كثير، وخرّب قرا يوسف بلادًا كثيرة لغريمه وهرب غريمه إلى بعض الأَماكن فوصل الخبر إلى قرا يوسف أّن شاه رخ بن تمر قصد تبريز فترك أَثقاله ورجع مسرع مسرعًا فعاد قرايلك فنهبها وتوجّه لتخريب بعض بلاد غريمه، ثم وقع الفناء في شعبان في عسكر قرا يوسف فأَرسل يطلب الصلح من قرايلك فلم يوافقه على ذلك ونهب سنجار وأَخذ قُفْل الموصل، وأَوقع بالأَكراد فافتدوا منه بمائة أَلف، وألف رأْس غنم.
* * *
وفيها كانت الفتن والحروب بين التركمان وغيرهم، فتوجّه نائب هينتاب إلى قلعة الروم، فقبض عليه طوغان نائبها واعتقله، فلم يزل به شيخ نائب حلب حتى أَفرج عنه
_________________
(١) ساقطة من هـ.
(٢) في هـ "كراشى على بلاد ابنه".
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وقبض نائب صهيون على نائب اللاذقية فقاتله، وحاصر بعضُ التركمان أَنطاكية فأَسر نائبها واعتقله، وحاصر نوروز قلعة صهيون فصالحه أَهلها على مال.
واجتمع نوروز وشيخ على قتال العجل بن نعير ففرّ عنهما واستولى على عانة، فبعث إليه ابن قرا يوسف عسكرًا فكسره، ومضى إلى الأَنبار فتخوّف أَهل بغداد منه فأَرسل إليهم بالأمان، فنزل شيخ على سرمين ونوروز على جبلة، وأَرسل الناصر - لمّا بلغه ذلك - معاتبا لهما، وأَرسل إلى شيخ يحذِّره بما فيه ضعفه، وأَمره أَن يجهز إليه يشبك العثماني وبردبك وقنباى الخزندار محتَفظًا بهم، وأَن يرسل سودون الجلب إلى دمشق، فلم يوافق على ذلك.
فأَرسل الناصر إلى دمشق يأْمرهم بتحصين قلعة دمشق، فبالغ غرسُ الدين خليل - أُستادار الشام - في المظالم بالشام، وقرّر الشعير على النائب، واتفق شيخ ونوروز لمّا بلغهما تغيّر النَّاصر عليهما، فأَرسل كل (^١) منهما عسكرًا إلى حماة لأَخْذِها، وراسلا قرايوسف فسار إليه أَحمد الجنكى أَحد ندماء شيخ وبهلوان مملوك نوروز، فعاد جوابه في آخر شوّال بما طيّب خاطرهما.
وأمّا الناصر فجدّ وعزم على السفر وبالغ في القبض على الناس في المصادرات ووقعت الشناعة بذلك، وفحش أَخْذُ أموال الناس بغير طريق ولا شبهة، وكلُّ ذلك على يد فخر الدين الأُستادار، وزاد الأَمر في ذلك عن الحدّ، ثم أّراد فخر الدين القبضَ على الوزير وناظر الخاص فبادراه وقبضا عليه بعد أَن استمالا الناصر على ذلك في حين غفلة، ففجأ الناس من الفرح مالا مزيد عليه، وكان فخر الدين قد استمال تاج الدين بن الهيصم الذي كان أُستادارًا قبله وكلَّم السلطانَ فأَلبسه خلعة رضيّ.
فلما قُبض على فخر الدين قُبض عليه أَيضا وأُهين، فعوقب فخر الدين عند الوزير بأَنواع العقوبات فلم يعترف بشيءِ ولم يوجد له سوى ستةِ آلاف دينار وشيء كثير من جرار
_________________
(١) "كل منهما" غير وارد في هـ.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الخمر، فباعوا كل جرة بنصف دينار فحُصّل منه جملة مستكثرة، واستقر منكلى أُستادارُ جركس - في الأُستادارية الكبرى.
ولى العُشْر الأَخير من رجب قبض الناصر على جمْعٍ كبيرٍ من الأُمراء والمماليك، مِنْهم: إينال الصصلاني وأَرغون وسودون الظريف وشرباش وسودون الأَسندمرى، وقَتل جماعةً ووسَّط جماعةٌ وسَجن جماعة؛ وكان السبب في ذلك أَن مملوكًا أَحضر إليه ورقةً فيها خطوطُ جماعةٍ من الأُمراء والمماليك أَرادوا الفتك به، فقَبض على من وجد اسمه فيها، وكان كبيرهم جانم فوجده حينئذٍ في إقطاعه بالوجه البحرى، فجهّز إليه طوغان الدويدار فاقتتلا في البر ثم على ظهر النيل في المراكب، فانتصر طوغان فأَلقى جانم نفسه في الماء فرُمِى بالسهام حتى هلك فقطع رأْسه.
* * *
وفى شعبان أَمر الناصر بالقبض بدمشق على يشبك بن أَزدمر وجماعة من الأُمراءِ الذين يُخشى منهم لممالأَة على الناصر مع نوروز وشيخ، وكان تغرى بردى قد ابتدأَ به مرضه فأَرسل إلى قرقماس نائب صفد فحضر، فقبض على تمراز الأَعور وخشكلدى وغيرهما وسجنهم بقلعة الصبيبة، وفر يشبك بن أَزدمر إلى نوروز، فاتفق هو وسودون الجلب وقَّويا عَزْمَ شيخ ونوروز على المخامرة (^١)، ومضى إليهما كل مرتاب، واستمال شيخ محمدَ بن ذُلغادر أَميرَ التركمان فمال إليه وأَحضر إليه عسكره فولَّاه عينتاب وأَرسل إليه خلعًا ومالًا.
ثم توجّه شيخ إلى قلعة حماة وعدّى الفرات ليوقع بالعربان فغرقت طائفةٌ مِن أَصحابه، فأَنشأَ مركبًا بناحية الباب قريبًا من حلب طوله نحو ثلاثين خطوة، فأَرسل إليْه نائب قلعة الروم جماعةً فأحرقوه.
* * *
وقُبض في شوال بدمشق على ناصر الدين بن البارزي وعلى شهاب الدين الحسباني لكوْنهما يكاتبان شيخًا بالأَخبار فسُجِنا بقلعة دمشق في سابع عشر شوال، فتوجّه تاج
_________________
(١) "المحاصرة" في هـ.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
الدين محمد الحسبانى إلى القاهرة فسعى في خلاص أَبيه، فأَمر بإطلاقه فأُطلق في أَواخر ذي الحجة.
وقبض الناصر على جماعةٍ من الأُمراء والمماليك فوُسّط بعضهم وشنق بعضهم، وذبح بحضرته مائة نفس من أَكابر الظاهرية، منهم جرباش نائب القدس ومغلباى ومحمد بن قجماس (^١)، وبالغ في ذلك حتى إنه ركب مرة إلى الصَّعيد ورجع فأَمر الوالى بقتل عشرة من مماليكه تخلَّفوا عن الركوب معه، وعاد من الصَّيْد فمرّ بشارع (^٢) القاهرة وهو بثياب جلوسه في دون المائة وهو يطفح سكرًا حتى يكاد أَن لا يشت على الفرس.
* * *
وفى أَواخر ربيع الأَول قُبض على أَحمد بن جمال الدين الأُستادار وعلى أَحمد وحمزة ولدَىْ أَخيه، وعلّى ناصر الدين أَخى جمال الدين وجماعةٍ من قرابتهم فعوقبوا وطولبوا بالأَموال، فمات ناصر الدين تحت العقوبة ولم يوجد له إلا شيء يسير.
واستُخرِج من أَحمد بن أَخيه (^٣) ستة آلاف دينار، ثم خُنِق الأَحمدان وحمزة ليلة السادس عشر من جمادى الأُولى، وقتل الثلاثة ظلمًا.
* * *
وفى يوم السبت ثامن عشر شعبان كَتب عُلم الدين بن جُنَيْبَة - أُحدُ رؤساء الأَطباء للناصر ورقة دواءٍ مسهل، فأَمره أَن ينزل ويطوف على الأُمراء والمباشرين ويُعْلِمهُم أَن السلطان يشرب يوم الأحد مسهلا (^٤)، فحمل كل منهم تقدمة (^٥)، فحمل الوزير ألفي دنيار وأشياء كثيرة من المأكولات وكذلك ناظر الخاص لكن دونه في النقد، و[حمل] الأُستادار حتى المحتسب، وكان (^٦) [هو] أَول من سنّ ذلك من ملوك مصر واستمرّ بعده في كلّ سنة عند دخول الورْد.
* * *
_________________
(١) في هـ "قشماس".
(٢) هكذا في ظ، وفى جميع نسخ المخطوطة، وربما كان المراد "بشوارع".
(٣) أي ابن أخي جمال الدين الأستادار.
(٤) "دواء" في هـ.
(٥) "نقدية" في ز.
(٦) أمامها في هامش ك "أي حوادث التقدمة في شرب الدوا".
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وفي شهر رمضان نادى للمماليك بالأَمان وأَنهم عتقاءُ رمضان، فحضر (^١) منهم جماعة تزيد على الثلاثين فحضروا لخدمته فوعدهم بالخير ووعدهم يوما أَن يخرج لهم خيولهم أو بدلها، فلما اجتمعوا أَمسكهم أَجمع، وجلس يوما آخر لتفرقة القرقلات فأَمسك منهم جماعة ثم ذُبحوا في شوال.
وفى هذه السنة غلا الزيت الحار إلى أَن بلغ الرطل تسعة.
* * *
وفى شوال توجّه النَّاصر إلى الإسكندرية وشنّ الغارات على الجهات البحرية فنُهِبت الأَغنام والخيل والجمال حيث وُجِدت، ودخل النَّاصر الإسكندريّة في ثامن عشر شوال، فقدم عليه مشايخ تروجة بتقادمهم فخلع عليهم ثم أَمسكهم وساقهم في الحديد واحتاط على أَموالهم، فهرب باقيهم إلى برقة ورجع [هو] إلى القاهرة.
وفي حال إقامته بالإسكندرية شكا إليه المغاربة أنه يؤخذ منهم ثُلْثُ أَموالهم في المكس ويؤخذ من الفرنج العُشر، فغضب من ذلك وأَمر أَن لا يؤخذ من المغاربة إلَّا العُشْر، فشكر المسلمون له ذلك فكانت من حسناته النادرة، وكانت حركته إلى الإسكندرية آخر سعده.
فلما قدم وصل إليه كتاب نوروز يعتذر عما بلغه عنه، وقرينُه محضرٌ آخرٌ فيه شهادة أربعين رجلًا بأَنَّه مقيم على الطاعة، فلم يلتفت الناصر لذلك.
وفى (^٢) نصف ذى القعدة أَمَرَ (^٣) الناصر أَن تكون الفلوس كل رطل بإثنى عشر درهمًا فغلقت الحوانيت، فغضب السلطان وأَمر مماليكه الجلبان بوضع السيف في العامّة، فضفع (^٤) فيهم الأَمير الكبير وبقية الأُمراءِ وقَبض على جماعة وضُربوا بالمقارع، وقتل رجلًا وشنقه بسبب الفلوس، ثم انحلّ أَمر الفلوس بعد الفتنة (^٥).
_________________
(١) "فظهر" في هـ.
(٢) العبارة من هنا حتى "بعد الفتنة" س ١٨ غير واردة في ك.
(٣) سيبين ابن حجر السبب في تحديد هذا السعر فيما بعد ص ٤٩٣، ص ٧ - ١٥.
(٤) في هـ "فشفع فيهم الأمراء فقبض على جماعة".
(٥) في هـ "النفقة".
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ونودى في سادس (^١) عشر ذي الحجة أَن يكون بستةٍ الرطلُ على العادة الأُولى.
وفى أَواخر الشهر ضَرب النَّاصر عنق أَحمد بن محمد الطبلاوى بيده، ثم استدعى بنت صُرُق - وهي إحدى زوجاته - (^٢) فليحها بيده ولفَّها مع ابن الطبلاوي في بساطٍ وأَمر أَن يُدفنا في قبر واحد؛ وكان قد وُشِىَ بها أَنها تتنكرّ وتخرج من القلعة وننزل إلى ابن الطبلاوي المذكور.
* * *
وأَنفق النَّاصر نفقة السّفر وخرج الجاليش في سابع عشرى ذي القعدة، وخرج النَّاصر في الثامن من ذي الحجة وقد تباهي في ملابس عسكره، وجرّ ثلاثمائة جنيب بالسّروج المذهّبة الثقيلة وبعضُها مرصّع بالجوهر بالعبي الحرير والكنابيش الزركش والعرقيات (^٣) الحرير واللَّجم المسقطة، ووراءَها ثلاثة آلاف فرسٍ ساقها جشارًا، وأَعقبها عَددٌ كبير من العَجَل التي تجرّها الأبقار وعليها آلات (^٤) الحصار، وبعدها خزانة السلاح على أَلف جمل وخزانة المال محتوية على أَربعمائة أَلف دينار، والمطبخُ وفيه ثلاثون أَلف رأْسٍ من الغنم وكثير من البقر والجاموس، والحريمُ في سبع محفّات حتى بلغ عدّة الجمال التي تحمل جميع ذلك ثلاثة وعشرين أَلف جمل.
واستقر يَلْبُغا النَّاصرى نائب الغيبة، وأَسنيغا نائب القلعة، وكانت نفقة المماليك: كل واحد سبعين ناصريا، وصُرف للأَمير الكبير خمسة آلاف دينار، ومثلها لبكتمر ولغيرهما من الأُمراء الكبار لكل لكل واحد ثلاثة آلاف دينار.
ونحر النَّاصر الضحايا بالتربة الظاهرية: تربةِ أَبيه، ورحل من التربة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة حادى عشر ذي الحجة في طالعٍ اختاره له الشيخ إبراهيم بن زقاعة، وسار
_________________
(١) ف هـ " سادس ذي الحجة".
(٢) كتب ناسخ ك تحت هذه الكلمة بخط دقيق جدا "أي الناصر".
(٣) كلمتا "العرقيات الحرير" ساقطتان من هـ.
(٤) في ك "آثار".
[ ٢ / ٤٨٨ ]
في ليلة السبت ثالث عشره، واتفق في هذا اليوم اجتماع نوروز وشيخ بحمص وفرَّ إليهما جمعٌ كبير.
ونادى النَّاصر أَن لا يرحل أَحدٌ قبله، فبلغه أَن واحدا رحل قبله فركب بنفسه ووُسِّط بحضرته، ونصب مشنقةً يُذهَب بها معه، فما وصل إلى غزة حتَّى قتل عدّة من الغلمان بسبب ذلك، فلما نزل بغزّة وسَّط عشرين نفسًا من الظاهريّة وهو لا يعقل من السكْر فنفر أَكثر العسكر منه، فبلغه تلك الساعة أَن الجاليش الذي تقدّمه خامر عليه فركب وجدَّ في طلبهم.
وكان أُمراءُ الجاليش وصلوا إلى دمشق في سادس عشرى ذي الحجّة فدخلوا إلى تغرى بردي في غاية المرض فأَعلموه بسوء سيرة الناصر وخَوْفِهم منه واجتماع كلمتهم على اللحاق بالأَميرين، وتوجهوا في آخر الشهر إلى جهتهما فخالفهم شاهين الزردكاش فقبضوا عليه، وجَدَّ الناصر في السير فلم يلحقهم فأَلبس عسكره وقد ظهرت عليه علامات الخذلان، فرحل إلى دمشق فدخلها وقْت الزوال من سلخ السنة، وكان بعد ذلك ما سنذكره من حوادث السنة الآتية.
* * *
وفي هذه السنة مات السلطان "الملك المنصور" ويقال له الصالح حاجي بن الأَشرف بن حسين ابن الناصر، وكان مقيًا بالدور السلطانية في قلعة الجبل منذ خلَعه الظاهر من سنة اثنتين وتسعين إلى أَن مات في تاسع عشر شوّال بعد أَن تعطلت حركة يديه ورجْليه منذ سنين، وعاش أَزيد من أَربعين سنة.
قال العينتابي: "كان شديد البأْس على جواريه لسوء خلقه من غلبة السوداء عليه، ولم يزل مشغولا باللهو والسكر".
* * *
وفيها قَتل من الظاهرية ما بين أَمير وخاصكي وغيرهما نحوًا من سبعمائة رجل أَراد
[ ٢ / ٤٨٩ ]
الناصر بإزالتهم توطيد مملكته فانعكس الأَمر، وكان قتْلُهم في الحقيقة من أَعظم الأَسباب في توطيد مُلْك الملِك المؤيّد، فسبحان مَن بيده المُلك.
وفيها قُتل الأَمير تمراز النَّاصري الذي ولى نيابة السلطنة بالقاهرة، قُتل بالإسكندرية وكان لا بأْس به، وكان من خواصّ برقوق وأُمِّر أربعين في زمانه، ثم أُمِّر تقدمةً في سنة اثنتين وثمانمائة، ثمّ ناب في الغيبة في فتنة اللنك، ثم وَليّ نيابة السلطنة في سنة تسعٍ وثمانمائة، وناب في الغيبة [مرة أُخرى] في سنة اثنتي عشرة، ثم قُبض عليه في أَول هذه السنة وسُجن بدمياط ثم بالإسكندرية، ثم قُتل في عيد الأَضحى. وكان يحب الحكماءَ ويكرمهم ويعتقد في الصّالحين، وكان تركيا خالصًا حسن الصورة.
وقُتِل خايربك وكان قد ناب في غزَّة وأُعطى تقدمة، وقُتل الأَمير يشبك الموساوى وكان أُعْطِىَ تقدمةً ثم ولى نيابة طرابلس ثم كان نائب غزة مدة طويلة.
قال العينتابي: "ظلم أَهلها ظلمًا كثيرًا فاحشًا، وكان أَفقم سيِّيء المعتقد ردئ المذهب متجاهرًا باللواط، قُتِل بالإسكندرية أَيضا".
و[قُتل] الأَمير قزدمر الحسنى: كان قد أُعْطِيّ تقدمةً وتولى خزندارًا كبيرًا "ولم يكن به بأس". قاله العينتابي.
وقُتل قنباى وأقبغا القديدى المعروف بدويدار يشبك، كان مقدّما عند يشبك ثم استقر عند الناصر دويدارًا صغيرًا وأمره عشرة، وكانت له وجاهة ومعرفة ويقتدى برأْيه في كثير من الأُمور. قال العينتابي: "كان يدّعى الحكمة ووفور العقل مع خبثٍ ومكرٍ وحبٍّ لجمع المال، ولم يشتهر عنه خير، وحصّل في أيام يشبك مالًا جما، ثم لم يزل في ازديادٍ إلى أَن مات في ليلة الخميس ثالث عشر شوال وخلَّف شيئًا كثيرًا جدا تموّل بعدهُ منه جماعة، واستولى السلطان على غالبه".
* * *
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وفى رجب رُجم رجل تركماني بدمشق اعترف بالزنا وهو محصن وذلك بدمشق فكُتِّفَ تحت القلعة وأُقِعد في حفرة فرُجم حتى مات.
* * *
ومِمَّنْ مات فيها: على بن محمد الإخميمي وكان يدعى أَنَّه شريف وأصله بغدادي، وقد ولى الوزارة وشدَّ الدواوين وغير ذلك؛ وفيروز الطواشي وكان قد تقدّم عند الناصر ومات في رجب، وكان شرع في مدرسته واشترى لها مكانًا بالغرابليّين ليبنى به ربعا وغيره فمات قبل الفراغ، فأَقرّ الناصر وقفه ونقله من المدرسة إلى التربة، وأَضاف الوقف كله إلى مدرسته، فأَخذ دمرداش العمارة بإنعام الناصر وشرع فيها ثم فاجأَه السفر ثم آل أَمرها إلى أَن اشتراها زين الدين عبد الباسط في الدولة المؤيّدية وعمَّرها قيسارية وربعا، فَأَتْقَنَ ذلك غاية الإتْقَان وذلك في سنة ٨٢٣ فما بعدها.
* * *.
وفيها قُتِل سُلمان - بضمّ السين المهملة - بن أَبي يزيد صاحب برصة وغيرها من بلاد الروم، واستولى على مملكته أَخوه موسى بعد حروبٍ وقعَتْ بينهما.
* * *
وفى (^١) هذه السنة - في ربيع الآخر - قُبض على جماعة من أقارب جمال الدين وهم: أَحمد ولَدُه وأحمد وحمزّة ابني أُخت جمال الدين، وعلى شمس الدين وناصر الدين أَخوَىْ جمال الدين، وصودروا وعوقبوا إلى أَن مات في العذاب ناصر الدين وقُتل الأَحمدان وحمزة خنقًا (^٢).
* * *
وفى ربيع الآخر وصلت طائفة من الجنوبة إلى الإسكندرية فوجدوا طائفةً من الكتلان فقاتلوهم، فخاف منهم أَهل الإسكندرية وأَغلقوا الأبَواب وبلغَتْ عدة القتلى أَلفَىْ نفس، وأَسَر الكتلانُ من الجنوبّين رجلًا يقال له: "الفستاوى" فأَرسلوه إلى الناصر فأَلزمه بمائة
_________________
(١) أمام هذا الخبر في هامش هـ: "تقدم في الورقة التي قبلها، لكن قال هناك: في أواخر ربيع الأَول ولم يصرح باسم شمس الدين وفيه بعض تفصيل"، هذا ويلاحظ أن عبارة المتن في كل من هـ، ز على الصورة الآتية: "وفي هذه السنة في ربيع الآخر قبض على أحمد بن جمال الدين وعلى أحمد وحمزة إبنى أخت جمال الدين".
(٢) راجع ما سبق ص ٤٨٦ ص ١١ - ١٢.
[ ٢ / ٤٩١ ]
أَلف دينار، فذكر أَن ماله تحت حوطة الجنويّين فقبض [الناصر] على تُجّارهم بالإسكندرية فغضبوا وساروا بمراكبهم إلى أَلطينة فسبوا نساءً وصبيانًا وكانت بينهم وقعة كبيرة، فخرجت طائفةٌ من أَهل دمياط لنجدتهم، وكبيرُهم محي الدين بن النحاس (^١) وكان ملازمًا للجهاد بثغر دمياط وفيه فضيلة تامة، وجمع كتابا حافلًا في أحوال الجهاد وقُتل في المعركة مقبلًا غير مدبر، وغنم الفرنج من أَهل الطينة مالا كثيرا ثم مضوا.
* * *
وفى ذي القعدة في ثانى عشرين منه نازل الفرنج أَلطينة أَيضا في أَربعة أَغربة، فقاتلهم المسلمون قتالًا عظيمًا إلى الليل، فمضى الفرنج إلى الساحل المقدم فنهبوا ما وجدوا فيه ورجعوا من الغد إلى القتال، فقدم في الحال غراب للمسلمين فاحْتاط به الفرنج، فأَلقى مَن فيه مِن المسلمين أَنفسهم إلى البحر فنجوا إلى البرّ بالسَّباحة، ثم وافى الناس من دمياط مقاتلة فتكاثر المسلمون على الفرنج واستعادوا منهم الغراب المذكور بعد قتالٍ شديد، فانهزم الفرنج وقُتل بعضهم، ولله الحمد.
* * *
وفي جمادى الأُولى أَمر السلطان بهدم مدرسة الأَشرف شعبان بن حسين التي على باب القلعة وجدَّ الهدم فيها وكانت من أَعظم الأَبنية، وكان جمال الدين قد اشترى من أَولاد الأَشرف كثيرًا من الآلات التي بُنيَتْ (^٢) بها لأَن الأَشرف مات قبل أَن تكمل فبسط يده في تحويل ما بها، فأَخذ الشبابيك والأَبواب والبوّابة وكثيرًا من الحجارة حتى الكتب الموقوفة فاستعان بالجميع في مدرسته.
_________________
(١) هو أحمد بن إبراهيم بن محمد محيى الدين الدمشقيّ ثم الدمياطى المجاهد ويعرف بابن النحاس، خرج من دمشق أثناء فتنة تيمورلنك واستوطن دمياط، وكانت له معرفة طيبة بالفرائض والحساب والهندسة، وكان مع علمه لا يحب الظهور، وكان كثير المرابطة والجهاد حتى قتل شهيدًا في هذه المعركة التي يشير إليها ابن حجر في المتن، وكانت شهادته في ١٣ جمادي الآخرة، انظر السخاوى: الضوء اللامع ج ١ ص ٢٠٣ - ٢٠٤، ومن العجيب أن ابن حجر لم يترجم له في وفيات هذه السنة، وقد لاحظ ذلك السخاوى فأشار إلى إلى أن شيخه ذكره في الحوادث فقط دون الوفيات، واسترعى ذلك انتباه قارئ نسخة، فكتب له ترجمة بالهامش، أوردناها فيها بعد ص ٤٩٥ حاشية رقم ١.
(٢) في هـ" بقيت".
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ثم جاءَ الناصر في هذه السنة فكره مكان بُقْعَتِها لأَنَّ المتغلِّبين صاروا يستعينون على حصار القلعة بالنزول فيها، فهدمها فصارت رابيةً عالية، وحوّل ما يُنتفع به من حجارتها وأَخشابها إلى الأَمكنة التي يريدها، فبقيت كذلك إلى آخر دولة المؤيّد فأَمر بعمارتها مرستانًا وسكن فيه بعض المرضى، ومات المؤيد بعد ذلك فحوّلوه بعده جامعًا ومنزلًا للواردين.
* * *
وأمر في هذا الشهر بهدم الدور الملاصقة لسور القلعة تحت الطبلخاناه وغيرها فهُدمت من ثم إلى باب القرافة وتشتَّت سكانها.
وفيه خُتم على جميع الحواصل التي يُظن أَن بها فلوسًا بالقاهرة، وندب الناصر لذلك أَحمد بن الطبلاوى والى القاهرة - قبل قتْله - ومجد الدين سالم بن سالم قاضى الحنابلة ففتحا حواصل الناس ونقلا ما فيها من الفلوس وأَعطيا لكل واحد ثمن فلوسه ذهبًا في كل قفة ثلاثٌ ناصرية، وكانت قيمتها يومئذ ثلاثًا وثمنا فجمع منها شيئًا كثيرًا، فكان ذلك هو السبب في مناداته عليها كل رطل بإثنى عشر درهما كما تقدّم (^١). ويقال إن الذي أَخبره برخص الفلوس وأَن قيمتها قبل ذلك كانت تقتضى أَن يكون كل رطل بعشرين درهمًا: الشيخ سراج الدين البهادرى (^٢) أحد الأَطباء، فجرّه ذلك إلى الطمع الكائن في نفسه قبل ذلك إلى أَن نادى عليها بإثنى عشر فلم يمْشِ له ذلك إلا بالمشقَّة، فترك بعد أَن حصّل من من البلاد ما حصّل.
* * *
وفيها كانت بين الحجّاج من أَهل دمشق وبين العرب بناحية زيرا محاربة، فجُرح أمير الحاج ومات من تلك الجراح.
_________________
(١) انظر ما سبق ص ٤٨٧، ص ١٥ - ١٨.
(٢) هو عمر بن منصور بن عبد الله السراج القاهرى الحنى المعروف بالبهادري، كان الطب أحد الفروع التي اشتغل بها، كما درسه في البيمارستان وجامع ابن طولون، وكانت وفاته يوم ١٢ شوال سنة ٨٣٤ هـ، انظر السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ٤٣٢.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
ومات فيها صاحب الهند غياث الدين أَبو المظفر أَعظم شاه بن إسكندر شاه بن شمس الدين صاحب بنجالة.
وفيها قُتل وزيرُه يحيى بن عرب شاه ويلقب شاه جهان.
* * *
وفيها مات مرجان زمام الملك الأَشرف ثم النَّاصر صاحب الممن وقد ولى إمرة زبيد.
* * *
وفيها قتل وبير بن نخبار بن محمد بن عقيل بن راجح بن إدريس بن حسن بن قتادة الحسنى أَمير ينبع، وليها أَزْيد من عشرين سنة، وقتل أَخوه مقبل وابنه عليٌّ قتلى كثيرين ممن اتهموهم بقتله لأَنه قُتل غيلة، واستقرّ في أَمر ينبع بعده أَخوه مقبل منفردًا واستمرّ إلى أَن خُلع بعد بضع عشرة سنة، واستقر عقيل بن وبير مكانه كما سيأْتي.
* * *
وفيها كان السعيد محمد بن أَبي فارس بن عبد العزيز بن أَبي سالم إبراهيم المريني يحاصر فاس وبها أَبو سعيد بن أَحمد بن أَبي سالم فهزمه أَهل فاس بعد شهرين وذلك في صفر منها، ووقع الإفساد في الزروع وقوى القويّ على الضعيف، واشتدّ الغلاء وكان الإردب عندهم برُبع دينار فارتفع بعد ذلك بأَضعاف مضاعفة، ثم رجع السعيد إلى حصار فاس وقد انتُهِبت الأَعمال والنواحي في ربيع الآخر وحصرها نحوًا من عشرين يومًا ثم هزموه فتوجّه إلى سلا، ثم جمع عسكرًا ورجع في شعبان وحصر البلاد، وبنى مقابلها مدينةً سمَّاها المنصورة، وانقضت هذه السنة وهو على ذلك. ثم تقاتل أَهل البلد، ثم قام عليه عبد الواحد بن أَبي حمود واسمه موسى، وفرّ السعيد إلى تونس فهالك ببلد العنَّاب وطالت مدّة عبد الواحد وسنذكر أمره في سنة سبع وعشرين.
* * *
[ ٢ / ٤٩٤ ]