في المحرم منها أعرس نوروز بسارة بنت الملك الظاهر في الحادى (^١) والعشرين منه، وكانت الوليمة هائلة فقيل ذبح فيها ثلاثمائة رأس من الغنم.
وفيه كائنة تغرى بردى مع أهل دمشق، فهرب إلى حلب واتفق مع دمرداش، واستقر في نيابة دمشق بعده آقبغا الجمالي في صفر، وكان أصل ذلك أن الأعراب أفسدت في الطرقات كثيرا حتى نهب القفل (^٢) القادم من مصر، فخرج النائب لقتالهم بالعسكر فلم يدركهم فرجع بغير نفع، ووصل الأمر بالقبض عليه من مصر،، فأراد الحاجب القبض عليه ليلة الجمعة ثانى عشرى المحرم، فهرب إلى ناحية حلب فوصل إلى دمرداش؛ وكان دمرداش قد قبض على علي بك بن خليل بن ذلغادر التركماني وعلى خمسين نفرًا من قومه وحبسهم، فلما وصل تغري بردي استشفعوا به فشفع فيهم عند دمرداش فأطلقهم.
وفى صفر (^٣) نازل الفرنج طرابلس واستولوا على مراكب كثيرة للمسلمين في الميناء، ففزع إليهم أهل البلد وقاتلوهم قتالًا شديدًا، فأسر من المسلمين جماعة، فدخل الناس بينهم في الصلح والفداء فغدروا بمن طلع إليهم من الرسل في ذلك وأسروهم، ثم أسروا طائفة أخرى من قريةٍ بقرب طرابلس، ثم توجهت طائفة منهم بهم إلى قرية أخرى، فحال بينهم وبين ذلك أميرها فقبضهم وجاء بهم إلى طرابلس فسجنوا وأخذ المسلمون مركبهم.
وفيها وقع بين دمرداش ومن اجتمع معه وبين دقماق نائب حلب حرب فكسره دمرداش، فاستعان دقماق بنعير ومَن معه من العرب، فوقع بينهم وقعة عظيمة انكسر فيها دمرداش،
_________________
(١) الوارد في الإعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ١٩٤ ب، أن الزواج ثم في العشر الأوسط من محرم هذه السنة.
(٢) القفل (بضم القاف) بمعنى الركب.
(٣) جعل ابن قاضي شهبة: الإعلام، ١٩٤ ب، هجوم الفرنجة على طرابلس يوم الإثنين ١٠ صفر، ويمكن مراجعة هذا الخبر بالتفصيل هناك.
[ ٢ / ١٩٩ ]
ومن اتبعه، والسبب في ذلك أن دمرداش جمع العساكر بعد أن خامر وجاء إليه تغرى بردى فجمع دقماق - الذي قرر في حلب - العساكر بحماة، ثم استنجد بأهل دمشق، ثم توجه إلى جهة حلب، فخامر بعضُ من معه من التركمان، فرجع دقماق يطلب النجدة من عسكر دمشق، فنودى بالقاهرة للخروج؛ فوصل دمرداش إلى ظاهر حلب ووصل جاليشه إلى المعرة، فتوجّه من دمشق أسن بيه وبكتمر ومعهما جماعة، ثم التقوا في جمادى الأولى ظاهر حلب، فانكسر دمرداش؛ واستولى ابن ذلغادر على حلب، فكاتب السلطان بذلك وسلَّمها لدقماق نائبها من جهة السلطان.
ثم جمع دمرداش جمعا من التركمان ومعهم ابن رمضان، فخرج إليهم نائب حلب والعسكر وجاءهم نعير فردوا هاربين، فأُدركت آثارهم وأُخذ منهم شيء كثير. واستمر ابن رمضان ودمرداش منهزمين وأدركهم بعض من يعادى ابن رمضان فنالهم منه جراح وغير ذلك.
وفيها أوقع جنتمر الطرنطاى التركماني كاشف الوجه القبلى بعرب ابن عمر الهوارى (^١). وفيها نودى بدمشق بمنع العمارة ظاهر البلد، ومن عمَّر ظاهر البلد خُرِّبت عمارته، وكانوا بعد حريق دمشق قد سكنوا في العمران الذي بقى في ظاهرها فأكثروا فيه العمارة، واستولى كثير من الناس على كثير من الأوقاف، فرُفع الأمر إلى السلطان، فأمر بالنداء بذلك في جمادى الأولى.
وفيه استقر شمس الدين بن عباس الصَّلْتي (^٢) في قضاء الشافعية بدمشق وصُرِف الإخنائي (^٣) ورُسِم عليه، وأمِر بالكشف عما استولى عليه من الأوقاف والأموال، وأمر بالنداء
_________________
(١) كان عرب هوارة ينزلون في بداية الأمر بمحافظة البحيرة من الديار المصرية ومن الإسكندرية غربا إلى العقبة الكبيرة من برقة، ثم نزحوا من البحيرة إلى صعيد مصر في إخميم، ثم انتشروا في معظم بلاد الوجه القبلى، انظر قلائد الجمان ص ١٦٧.
(٢) سترد ترجمته في وفيات سنة ٨٠٧ هـ تحت رقم ٢١ ص ٣١٢؛ وانظر أيضا ابن طولون قضاء دمشق، ص ١٢٨ - ١٢٩.
(٣) راجع ابن طولون: قضاة دمشق، ص ١٢٥ - ١٢٧.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
عليه فنودى عليه في أرجاء البلد ثم بالصالحية، وجاء الناس أفواجًا أفواجا يشكون منه: وعُقد له مجلس عند النائب وبُهْدِل كثيرا.
وفيه عُزل ابن (^١) منجا من قضاء الحنابلة واستقر النابلسي (^٢).
وفي صفر عُزل ابن (^٣) القطب من قضاء الحنفية، واستقر شهاب الدين الجواشنى.
وفيه كثر الجراد ببلاد الشام كالسنة الماضية.
وفيه ولى القاضي نجم الدين بن حجى قضاء حماة.
وفيها في صفر كثرت الفتن والأقاويل بين سودون الحمزاوي وسودون بقجة وأزبك وقانيباى الخزندار وغيرهم، فغضب أكابر الأمراء من ذلك مثل نوروز وجكم وسودون طاز وتمربغا المشطوب، فعيّن سودون الحمزاوى لنيابة صفد. ومشوا بينهم في الصلح إلى أن اصطلحوا على ذلك وأنهم لا يحضرون الخدمة حتى يسافر الحمزاوى، وأنَّ جماعة من المماليك - سموهم - لا يطلعون إلى القلعة أصلًا.
وخُلع على نوروز وكان له مدة شهر لم يطلع الخدمة، وخُلع على جكم وكان له مدة شهرين كذلك، وذلك في شهر ربيع الأول.
وفي المحرم استقر شمس الدين بن البنا - شاهد ديوان جكم - في نظر الأحباس، ثم مات في سابع صفر واستقر بدر الدين العينى ثم صُرف في أواخر ذي القعدة بشهاب الدين بن الطناحي فقيه السلطان.
وفى أواخر ربيع الآخر استقر مبارك شاه في الوزارة عوضا عن أبي كم.
_________________
(١) انظر ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٨٩، وانظر فيما بعد ص ٢١١ وترجمة رقم ٧.
(٢) ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٨٧.
(٣) ابن طولون: قضاة دمشق ص ٢٠٣، ٢٠٦، هذا وقد أشار ابن قاضي شهبة: الإعلام، ورقة ١٩٥ ا، إلى أن عزل ابن القطب جاء بعد أربعة أشهر وعشرة أيام من توليه القضاء، ثم إنه باشر بعد ذلك بأيام بإذن النائب، وعلق على ذلك بقوله: "وهذا تلاعب وقلة دين".
[ ٢ / ٢٠١ ]
وفى صفر توارى أبو كم الوزير علم الدين يحيى من كثرة الكلف على الوزارة، ثم ظهر فخُلع عليه بالاستمرار.
وفيها استقر شمس الدين (^١) محمد الشاذلى في حسبة القاهرة عوضا عن شمس الدين البجانسي.
وفي أواخر صفر خُلع على فخر الدين بن غراب ناظر الخاص عوضا عن أخيه سعد الدين باختياره.
وفيها خلص ألطنبغا العثماني من أسْر تمرلنك فقُرر نائبًا في غزة.
وفى ذى القعدة استقر حسن بن الآمدي في مشيخة سرياقوس، وصُرف أبينا التركماني.
وفى رابع (^٢) جمادى الآخرة عُزل ناصر الدين الصالحي عن قضاء الشافعية واستقر الإمام جلال الدين بن شيخ الإسلام البلقيني عوضا عنه بمال كبير بذله بعناية سودون طاز، وغضب جكم من ذلك وأساء له القول لمَّا جاء إلى بيته، فلاطفه شيخ الإسلام والدُه، وخرج هو وولده، ثم لم يلبث إلا يسيرًا حتى دبّت العداوة بين جكم وسودون طاز، فانقطع نوروز وجكم عن الخدمة مدة. فبرز جكم إلى بركة الحبش فأقام أيامًا، واجتمع العسكر على سودون طاز، ثم خامر نوروز ويشبك بن أزدمر ومن معهما إلى جكم، ووقعت بينهما عدة وقعات، فانقطع نوروز وجكم عن الخدمة مدة.
فلما كان ثاني يوم عيد الفطر وقعت الحرب بينهم، ثم نزل الناصر إلى الإصطبل ومعه سودون طاز، وبعث طائفة إلى بيت نوروز ليكبسوا عليه فركب وركب الجماعة، فقُتل جماعة في المعركة، وجرح آخرون.
وممَّن فُقد في الوقعة قانباى فلم يُعرف له خبر، مع أنه كان خُلع عليه بنيابة حماة فامتنع وتغيّر. وهرب جكم ومَن اتَّبعه، وأسر سودون من زادة جريحا مع أن جهة نوروز
_________________
(١) كان ذلك في شهر ربيع الأول، راجع إعلام ابن قاضي شهبة، ١٩٥ ا - ب.
(٢) أمامها في هامش هـ: "ولاية الجلال البلقيني القضا".
[ ٢ / ٢٠٢ ]
كانت راجحة إلَّا أن سودون طاز تحيل، فأمر الناصر أن يبعث الخليفة والقضاة إلى نوروز في طلب الصلح فوصلوا إليه، فانقاد لهم وتبعه جكم وغيره وتركوا الحرب، فدار القضاة والخليفة وحلَّفوا الأمراء بالسمع والطاعة للسلطان وأخمدوا الفتنة.
وطلع نوروز إلى الخدمة فخُلع عليه، ثم طلع جكم فلم يُخْلع عليه، ثم طُلب منه جماعة من الأُمراء الذين كانوا معه فجحد معرفة أمكنتهم. وبرز هو ومن معه من الأمراء والخاصكية إلى بركة الحبش، ثم جاء تمربغا المشطوب وغيره إلى نوروز فأركبوه إلى بركة الحبش، واجتمع عندهم بما يقارب ألفي نفس.
فلما كان الرابع عشر من شوال نزل السلطان وجميع من معه وخرجوا من باب القرافة، وجكم ومَن معه لا خَبَرَ عندهم من ذلك لأنهم كانوا سمعوا بأنه نودى بعرض الأجناد، فبنوا الأمر على أن الحرب تقع بينهم يوم النصف، فبادر سودون طاز بالسلطان ومن معه عقب العرض يوم الأربعاء رابع عشر فالتقوا، فانكسرت مقدمة نوروز وجكم، وأُسِر تمربغا المشطوب وعلى بن إينال وأرغون.
ووَلَّى جكم ونوروز هاربين أيضا، وسُفِّر تمربغا - ومَن أُسِر - إلى الاسكندرية، واستقر بيبرس قريبُ السلطان أتابكَ العساكر، وأمر أن يخرج يشبك من الحبس، فسافر إليه القاصد يوم النصف من الشهر فوصلها رابع (^١) عشريه فاستقر دويدارًا على عادته.
ثم ظهر نوروز وراسل بيبرس من الجيزة فأمّنه وحلف له بالطلاق أنه يستقر نائب الشام، فركب إليه وخرج ليْلًا بغير علم أحد، فحضر عنده فأُمسك وقُيّد وأرسل إلى الاسكندرية، ثم قُبض على حكم أيضا وقيد وأُرسل إلى قلعة المرقب (^٢)، وغضب بيبرس من مخالفة رأيه وحَنْثِ يمينه، وأَرْضِى بالمال.
_________________
(١) في هـ: "مع غيره".
(٢) عرف مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٥٩ - ١٢٦٠ قلعة المرقب بأنها تشرف على سواحل بحر الشام وعلى مدينة بانياس، وذكر أنه لم ير أحد مثلها قط.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وفي جمادى الآخرة عصى صُرُق نائب غزة، وذلك أنه كان بلغه أن بعض الحرامية يقطع الطريق فخرج إليهم في عسكره وأوقع بهم وأحضر منهم إلى غزة جماعة فوسطهم وأخذ منهم شيئًا كثيرا، فلما رجع بلغه أن كتاب السلطان جاء إلى حاجب غزة سلامش بالقبض على صُرُق، فأظهر المخالفة، فوافقه سلامش ومعه جركس نائب الكرك وصرق فكسرهم وبدد شملهم وقبض على جركس، وهرب سلامش واستجار بعرب آل (^١) جرم فأغاثه عمر بن فضل الجرمي ورجع بهم إلى غزة. فواقعوا صرق فكسرهم، ثم تكاثروا فكسروه فهرب وذلك في نصف الشهر، فأدركوه فقبض عليه وأحضروه إلى سلامش فقُيّد، وحصل النهب في بعض غزة، ولولا أن عمر بن فضل ردّ العرب عن النهب لم يبق فيها دار إلا نُهبت.
وقُتل في الوقعة أكثر من خمسين نفسا وجُرح أكثر من ثلاثمائة، ثم جاءت من مصر لصرق ولاية الكشف بالغور (^٢) ثم بكشف الكشاف فباشر في شوال.
وفي جمادى الآخرة باشر علاء الدين بن المغلى - قاضى (^٣) حماة الحنبلي - قضاء حلب.
وفي رجب رخصت الأسعار بدمشق بالنسبة إلى ما كان عقب الكائنة العظمى.
وفيه قُبض على كثير من المفسدين بدمشق وشُنقوا بكلاليب معلقة في أفواههم، وكانوا قد كثروا بعد الكائنة وهجموا على الناس وأبادوهم قتلا وخنقا ونهبا،، ووُجد عندهم من قماش الناس ما لا يُحصى كثرة، فأُحضر بدار النيابة فصار من عرف شيئًا أخذه.
وفى شعبان وقعت صاعقة على رجل تحت القلعة بدمشق فقتلته.
_________________
(١) انظر القلقشندي: قلائد الجمان، ص ٨٣ حيث قال إنهم بطن من طى من القحطانية، راجع أيضا القلقشندي: نهاية الأرب في أنساب العرب، ص ٢٠٩ حيث أشار إلى أن بلادهم هي غزة والداروم مما يلى الساحل إلى الجبل وبلد الخليل ﵇.
(٢) يقصد بذلك غور الأردن بالشام من بيت المقدس ودمشق، وفيه نهر الأردن يشقه في طوله من أوله وأشهر بلاده بيسان، راجع مراصد الاطلاع ٢/ ١٠٠٤.
(٣) يرجح ابن قاضي شهبة في الإعلام، ١٩٦ ا، أن الذي ولى مكانه قضاء حماة هو ابن الرسام.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وفى سادس عشر شعبان أقيمت الجمعة بالجامع الأموى، وكان لها مدة قد عطلت، ثم نودى في الناس بالاجتماع للعمل فيه وتنظيفه.
وفيه زكا الزرع بأعمال دمشق حتى عُدَّ من حبة واحدة أنبتت مائتي سنبلة وسنبلة، حكى ذلك ابن حجى [و] أنه شاهده مع الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير إبراهيم بن منجك.
وفى شعبان عُزل ابن خلدون من قضاء المالكية بمصر، واستقر جمال الدين البساطي وهو شاب (^١).
وفيه (^٢) كانت وقعة الفيل ظاهر القاهرة، وذلك أنهم اجتازوا به بقنطرة بعد قنطرة الفخر فانخسفت به فاشتبك فيها وعجز عن النهوض وصار معلقا، فلم يقدروا على تخليصه حتى مات وهو كذلك، وأنشدوا فيه أشعارًا وغنوا بسبب قصته هذه أغانى.
ولى شعبان (^٣) أغار ابن صوجي التركماني على بعض أعمال طرابلس، فخرج شيخ نائبها في أثره فأظهر الهزيمة إلى أن بَعُد عن البلد وهو يتبعه، فلما كاد يهجم عليه وافاه كتاب نائب حلب دقماق يشفع فيه فقبل شفاعته ورجع وتفرّق العسكر، فاغتنم ابن صوجي الفرصة وقاطع على شيخ وهو بعسكر جرار وشيخ في نحو الخمسين فقط، فكثر عليهم شيخ فهزمهم وقتل منهم جماعة، وفر الباقُون ورجع سالمًا.
وفى شوال قبض سودون الحمزاوى بصفد على مُتَيْريك (^٤) البدوى أمير بني حارثة (^٥)
_________________
(١) عبارة "وهو شاب" غير واردة في ظ.
(٢) "وفى شعبان" في ظ، والأعلام لابن قاضي شهبة، ١٩٧ ا.
(٣) في بعض النسخ "وفيه".
(٤) الضبط من ز.
(٥) هناك عدة قبائل عربية تدعى كل منها ببني حارثة، فبعضها ينسب إلى القحطانية وهم من كهلان ومزيقيا والأزد وطى وبني عذرة، والبعض ينسب إلى العدنانية وهم من شيبان، على أن القلقشندي أضاف في نهاية الأرب، ص ٢٢٤ - ٢٢٥ إلى هؤلاء جماعة عرفوا ببني حارثة، إكتفى فيهم بقوله إنهم "بطن من العرب"، وقال: ذكرهم الحمداني في أحلاف آل مرا من عرب الشام ولم ينسبهم في قبيلة، وبلادهم بلاد الشام، ولعل متريك هذا من الجماعة الأخيرة.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
من العربان، وكان قد تمرد وكثر فساده فاعتقله إلى أن قتله في صفر من السنة المقبلة وسلخه ومثَّل به.
وفى رجب منها ظهر كوكب كبير قدر الثريا له ذؤابة ظاهرة النور جدا، فاستمر يطلع ويغيب، ونوره قوى يُرى مع ضوء القمر حتى رؤى بالنهار في أوائل شعبان، فأَوّلَهُ بعض الناس بظهور مُلْك شيخ المحمودي، فإنه نُقل في هذه السنة بعد خلاص يشبك إلى نيابة دمشق عوضًا عن آقبغا الجمالي في ذى القعدة، وقرّر في نيابة طرابلس بعده دمرداش.
واستقر قدم شيخ بدمشق فلم يزل يترقى بعد ذلك حتى ولى السلطنة، واستمر بعد هذه الحادثة عشرين سنة - كما سيأتي تفصيله - أميرا (^١) وسلطانًا، ونُقل آقبغا الجمالي إلى دمشق بطالًا، وطُلب تغرى بردى إلى القاهرة.
وفى (^٢) ذى القعدة عُزِل (^٣) نائب الشام تغرى بردى عن نيابة الشام وصُرف إلى القدس بطالًا، واستقر في نيابة الشام شيخ المحمودى نقلا من نيابة طرابلس فوصل في نصف ذي الحجة.
وفيها استقر تقى الدين بن الشيخ شمس الدين الكرماني في قضاء العسكر بدمشق وإفتاء دار العدل، وكان يوم بالنائب ففوّض له ذلك.
وفيها في ذى الحجة تجمعت التركمان مع ابن رمضان، ووافقهم قرا يوسف واجتمعوا على دمرداش ونازلوا حلب، فجمع نائب حلب دقماق العسكر وجاء إليه نائب حماة وأمير العرب نعير، وبلغ ذلك نائب دمشق فأرسل إلى دمرداش ينهاه عن ذلك، فلم يصل إليه رسوله.
_________________
(١) عبارة "أميرا وسلطانا" غير واردة في ظ.
(٢) ورد هذا الخبر في ظ، ورقة ١٧٠ ب، بعد خبر وقعة الفيل.
(٣) أمامها في هامش هـ بخط البقاعي "تقدم قبل خمسة أسطر أنه ولى الشام عوضا عن أقبغا الجمالي" انظر أعلاه، س ٥ - ٦.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وفيها رجع تمرلنك بعساكره عن سيواس قاصدا الجبهة الشمالية لبلاد ابن عثمان.
وفيها نازل السلطان أبو فارس عبد العزيز صاحب المغرب مدينة بسكره (^١) وأسر صاحبها أبا العباس أحمد بن يوسف بن منصور بن علي بن أحمد بن الحسن بن علي بن مَزْنى (بفتح (^٢) الميم وسكون الزاى بعدها نون وياءٌ ثقيلة) فأسره أبو فارس وحمله إلى تونس وسجنه بها حتى مات بعد مدة، وزالت بزواله دولة بنى مزنى وكان لها نحو من سبعين سنة ينتقلون فيها.
وكان ولده ناصر بن أحمد - وهو من أبناء العشرين - قد حج في هذه السنة فبلغه ما جرى على أبيه وأهله، فأقام بالقاهرة بعد أن حج، واشتغل بها ومهر في التاريخ وأسماء الرجال، وجمع من ذلك مجاميع فسدت بعده، ومات بعد مدة.
وفيها قُتل جنتمر النظامى كاشفُ الوجه القبلى في حربٍ جرت بينه وبين محمد بن عمر بن عبد العزيز الهوارى أمير العربان هناك.
وفيها أبطل السالمي ميسم اللحم.
وفى ثامن ذي القعدة اجتمع الأُمراء في بيت بيبرس يلعبون الكرة، فترصّد جماعة من المماليك نحو الألف لسودون طاز وهاشوا عليه وأرادوا قتله، فخلَّصه منهم الأميرُ يشبك وحماهُ إلى أن وصل إلى باب السلسلة.
واستقر يشبك في الدويدارية في رابع عشري ذي القعدة.
وفيه خرج الأُمراء عن بكرة أبيهم إلى عرب تروجة وأوقعوا بهم، ثم قدموا ليلة الأضحى.
_________________
(١) ضبطها مراصد الاطلاع ١/ ١٩٧ بكسر الكاف، وقال إنها بلدة في المغرب وفيها نخل وشجر، وتعرف ببسكرة النخيل، ثم قال: ومنهم من يقولها بفتح الباء والكاف.
(٢) عبارة "بفتح الميم … أبو فارس" نفس السطر غير واردة في ظ.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وفى سادس عشرى ذى الحجة - أواخر النهار - استقر ولى الدين بن خلدون في قضاء المالكية وصُرف البساطى، واستقر جمق الدويدار في نيابة الكرك عوضا عن سليمان التركماني.
واستقر علان في نيابة حماة عوضا عن يونس الحافظي، وكان من أعيان أصحاب سودون طاز، فقيل أرادوا بذلك قصّ جناحه.
وكان اللنك - لما رحل عن الشام - وصل إلى ماردين فتحصَّن أهلها بالقلعة فحاصرها اللنك وراسل صاحبها الظاهر عيسى فما أجابه بشيء، فلما أعياه أمرها أظهر أنه متوجّه إلى جهة بغداد في أواخر رمضان، فخرب نصيبين والموصل وصور، فوهبها لحسن بك بن ملك حسين، وجهّز ما حصّل من الأموال صحبة الشيخ زادة إلى سمرقند، ثم وجّه إلى بغداد عشرين ألف مقاتل وأمَّر عليهم أمير زاه رستم، وأمره إذا غلب على بغداد أن يستقر فيها أميرا فتوجهوا.
وكان أحمد بن أويس قد رحل عنها وأمّر عليها أميرًا، وأوصاه أن لا يغلق بابها إذا قدم اللنك عليهم، فلما وصل العسكر استعدّ أميرها - واسمه فرج - للقتال، فبلغ ذلك اللنك فسار إليهم ممدا لهم، فأخذ بغداد عنوة يوم الأضحى، فضحي بذبح المسلمين إلى أن جرت بدمائهم دجلة وبنيت برءوسهم عدة منارات حتى يقال بلغت عدة القتلى صبرًا تسعين ألفا. وكان قد وظف على كل أمير من عسكره أن يُحضر له عددًا من الرءوس، فكان [الأمير] إذا لم يقدر على توفية العدة من أهل بغداد يقطع رءُوس من معه من الأسرى من جميع البلاد.
ثم أمر اللنك بتخريب بغداد كعادته في غيرها وأبلغَ في ذلك، ثم رحل عنها راجعا إلى البلاد الشمالية.
[ ٢ / ٢٠٨ ]