فيها في المحرّم وقع الطاعون بدمشق وتزايد في صفر حتى قارب الثلاثمائة ثم تناقص، ويقال جاوز الأربعمائة، ثم تناقص في ربيع الآخر إلى ثمانين.
وفيها (^١) في المحرم وقع الغلاءُ بمصر، وارتفع السعر إلى أن أبيع القمح بمائة درهم الإردب، وعدمت الأقوات، ثم فرّج الله تعالى عن قريب ودخل الشعير الجديد وانحط. القمح إلى أربعين.
وفى المحرّم استقر كمشبغا الحموي في إمرته.
* * *
وفيها لما كثر الغلاءُ أمر برقوق الحكام أن لا يُحبَس أحد على دين لأجل الغلاء، وأفرج عن المحابيس.
وفيها رضى برقوق على بيدمر ورده إلى نيابة الشام وذلك في صفر وهي المرة السادسة، وكان الذي أحضره من الاسكندرية بكلمش العلائي فوصل في الحادي والعشرين من المحرم فخلع عليه بنيابة الشام وأرسل أشقتمر النائب الذي كان قبله إلى دمشق بطالًا، ودخل بيدمر الشام في شهر ربيع الأول فاحتفل به أهل الشام وفرحوا بولايته جدا، وكان يوم دخوله يوما مشهودًا وجاوزوا الحدّ إلى ذلك.
* * *
وفيها شرع جركس الخليلي في عمل جسرٍ بين الروضة ومصر، وكان طوله مائتي قصبة في عرض عشرة، وحفر في وسط البحر خليجا إلى فم الخليج الناصرى عند موردة الجيش (^٢)، وكان غرضه بذلك أن يستمر النيل في جهة بر مصر فلم يتم مراده، بل كان ذلك أعظم الأسباب في عكس ما قصده وانطرد النيل عن برّ مصر بحيث كان ينشف نصفه، فكشف كله إلى قرب المقياس، ثم بعد عشرين سنة حُفر النيل بغير سَعْي أحد وصار يلبث قليلًا قليلا إلى هذه
_________________
(١) انظر الجوهر الثمين لابن دقاق، ص ١٧٩.
(٢) انظر الجوهر الثمين لابن دقماق، ص ١٧٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
الغاية، ولم يُلزم الخليلي أحدًا من الناس فيما أنفقه على هذا الجسر بغرامةِ درهم فما فوقه، وأنشد ابن العطار في ذلك:
شكت النيل أرضُه … للخليلي فأحضرَهْ
ورآى الماء خائفًا … أن يطاها فجسَّرَهْ
* * *
وفيها عمل الخليلي على النيل طاحونًا تدور في الماء فاستأجرها منه بعض الطحانين فحصل فيها مالًا عظيما لكثرة من كان يأتي إليه برسم الفرجة.
* * *
وفيها في ثالث المحرم استقرّ سودون الشيخونى حاجب الحجاب وأُعطى إمرة تغرى برمش، وأُرسل تغرى برمش إلى القدس بطالًا، واستقر أيدكار حاجبَ الميسرة.
* * *
وفيها حضر الشيخ على الروبى (^١) من الفيوم إلى مصر وحصل للناس فيه محبة زائدة واعتقاد مفرط وسارعوا إلى الاجتماع به وهو في الجيزة.
* * *
وفيها امتنع القاضي برهان الدين بن جماعة من الحكم وذلك في صفر، والسبب فيه أن تاجرًا مات وخلف مالا كثيرًا، فثبت عند القاضي برهان الدين أن له ورثةً فمنع أهل المواريث من التعرّض للمال، فغضب برقوق من ذلك وراسله في تسليم المال فصمم.
وبلغه أن برقوق طلب من يولِّيه القضاء فذُكر له الشيخ برهان الدين الأنباسي فاختفى، فوقف البرهان عن الحكم بين الناس، وسعى بدر الدين بن أبي البقاء في العود إلى المنصب وبذل مالًا وأن لا يتعرّض للتركة المذكورة، فأُجيب واستقر في سلخ صفر.
وتوجّه برهان الدين بن جماعة إلى القدس في ثالث عشر ربيع الأول؛ وقرر ابن أبي البقاء في نيابة الحكم بالقاهرة شهابَ الدين الزركشي مضافًا إلى أمانة الحكم في مضر، وقَرر في نظر
_________________
(١) أمامها في هامش ز بخط الناسخ "بالباء الموحدة نسبة لرويب".
[ ١ / ٢٥٤ ]
الأوقاف بمصر شمسَ الدين بن الوحيد عوضا عن زين الدين الزواوي، وفي نظر الأوقاف بالقاهرة جمال الدين بن العجمي عوضا عن تقيّ الدين الإسنائي.
وقرأت بخط القاضي تقيّ الدين الزبيرى وأجازنيه: "في أول سنة أربع وثمانين سأل برقوق من يختص به أن يطلب له رجلًا جيدا يولِّيه قضاء الشافعية، فذكر له جماعةً منهم الشيخ برهان الدين الأنباسي فطلبه مع موقعه أوحد الدين وعرفه القصة، فوافقه على أنه يجيء إليه ويتوجّه معه إلى الاسطبل، فهرب واختفى. فأقام على ذلك أياما وابن جماعة لا يعرف شيئًا من ذلك بل يظن أن ذلك بأمر آخر، فلما أيسوا منه طلب القاضي بدر الدين بن أبي البقاء، فأُعيد إلى القضاء في يوم السبت تاسع عشرى صفر، واستمر معه تدريس الشافعي وتوجه ابن جماعة إلى القدس". انتهى.
ويقال إن برقوق كان يعرف قوة نفس برهان الدين بن جماعة فخشي ألَّا يوافقه إذا رام أن يتسلطن ويعارضه فلا ينتظم أمره، فعمل على عزله وتولية من لا يخالفه لكوْنه هو الذي أنشأ ولايته.
وكان الشيخ برهان الدين الأنباسى يقول إنه لما أوعد أوحد الدين ودخل إلى منزله فتح المصحف فخرج (^١) "قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحبّ إليَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ" فأطبقه وتغيب.
* * *
وفيها صُرف همام الدين بن الشيخ الأتقاني عن قضاء الحنفية بدمشق، وأُعيد نجم الدين بن الكشك، وكان وصل الخبر بعزْله وولاية النجم، فامتنع النواب من الحكم، فأنكر عليهم الهمام واستمر يحكم حتى قدم النجم، فتوجّه الهمام إلى النائب - وكان غائبًا عن البلد - ثم رجع معزولًا؛ وكان الهمام من عجائب الدهر في الجهل والخبط وقلَّة الدين.
وفيها استقر تقى الدين الزبيري في نيابة الحكم بالقاهرة، وقد تولَّى القضاء استقلالًا بعد ذلك.
_________________
(١) سورة يوسف ١٢: ٣٣.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وفيها انكسر الجسر من جهة المنشية عند المرسى فرجع الماءُ إلى البركة التي هناك ففاضت على الميدان فلم يركب السلطان تلك السنة إلَّا ميدانين خاصة.
وفيها حضر رسل صاحب إشبيلية من عند ملك الكتلان يسألون السلطان الشفاعة في صاحب سيس، فأرسله إليهم مكرما.
* * *
وفيها حضر رسول صاحب (^١) سيس ومعه (^٢) كتاب يخبر فيه أن الأرمن الذين هناك مات كبيرهم فأمروا عليهم زوجته فحكمت فيهم مدّة ثم عزلت نفسها، فاتفق رأيهم أن يفوضوا أمرهم لصاحب مصر فيختار لهم من يولِّيه عليهم، فانتقى لهم برقوق واحدًا من الأرمن الأسارى الذي يسكنون بالكوم ظاهر القاهرة ويبيعون هناك الخمر، فأخذوه معهم فملِّكوه عليهم.
* * *
وفيها في ربيع الآخر (^٣) ولى بدر الدين محمد بن أحمد بن مزهر كتابة السر بدمشق عوضا عن فتح الدين بن الشهيد، وهرب ابن الشهيد بعد أن طُلب، فأُمْسِكَ ولده تاج الدين ورُسم عليه ثم ظهر لما ولى بيدمر، فقُرر عليه مال ورسم عليه بالعذراوية (^٤) ثم بالدماغية ثم أُطلق، وهرب ابن نبهان الذي استقر كاتب السرّ لكونه أُلزم بوزن ما التزم به من المال فلم يقدر على ذلك، فاستقر ابن مزهر.
وفيها ولى القضاء بالقدس خير الدين الحنفى وهو أول حنفى قضى به، وولى القضاء بغزة موفق الدين رسول الحنفى وهو أول حنفى قضى بها. وهذان من طلبة الحنفية بالشيخونية، وكان الثاني أولًا ينوب عن الهمام الأنقاني بدمشق.
* * *
_________________
(١) "نائب" في ز.
(٢) فراغ في ز بقدر كلمتين، ثم جاء في هامشها بخط الناسخ "لعله وسعه كتاب".
(٣) "الأول" في ز.
(٤) كانت العذراوية وقفا على الشافعية والحنفية، وتنسب إلى الست عذراء بنت أخي صلاح الدين، انظر الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٣٧٣ - ٣٨٢، ٥٤٨؛ أما الدماغية فكانت مثل سابقتها وقفا على الحنفية والشافعية، وتنسب إلى السيدة عائشة زوجة شجاع الدين محمود الدماغ، راجع النعيمي: شرحه ١/ ٣٣٦ - ٣٤٢، ٥١٨ - ٥١٩.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وفى (^١) رمضان من هذه السنة خُلع الملك الصالح حاجى من السلطنة، فكانت مدّة مملكته سنة ونصفًا ونصف شهر، وبويع برقوق بالسلطنة ولقب "الملك الظاهر" وكنى "أبا سعيد" ولم تنتطح في ذلك عنزتان.
وكان [برقوق] يعمل في تدبير المملكة بعد مسك بركة إلى أن أفنى المماليك الأشرفية نفيا وقتلًا، وقرب الجراكسة وأبعد الترك، ثم طلب القضاة والعلماء والأمراء واستشارهم في أمر المملكة وأن الأُمور اضطربت لصغر سنّ السلطان وطمع المفسدون في الأمر فأجمعوا على طاعته وبايعوه وذلك في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان وخُطب له بالجامع يوم الجمعة حادى عشريه (^٢). وتوجّه البريد إلى البلاد فبويع له بدمشق في يوم الخميس سابع عشريه وخطب له بالجامع يوم الجمعة ثامن عشريه.
* * *
واستقر أيتمش أتابك العساكر، والجوباني أميرَ مجلس، وجركسُ الخليليُّ أميرَ آخور، وسودون الشيخونيُّ نائبَ السلطنة، وقردم الحسنى رأس نوبة، ويونسُ في الدويدارية.
* * *
وفى يوم سلطنته انحط سعر القمح، فاستبشر الناس بذلك وأُدخل الصالح داخل الدور، وقرئ تقليد الظاهر يوم الاثنين رابع عشريه.
* * *
وفى ربيع الأول هرب ابن مكانس الوزير من الترسيم، فبلغ برقوق فغضب على شاد الدواوين بهادر الأعسر وحبسه بخزانة شمائل ثم شُفع فيه فأطلق، وبالغ في أذية إخوة ابن مكانس وأقاربه، وسلّط عليهم العذاب وضُربوا بالمقارع وهجموا على حريمهم وهجموا بيوت معارفهم، واستقصوا في التفتيش عليه من الكنائس والديور فلم يقعوا به.
* * *
وفى شعبان أراد جماعة من مماليك برقوق ومماليك أولاد السلاطين الفتك ببرقوق فأنذره
_________________
(١) أمامها في هامش ز "خلع الملك الصالح حاج من السلطنة ومدة ملكه سنة ونصف ونصف شهر وتولى الملك الظاهر سيف الدين برقوق وهو الخامس والعشرون من ملوك الترك بمصر والقائم بدولة الجراكسة".
(٢) "عشره" في ز.
[ ١ / ٢٥٧ ]
شيخ الصفوى وهو يكبّسه فقعد، فدخل أحدهم فوثب برقوق فضربه ضربة انقلب ثم نزل إلى باب (^١) الاسطبل، وطلب الأمراء وتتبَّع الذين أرادوا الفتك به، فسجن منهم ونفى، وغضب السلطان على ألابغا العثماني لأنه بلغه أنه اطلع على القضية فأخفاها عنه فنفاه إلى طرابلس وأعطى إمرته إلى شخص من أقاربه قدم عليه من الجراكسة وهو قجماس.
* * *
وفي ربيع الآخر منها جهزت التجريدة إلى الفيوم بسبب صدّ عرب البحيرة عن الدخول إلى الصعيد، فتجهّز خمسة أمراء من المقدّمين ومن تبعهم فتوجّهوا إلى أن تحققوا أن العرب توجهوا إلى جهة برقة، فرجعوا في جمادى الأولى.
* * *
وفيها كائنة الشيخ صدر الدين على بن العزِّ الحنفى بدمشق، وأولها أن الأديب على بن ببك الصفدى عمل قصيدة لامية على وزن "بانت سعاد" وعرضها على الأُدباء والعلماء فقرظوه، ومنهم صدر الدين على بن علاء الدين بن العز الحنفى، ثم انتقد فيها أشياء، فوقف عليها على بن أيبك المذكور فساءه ذلك ودار بالورقة على بعض العلماء. فأنكر غالب من وقف عليها وشاع الأمر.
فالتمس ابن أيبك من ابن العزِّ أن يعطيه شيئًا ويعيد إليه الورقة فامتنع، فدار على المخالفين وألَّبهم عليه، وشاع الأمر إلى أن انتهى إلى مصر فقام بعض المتعصبين إلى أن انتهت القضية السلطان، فكتب مرسومًا طويلا منه:
"بلغنا أن على بن أيبك مدح النبي ﷺ بقصيدة، وأن على بن العزِّ اعترض عليه وأنكر أمورًا منها التوسّل بالنبي ﷺ والقدح في عصمته وغير ذلك، وأن العلماء بالديار المصرية - خصوصا أهل مذهبه من الحنفية - أنكروا ذلك فيتقدّم بطلبه وطلبِ القضاة والعلماء من أهل المذاهب ويعمل معه ما يقتضيه الشرع من تعزير وغيره".
وفى المرسوم أيضا:
"بلغنا أن جماعة بدمشق ينتحلون مذهب ابن حزم وداود ويدعون إليه. منهم القرشي
_________________
(١) في ز "نائب".
[ ١ / ٢٥٨ ]
وابن ألجاي وابن الحسبانى والياسوفى: فيُتقدم بطلبهم: فإن ثبت عليهم منه شيء عمل بمقتضاه من ضربٍ ونفى وقطع معلوم، ويقرر في وظائفهم غيرهم من أهل السنة والجماعة".
وفيه:
"وبلغنا أن جماعة من الشافعية والحنابلة والمالكية يظهرون البدع ومذهب ابن تيمية".
فذكر نحو ما تقدم في الظاهرية، فطلب النائب القضاة وغيرهم، فحضر أول مرة القضاة ونوابهم وبعض المفتيين، فقرئ عليهم المرسوم، وأحضر خط ابن العزِّ فوجد فيه قوله: "حسبى رسول الله: هذا لا يقال إلَّا الله! ": وقوله: "اشفع لي". قال: "لا تطلب منه الشفاعة".
ومنها "توسلت بك" فقال: "لا يُتوسل به".
وقوله "المعصوم من الزلل"، قال: إلّا من زلة العتاب".
وقوله "يا خير خلق الله" الراجح تفضيل الملائكة إلى غير ذلك.
فسئل فاعترف ثم قال: "رجعتُ عن ذلك وأنا الآن أعتقد غير ما قلتُ أوّلًا" فكُتب ما قال وانفصل المجلس.
ثم طلب بقية العلماء فحضروا المجلس الثاني وحضر القضاة أيضا؛ وممن حضر القاضي شمس الدين الصرخدى والقاضي شرف الدين بن الشريشي، والقاضى شهاب الدين الزهري وجمعٌ كثير، فأعيد الكلام، فقال بعضهم: "يُعزَّر" وقال بعضهم: "ما وقع معه من الكلام أولًا كافٍ في تعزير مثله" وانفصلوا.
ثم طُلبوا ثالثًا وطُلب من تأخر وكتبت أسماؤهم في ورقة، فحضر القاضي الشافعي، وحضر ممن لم يحضر أولا: أمين الدين الأتقى وبرهان الدين الصنهاجي وشمس الدين بن عبيد الحنبلي وجماعة. ودار الكلام أيضا بينهم ثم انفصلوا ثم طُلبوا. وشدد الأمر على من تأخر فحضروا أيضا. وممن حضر سعد الدين النووى وجمال الدين الكردى وشرف الدين الغزى وزين الدين بن رجب وتقى الدين بن مفلح وأخوه وشهاب الدين بن حجى، فتواردوا على الإنكار على ابن العزِّ في أكثر ما قاله.
ثم سئلوا عن قضية الذين نسبوا إلى الظاهر وإلى ابن تيمية، فأجابوا كلهم أنهم لا يعلمون في المسمون من جهة الاعتقاد إلَّا خيرا، وتوقف ابن مفلح في بعضهم، ثم حضروا خامس مرة واتفق رأيهم على أنه لابد من تعزير ابن العز، إلا الحنبلي.
[ ١ / ٢٥٩ ]
فسئل ابن العزِّ عما أراد بما كتب فقال: "ما أردتُ إلَّا تعظيم جانب النبي ﷺ. وامتثالُ أمره أنه لا يُعطى فوق حقه".
فأفتى القاضي شهاب الدين الزهرى بأن ذلك كاف في قبول قوله وإن أساء في التعبير، وكتب خطه بذلك.
وأفتى ابن الشريشي وغيره بتعزيره، فحكم القاضي الشافعي بحبسه، فحبس بالعذراوية ثم نُقل إلى القلعة، ثم حكم برفع ما سوى الحبس من التعزيرات، ونفذه بقية القضاة.
ثم كُتبت نسخة بصورة ما وقع وأُخذ فيها خطوط القضاة والعلماء وأرسلت مع البريد إلى مصر، فجاء المرسوم في ذى الحجة بإخراج وظائف ابن العزِّ، فأخذ تدريسَ العزية البرانية شرفُ الدين الهروى، والجوهرية على الملقب الأكبر، واستمر ابن العزِّ في الاعتقال إلى شهر ربيع الأول من السنة المقبلة.
وأُحدث من يومئذ - عقب صلاة الصبح - التوسل بجاه النبي ﷺ: أمر القاضي الشافعي بذلك المؤذنين، ففعلوه.
* * *
[و] في الرابع من ذى القعدة طلب ابن الزهرى شمسَ الدين محمدَ بن خليل الحريري المنصفى فعزّره بسبب فتواه بمسألة الطلاق على رأى ابن تيمية، وبسبب قوله: "الله في السماء". وكان الذي شكاه القرشي فضربه بالدرة وأمر بتطويفه على أبواب دور القضاة، ثم اعتذر ابن الزهرى بعد ذلك وقال: "ما ظننته إلَّا من العوام لأنهم أنهوا إلى أن فلانا الحريري قال: كيت وكيت".
حكى ذلك ابن حجى. وهذا العذر دالٌ على أنه تهوَّر في أمره ولم يثبت. فلله الأمر.
ومن أطرف ما حكى عن ابن المنصفى أن بعض الناس اغتمّ له مما جرى فقال: "ما أسفى إلَّا على أخذهم خطى بأني أشعري فيراه عيسى بن مريم إذا نزل".
* * *
وفيها كان الحاج بمكة كثيرًا بحيث مات من الزحام بباب السلام أربعون نفسًا. أخبر الشيخ ناصرُ الدين بن عشائر أنه شاهد منهم سبعة عشر نفسًا موتى بعد أن ارتفع الزحام،
[ ١ / ٢٦٠ ]
وأن شيوخ مكة ذكروا أنهم لم يروا الحاج أكثر منهم في تلك السنة. وكانت الوقفة يوم الجمعة بلا ارتيابٍ عندهم.
ولكن وقع للشيخ زين الدين القرشي أنه قيل عنه إنه ضحّى يوم الجمعة لأجل شهادة من شهد برؤية هلال ذى الحجة ليلة الأربعاء، فلم يصم يوم الخميس وضحى يوم الجمعة، وشاع عنه أنه أمر بذلك فبلغ القضاة فشقّ عليهم ورفعوا أمره للنائب، فطلبه النائب فتغيّب ثم حضر وأخبر أنه لم يضح، واعترف بأنه لم يصم احتياطًا للعبادة، استدل بأشياء تدلّ على قوة ما ذهب إليه، وخالفه جماعة في ذلك، وانفصل الحال.
وكان استجار بالأمير تمرباي فأرسل إلى القضاة فعفوا عنه، ثم أحضر النقل من مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعى أنهم كانوا يرون صوم يوم عرفة إلَّا أن يتخوفوا أن يكون يومَ النحر، وأنه أفطر لذلك وأن هذا الأمر يردّ عليه، فعورض بأن الأخذَ بالأثر المذكور يخالف مذهب الشافعي لعدم قوله بصوم يوم الشك من رمضان، ولم يلتفتوا إلى الاحتياط المذكور.
* * *
وفى شعبان انتهت زيادة النيل إلى إصبع من أحد وعشرين ذراعًا.
وفي رمضان استعفى طشتمر الدويدار من نيابة صفد فأُعفى وتحوّل إلى القدس بطالًا.
وفيها استقر محمود شادَّ الدواوين وكان قبل ذلك أُستادارَ سودون باق.
* * *
وفيها حججت مع زكى الدين الخروبى، وكانت الوقفة الجمعة، وجاورنا بها فصليت بالقدس في السنة التي تليها، وقد كنت ختمت من أول السنة الماضية واشتغلت بالإعادة في هذه السنة فشغلنا بأمر الحج إلى أن قدر ذلك بمكة، وكانت فيه الخيرة.
* * *
وفى تاسع شوال صرف بدر الدين بن فضل الله من كتابة السر بمصر واستقر أوحد الدين عوضه فيها، وكان (^١) أوحدُ الدين موقعَ برقوق وله به معرفة قديمة فجازاه.
_________________
(١) من هنا حتى آخر الخبر غير وارد في ظ.
[ ١ / ٢٦١ ]
وفيه قدم الشيخ أبو زيد بن خلدون من المغرب فأكرمه السلطان.
* * *
وفي ذي القعدة أسلم أبو الفرج الأسعد كاتب الحوائج خاناه فسمّاه السلطان "موفق الدين" وولَّاه نظر ديوان أولاده وتقدّم واشتهر ذكره.
* * *
وفيها وقع بين الشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ بدر الدين بن الصاحب في الخشابية بجامع مصر بحيث ألزمه فيه البلقيني بالكفر، فجرى بينهما كلام كثير وتولَّد منه شر كبير. فقام على ابن الصاحب جماعةٌ وادّعوا عليه عند المالكي، فسعى له آخرون عند أكمل الدين حتى نقل القضية إلى القاضي الشافعي، وأقام [ابن الصاحب] مدة في الترسيم حتى حُكم بحقن دمه واستمر في وظائفه، وعاش من بعدها مدة.
فحدّثني بعض من سمع من الشيخ سراج الدين يجهر بصوته بين القصرين وابن الصاحب مع الرسل الموكلين به سائر مع البلقينى وهو يقول: "يا معشر المسلمين هذا كفر" فيقول ابن الصاحب: "يا معشر المسلمين، هذا فشر": فلما رأى الشيخ ذلك عدل إلى قوله: "يا معشر المسلمين، هذا قال إن نبيكم ما هو مدفون بالمدينة" وكان البحث بينهما في شيء من ذلك، فتعصب له جماعة منهم الفاضل محمد النحاس المصرى فقال فيه:
لبدْر الدين بين الناس فضلٌ … ومذهَبُه الصحيح بلا اعوجاج
فأشْرَقَ في سماء العلم بدرًا … فأَطفأ نورُه نورَ السراج
* * *
وفى ذي القعدة توجه السلطان إلى بولاق التكرور، فاجتاز من الصليبة وقناطر السباع وفم الخور، وكانت عادة السلاطين قبله من زمن الناصر لا يظهرون الَّا في الأحيان ولا يركبون إلَّا من طريق الجزيرة الوسطانية، ثم تكرّر ذلك منه وشق القاهرة مرارًا، وجرى على ما ألف في زمن الإمرة، وأبطل كثيرًا من رسوم السلطنة، وأخذ من بعده طريقته في ذلك إلى أن لم يبق من رسمها في زماننا إلَّا اليسير جدا.
وفيها استسلم (^١) الظاهر أبا الفرج الذي استوزره بعد ذلك وكان كاتب الحوائج خاناه
_________________
(١) أي جعله الظاهر يسلم.
[ ١ / ٢٦٢ ]
واللحم، فاتفق أن المعاملين في اللحم ضجروا مِن تأخر حقهم فغضب الظاهر (^١) على الوزير علم الدين سنّ إبرة وضربه، وأمر بإحضار أبي الفرج فحضر وهو فزعٌ، فعرض عليه الإسلام فبادر إليه، فلقبه "موفق الدين" وخلع عليه وأركبه فرسًا بسرج وكنبوش ذهب.
* * *
وفيه هرب ألطنبغا السلطاني نائب البلستين إلى سيواس.
* * *
وفيها بني السلطان قناطر بنى منجا، فأحكم عمارتها.
وفيها غضب السلطان على قرط فظفر به فأهانه وصادره، ونودى على ولده حسين، وذلك في ذى الحجة.
وفيها ولى عبد الرحمن بن رشيد المغربي المالكي القضاء بحلب عوضا عن علم الدين القفصى. وفيها وقع الخلف بين أحمد بن عجلان صاحب مكة وبين الأشرف صاحب اليمن بسبب المحمل اليمني، فغضب الأشرف عليه ومنع التجار من الاجتياز عليه (^٢). فسافروا من جهة سواكن، فضاق ابن عجلان من ذلك، فتشفع إليه حتى رضى عنه، وأطلقهم.
* * *
وفيها قُتل حسين بن أويس، اغتاله أحمدُ بن أويس - أخوه - سلطانُ بغداد وكان استنابه على البصرة، وتوجه إلى تبريز فمالأ أحمد الأمراء عليه حتى قُتل، واستقل أحمد بالسلطنة (^٣).
* * *