استهلت (^١) هذه السنة ومصر في رخاءٍ كبيرٍ جدا، فالقمح بنحو مائة درهم، والشعير بنحو سبعين، والذهب يومئذ بمائة وأَربعين المثقال.
وفى الثالث من المحرّم برز نوروز إلى صفد ثم انثى إلى شعشع، ثم انثنى إلى بكتمر جلَّق ومعه محمد وحسن وحسين بني بشارة فاقتتلوا، فقُتل بينهم جماعة وحُرقت الزروع وخربت القرى وكَسَرَهم وأقام بالرملة، وكان قد جهَّز الناصر عسكرًا إلى سودون المحمّدي بغزَّة ليستنقذها منه صحبة نائبها ألطنبغا العثماني وطوغان وسودون بقجة، وكان بكتمر جلق وجانم قد خرجا قبل ذلك من صفد إلى غزة فملكاها، ففرّ منها سودون المحمدّي فلحق بنوروز، فرجع نوروز فقاتلهم كما تقدّم وأَقام بالرملة، فبلغ ذلك العسكرَ المجهز من مصر بالعريش -وكان فيهم طوغان وباش باى وسودون بقجة- فدخلوا إلى مصر في صفر، ولمّا تحقَّق نوروز رجوعهم قَصَد صفد ليحاصرها فقدم عليه الخبر بحركة شيخ إلى دمشق، وكان قد جمع من التركمان والعرب والترك جمْعًا، وسار من حلب في ثاني عشر ربيع الأَول، فرجع نوروز فسبقه إلى دمشق ثم برز إلى برزة، فقدم عليه سودون المحمّدي هاربًا من بكتمر جلق وكان قد خالف نوروز إلى غزَّة فغلب عليها وفرّ سودون منه، فتراسل سودون ونوروز في الكفّ عن القتال ولم ينتظم لهما أمر، وصمّم شيخ على أَخْذِ دمشق وباتا على أَن يباكرا القتال، فأَمر شيخ بوقيد النيران في معسكره واستكثر من ذلك، ورحل جريدةً إلى شعشع فنزلها، وأَصبح نوروز فعرف برحيله فتوجّه إلى دمشق فدخلها في الخامس من صفر.
_________________
(١) في ظ "استهلت ونوروز مسئول على البلاد الشامية بطريق التغلب"، ثم ضرب عليها ابن حجر بالقلم وكتب ما هو وارد بالمتن، وزاد المقريزي: السلوك، ورقة ٦٨ أ على ما ورد في المتن بأن الفول كان سعره ستين درهمًا الإردب، انظر أيضا العيني: عقد الجمان، لوحة ٢٧.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وفيها قدم عليه تمربغا المشطوب من حلب، وشرع نوروز في بيع الغلال التي كان أَعدّها بقلعة دمشق.
وفى الرابع عشر منه نزل قبةَ يلبغا وسار إلى شعشع فلقى بها شيخًا -وهو يومئذ في نفرٍ قليل وقد تفرّق أَصحابه- فالتقيا فتقاتلا فانكسر نوروز، ويقال كان معه أَربعة آلاف نفسٍ ولم يُمْسِ مع شيخ سوى ثلاثمائة نفس، وركب شيخ أَقفيتهم، فدخل نوروز دمشق في الثاني عشر من صفر مجتازًا، وأَعقبه شيخ فدخل دمشق بغير قتال ودخل دار السعادة ونادى بالأَمان، ولبس خلعة النيابة التى وافتْه من السلطان بعد أَن سار إلى قبة يلبغا، فركب من ثم وركب معه القضاة والأَعيان ومن جملتهم نجم الدين بن حجّي بقضاء الشافعية، وقبض على جماعةٍ من النوروزية وأَفرج عن جماعةٍ من المسجونين.
وجهز بكتمر جلق ودمرداش لحرب نوروز فنزلا في عسكره في أَواخر صفر قاصدين حلب، وكان نوروز لمَّا انهزم استصحب معه يشبك الموساوي أَسيرًا فسجنه بقلعة حلب؛ ثم اختلف نوروز وتمريغا المشطوب، فصعد تمربغا القلعة وأَطلق الموساوي، وكان المشطوب تلقَّى نوروز وأَكرمه وقام له بما يليق به، وأَشار عليه بالطاعة للسلطان وأَن يرسل له يطلب الأَمان، فامتنع من ذلك ورحل عن حلب إلى جهة ملطية، فقدم الموساوي دمشق في أَواخر صفر يريد القاهرة، ثم أَطْلق شيخ جماعة من المسجونين الأُمراء وغيرهم، وظهر جماعةٌ ممن كان اختفى منهم.
* * *
وفى ربيع الآخر قُبض على ناظر الجيش تاج الدين بن رزق الله وعلى أَخيه وصودرا على ستة آلاف دينار، وصودر المحتسب على أَلف دينار؛ واستقر في نظر الجيش علم الدين ابن الكويز، وفى ديوانِ شيخ صلاحُ الدين بن الكويز، وشهاب الدين الصفدي في كتابة السرّ بدمشق، وشهابُ الدين الباعوني في الخطابة بالجامع الأمويّ، وفى الأَستادارية بدر الدين بن محب الدين فبسط يده في المصادرة، فأَخذ من ابن المزلَّق خمسة آلاف
[ ٢ / ٣٩٦ ]
دينار حصّلها من التجار، وصالح القضاةَ على أَلفٍ وخمسمائة دينار ففرضوها على المدارس، وفَرض على جميع القرى ما يحتاج إليه من الشعير. وجمع شيخ العساكر وخرج إلى نوروز وكان تمربغا بحلب ومعه يشبك بن أَزدمر.
وفي ربيع الآخر قدم صدر الدين بن الأَدمي إلى دمشق وبيده ولاية القضاءِ وكتابةُ السرّ، وكان قد قدم بذلك من العام الماضي فما مكنه من المباشرة وأَهانه وتعوّق بسبب ذلك في البلاد الشمالية، فلما وصل أَمضى له شيخ وظيفة القضاء خاصة.
ثم توجّه شيخ إلى جهة حلب وأَرسل عسكرًا يحاصرونها فسلَّمها لهم تمربغا المشطوب، واجتمع عنده أَحمد بن رمضان وغيره من التركمان، وفرّ إليه جماعة من النوروزية منهم سودون المحمّدي وسودون اليوسفي، فرحل في طلب نوروز فأَدرك أَعقابه وقَبض على جماعة من أَصحابه، وكان قرّر في حلب قرقماس بن أَخي دمرداش، وأَرسل عسكرًا في طلب نوروز ورجع إلى دمشق فدخلها في أُبهة عظيمة ولحق العسكر بالتركمان بأَنطاكية وأوقعوا بهم واستنقذوها منهم، وقُتل حسين بن صدر الباز في المعركة، وغلَب أَحمدُ ابنُ رمضان على نوروز فمنع عنه العسكر، وقتل قطلوبغا الجاموس نائب قلعة حلب.
ثم فرّ نوروز من أَسْر التركمان واستولى على قلعة الروم، وكان يشبك بن أَزدمر قد فرّ إلى نوروز واجتمعا بأَنطاكية، ولما رجع شيخٌ إلى دمشق أَطلق ناظرَ الجيش من الترسيم وكذلك الوزيرَ المنفصل، وَقرر ابن الموصلي في الحسبة، وشرط عليه أَن لا يأْخذ من الباعة ضيافة القدوم، وكان المشاعلي ينادي بين يديه بذلك وهو لابسٌ الخلعة.
وفي جمادى الأُولى قبض الناصرُ على جماعةٍ من الأُمراءِ وذبحهم، وسجن منهم بيغوت وسودون بقجة بالإسكندرية.
وفي أَواخره استفرّ أرغون الرومي أَمير آخور وصُرف كمشبغا المزوّق. وفي أَوّل رجب دخل شيخٌ دمشقَ راجعًا من حلب، وبعث بجماعة من الأُمراء فسجنهم بقلعة الصُّبَيْبَة.
وفي جمادى الأولى مُنع الأَمير جمال الدين من الحُكْم بين الناس، وأُمِر بالاقتصار على ما يتعلَّق بالأُمور السلطانية، وكان ذلك ابتداء انحطاط أَمره وهو لا يشعر.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وفي جمادى الآخرة مات الأَمير باش باي رأْس نوبة الكبير وكان معه نظر الشّيخونية.
وفي أَواخر رجب فرّ المماليك الذين كانوا في سجن دمشق لما بلغهم خلاص نوروز من أَسْر التركمان وتوجهوا إليه -ومنهم قرابغا المشطوب-، فركب شيخ لهم في طلبهم فلم يلحقهم.
وفيها فرّ شمس الدين بن التبّاني إلى الشام فقرّره شيخ نائبُها في نظر الجامع الأُموي وغير ذلك من الوظائف وقرّبه وأَدناه وذلك في رجب، ثمّ نُقِل إلى الناصر عنه شيءٌ أَغضبه فهمَّ بالقبض على أَخيه شرف الدين، ففرّ أَيضا إلى شيخ بالشام فولَّاه خطابةَ الجامع الأَموي بعد أَن كان صُرف عنه الباعوني، وقرّر فيه ناصر الدين البارزي وكان قد فرّ من حماة من يشبك بن أَزدمر واتصل بشيخ فاختص به ونادمه وولَّاه الخطابة، وقرّر ابن التَّبّاني في قضاء الشام للحنفية.
وفيه أَلزم النائبُ أَهل دمشق بعمارة مساكنهم والأَوقاف التي داخل البلد، وضَرب فلوسًا جددًا نودِيَ عليها: كلّ ثمانيةٍ وأَربعين بدرهم.
وفي شعبان وصل يشبك الموساوي رسولًا من الناصر إلى شيخٍ يطلب منه بعضَ الأُمراء الذين كانوا خامروا عليه، فاعتذر وأَعاد عنه الجواب مما سنذكره بعد.
وفي رمضان بلغ النائبَ أن يشبك الموساوي نَقل عنه للناصر أَنه ساعٍ في العصيان عليه، فأَرسل نجمَ الدين بن حجّى قاضي الشام بكتبٍ ومحاضر تشهد له بأَنَّه مستمرٌ على الطاعة، وأَن يشبك كذب عليه فيما نقل عنه، فوصل ابن حجّى بالكتب عنه فقبل عذره وكتب أَجوبته واقترح عليه بأَن يرسل مَن عنده من الأُمراء المسجونين، وأَنَّه إنْ تباطَأَ في إرسالهم حتّى يمر شهر ثَبَتَ عليه ما نُقِل [عنه] من العصيان، فامتنع من إرسالهم، فشرع الناصر في التجهيز إلى الشام بهذا السبب.
وفي هذه السنة أُعيد التجليد بالقدس والرملة للأَربع قضاة.
* * *
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وفيها قَتَل الناصرُ إينال الأَجرود وبَرَسبُغا وكانا أَميرين من إخوة بيغوت، وقتل بالإسكندرية عدة أُمراء منهم سودون من زادة صاحب المدرسة المتقدّم ذكرها وكذلك بيغوت.
وفي ذي القعدة قُتِلَ عمرُ بن علي بن فضل أَمير آل حرم بحيلةٍ من نائب الكرك محمدٍ التركماني، وكان عمر قد عصى وخالف فغدر به محمد المذكور وأَرسل برأْسه إلى مصر فطيف بها (^١).
* * *
وفيها في ثالث رجب أكمل جمال الدين يوسف أَلبيري البجاسي أستادارُ السلطان مدرسته بالقاهرة برحبة العيد، ورتّبَ فيها مدرسين على المذاهب الأَربعة ودَرْسَ تفسيرٍ ودرْسَ حديث، فالشافعي: همام الدين الخوارزمي وهو شيخ الصوفيّة، والمالكي (^٢). . . . . . والحنفي بدر الدين محمود بن الشيخ زاده، والحنبلي فتح الدين أَبو الفتح بن الباهي، ومدرس الحديث كاتبه (^٣).
ومدّ في أَول يوم سماطًا هائلًا وملأَ الفسقية بالسكر المكرّر، واستمر حضور الدرس في كل يوم يحضر واحدٌ ويخلع عليه عند فراغه، فلمّا كان بعد أُسبوع جدّد فيها دَرْسَ تفسيرٍ وقَرَّر المدرسَ قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وعمل له إجلاسًا في قوله تعالى (^٤) ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ واستمرّ بعد ذلك يدرّس من هذا الموضع.
_________________
(١) بعد هذا وردت بضع صفحات ليست من الإنباء، ولكنها واردة في نسخ المخطوطة غير ظ، ولذلك تنبه ناسخ هـ إلى هذا فوضع أمام أول سطر من هذه الصفحات قوله: "كذا يحرر من هنا"، ثم جاء بعد ذلك بغير خط الناسخ "الظاهر أن هذا في ترجمة الناصر حسن لا الناصر فرج"؛ وقد وضعنا هذه الصفحات الدخيلة في ختام هذا الجزء الثاني من طبعتنا هذه للإنباء.
(٢) فراغ في جميع النسخ ولم نجد اسمه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) يعني ابن حجر بذلك نفسه.
(٤) سورة التوبة، آية ١٨.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وبعد قليلٍ نَمَّ بعضُ الناس على جمال الدين بأَنَّه عمل مدرسةٌ وبالغوا في وصْفِها وما بها مِن الرّخام والزخرفة، وأَنَّه ما اكتف بذلك حتّى شرع في أُخرى بباب زويلة، فاستفسره الناصر عن ذلك ففهم من أَين أتى، فقال: "إنما شرعْتُ في عمل صهريجٍ ومسجدٍ، وفيه (^١) مدرّس على اسم مولانا السلطان ليختصّ بثواب ذلك"، فأَرضاه (^٢) وقد لزم غلطه فصيّره له حقيقةً ولم يكمل جمال الدين من ذلك الوقت سنةً حتى قُبض عليه وأُهلك كما سيأْتي.
وفيها كملت مدرسة الخواجا علاء الدين الطرابلسي بسويقة (^٣) ساروجا بدمشق.
* * *
وفيها نودِيَ في شعبان بالقاهرة ألا يركب أَحد الخيل أَو البغال إلا الأَجناد الذين في خدمة السلطان أَو الأُمراء خاصة، ثم سُعِيَ للقضاة فأُذِن لبعضهم، ثم صار يؤذن بمراسيم سلطانية للواحد بعد الواحد من ديوان الإنشاء، واشتدّ الأَمر في ذلك فصار المماليك يُنْزِلون من رأَوه راكبًا فرسًا إلَّا أَنْ أَخرَج لهم المرسوم، ثم بطل ذلك في آخر السنة.
وفي سادس عشر رجب صُرف ناصر الدين بن العديم من قضاء الحنفية واستقرّ أَمين الدين ابن الطرابلسي بعناية جمال الدين الأُستاذار.
وفي عاشر شعبان جاءَت زلزلة عظيمة في نواحي بلاد حلب وطرابلس، فخرب من اللاذقية وجبلة وبلاطيس أماكن عديدة، وسقطت قلعة بلاطيس فمات تحت الردم خمسة عشر نفسًا، ومات بجبلة خمسة عشر نفسًا، وخربت شعر بكاس كلها وقلعتها ومات جميع
_________________
(١) أي في المسجد.
(٢) أي أنه أرضى السلطان بذلك القول.
(٣) أشار الأستاذ جعفر الحسني في تعليقاته على كتاب النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤٣٠ حاشية رقم ١ إلى أنه من أحياء دمشق الهامة، وأنه يعرف اليوم باسم سوق ساروجة.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
أَهلها إلَّا نحو خمسين نفسًا، وانشقَّت الأَرض وانقلبت قَدْرَ بريدٍ من بلد القصير إلى سَلْتُوهم -وهي بلدٌ فوق جبلٍ- فانتقلت عنه قدْرَ ميلٍ بأَشجارها وأَعينها وأَهلها ليْلًا ولم يَشْعُروا بذلك؛ وكانت الزلزلة بقبرص فخربت فيها أَماكن كثيرة وكانت بالجبال والمناهل، وشوهد ثلجٌ على رأس الجبل الأَقرع (^١) وقد نزل البحر وطلع وبينه وبين البحر عشرة فراسخ، وذكر أَهل البحر أَن المركب في البحر المالح وصلت على الأَرض لما انحسر البحر ثم عاد الماء كما كان فلم يتضرّر أحد.
وفيها أُلزم القضاة أن يخفِّفوا من نوابهم، فاستقرّ للشافعي أَربعة، وللحنفيّ ثلاثة، وللمالكي كذلك، وللحنبليِ إثنان، فدام ذلك قليلًا ثم بطل.
* * *
وفيها تجهَّز الناصر من دمشق فأَمر قبل خروجه بقتْل مَن بالإسكندرية وغيرها من المسجونين، فقُتل بيبرس ابن أُخت الظاهر وبيغوت وسودون المارداني في آخرين.
وفي أواخر السنة قُتل فخرُ الدين بن غراب غيلةً وكان في سجن جمال الدين الأُستادار، وكان يُسَّمى "ماجدًا" فتَسمَّى في أَيام وزارته وعظمة أَخيه "محمدا"، وكان سيئ السيرة جدا، وكان يلثغ لثغةً قبيحةً يجعل الجيم زايًا والشينَ المعجمةَ مهملة.
وأُخرج (^٢) من السجن الشهاب ابن الطبلاوي ميتا، وقُتِل في السجن أَيضا ناصرُ الدين محمد بن كلفت الذي ولى إمرة الإسكندرية وشدّ الدواوين وولاية القاهرة مرات.
* * *
وفي رمضان نودِيَ بالقاهرة أَن لا يتعامل أَحدٌ بالذهب أَلبتَّة ومُنع من بيع الذهب المصوغ والمطرّز، وكَتب جمال الدين على أَهل الأَسواق قساماتٍ بذلك، ولقي الناس من ذلك تعبا، ثم سعى جمال الدين في ذلك إلى أَن بطل ونودِيَ أن يكون المثقال بمائة، فأَخفاه أَكثر الناس ولم يظهر بيد أَحدٍ من الناس فوقف الحال، ثم نودي أَن يكون بمائة وعشرين بعد أَن كان بلغ مائة وسبعين.
_________________
(١) أشار ياقوت في معجمه إلى أنه في المناطق المحيطة بأنطاكية واللاذقية وطرابلس، ويسميه الروم Mons Casius، انظر في ذلك أيضًا Le Strange: op. clt p. ٨١.
(٢) خلت ظ من خبر مقتل ابن الطبلاوي.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وفي ذي القعدة -بعد امتناع شيخٍ من إرسال الأُمراء المطلوبين إلى السلطان- راسل نوروز في الصلح وراسل سودون الجلب يستميله، وكان دمرداش اهتمّ بحرب نوروز وجمّع عليه الطوائف، فانكسر نوروز عن عينتاب واستولى دمرداش عليها ورجع إلى حلب.
وفيها نازل شيخ نائب طرابلس تمربغا المشطوب بحلب فانحصَر تمربغا بالقلعة وتوجّه لجهة أَنطاكية، ثم بلغه أَن نوروز توجّه إلى حلب فرجع عن أَنطاكية إلى جهة دمشق فكانت الوقعة بالقرب من (^١). . . . .
وفي يوم الجمعة ثاني (^٢) عشري ربيع الآخر اتفق أَهل التنجيم على أَن الشمس تُكسف قرب الزوال ويتغطَّى منها نحو نصف الجرْم، فاتفق أَن السماءَ كانت ذلك اليوم بدمشق مغيمة والمطر نازلًا فلم يظهر صحة ما قالوه بمصر، فاتَّفَق أن خطيب الجامع الأُموي شهابَ الدين الباعوني بعد صلاة الجمعة جَمع الناس وصلَّى بهم صلاة الكسوف فأَنكر الناس عليه ذلك لأنه اعتمد قول المنجّمين وعلى تقدير صحة قولهم، فكانت الشمس أَن انجَلَتْ، ثم إنَّه كَبَّر في أَول ركعةٍ ثلاث تكبيرات سهوًا، وأَعجب من ذلك أَن السماءَ كانت بالقاهرة في ذلك اليوم صاحيةً ولم يظهر أَثرُ كسوفٍ ألبتَّة.
وفيها في رجب مات باش باي رأسُ نوية، فقُرر مكانه في وظيفته إينال الساقي.
* * *
وفي هذه السنة قدم الحاج في ثاني عشر المحرّم وأَميرُهم بيسق وكان قد قبض بمكة على قرقماس أَمير الركب الشَّامي، فتخوّف أَن يبلغ خبره أَهل الشام فيُبْعَث إليه من يستنقذه منه بين أَيلة ومصر، فبادر وترك زيارة المدينة وأَعنف الناسَ في السير حتى هلك جمع كثير من الناس.
_________________
(١) فراغ في جميع النسخ.
(٢) يعادل هذا من الأيام القبطية ١٧ توت ١١٢٤، ومن الأيام الفرنجية ١٤ سبتمبر ١٤٠٨ وذلك بناء على الجداول الواردة في محمد مختار: التوفيقات الإلهامية، ص ٤٠٦.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وفيها فوّض الناصر إلى حسن بن عجلان سلطنة الحجاز، فاتفق موته نائب ابن نُعَيْر وقَرّر حسن مكانه أَخاه عجلان بن نعير فثار عليهم جماز بن هبة الذي كان أَمير المدينة وأَرسل إلى الخدّام بالمدينة يستدعيهم فامتنعوا، فدخل المسجد النبويّ وأَخذ ستارَتَيْ باب الحجرة وطلب من الخدام تسعة آلاف درهم على أن لا يَتَعَرَّض للحاصل، فامتنعوا، فضرب كبيرهم وكسر القُفْل وأَخذ عشر حوائج خاناه وصندوقين كبيرين وصندوقًا صغيرا بما في ذلك من المال وخمسة آلاف شقة بطائن، وصادر بعض الخدّام، ونزح عنها فدخل عجلان ابن نُعير ومعه آل منصور فنودِيَ بالأمان، ثم قدم عقبه أَحمد بن حسن بن عجلان ومعهم عسكر وصحبتهم أَبو حامد بن المطري متولّيًا قضاءَ المدينة عوضًا عن الشيخ أَبي بكر بن حسين، وباشر ذلك في أثناء السنة فلم تطل مدته ومات في آخرها.
وفيها جُهِزَ الدينار الناصري على زنة الإفلوري وتعامل به الناس.
وفي شعبان صرف ابن حجيّ عن القضاءِ وأُعيد ابن الإخنائي ونقم عليه مكاتبة نوروز فبُرطل بثلاثمائة ثوبٍ بعلبكي فانطلق، ثم قدم توقيع ابن حجّي فعاد إلى القضاء وصُرف الإخنائي، وصُرف الباعوني عن خطابة دمشق وقُرر فيها القاضي ناصر الدين بن البارزي.
وفي التاسع منه قدم يشبك الموساوي دمشق فتلقَّاه شيخٌ وأَكرمه وتوجّه مِن عنده إلى حلب، ثم رجع في أَواخر رمضان فأَكرمه شيخ وأَعاده إلى القاهرة.
وفي نصف شعبان قرئ كتابُ الناصر بدمشق بإلزام الناس بعمارة ما خرب من المدارس بدمشق.
وفيه استقرّ ناظر الجيش بدمشق ناظرًا على القدس والخليل وناظرَ أَوقافها.
وفيه قَرر شيخ أَلطَنْبُغَا القرمشي حاجبَ الحجاب بدمشق عوضا عن برسباي بحُكْم تَسحُّبه.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وفيه -في العشر الأَخير من رمضان- خرج شيخ إلى جامع دمشق فدخله حافيًا متواضعًا وتصدَّق بصدقات كثيرة، وذلك في ليلة الحادي والعشرين منه، وأَصبح يطلب أَربابَ السجون فادّعى عنهم وأَطلقهم.
وفيها غلب قرا يوسف على تبريز فملكها انتزاعًا من أَيدي التمرية وكانت بيده قبل ذلك.
وفيها حجّ بالناس من القاهرة أَحمد بن الأَمير جمال الدين الأُستادار وغرم جمال الدين على حجة ولده هذه أَربعين أَلف دينار وزيادة.
وفي ذي القعدة هبّت رياحٌ شديدةٌ عاصفةٌ بالقاهرة.
وانسلخت هذه السنة والناصر مصمّم على العزم على العود إلى دمشق لمحاربة شيخ وأّعدائه فيها.
* * *
وفيها نازل قرايلك عثمان بن قطلوبك التركماني صاحب ماردين (^١) وبها الصالح أحمد بن إسكندر بن الصالح الأرتقي آخر ملوك بني أرتق، فاستنجد بقرا يوسف فأَنجده ثم طلب منه أَن يقايضه بالموصل عوضا عن ماردين فتراضيا على ذلك وأَعطاه عشرة آلاف دينار وأَلف فرس وعشرة آلاف شاة وزوّجه بابنته، فتحوّل إلى الموصل واستولى نواب قرا يوسف على ماردين وزالت منها دولة الأَرتقية بعد أَكثر من ثلاثمائة سنة، وانتهت بذلك دولة بني أرتق، ثم لم يلبث الصالح بالموصل سوى ثلاثة أَيام ومات فجأَةً هو وزوجته، فيُقال إنه دُسَّ عليهما سمّ. وتحوّل أولاده: محمد وأَحمد وعلي ومحمود إلى سنجار فأَقاموا بها إلى أَن ماتوا سنة ١٤ بالطاعون.
* * *
_________________
(١) في هـ "آمد ماردين"، وفي الأصل: "أمير ماردين".
[ ٢ / ٤٠٤ ]