في المحرم حضر رسل على باى (^١) بن قرمان صاحب قونية وغيرها من بلاد الروم ومعهم هدية، فقبلت وأكرموا.
وفى عاشوراء أمطرت السماءُ على الحجّاج مطرًا عظيما واشتد بهم البرد جدًّا في حال رجوعهم.
* * *
وفى تاسع عشر المحرّم حضر رسل صاحب جنوة ومعهم خواجا على أخو عثمان الذي كان الفرنج نهبوا مركبه وأسروا منه أُخت قجماس بنتَ السلطان، فأعادوا المركب بما فيه، وقدَّموا هديةً فقُبلت منهم.
* * *
وفيها (^٢) انكسر منطاش من التركمان وبقى في نفرٍ يسير وذلك أن ناصر الدين خليل بن ذلغادر ونائب سيس جمع التركمان الذين في طاعة السلطان وأوقع بمنطاش فانهزم فاتفق مع الناصري بحلب، وكان الناصرى قد وقع الخلف بينه وبين سودون المظفري أحد الأُمراء الكبار بحلب وكان قبله نائبًا بحلب، فتكاتبا إلى السلطان وحطَّ كلٌّ منهما على الآخر، فأرسل السلطان إلى الناصرى هديةً جليلةً وكتابا يأْمره فيه بالحضور، فقبل الهدية وماطل في الحضور وتعلَّل بالخوف من منطاش والتركمان، فأرسل السلطان إلى ملكتمر المحمّدى أن يُصلح بين يلبغا الناصري وسودون المظفرى بحضرة الأمراء والقضاة.
وكتب السلطان إلى سودون في الباطن أن يقبض على يلبغا ويفتك به، وكان مملوك الناصري بالقاهرة وأخّر الظاهرُ أجوبته ليسبقه ملكتمر، فقرّ حتى دخل حلب قبل وصول ملكتمر، وأعلم الناصريَّ بصورة الحال فاحترز، ويقال إن ملكتمر كان صهر حسن رأس نوبة يلبغا الناصري، فاطلع على القضية من هذه الجهة.
_________________
(١) علق أحد قراء نسخة ز على ذلك بقوله "الصواب على بيك بمعنى الأمير على: ". وفى هامش هـ "حضر رسل على بك بن قرمان صاحب لارندة"، ثم تحتها "وفيه حضر رسل جنوة مع بنت عم السلطان".
(٢) في هامش ش "خروج يلبغا الناصري مع منطاش".
[ ١ / ٣٦٤ ]
فلما وصل ملكتمر إلى حلب تلقاه الناصري وقبل الكتب التي معه، فامتثل ما فيها وجمع القضاة والأمراء في دار العدل ليقرأ عليهم مرسوم السلطان.
فلما حضر سودون المظفرى لذلك لبس قازان أمير آخور الناصري قماش سودون فأحسّ أنه لابسٌ آلة الحرب، فأنكر عليه وقال: "من يطلب الصلح يدخل في آلة الحرب؟ " فشتمه سودون، فسلّ قازان سيفه وضرب به سودون في المجلس وقتله، ولم يكن الناصريُّ حاضرا بل وقع ذلك قبل أن يخرج من مكانه إلى القاعة التي اجتمعوا فيها، وهي القاعة الحمراء. فتناوش مماليكه ومماليك الناصري وقامت الفتنة، فقتل من مماليك سودون أربعة، وأمسك الحاجبَ الكبيرَ بحلب وركب بمن معه إلى القلعة، فعصُوا عليه قليلا ثم سلَّمها له نائبها، وانهال الناس عليه بالدخول معه والمخامرة على السلطان.
ورجع ملكتمر من حلب فأخبر السلطان بما اتفق، فأرسل إلى إينال اليوسفى - وهو يومئذٍ أتابك دمشق - أن يتوجّه إلى نيابة حلب وأن يمسك الناصرى.
وتجهَّز السلطان بالعساكر لقصد حلب واهتم لذلك، فلما بلغ من بطرابلس من الأُمراء - الذين نفاهم السلطان - تحالفوا ووثبوا على باب أسندمر نائب طرابلس فأمسكوه، وقتلوا جماعةً من الأُمراء وأرسلوا إلى الناصرى يعلمونه باتفاقهم على طاعته.
وكان ممَّن قام في ذلك من المشهورين كمشبغا الخاصكي الأشرفي وبُزْلار العمرى ودمرداش اليوسفى، وممن قُتل خليل بن سنجر وولده، ثم دخل كمشبغا المنجكي نائب بعلبك في طاعة الناصري، ثم خرج ثلاثة عشر أميرا من دمشق على حمية طالبين حلب فأوقع بهم النائب فانهزموا (^١) بعد أن جرح (^٢) منهم عدة، واستمروا ذاهبين إلى حلب.
ثم اتفق من بحماة من المماليك على قتل النائب بها فبلغه ذلك فهرب، فقام بيرم الغزِّى الحاجب واستولى هو ومن معه على القلعة، فتوجَّه (^٣) منطاش وكان قد حضر عند الناصري إلى حلب فسار إلى حماة فتسلمها وأرسلوا إلى الناصري بالطاعة.
ثم توجه سنقر نائب سيس إلى طاعة الناصرى، فعارضه خليل بن ذلغادر التركماني فقبض عليه وأرسل سيفه إلى السلطان، ثم دخل سولى بن ذلغادر أمير التركمان ونعير أمير العرب في طاعة الناصري فأقام سناجق خليفية ودعا إلى نصر الخليفة.
_________________
(١) ساقطة من ز.
(٢) في ز "خرج".
(٣) عبارة "فتوجه حماة فتسلمها" غير واردة في ظ.
[ ١ / ٣٦٥ ]
ولما تواترت هذه الأخبار إلى السلطان حبس الخليفة في البرج وضيَّق عليه ثم أفرج عنه في اليوم الثاني من ربيع الأول واعتذر إليه ووعده بمواعيد جميلة لما بلغه أن الناصرى ينقم عليه حبْس الخليفة، ثم أرسل إليه دراهم وثيابا، وضيَّق على ذرية الناصر بالحوش وأنفق النفقات الكبيرة، حتى حمل إلى كل واحد من الأمراء الكبار مائة ألف درهم فضة قيمتها يومئذ أكثر من أربعة آلاف دينار؛ وأحواله مع ذلك مضطربة وتغيرت النيات عليه. وشرع في إبطال السلف على البرسيم والشعير، وكان الناس يقاسون من ذلك شدَّة عظيمة.
وأمر بإبطال مكس القصب والقلقاس وقياس ذلك، ثم أُعيد بعد قليل.
وعزل [السلطان] موفق الدين ناظر الخاص من نظر الجيش وولَّاه لجمال الدين المحتسب في ربيع الآخر.
واستقر شرف الدين الأشقر في قضاء العسكر عوضا عن جمال الدين فلم تطل مدته بل مات في ربيع الآخر كما سيأتي، فاستقر ابن خلدون عوضه في مشيخة البيبرسية، واستقر سراجُ الدين محتسب مصر في قضاء العسكر عوضا عنه أيضا، واستقر في الحسبة همام الدين، واستقر شمس الدين البلالي في مشيخة سعيد السعداء عوضًا (^١) عن ابن أخى الجار.
ثم توجه الجاليش السلطاني صحبة أيتمش وجركس الخليلي ويونس الدوادار وغيرهم، فوصلوا إلى غزة فأمسكوا نائبها آقبغا الصفوى وحبسوه بالكرك، واستقر حسين بن باكيش في نيابة غزة ثم توجهوا إلى دمشق فتلقاهم نائبها فأرسلوا جماعةً من العلماء إلى الناصر في الصلح فتوجهوا إليه فأكرمهم، وسار من حلب إلى دمشق بمن معه من العساكر، فالتقاهم في تاسع عشر ربيع الآخر على خان لاجين، فانكسر الناصريُّ مرتين، فخامر أحمدُ بن يلبغا وأيدكار الحاجب وجماعةٌ معهما وقاتلوا رِفقتَهم إلى أن كسروهم، وقتل جركس الخليليّ في المعركة، وفريونس فقتل بعد ذلك بالجربة، قتله عنقا بن شطى من آل فضل.
ووقع في العسكر المصرى النهب الشديد والقتل الذريع، وملك الناصريُّ دمشق، وحبَس أيتمش بالقلعة واحتاط على موجوده، وراسل حسينُ بن باكيش الناصري بالطاعة، وعمَّى
_________________
(١) عبارة "عوضا عن … وقتل جركس الخليلي" س ١٩، ساقطة من ز ولذلك فقد علق قاريء نسخه ز بقوله في الهامش "فيه ساقط".
[ ١ / ٣٦٦ ]
الناصرى الأخبارَ على السلطان وواطأه مأمور نائب الكرك وحسين بن باكيش على ذلك، وفرّ إينال اليوسفي وإينال أمير آخور وغيرهما بحسين بن باكيش شاربين إلى مصر فأمسكهم وحبسهم بالكرك.
وكان إينال اليوسفى هرب هو وإينال أمير آخور وصحبتهم نحو ثمانين من المماليك، فوصلوا إلى غزة فأكرمهم نائبها ثم كبس عليهم لما رقدوا فأمسكهم جميعا، ثم راسل (^١) الناصري بذلك.
ولما بلغ السلطانَ ذلك أمر الخليفة والقضاة وسودون النائب والحاجب الكبير بالركوب ومعهم موقع الحكم يقرأ ورقة فيها: "إن السلطان رفع المظالم وعرض الصلح على الباغي فامتنع، فاحترِسوا على أنفسكم واعملوا في كل حارةٍ دربًا"، ونادى في كل يومٍ بإبطال مكسٍ من المكوس المشهورة، ثم لا يصح شيءٌ من ذلك.
وأمر بتحصين القلعة، واستعدَّ للحصار وحصّل مؤونة شهرين، وأجْرى الماء إلى الصهريج الذي بناه بالقلعة.
وخرج الناصري من دمشق بعد أن قرر في نيابتها جَنْتَمِر - وهو أخو طاز - في سادس جمادى الأُولى، فلما شاع ذلك راسل السلطانُ أمراء العرب من الوجه البحرى والقبلى فتباطأُوا عنه ثم حضر بعضهم.
وشرع في حفر خندق تحت باب القلعة عند باب القرافة وسُدَّت خوخة أيدغمش وعُملت الدروب بالقاهرة فاستكثروا منها وأرسل (^٢) إلى الأمير محمد بن علي أمير عرب العائذ يأْمره بتحويل الإقامات التي كان جهزها لأجل العسكر ويخبره أنه وهبها له، وكان مراده أن يلبغا الناصري يضيق عليه الأقوات والعليق، فانعكس الأمر ولم يتمكن المذكور من تحويل ذلك، ودخلت العساكر فلم يَسَعْهُ إلَّا تمكينهم من ذلك، وكان في الحواصل أربعة عشر ألف إردبِّ شعيرٍ وثمانيةِ آلاف حمل تبن ونحو مائتي حمل حطب.
_________________
(١) في ز "أرسل".
(٢) عبارة "وأرسل. . . . مائتي حمل حطب" س ٢١ غير واردة في ظ.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وخُطب في يوم الجمعة عاشر جمادى الأُولى باسم الخليفة المتوكل قبْل السلطان، على الموالاة والمناصحة.
ثم قدم على الشلاقي والى قطية منهزمًا من عسكر الناصرى في أواخر جمادى الأُولى، فسَدّ ابن الكورانى باب المحروق وباب الحديد، فلما قرُب الناصريُّ من الديار المصرية تسلل إليه الأُمراءُ أولًا فأولًا، فسار إليه ابن سلار اللفاف رأسُ نوبة بركة ومحمدٌ بن أسندمر وقريبه جبريل وإبراهيم بن قطلقتمر، ثم تسلل إليه محمد بن أبيتمش.
ونزل الناصريُّ بعساكره ظاهر القاهرة في الثالث من جمادى الآخرة فخرج إليه سودون باق وقرقماس الخزندار وجمهور الأُمراء حتى لم يبق عند السلطان إلَّا ابن عمه قجماس وسودون النائب وتمربغا المنجكي وسودون الطرنطاى وأبو بكر بن سنقر وصواب السعدى مقدم المماليك في نفرٍ يسير، واختفى حسين بن الكورانى والى القاهرة، فعاث أهل الفساد بسبب ذلك وكسروا السجون وخزانة شمائل، وأرسل السلطان إلى الناصرى يطلب منه الأمان لنفسه وذلك في يوم السبت ثالث جمادى الآخرة، فجاءه أبو بكر أخت بن بهادر وأمره أن يختفى قَدْر جمعةٍ لتنكسر عنه حدة الأعداء، ففعل ذلك واختفى ليلة الاثنين خامس جمادى الآخرة، ووقع النهب في الحواصل التي بالقلعة وبالقاهرة وضواحيها قليلا. وكان أهلُ أقل نهيا من أهل القاهرة.
* * *
ودخل منطاش يوم الاثنين إلى القلعة فأخذ الخليفة وتوجّه به إلى يلبُغا الناصري بقبَّة النصر، فطلعوا جميعا إلى القلعة وعرضوا المملكة على الناصرى فامتنع: فاتفق الرأى على إعادة (^١) حاجي بن الملك الأشرف إلى السلطنة، وقيل إنهم رموا قُرعة فخرج اسمه فغيروا لقبه الأول ولُقِّب "المنصور"، واستقرّ يلبغا الناصرى مدبّر المملكة وسكن الإسطبل، وألطنبغا الجوبانى رأس نوبة كبيرًا دمرداش الأحمدى أمير سلاح وأحمد بن يلبغا أمير مجلس، وتمرباي الحسنى حاجبًا كبيرًا، وآقبغا الجوهرى أُستادارا، وقرقماس خزندارًا.
_________________
(١) أمامها في ز بخط فارسى "أعيد الحاج بن الملك الأشرف إلى السلطنة ولقب المنصور في خامس جمادى الآخر سنة ٧٩١ هـ".
[ ١ / ٣٦٨ ]
وظهر حسين بن الكوراني فأُعيد إلى ولاية التماهرة، وأمسك جماعة من الأمراء فسُجنوا بالإسكندرية، ووقع النهب بالقاهرة يومين. فندب الناصريُّ له تنكز بغا فنزل عند الجملون وسط القاهرة ونزل أبو بكر الحاجب عند باب رميلة فسكن الحال قليلا، ثم نودى: "مَن نَهب من التركمان شيئًا شُنق"، وظهر بعد ذلك المباشرون والقضاة، وهنوا الناصري والخليفة.
ثم ظهر محمود الأستادار وقدّم تقادم عظيمة فأُعيد إلى وظيفته، ثم غضب عليه منطاش بعد ذلك فضربه وأهانه وصادره.
* * *
ثم اشتد الطلب على الملك الظاهر، ونودى من أحضره أُعْطِىَ ألف دينار، فشاع ذلك فخشي على نفسه، فراسل الناصريَّ فأرسل إليه الجوباني فأحضره من بيت شخصي خياطٍ مجاورٍ لبيت أبي يزيد صهر أكمل الدين، وكان أبو يزيد - حينئذ - أمير عشرة، وكان الظاهر قد أمن عليه فأخفاه، فطلع به الجوبانى نهارا إلى القلعة فحبس بقاعة الفضة.
وأراد منطاش قتله فدافع عنه الناصري وأرسله إلى الكرك، فتوجه في ثاني عشرى جمادي الآخرة صحبة ابن عيسى، فسار به على طريق عجرود إلى الكرك وصحبته ثلاثة صغار من مماليكه وهم قطلوبغا وآقباي وسودون، فتسلمه حسن الكجكني نائب الكرك، وأنزله في قاعةٍ تعرف بقاعة النحاس.
وكان بالقلعة امرأةُ مأمور نائب الكرك كان، وهى بنت يلبغا الكبير فعرفَتْه فخدمته أتمّ خدمة وأعدّت له جميع ما يحتاج إليه، وتلطف به الكجكني نائب الكرك ووعده بأنه يخلصه.
* * *
ثم خُلع على الخليفة في خامس عشر جمادى الآخرة ونزع الأمراء السلاح وأقرّوا القضاةَ وأصحابَ الوظائف على ما كانوا عليه، واستقر بزلار نائب الشام، وكمشبغا الحمويُّ نائبَ حلب وسنجق نائب طرابلس، وأحمدُ بنُ المهمندار نائب حماة، وقطلوبغا الصفوى نائبَ صفد.
واستقر كريم الدين بن مكانس مشير الدولة، وأخوه فخر الدين ناظرها، وأخوهما زين الدين صاحب ديوان الناصري.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وأُعيدت المكوس كلها كما كانت، ونودى بأمان الجراكسة ومن ظهر منهم فهو باقٍ على إقطاعه، ومن اختفى شُنق.
ثم قُبض على عدد كبير من الأمراء الكبار والصغار وجميع من عرف بالانتماء للملك الظاهر [برقوق]، وسُجن بالإسكندرية نحو الثلاثين من الأُمراء، وبالقلعة خلقٌ كثيرٌ من المماليك وبخزانة (^١) شمائل خلق كبير من الهاربين (^٢) أيضا.
وفي حادى عشرى جمادى الأخيرة عرض الجوبانى المماليك الظاهرية فأفرد لخدمة السلطان مائةً نزَّلهم بالطباق، وفرق البقية على الأمراء.
وفى وسط جمادى الآخرة ثار آقبغا الصغير بدمشق في أربعمائة فأوقع بهم جَنْتَمِر فهزمهم وقبض على آقبعا وسجنه.
وفى سادس عشرى جمادى الآخرة أعيد شرف الدين على بن قاضي العسكر إلى نقابة الأشراف عوضا عن الطباطبي.
وفى سلخ جمادى الآخرة كُسِرَت جرار الخمر بالرميلة. حُملت من بيوت النصارى (^٣) الأرمن التي بالكوم قرب الجامع الطولوني.
وفى رجب جُرّدت العساكر لردع الشرقية الزهيرية لكثرة فسادهم.
* * *
وفى أول يوم منه أُدّعى على ابن سبع - شيخ العرب بزفتة - بأشياء تنافى الشريعة، وشهدت عليه جماعة إلى أن خلص، نُقل إلى الشافعية فحكم بحقن دمه، ثم سعى به إلى أن
_________________
(١) كانت من السجون في العصر المملوكي وقد هدمها المؤيد شيخ وأقام مكانها مسجده.
(٢) في زد "المماليك".
(٣) في ز "أسارى".
[ ١ / ٣٧٠ ]
عُقد له مجلس عند الناصري. فقال له (^١) ابن خلدون الذي كان قاضي المالكية: "يا أمير: أنت صاحب الشوكة وحكمك نافذ، فاحكم بحقن دمه وإطلاقه" فأُطلق، وذلك في سادس هذا الشهر.
وكان (^٢) في الأيام الظاهرية قد وقع له نظير ذلك. فيقال إنه برطل بأربعمائة ألف درهم حتى حلص. وكان القائم في أمره كريم الدين بن مكانس وهو يومئذٍ متولى أمور ديوان الناصري، ومحبُّ الدين بن الإمام، وهو شاهده وغيرهم من خاصكيته، فأخرجوا ابن سبعٍ من حبس ابن خير.
وكان ممَّن حضر المجلس المعقود له في الإسطبل: الشيخُ سراج الدين البلقيني، والقضاةُ يومئذ ابن الميلق والطرابلسي وابن خير ونصر الله، فجهد الناصري أن يَحْكم أحدٌ منهم بقبول إسلامه وحقن دمه، فامتنع لكون ابن خير سبق بالحكم بإراقة دمه.
فلما أُطلق ابنُ سبع، بعد أن حكم الناصري بحقن دمه بحكم إسلامه ونفَّده القضاة توجّه إلى بلاده، فاتفق أن دخل الحمام فدخل عليه جماعة فقتلوه وذهب دمه هدرًا.
* * *
وفى هذا الشهر استقر شهاب الدين أحمد بن عمر القرشي في قضاء الشافعية بدمشق عوضا عن سرى الدين.
وفى ربيع الآخر مات الشيخ شرف الدين بن الأشقر، فاستقرّ في العسكر عوضا عنه سراجُ الدين القيسرى، ثم انفصل منه في شهر رجب، واستقر بدر الدين محمود الكلستانى، وعُزل همام الدين عن حسبة مصر، واستقر شمس الدين بن العلاف فيها، وكان ابن العلاف يؤدب الأطفال بمصر، وهو أحد من أقرأنى القرآن، ثم سافر إلى حلب واتصل بيلبغا الناصري فاستقر في إمامته ووصل معه إلى القاهرة فولاه الحسبة. واستقرّ علاء الدين ألبيرى موقعُ يلبغا الناصري في توقيع الدست.
* * *
_________________
(١) الكلام هنا موجه من ابن خلدون إلى يلبغا الناصري.
(٢) المقصود هنا ابن سبع شيخ العرب.
[ ١ / ٣٧١ ]
وفى ثامن رجب خُلع على نعير أمير العرب خِلعةُ السفر، وكان قد قدم بعد العسكر على السلطان، وكان الظاهر برقوق قد عجز فيه أن يحضر إلى مصر وهو يمتنع، فحضر في هذه الدولة طوعًا، وشَفع - قبل أن يسافر - في جماعةٍ من (^١) الأُمراء فقُبلت شفاعته وأُطلقوا من الإسكندرية.
* * *
وفى ثامن رجب خلع السلطان على شخص خياط وقرره خياط السلطان، فبلغ ذلك الناصري فأمر بإحضاره ونزع عنه الخلعة وضربه ضربا مبرحًا فغضب السلطان من ذلك ولم ينفعه غضبه.
ثم أمر الناصري بتفرقة المماليك الذين رُتبوا في الطباق بالقلعة لخدمة المنصور وفرّقهم (^٢) على الأمراء، وأبطل المقدمين والسواقين والطواشية ونحو ذلك، وأراد انحلال أمر المنصور.
فلما أن كان في سادس عشر شعبان أظهر منطاش أنه ضعف، وكان خاطره قد تغير بسبب أشياء سأل فيها فلم يجبه الناصري إليها، وفهم من الناصري أنه يطلب السلطنة لنفسه، فلما شاع ضعفه عاده الجوباني فقبض عليه وركب إلى مدرسة حسن في (^٣) سبعةٍ وثلاثين نفسًا، فنَهب الخيول التي على باب السلسلة وأركبها المماليك الذين معه، فمرَّ من عليهم آقبغا الجوهرى فأمر الزعر أن ينهبوا بيته فهجموا إسطبله ونهبوا جميع ما فيه من خيل وقماش، وفرّ مأمور (^٤).
ولم يلبث منطاش إلَّا وقد اجتمع إليه نحو خمسمائة نفس. والتفت عليه المماليك الأشرفية والظاهرية، وساعده العوام والزعر فنهب بيوت مَن خالفه، فاشتد الحصار على مَن بالإسطبل والقلعة ورموا عليهم من مئذنتي مدرسة حسين.
ثم راسله الناصري مع الخليفة في الصلح فامتنع وقال: "هو الذي بدأ بالغدر ونكث ما اتفقنا عليه،" فقويت شوكة منطاش وتابعه أكثر الأُمراء، فهرب الناصري وملك منعاش الإسطبل، وطلع إلى القلعة في بن الخميس تاسع عشر شعبان فاجتمع بالسلطان فقال له: "أنا مملوكك
_________________
(١) العبارة من هنا لآخر الخبر غير واردة في ظ.
(٢) غير واردة في ز.
(٣) عبارة "في سبعة … خمسمائة نفس" س ١٥ غير واردة في ظ.
(٤) في ز "هو".
[ ١ / ٣٧٢ ]
ومطيع أمرك" وجلس حيث كان يجلس الناصريُّ ثم (^١) أمسك الناصري في ذلك اليوم، فأرسل إلى الإسكندرية وأرسل معه جماعة من الأمراء مثل ألطنبغا المعلم ومأمور الحاجب وآقبها الجوهرى وغيرهم.
وأنفق (^٢) منطاش على الذين قاتلوا معه وساعدوه نحو عشرة آلاف ألف درهم فضة جَمَعَها من الحواصل الظاهرية ومن المصادرات: منها من جهة محمود وحده ألفُ ألفِ وخمسمائة ألف، ومن جهة جركس الخليلى ألف ألف وسبعمائة ألف وُجدت مودعةً له بخان مسرور في حاصل مفرد.
وكان أصل منطاش - واسمه تمربغا - وأخوه تمرباي - عند تمراز الناصري، وكانا من أولاد الجند فخدما عند تمراز في دولة حسن وتربيا عنده مع أمهما، وكان اسم تمرباي "محمد"، وكان اسم منطاش "أحمد". ثم خدم تمرباى عند الأشرف وكَبُر في دولته، ثم من بعده إلى أن ولى نيابة حلب ومات وتولّى منطاش نيابة ملطية.
وكان الظاهر [برقوق] همّ (^٣) بالقبض عليه (^٤) فخلَّصه منه قجماس ابن عمّ السلطان لكونه لمّا مرّ عليه وهو مع التاجر الذي جلبه بالغ في الإحسان إليه وكافأه (^٥).
وكان ممَّن تعصّب له أيضا سودون باق لأنه كان في خدمة تمرباي ثم كاتب منطاش بالعصيان إلى أن كان منه ما كان، وقد تقدّم أن برقوق اشتراه من أولاد أستاذه وأعتقه فكأنّ ذلك عند منطاش لم يصادف محلًّا لأنه لا يعرف أصل نفسه.
* * *
وفى العشرين من شعبان قُبض على ابن مكانس وعُصر وصودر واختفى أخوه فخر الدين ثم ظهر ووعد بمالٍ وأطلق على وظيفته.
وأمر منطاش بصندل فعُذِّب على ذخائر الظاهر وعُصر مرارًا حتى دلّ عليها.
_________________
(١) "ثم أمسك الناصري" لم ترد في ظ.
(٢) العبارة من هنا حتى "لا يعرف أصله" س ١٦ غير واردة في ظ.
(٣) في ز "صمم".
(٤) أي هم بالقبض على منطاش.
(٥) ساقطة من ز.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وأَخذ منطاش في تتبّع المماليك الظاهرية فأَبادهم قتلا وحبْسًا، وقرّر في ولاية القاهرة حسين بن الكورانى بسؤال العامة في ذلك بعد أَن كان اختفى، وتولَّى نائبُه محمد بن ليلى فعظم الضرر بالزعر، فظهر حسين والتزم بتحصيل المماليك الظاهرية فأُعيد خامس شهر رمضان بعد أَن سأل العوامُ منطاش في إعادته بسبب الزعر، ثم تتبع الزعرَ فأَبادهم وكانت شوكتهم قد اشتدَّت لنصرتهم لمنطاش في قتال الناصري وكان (^١) قربهم وعرف فيهم عرفا وأَنفق فيهم مالًا، ثم جهَّز منطاش أَحمدَ البريديَّ إلى الكرك لقتل برقوق فلم يوافق النائب حسنُ الكجكني على ذلك، فاجتمع أَهل الكرك على نصر برقوق وبايعوه في تاسع شهر رمضان، فَحَصَّن (^٢) الكرك وحكم بها وتسامع به أَصحابه ومن كان يحبّه، فتسلَّلوا إليه فاجتمع له جمع كبير نحو أَلف فارس فقتلوا (^٣) أَحمد البريديَّ الذي جاء بكتابِ قتْله، وكاتبه أَمير آل فضل بالطاعة، وحضر إليه العشير من عرب الكرك.
* * *
وفى تاسع رمضان خُلع على محمود الأستادار واستقر في وظيفته بعد أَن أَخذ له من الأَموال من عدة وذخائر ما يفوق الوصف ما بين كتابيش ذهب وطرز ذهب وفراء سمور ووشق وسنجاب وفضة طوب، ومن الذهب الهرجة والفلوس شيءٌ كثير، فلما رأى ذلك وهو مختف وفى كل يوم تظهر له ذخيرة، تُحوّل إلى منطاش ظَهر فأُمِسك وعُصر وصودر على أَلفى أَلف درهم فضة، ثم أُفرج عنه وأُعيد إلى وظيفته.
* * *
وفي سلخ رمضان جاء كتاب ابن باكيش - نائب غزة - إلى منطاش وصحبته (^٤) بدوى وحنبدى أَرسلهما إليه برقوق يدعوه إلى طاعته، فسلَّمهما منطاش للوالى فقتلهما، وعيّن (^٥) منطاش خمسة أُمراء مقدّمين وثلاثمائة مملوك للتوجّه للكرك لمحاربة برقوق.
_________________
(١) عبارة "وكان قربهم وعرف فيهم عرفا وأنفق فيهم مالا" غير واردة في ظ.
(٢) المقصود بذلك برقوق، حيث أخذ يستعد لمحاربة منطاش.
(٣) عبارة "فقتلوا أحمد البريدي الذي جاء بكتاب قتله" ساقطة من ز، أما فيما يتعلق بقتل أحمد البريدي فراجع ص ٣٧٦ ص ١٩ وما بعده.
(٤) عبارة "وصحبته فسلمهما منطاش" ساقطة من ز.
(٥) عبارة "وعين منطاش … لمحاربة برقوق" غير واردة في ل.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وفى شوال عصى كمشبغا نائب حلب على منطاش فركب عليه إبراهيم بن قلقتم وشهاب الدين أَحمد بن الرضى قاضى حلب مع جماعة من أَهل بانقوسا (^١) فانتصر عليهم وقُتل الأَميرُ القاضيَ صبرًا بعد أَن أَحضره إلى جهة الشام، وقُتل جماعة ممن ساعدوهم.
وفي ذي القعدة توجّه برقوق من الكرك ومَن أطاعه وقام علاء الدين المقيري - الذي (^٢) ولي بعد ذلك كتابة السرّ، وهو أَخو قاضي الكرك - بخدمته ودفع عنه المصادرة (^٣) في تلك الأَيام، وأَعانه أَخوه عماد الدين قاضى الكرك بالمال (^٤)، ثم قدم أَخوهما ناصر الدين واجتمع بأَخيه عماد الدين وأَكابر أَهل الكرك وخشوا من عاقبة برقوق وإنكار السلطان عليهم ما فعلوه، فاتفقوا على أَن يقبضوا على برقوق وأَن يكون ذلك عذرًا لهم. عند السلطنة، فأَغلقوا باب الكرك بعد أَن أَخرج برقوق أنياته وعسكره وتأَخَّر هو ليكمل بقية مهماته.
فلما وصل إلى الباب وجدَه مغلقًا فاستعان بعلاء الدين علَى إخوته حتى فُتح له وتوجّه إلى جهة غزة في أَواخر شوال، فتلقاهم حسين بن باكيش نائبُ غزة فقاتلهم فهزموه، وتوجّه برقوق إلى دمشق ليحاصرها، فبلغ ذلك جَنْتَمِر نائب الشام، فجمع العسكر فالتقى بالظاهر بشقحب فكسره (^٥): ثم رجع الظاهر عليهم بكمينٍ فكسرهم وقتلت بينهم مقتلة عظيمة وساق خلفهم إلى دمشق، فهرب جنتَمر إلى القلعة وتحصّن بها، وتوجّه خلق كثير من المنهزمين إلى جهة القاهرة واستمر الحصار على دمشق.
ونزل الظاهر [برقوق] بقبة يلبغا وهو في غاية الوهن من قلة الشيء. فبلغ كمشبغا نائبَ حلب خروجُه من الكرك فأَرسل إليه مائتي مملوك فقوى بهم، ثم حضر ابن باكيش وقد جمع من العشير والترك شيئًا كثيرا: فواقعه الظاهر فكسره واحتوى على جميع أثقاله. فقوى بذلك قوةً ظاهرة، وتسامع به مماليكه ومَن كان له فيه هوى فتواتروا عليه حتى كثر
_________________
(١) بانقوسا جبل في ظاهر مدينة حلب، راجع مراصد الاطلاع، ١/ ١٥٨.
(٢) عبارة "الذي أَخو قاضي الكرك" غير واردة في ظ.
(٣) "المصادرة" ساقطة من ز.
(٤) عبارة "بالمال الدين وأكابر" ساقطة من ز.
(٥) أي أَن النصرة عليهم كانت لبرقوق.
[ ١ / ٣٧٥ ]
جمعه، ثم هجم برقوق ومن (^١) معه على دمشق فدخلوها، فرمى عليهم العوامُ بالحجارة والمماليكُ بالسهام فكسروهم ونهب العامة وطاقه (^٢) في الميدان حتى لم تبق لهم خيمة واحدة، وباتوا تلك الليلة تحت السماء وكل واحد قد أَمسك عنان فرسه بيده، فأَصبحوا في شدَّة عظيمة ويئسوا من أَنفسهم، فوصل إليهم في تلك الحال إينال اليوسفى وقجماس ابن عمّ السلطان ومعهما نحو مائتي نفس من مماليك الظاهر مستعدّين بالسلاح؛ وصلوا إليه من صفد.
وكان السبب فيه أَن يلبغا السالمي - وهو من مماليك الظاهر - خدم دويدارًا عند قطلوبك النظامي النائب بصفد، فلما بلغه توجّهُ الظاهر من الكرك ووقعة شقحب وتوجهه إلى دمشق اتفق مع مَن كان هناك من مماليك الظاهر أَنهم يتوجهون إلى الظاهر فتجهَّزوا وأَعانهم، فبلغ ذلك النائبَ فخرج من ورائهم ليردّهم. فعمد يلبغا إلى الحبس فأَخرج منه إينال اليوسفى وجمعًا من المسجونين فملكوا القلعة، فلما رجع النائب أَسقط في يده وهرب، فنهبوا حواصله وتوجّهوا إلى برقوق فوجدوه نازلًا على قبة يلبغا في الحالة المذكورة فكانوا له فرجًا عظيما وقوى بهم ورجعوا إلى حصار دمشق.
وفى الثاني عشر من ذى الحجة وصل كمشبغا الحموى من حلب فنزل مرج دمشق فتلقَّاه مماليك الظاهر، فحضر عند الظاهر وقَدَّم له أشياء كثيرة فقويت أَحوال برقوق بعد أَن كادت تتلاشَى، ومن جملة من قدم معه بكلمش العلائي وبهادر مقدّم المماليك.
وفى شعبان قَبض منطاش على عنان بن مخامس أَمير مكة وحبسه مقيَّدًا وأَفرج عن محمود الأستادار، ولما بلغ نعيرَ بن حيار أَميرَ العرب مَسْكُ الناصري اتفق هو وسولى بن ذلغادر وخرج عن الطاعة.
* * *
وفى عاشر رمضان قَتل أَهل الكرك الشهاب أَحمد البريدى وكان من أَهل الكرك وتزوج بنت العماد أَحمد بن عيسى قاضى الكرك ثم طلَّقها أبوها منه فوصل حتى خدم عند منطاش، فجهّزه بعد أَن حكم بقتل برقوق، فقدم الكرك وتوعّد قاضيها وأَهلها بكل سوء.
_________________
(١) "ومن معه" ساقطة من ز.
(٢) الوطاق كلمة تركية الأصل، يقصد بها الخيمة والمعسكر انظر ٨١. Dozy: Supp. Dict. II p
[ ١ / ٣٧٦ ]
فاتفق أَن النائب بها لم يوافق على قتل الظاهر وماطله في ذلك أَيامًا. فبلغ ذلك أَهل الكرك فتعصّبوا للظاهر وهجموا على أَحمد البريدي فقتلوه، واشتد الأَمر على منطاش لمّا سمع هذه الأَخبار وتهيًا للتجهيز، وخرج بجمع عظيم من القاهرة، وأَخرج معه القضاة والخليفة والسلطان، وفرّق الحواصل وباع جميع الغلال وغيرها بأَبخس ثمن، وحصل للناس من ذلك شر كبير. ثم اقترض من مال الأَيتام خمسمائة أَلف درهم ورتّب فُتْيا صورتها: "رجل خرج على الخليفة والسلطان، وشق العصا، وقتل شريفًا في الحرم الشريف، واستحلّ الأَموال والأَنفس" إلى غير ذلك، فكتبَ عليها العلماءُ والقضاة بجواز قتاله ودفْعه عن ذلك.
وامتنع الركراكي من الكتابة وناظَرَ على ذلك، فغضب منه منطاش وأَهانه وسجنه في البرج مع مماليك الظاهر بالقلعة.
* * *
وفى ذى الحجة استقر عبيد الله العجمى في قضاء العسكر عوضا عن سراج الدين عمر.
* * *
وفيها اعتُقل زكريا - الذي كان الظاهر عمله خليفة - وكتبوا عليه إشهادات بأَنه لا يسعى في الخلافة، فهرب (^١)، وخطبوا للملك الظاهر بصفد.
وانسلخت (^٢) هذه السنة والظاهر على حصار دمشق، ومنطاش سائرٌ بالعسكر إلى جهته، وبالغ القاضي شهاب الدين الزهرى في التحريض على برقوق، وكان يرتب من يسبّه على الأَسوار، وكان لا ينزل من مخيّمه بل كان إينال اليوسفى ومَن معه يباشرون القتال وخرَّب ما حول دمشق.
وفي غضون ذلك وصل إليهم كمشبغا من حلب ومعه عسكر عظيم ضخم فنزل بالمرج شرقيّ دمشق، ثم وصل إلى برقوق في ثانى عشر ذي الحجة كما تقدّم وفرح به وقدّم له خيمةً سلطانية وخيولا وجمالًا وأَمتعةً فاستقام أَمره.
_________________
(١) من هنا حتى نهاية الخبر ساقط من ز.
(٢) في ز "واستهلت".
[ ١ / ٣٧٧ ]
وفيها كانت الوقعة بين التركمان فتحارب كبيرهم قرا محمد صاحب تبريز وقراحسن بن حسين بك فقتل قرا محمد في (^١) المعركة وانهزم أَصحابه وغنم قراحسن ومن معه ما كان معهم، وذلك في ربيع الآخر، وتأَمّر قرا حسن على التركمان ثم اجتمع الكل وأَمّروا عليهم نصر خجا بن قرا محمد، واستنجدوا بصاحب ماردين وغيره.
* * *
وفي ثالث عشرى المحرّم استقر جلال الدين بن نصر الله البغدادي في تدريس الحديث بالظاهرية الجديدة عوضا عن الشيخ زاده. واستقرّ ولى الدين بن خلدون في تدريس الحديث بالصرغتمشية عوضا عن نصر الله المذكور.
* * *
وفى أَول شعبان أَمَر نجم الدين الطنبدى المحتسب أَن يُزاد بعد كل أَذانٍ: الصلاةُ على النبي ﷺ، كما يُصنع ذلك في ليلة الجمعة بعد العشاء، فصنعوا ذلك إلَّا في المغرب لضيق وقتها بزعمهم.
* * *
وفى سادس شعبان - وهو سادس مسرى - أَوفى نيل مصر (^٢).
* * *
وفيها اجتمع الأُمراءُ والمماليك الذين نفوا إلى قوص ومسكوا والى قوص، وساعدهم حسين بن قرط والى أُسوان ومبارك شاه الكاشف، وأَراد التوجّه من البرّ الشرقى إلى جهة السويس ليتوصّلوا إلى الكرك لما بلغهم خروج الظاهر وخلاصه من السجن، وكان ذلك في شوال، ففرَّ منهم حسين بن قرط ودخل في سادس ذي القعدة، وأَخبر أَن مبارك شاه إنما وافقهم خوفًا على نفسه وأنه فرّ منهم، وأَرسل منطاش جماعةً من الأُمراء إليهم فأَمسكوا نحو الثلاثين
_________________
(١) عبارة "في المعركة خجا بن قرا محمد" س ٤ غير واردة في ز.
(٢) يوافق سادس مسري ١١٠٥ ق، الخامس من شعبان حسب ما ورد في التوفيقات الإلهامية، ص ٣٩٦، هذا وقد بلغت غاية فيضان النيل بمقباس الروضة ١٩ ذراعا وأربعة قراريط.
[ ١ / ٣٧٨ ]
منهم وتفرّق من بقي شذر مذر، وأَحضروا المأَسورين فأَمر بحبسهم وتجهز منطاش بالعساكر في أَواخر ذي القعدة، وكان سفرهم في سادس عشر ذي الحجة.
* * *
وفى الحادي عشر من شوال اجتمع العوام يشكون من المحتسب فأَحضره منطاش وضربه. مائتى عصًا وعزله وقرّر عوضه سراج الدين عمر القيسرى.
* * *
وفى شوال تزوّج منطاش ستيتة بنت الملك الأَشرف أُخت السلطان المنصور فَزُفَّت عليه، وكان جهازها على خمسمائة حمّال. وعُلّق برأَسها ليلةَ الزفاف دينار زنته مائتا مثقال ثم دينارٌ زنته مائة مثقال.
* * *
وفى ثالث عشر شوال استقرّ شمس الدين السلاوى الدمشقى في قضاء الشافعية بالمدينة عوضا عن الشيخ زين الدين العراقي.
وانتهت زيادة النيل في هذه السنة إلى ثمانية عشر (^١) إصبعًا من عشرين ذراعًا وثبت إلى تاسع بابه، وذلك في شوال منها.
* * *
وفي ثالث عشريه قُبض على نور الدين الحاضري وضُرب وعُصِر وسُجن لكونه كان مباشرًا عند أُخت الملك الظاهر، فأَفحش حسين الوالى بن الكورانى في أُخت الظاهر وأَولادها ومَن هو من جهتهم.
* * *
وفى خامس عشري شوال استقر أَبو الفرج في الوزارة وكريمُ الدين بن الغنَّام في نظر الخاص بعد استدعاء شمس الدين المقسي، وعُرضت عليه الوظيفتان معًا فامتنع، ثم استعفى ابن الغنَّام وقُبض عليه وصودر على ثلاثمائة أَلف، وأُضيف نظر الخاص إلى موفق الدين.
* * *
_________________
(١) انظر حاشية رقم ٢ ص ٣٧٨.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وفى إمارة منطاش ثارت الفتنة بالصعيد بين أُمراء العرب وأُمراء الترك (^١) والمماليك، ثم اتفقوا كلهم على العصيان فقاتلهم مبارك شاه نائب الوجه القبلى فهزمهم، ثم تكاثروا
* * *
وفى سلخ شوال استقر القاضي صدر الدين المناوى - أَحد نواب الشافعية - في القضاء عوضًا عن ناصر الدين بن الميلق.
وقرأتُ (^٢) بخط القاضي تقى الدين الزبيرى وأَجازنيه أَن السبب في ذلك أَن دينارًا - اللالا الأَشرفي - كان وقف رزقه على جامع الماردانى (^٣). وكان القاضي ناصر الدين يومئذ يعمل الميعاد للعامة. ففوّض إليه نظره. فلما غَلب منطاش على المُلك استعظمها لأَنها كانت قديما إقطاعه. فعارضه فيها القاضي وكرّر السؤال في أَمرها: فقيل لمنطاش إن الحدود التي في كتاب الوقف مغايرةٌ لحدود الطين المذكور. فعَرض ذلك على القاضي فصمّم وقال (^٤) إنها وقف. فغضب منه وعزله وولَّى المناوى وكان [المناوى] أَحد من ينوب في الحكم عن ابن الميلان. فأَقام أَربعين يوما: ثم حصلت حركة منطاش إلى الشام فرام من المناوى أَن يقرضه ما في المودع من الأَموال فامتنع فعزله، وقرّر بدر الدين بن أَبي البقاء بعد أَن كان بدر الدين سعى في قضاء دمشق: وكتب توقيعه عوضا عن سريّ الدين: وأَفْردت لسريّ الدين المشيخةُ وخطابة الجامع، ثم بطل أَمر بدر الدين عن دمشق واستقرّ في قضاء الشام شهاب الدين القرشي.
قرأْتُ بخط القاضي تقى الدين الزبيري: "عُزِل المناوى بعد أَن نزل منطاش بالريدانية، وخُلع على بدر الدين هناك، فدخل القاهرة وهو بالخلعة واستناب صدرَ الدين بن رزين في غيبته وكان صاهره وقرّر ولده جلال الدين في إفتاء دار العدل، فكانت مدة ولاية المناوى - وهي الأُولي - نحو أَربعين يومًا".
_________________
(١) في ز "التركمان".
(٢) العبارة من هنا حتى "سعى في قضاء دمشق" س ١٣ ساقطة من ظ.
(٣) جامع الماردانى بقع خارج باب زويلة، وقد تم إنشاؤه في رمضان سنة ٧٤٠ هـ، راجع ما كتبه بشأنه المرحوم محمد رمزى في تعليقاته في أبى المحاسن، النجوم الزاهرة ج ٩ من ١١٢ حاشية رقم ٣.
(٤) في ز "على".
[ ١ / ٣٨٠ ]
وفيها مات المنتصر بن أَبي حمّو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الواد وكان تأَمّر وأَبوه حيّ، ووقع بينه وبين أَخيه أَبى تاشفين - لما أَن خرج على أَبيهما - حروب.
* * *
وفى ذى الحجة سنة إحدى وتسعين بعث أَبو العباس المريني ملك فاس ولده أَبا فارس عبد العزيز والوزير محمد بن يوسف بن علال نصرةً لأبي تاشفين لاستنقاذ تلمسان من يد أَبي حمّو والد أَبي تاشفين، وكان أَبو تاشفين انتصر على أَبيه فسلم موسى من قبل أَبى تاشفين، ثم أَرسل أَبو حمو ولده عميرا إلى تلمسان فسلمها له أَهل البلد، فقبض على موسى بن يخلف فقتل، فواقعه الوزير ابن علَّان في عساكر بنى مرين فانهزم منهم، فكبا به فرسه فسقط. قتل في أَول السنة الآتية.
* * *