استهلَّت والناصر مصمّم على قصد دمشق للقبض على نائبها شيخ لكوْنه امتنع من إرسال الأُمراء الذين طلبهم منه، وقبض على رسوله لذلك وهو كمشبغا الجمالي، وكان جمال الدين الأُستادار قد جهّز ولده أَميرًا على الحاج فتكاسل بالتجهيز ليجهّز (^٢) ولده قبل رحيلهم والناصر يستحثُّه وهو يُسوِّف إلى أَن تحقَّق مكره فصمّم عليه، فخرج في السابع من المحرم تَغْرى بَرْدى مقدَّم العسكر ومعه من المقَدَّمين آقِبَاي وطُوغَان وعَلَّان وإيْنَال المنقار وكَمَشْبُغَا المُزَوّق ويَشْبَك الموُسَاوِى وغيرهم من الطبلخاناة والمماليك ونزلوا بالريدانيّة.
وسعى ابن العديم في قضاء الحنفية فأُعيد إليها، وصُرف ابن الطرابلسي وكان قد قَبض نفقة السَّفر فلم يستعدها منه جمال الدين بل أَضاف إليه مشيخة الشيخونية: انتزعها من ابن العديم.
وركب الناصر من القلعة في الحادي عشر منه فرحل تغرى بردى ومن معه في ذلك اليوم، وقرّر الناصرُ أَرغون الروميَّ نائبَ الغيبة بالإصطبل ويَلْبُغا الناصري لفصل الحكومات بالقاهرة، وقررّ أَحْمَدَ بنَ أُختِ جمال الدين نائبَ غيبةٍ عن خاله في الأُستادارية، وكَزَلْ الحاجب الكبير على عادته.
_________________
(١) هذه الأسطر الثلاثة غير واردة في ظ، ولكن الوارد في هـ هو: "الثاني من إنباء الغمر تأليف شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر قاضي القضاة أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني الأصل المصري الشهير بابن حجر ﵀".
(٢) في هـ "ليحضر".
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وفي أَوائل المحرّم برز شيخ إلى المرج فأَقام بها، ثم أَرسل إلى القضاة في حادي عشره وأَرادهم على أَن يقطع الأَوقاف فتنازعوا في ذلك إلى أَن صالحوه بثُلث متحصَّل تلك السنة، وأَرسل إلى قلعة صرخد فحصّن بها أَهله وما يعزُّ عليه وملأَها بالأَقواتِ والسلاح، واستفتى العلماءَ في جواز مقاتلة الناصر، فيقال إِن ابن الحسباني أَفتاه بالجواز فنقم عليه الناصر بعد ذلك لما دخل دمشق وسجنه (^١).
وكان ممَّنْ قام في ذلك أَيضا شمس الدين محمد التّبّاني وكان قد رحل من مصر إلى شيخٍ بدمشق فأَكرمه، وبلغ ذلك الناصر فأَهانه فيا بعد، ثم أطلق شيخ المسجُونين من الأُمراء بدمشق وأَرسل المحمدي إلى غزة، وشاهين وداود إلى الرملة، وقبض على يحيى بن لاق وكان يباشر مستأْجرات الناصر، [وقبض] علَى ابن عُبادة (^٢) الحنبلي وصادره على مالٍ كثير، واستناب بدمشق تنكز بغا ونزل بالمرج.
ووصل الناصر إلى غزة في ثالث عشري المحرّم ففرّ المحمدي، ونزل تغرى بردى الرملةَ في حادي عشريه ففرّ منه شاهين ووصل هو والمحمّدي إلى شيخ، فتحوّل إلى داريّا فقدم عليه قرقماس بن أَخي دمرداش فارًّا من صفد، وكان الناصر استناب فيها ألطْنبُغا العثماني فقدمها (^٣) ففرّ منه قرقماس؛ ثم قدم نائب حماة جانم في أَواخر المحرّم، فرحلوا جميعًا نحو صرخد، واستصحب [شيخ] جماعةً من التجار الشاميّين وأَلزمهم بعشرة آلاف دينار، فوصل ثاني يوم رحيله كتاب الناصر إلى مَن بدمشق بإِنكار أَفعال شيخ ويحث عليهم في محاربته لمخالفته أَمر السلطان.
* * *
وفي أَول صفر نَمَّ آقبغا دويدار يشبك على جماعةٍ من الأُمراء مثل علَّان وإينال المنقار وسودون بقجة وغيرهم من الظاهرية أَنهم يريدون الركوب على الناصر لتقديمه مماليكه عليهم، وكان جمال الدين الأُستادار وافقهم على ذلك ولم يعلم آقبغا بذلك، فماج العسكر ليلة الأَحد ثانيه واضطرب العسكر، وكثر قلقُ الناصر وخوْفُه إلى أَن طلع الفجر، وكان نادى في العسكر بالتوجّه إلى جهة صرخد لقتال شيخ فأَصبح سائرًا إلى جهة دمشق، وكان استشار
_________________
(١) انظر ص ٤٢٢، س ٤ - ٥.
(٢) في ت "سعادة".
(٣) في هـ "فقدم بها".
[ ٢ / ٤٢١ ]
كاتِبَ السرّ والأُستادارَ فيما يفعل، فاتفقوا على أَن يقبض على علَّان وإِينال وسودون بقجة المغرب، ويركبَ الأُستادار إلى ظاهر العسكر ليقبض على مَن يفرّ من المماليك إلى جهة شيخ، فلَّما تفرَّقوا راسل الأُستادارُ المذكورين بما همَّ به السلطان فهربوا، ومنهم: تمراز وقرا يشبك وسودون وآخرون، فأَخْرج الناصر الكسوة في سادس صفر. ودخل دمشق في سابعه، وطَلب ابنَ الحسباني فاعتُقل وابن التبّاني فهرب، وأَطلق الناصر المسجونين بالصُّبَيْبَة، وقرّر بردبك في نيابة حماة عوضًا عن جانم، ونوروزَ في نيابة حلب ثم عُزل، وقرّر دمرداشي على حاله، وبكتمر جلَّق في نيابة الشام.
وفي نصف صفر وبعده قدم بكتمر جلق نائبُ طرابلس ودمرداش نائبُ حلب إلى النَّاصر.
وفي السادس عشر منه وجّه الناصر إلى قُرى المرجع والغُوطة وبلاد حوران وغيرها يطلب لشعير للعليق، وقرّر على كل ناحية قدرًا معيّنًا، فعظم الخطبُ على الناس في جبايته.
* * *
وفي العشرين من صفر ظفر جمال الدين بناصر الدين بن البارزي وكان قد اتَّصل بخدمة شيخ فولَّاه خطابة الجامع الأُمويّ وصرف الباعوني، فشكاه الباعوني لجمال الدين فأَحضره بيْن يديه وضربه ضربًا شديدًا واستعادَ منه معلوم الخطابة وأَمرَ باعتقاله، وكان السبب في ذلك أَن جمال الدين انتزع خطابة القدس من الباعوني لأَخيه شمس الدين البيري، فترامى عليه الباعوني فعوّضه بخطابة دمشق، فتعصّب جمالُ الدين يومئذٍ للباعوني بهذا السبب.
وفي ثاني عشري صفر أَمر جمالُ الدين بنقل شرف الدين محمد بن موسى بن محمد ابن الشهاب محمود وكان قد عمل كتابة السرّ بحلب، فحقَد عليه جمالُ الدين أَشياءَ أَضمرها في نفسه منه لما كان خاملا بحلب.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وفيه استعفى نجم الدين بن حجيّ من قضاء دمشق فولاَّه الناصر للباعوني، وقرّر ابن حجّي في قضاء طرابلس، وصُرف ابنُ القطب عن قضاء الحنفيّة وقُرّر شهاب الدين ابن الكشك.
* * *
وفي آخر صفر ركب الخليفةُ والقضاةُ بأَمْر النَّاصر ونادى في الناس بدمشق يحضّهم على مقاتلة شيخ في كلامٍ طويل يُقرأُ من ورقة.
وفي الثانى من ربيع الأَول برز النَّاصر إلى جهة صرخد ففرّ إليه من الشيخيّة: برسباي وسودون اليوسفي، ووصل إلى قرية عيون تجاه صرخد في السابع من ربيع الأَول ووقعت الحرب، فقُتِل من الفريقَيْن ناس قليل، وفرّ جماعةٌ من السلطانية إلى شيخ فاشتدّ حَذْرُ الناصر مِن جميع مَن معه وتخيّل أَنَّهُم يخذلونه إذا التقى الجمعان فبادر إلى القتال، فانهزم تمراز -وكان في مقدّمة شيخ- وثبت شيخ، ولم يزل يتقهقر (^١) إلى أَن دخل خذلانَ مدينة صرخد وانتهبَ السلطانية وطاقهُ وجميع ما كان لأَصحابه من خيلٍ وأَثاث، وفرّ شيخ فدخل القلعة ومعه ناس قليل، فأَصعَد الناصرُ طائفةً من مماليكه إلى أَعلى منارة الجامع ورموا عليهم بالنفطِ والحجارة والأَسهم الخطَّائية وانتهب مدينة صرخد، وانهزم تمراز وسودون بقجة وسودون الجَلَب وسودون المحمّدي وتمربغا المشطوب في عددٍ كثير إلى جهة دمشق، فأَرادوا أَن يهجموها فمنعتْهم العامة، فرجعوا إلى جهة الكرك وتسلَّل كثير منهم فدخلوا دمشق، ووَصل كِتَاب الناصر عقبهم بأَنّ من ظفر بأَحدٍ من المنهزمين وأَحضره فله أَلف دينار، فاشتدّ الطلب عليهم.
وفي نصف ربيع الآخر قُبض على الكليباني والي دمشق وضُرِب ضربًا شديدًا، وعلَى علم الدين وصلاح الدين ولدَيْ ابنِ الكويز لكونهما مِن جهة شيخ، وكذلك الصفدي، فتسلمّهم نوروز، وطَلب الناصرُ المنجنيق من دمشق إلى صَرْخد فنصبه على القلعة وكان شيئًا مهولًا وصل إليه على مائتي جمل، واستكثر مِن طلب المدافع والمكاحل من الصُّبَيْبَة وصفد ودمشق ونصبها حوْل القلعة، فاشتدّ الخطب على شيخ ومَنْ معه فتراموا على الأَمير تغري بردي
_________________
(١) أي تمراز.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
الأَتابك وأَلقوا إليه ورقةً في سهمٍ من القلعة يستشفعون به، فجاءَ إلى السلطان وشفع عنده وأَلحَّ عليه إلى أَنْ أَذِن له أَن يصْعد إليهم ويقرّر الصلح، فتوجّه وصحبته الخليفة وكاتب السر وجماعة من ثقات السلطان -وذلك في أَواخر الشهر- فجلسوا كلهم على شفير الخندق، وجلس شيخ داخل باب القلعة ووقف أَصحابه على رأْسه، فطال الكلام بينهما إلى أَن استقر الأَمر أَنه لا يستطيع أَن يقابل السلطان حياءً منه، فأُعيد الجواب عليه فأَبىَ إلَّا أَن ينزل إِليه ويجتمع به، فلم يزل تغري بردي به إلى أَن أَجاب إلى الصّلح، فرجع هو وكاتب السر فسلَّم لهما كمشبغا الجمالي وأَسنبغا كلاهما بحبل، ثم أَرْخى ولده وعمْرهُ سبع سنين ليرسله إلى الناصر فرج، فصاح وبكي من شدّة الخوف فرحمه الحاضرون فرُدّ إلى أَبيه واستبشر الفريقان بالصّلح. وكان العسكر الناصري قد ماج وكَلَّ من الإِقامة بصرْخد لكثرة الوباءِ بها وقِلَّة الماءِ والزاد، هذا مع كوْن الأَهواءِ مختلفة، وأَكثرُ الناصريّة لا يحبون أَن يظفر بشيخِ لئلَّا يتفرّغ لهم، فطلعوا في آخر يوم من الشهر وحلَّفوا الأُمراءَ، وأَفرَج شيخٌ عن ابن لاقي وعن تجّار دمشق، وأَرسَل للنَّاصر تقدمةً عظيمةً ولبس تشريفهُ واستقرّ في نيابة طرابلس، وما فرغ من ترتيب ذلك إلا وأَكثر المماليك السلطانية من مصر قدْ ساروا إلى جهة دمشق، فاضطُرَّ الناصر إلى الرحيل إلى دمشق فتجهّز وجهز شيخٌ ولده الصغير في إثْر السلطان، فوصل مع تغري بردي فأَكرمه وأَعاده إلى أَبيه، ورحل الناصر عن دمشق في ربيع الآخر فوصل إلى غزة بعد أَن زار القدس في سابع عشر منه.
* * *
وأَما شيخٌ فخرج من صرْخد وانضمّ إليه كثيرٌ من أَصحابه وتوجّه إلى ناحية دمشق، وأَرسل إلى بكتمر جلق نائبِ الشام يستأْذنه في دخول دمشق ليقضِيَ أَشغاله ويتوجّه إلى طرابلس، فمنعه حتى يستأْذن السلطان، وكتب إليه يخيّله من دخول دمشق فأَجابه بمنْعه مِن دخولها وإنْ قَصَد دخولها بغير إذنٍ يقاتلوه، فاتفق وصول شيخ إلى شَقْحب في غاية جمادي الأولى فأَوقع بكتمر جلق ببعض أَصحابه، فبلغه ذلك فركب فيمَن معه، فلم يلبث بكتمر أَن انهزم ونزلَ شيخٌ قبَّةَ يلبغا، ثم دخل دمشق في حادي عشره -وهو اليوم الذي وصل فيه النَّاصر إلى القلعة بمصر- فتلقَّاه الناس، فأَظهر أَنه لم يقصد القتال ولا الخروج
[ ٢ / ٤٢٤ ]
عن الطَّاعة، وأنَّه لم يقصد إلاَّ النزول في الميدان خارج البلد لتقاضي مهماته ويرحل إلى طرابلس، وأَنّ بكتمر هو الذي بغى عليه، ثم استكتبهم في مَحضرٍ بصحة ما قال وجهّزه إلى السلطان صحبة إمام الصخرة المقدّسة، فوصل في أَواخر جمادي الآخرة، فغضب السلطان وضرب الإِمام بالمقارع ووَسَّطَ الجندي الذي كان برفْقتِه.
* * *
واستمرّ بكتمر في هزيمته إلى جهة صفد، فأَقام شيخٌ بدمشق وأَعطى شمس الدين ابن التبّاني نظر الجامع الأموي، وشهابَ الدين ابنَ الشهيد نظرَ الجيش بدمشق ثم صرفه في جمادي الآخرة وقرّر [مكانه] صدر الدين بن الأَدمي، وقرّر في خطابة الجامع شهاب الدين الحسباني ثم أَعاده، ثم قَسم الوظائف بينهما؛ واستقر الحسباني في قضاء الشافعي.
ثم توجه شيخ بعساكره إلى جهة صفد، فطرقها شاهين الدويدار في جماعة على حين غفلةٍ فاستعدّوا لهم ورجعوا واستمر شيخ في طلب بكتمر إلى غزَّة، وكان بكتمر قد سار متوجها إلى القاهرة وصحبته بردبك نائب حلب ونكباي (^١) حاجب دمشق وألطنبغا العثماني نائب صفد ويشبك الموساوي نائب غزة فتلقَّاهم السلطان، فلما يئس منهم شيخ رجع إلى دمشق بعد أَن قرّر في غزة سودون المحمّدي وبالرملة جانبك؛ ثم أَرسل الناصر يشبك الموساوي في جيشٍ إلى غزة فحارب سودون المحمدي فانكسر ونهب الذي له ولحق بجهة الكرك، ثم جمع عسكرًا ورجع إلى غزة فانكسر الموساوي إلى القاهرة وقُتل علان نائب صفد، فأَرْسل شيخ إلى سودون المحمّدي بنيابة صفد.
وفي أَواخر جمادي الأولى قدم نوروز -وقد خلص من التركمان- إلى حلب فتلقَّاه دمرداش وأَكرمه، وكاتب النَّاصر يُعلمه ويسأَله أَن يعيد: نوروز إلى نيابة الشام، ويشبك ابن أَزدمر إلى طرابلس، وتغري بردي ابن أَخي دمرداش إلى حماة، فأَعجب الناصرَ ذلك وأَجاب سؤاله وجهز إليه مقبل الرّومي ومعه التقاليد بذلك، وصحبته خمسة عشر أَلف دينار مددًا لنوروز، وتوجّه في البحر خوفًا من شيخ إن سلك البرّ، وكان يشبك بن أَزدمر وتغري
_________________
(١) ويعرف بنكباي الأزدمري، وقد ولى الحجوبية الكبرى بدمشق، كما ولى نيابة حماة، وكانت وفاته سنة ٨٢٣.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
بردي قد توجّها إلى حماة ففرّ منهما جانم الذي من جهة شيخ فغَلبا عليها، ووصل مقبل الروميّ إلى نوروز بحماة -ومعه تقليدٌ بنيابة الشام- فلبس الخلعة.
وفي سابع عشر جمادي الآخرة قَبض سنان نائب قلعة صفد على ألطنبغا العثماني فوصل علَّان من جهة شيخ فغلب على صفد، فشار عليه أَهْل صفد -لمّا بلغهم خبر غزة- ففرّ إلى دمشق فدخلها، وتوجه أَبو شوشة صديق التركمان من صفد بطائفة فكبسوا مَن كان نائبا بها من جهة شيخ فهربوا إلى دمشق.
وفي رابع عشريه برز شيخ إلى برزة (^١) بعساكره قاصدًا حماة، وقدم دمرداش إلى حماة نجدةً لنوروز ومعه عساكر حلب وطوائف من التركمان والعرب وشيخٌ يحاصر حماة، فلما بلغه قدومهم تَرك وطاقه وأَثقاله وتوجّه إلى ناحية العربان، فرجع شيخ بأَصحابه عليهم فاشتدّت الحرب بينهم وقُتل جماعة وأُسِرَ آخرون، وكُسِرت أَعلام دمرداش وأُخذت طبلخاناته ونزل شيخ على نقرين واستمر في حصار حماة.
* * *
وأَما دمشق فإن سودون المحمّدي بعد أَن استماله نوروز بعث به إلى دمشق بعد أَن عاث في بلاد صفد وصادر من أَهل قراها، وكان جقمق -دويدار شيخ بدمشق- قد وزَّع على القرى والبساتين مالًا لينفقه على عسكر أُستاذه، فزحف المحمدي إلى داريا في سابع رمضان فقاتله الشيخية، منهم: ألطنبغا القرمشي ومَن معه؛ وفي أَثناء ذلك تقدّم سودون بقجة وإينال المنقار مددًا للشحنة فَتَقَنْطر المحمدي عن فرسه فأَركبوه وتفرّق جمعه ولحقوا بنوروز، وقُبض على نحو الخمسين من أَصحابه، وقدم شاهين دويدار شيخ يستحث على استخراج المال، وتأَهَّبَ سودون بقجة للتوجّه إلى صفد نيابةً عن شيخ، وكتب شيخ إلى الناصر كتابًا يخدعه فيه ويعلمه أَن نوروز يريد الملك لنفسه ولا يطيع أَحدًا أبدًا، ويقول (^٢) عن نفسه
_________________
(١) قرية من قرى غوطة دمشق.
(٢) الضمير هنا عائد على شيخ وليس على نوروز.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
إنه لا يريد إِلَّا طاعة السلطان والانتماءَ إليه ويعتذر عمّا جرى منه، ويصف نفسه بالعدْل والرفق بالرّعية ويصف نوروز بضدّ ذلك ونحو ذلك من الخداع، فلم يُجِبْه الناصر عن كتابه.
وفي الثالث عشر من شوّال وصلت عساكر شيخ إلى صفد فنازلوها وفيها شاهين الزردكاش، فجرت لهم حروب وخطوب إلى أَن جُرح شاهين في وجهه ويده وهرب،، وأُسر أَسند مر كاشف الرملة، فوصل إلى صفد يشبك الموساوي من القاهرة وسودون اليوسفي وبردبك من جهة نوروز، فقوى بهم أَهل صفد، ورجع من الشيخية قرقماس إلى دمشق، وأَمدّه شيخ بنجدة كبيرة، وأَخذ من دمشق آلات القتال ورجع إلى صفد، فاشتدّ الخطب واشتدّ القتال بين الفريقين، وكانت الدائرة على الشيخية وانهزم قرقماس وجُرح وقُتل عدة من أَصحابه وأَسر أَهل صفد لكنهم بين قتيل وجريح، وقُتل ابن كَبَرْ الأَكبر وغُوِّرت عين ابنه الآخر وأُصيبت رجُلُ ابنه الثالث، وأَبْلى هؤلاءِ بلاءً عظيما وكذلك محمد بن منازع، وهؤلاء من عربان تلك البلاد، فخرجوا بعد الوقعة فعاثوا في البلاد وأُفسدوا، ورجع يشبك الموساوي إلى غزَّة فكاتب الناصر بما اتَّفق، واشتدّ الخطب على أَهل دمشق بسبب ذلك وحفيت منهم الخيول والأَموال، وكل ذلك وشيخ بحمص يحاصر نوروز ومَن معه بحماة، فلما بلغه ذلك جهّز عسكرًا إلى أَصحابه ينجدهم به فمضوا إلى جهة بيسان (^١) وكبسوا محمد بن هيازع أَمير عرب آل مهدي (^٢) وأَخذوا ما كان معه،، وتوجّهوا إلى صفد فحاصروا شاهين الزردكاش أيضا.
* * *
_________________
(١) هي مدينة بالأردن بالغور الشامي، بين حوران وفلسطين، وبهاعين الفلوس وهى عين فيها ملوحة يسيرة، انظر ابن عبد الحق البغدادي: مراصد الاطلاع ١/ ٢٤١، ٣٣٦. Dussaud: Topographie Historique de la Syrie، p وأنظر أيضًا النصوص الجغرافية والتاريخية التي وردت بشأنها في كتب الجغرافيين المسلمين وهى النصوص التي جمعها لسترانج في كتابه ٤١١ - ٤١٠. Palestine Under the Moslems، pp
(٢) وردت في نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي، ص ٤٢٧، الإشارة إلى بني مهدي، ويستفاد منها أنهم من القحطانية على أن هناك بطنين منهم، الأولى بطن من بني حولان من حمير، وكانت لهم دولة باليمن، إلا أنها انقرضت باستيلاء توران شاه على اليمن، وأما البطن الثانية فمن بني طريف من جذام، ولعل هذه البطن هي التي ترجع إليها القبيلة الواردة في المتن أعلاه، إذ المعروف أن منازلهم بالبلقاء من بلاد الشام.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وفيها طرق قرا يوسف بغداد، فطرق عراق العجم وديار بكر، ووصل إلى الموصل فملكها وسلطن محمد شاه ابنه، وكتب بذلك إلى شيخ وأَعلمه أَن يفرغ من تلك الجهات، وأَنه عَزَم على الحضور إلى الشام نجدةً للأَمير شيخ لما بينهما من المودّة والعهود، فاستشار شيخ أَصحابه فأَشاروا عليه بأَن يجيبه إلى ما طلبه من الحضور إِليهم ليستظهر بهم على أَعدائه، فخوّفه تمراز الناصري عاقبةَ ذلك، وأَشار عليه بأَن يكاتب الناصر بحقيقة ذلك وأَنَّه يخشى من استطراق قرا يوسف في بلاد الشام أَن يتطرّف منها إلى مصر، فأخَّر جوابه.
* * *
وفي السادس من ذي الحجة توجّه الدويدار إلى البقاع (^١) للاستعداد لبردبك لما طرق الشام، فوصلت كشافة بردبك في التاسع عشر إلى نواحي دارم، ثم نزل هو شقحب فتأَّهبّ مَن بالقلعة بدمشق، وخرج العسكر مع سودون بقجة والقرمشي فوقع القتال، فانكسر جاليش سودون بقجة وحمل هو على عسكر بردبك فكسرهم، ثم انهزم بردبك على خان إبن ذي النون (^٢) فرجع إلى صفد ونُهب من كان معه، واجتمع جميع الشيخونية وتوجّهوا قاصدين غزَّة.
* * *
وفي هذا الشهر اشتدّ الحصار على نوروز ودمرداش بحماة وتقلَّل عنهما أَكثر من كان معهما، وانضم أَكثر التركمان إلى شيخ ووصل إليه العجل بن نعير نجدةً له بمن معه من العرب في ثاني عشر ذي الحجة فعسكر بظاهر حماة، فوقع القتال بين الطائفتين، واشتدّ الخطب على النوروزية فمالوا إلى الخداع والحيلة ولم يكن لهم عادة بالقتال يوم الجمعة، فبينما الشيخية مطمئنين إذا بالنوروزية هجموا عليهم وقت صلاة الجمعة فاقتتلوا إلى قرب العصر، فكانت الكسرة على النوروزية ورجعوا إلى حماة، فأُسِر من النوروزية جماعة، منهم: سودون الجلب وشاهين الأّياسي وجانبك القرمي وغيرهم فأُرسلوا إلى السجن بدمشق ثم إلى المرقب، وغرق أَمير التركمان بنهر العاصي وكذلك أَخوه يونس وآخرون وتسحَّب منهم جماعة،
_________________
(١) ويعرف أيضًا ببقاع الكلب، وهو واد فسيح بين بعلبك وحمص ودمشق كما ورد في ياقوت: المعجم ١/ ٦٩٩، هذا وقد أفرد Duasaud: op.cit. pp. ٨٩٦ et son فصلا قائما بذاته عن البقاع أشار فيه إلى اكتشافات Camille Caller في هذا الوادي بين عامي ١٨٣٢، ١٨٣٣، وأشار إلى أن بعلبك تقع في وسط طرق مواصلاته الكبرى، كما عند هذه الطرق.
(٢) of. Dussaud: op. cit. pp. ٨١٨، ٣٢٠.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وغنم الشيخية منهم نحو أَلف فرس، وتفرّق أكثر العساكر عن نوروز، ولحق كثير منهم بشيخ، فتحوّل إلى الميدان بحماة ونزل هو والعجل به، وكّتب إلى دمشق بالنصر فدُقت بشائره وزيَّنُوا البلد.
فلما كانت ليلة الإثنين سادس عشر ذي الحجة ركب تمربغا المشطوب وسودون المحمدي وتمراز نائب حماة في عسكرٍ ضخم فكبسوا العجل بن نعير ليلًا فاقتتلوا إلى قُرْب الفجر، وركب شيخ نجدةً للعجل واشتدّ القتال، فخالفهم نوروز إلى وطاق شيخ فنهبه ورجع إلى حماة، وكتب دمرداش إلى النَّاصر يستنجده ويحثُّه على المجيء إلى الشام وإلاَّ خرجَتْ عنه كلها فإنَّه لم يَبْقَ بيده منها إلاَّ غزة وصفد وحماة، وكلّ مَن بها من جهته في أَسوإ حال.
* * *
وفي ذي الحجة مال أَكثر التركمان إلى شيخ وأَطاعوه، وجاءَ الخبر بأَنَ أَنطاكية صارت في حكمه، وجهز شاهين دويداره وأَيدغمش إلى حلب فصارَتْ بأَيديهم، واشتدَ الأَمْر على دمرداش ونوروز، فاستدعيا أَعيان أَهل حماة وأَلزماهم بأَن يَكتبوا إلى العجل كتابًا يتضمّن أَن نوروز هرب من حماة ولم يتأَخر بها إلاَّ دمرداش على أَن يأَخذ له الأَمان من شيخ، فظنّ العجل أَن ذلك حقّ، فركب إلى شيخ وأَعلمه بذلك فظن بنفسه القوّة. وبعث فرقةً من مماليكه ومن عرب العجل فتسوّروا على سلالم ونزلوا من السور ظانيّن قِلَّةً مَن بالبلد من النوروزية، فوثبوا عليهم وقتلوهم جميعا وعلَّقوا رؤوسهم على السّور، وأَتوا رجلين من جهة العجل فأَلْزَموهما بأَن كتبا إلى العجل: "بأَن نوروز قد أَسرْناه وقد اطلَّعنا على أَنه تصالح مع شيخ على أَن يسلمك شيخ إليه ويصطلحا على البلاد"، فظن العجل ذلك صحيحا فركب لوقته متوجّها إلى بلاده فبلغ ذلك الشيخية، فركب شيخ في طائفةٍ ليسترضيه ويردّه، فأَعقبه نوروز ودمرداش في إثره فنهبوا وطاقه وخيوله، واستمر العجل ذاهبًا فرجع من حمص إلى القرمتين (^١) وكاتب نوروز في طلب الصلح فلم يتم ذلك.
وانسلخت السنة وهم على ذلك.
* * *
_________________
(١) كذا بالأصل.
[ ٢ / ٤٢٩ ]