استهلت وبرقوق محاصر دمشق والعسكر المصرى متوجه صحبة منطاش ومعه السلطان المنصور والخليفة والقضاة إلى دمشق، وكان وصول العسكر المصرى إلى غزة في ثانى المحرّم.
* * *
وفى السادس منه أَمر نائب اغيبة سَرَىْ تَمِر (^١) أَن تُؤخذ خيول الناس من الربيع فتُجَهَّز إلى منْطاش، فأُخِذ شيءٌ كبير وجهّزوه.
وفى الثامن منه نودى بزينة القاهرة ومصر، ووصل في الصورة الظاهرة بريديّ معه كتب تتضمّن أَن برقوق هرب.
* * *
وفى هذا الشهر بلغ النائبَ أَن جماعةً من المماليك الظاهرية أَرادوا القيام عليه فكبس عليهم بالبرقية فأَمسك منهم جماعة، ثم تتبّع المماليك الظاهرية وأَلزم الوالى بالتنقيب عليهم فبالغ في ذلك وأَفرط إلى أَن كان ذلك أَعظم الأسباب في انحراف الظاهر عنه وغضبه عليه بعد ذلك. وكان قد كبس على أُخت الظاهر وأَخذ ولدها منها فحبسه بالقلعة وأَخرجها بين العامة إلى باب زويلة إلى أَن وقعت فيها الشفاعة.
* * *
وفي حادي عشر المحرّم وصل العسكر المصرى المنصوري إلى وادى شقحب، فرجع إليهم برقوق من دمشق فالتقوا، فحمل منطاش على ميسرة الظاهر فهزمها، وحمَل بعضُ أَصحابه على الميمنة فهزمها أَيضا. واشتغلت الجهتان ومن تبعهما باتباع المنهزمين، فخلى القلب من مقاتل، فحمل برقوق ومن معه على مَن بقى فانهزموا، فاحتوى على الخليفة والسلطان والقضاة وجميع أَهل الدولة، ونَهَب مَن معه جميعَ الأَثقال واحتوى على الخزائن كلها.
_________________
(١) الضبط من ز، وفى هـ "صريتمر".
[ ١ / ٣٩١ ]
وأَمّا منطاش وأَصحابه فلجّوا في اتباع المنهزمين إلى أَن ظفروا بمن ظفروا به منهم وفاتهم من فاتهم.
واستمرّ كمشيغا - وكان فيمن انهزم - ومعه جمع كبير إلى أَن وصل إلى حلب فبادَرَ ومَلك القلعة، ولما رجع العسكر المصرى إلى معسكرهم وجدوا برقوق قد احتوى عليه فتناوشوا القتال أَيضا، فعمد برقوق فأَقام جاليش منطاش وجميع الذين احتوى عليهم تحته (^١)، فصار كل من يأتي من العسكر يظنّ أَن منطاش هناك تحت العصائب فإمّا أَن يوافق فيسلَّم وإمّا أَن يخالف فيقُتل.
فلما وصل منطاش ورآى صورة الحال ناوشهم القتال نهاره أَجمع، فلما دخل الليل أَقبل أَكثر من معه إلى الظاهر، فرجع منطاش إلى جهة دمشق وأَقام الظاهر بشقحب أَيامًا، فعدمت الأقوات حتى بيعت البقسماطة بخمسة دراهم، ورخصت من كثرة ما نهيت، حتى بيع الفرس الفَرَس بعشرين درهمًا.
فلما (^٢) رآى الظاهر ذلك رحل إلى جهة مصر بعد أَن خَلع المنصورُ نفسَه من السلطنة باختياره، وأَشهد عليه الخليفة والقضاة وأَكثرَ من حضر مِن الأُمراء، وبايع الجميعُ برقوق وأَقرّ لقبه "الظاهر" على ما كان عليه. وتردّد في التوجه إلى دمشق ومحاصرة منطاش بها أَو الرجوع إلى مصر، ثم اتفق رأيه ومَن معه على التوجّه إلى مصر، فاستناب في صفد فخرَ الدين أَياس، وفي الكرك قديدا (^٣)، وفى غزة آقبغا الصغير، وكان منصور الحاجب بها قد قبض على نائبها حسين بن باكيش وجهّزه إلى الظاهر فعذَّبه قبل أَن يتوجّه ثم وصل إلى غزة في آخر المحرم راجعًا.
وأَرسل في مستهل صفر إلى نائب قطية أَن يحفظ الطرقات وكان اسمه علاء الدين بن البشلاقي فامتثل الأَمر وأَرسل من الفور إلى القاهرة قاصدًا بكتابٍ يخبر فيه بما اتفق للظاهر من النصر، فصادف وصول قاصده نصرة مماليك الظاهر المسجونين على أَصحاب منطاش
_________________
(١) في هـ "فيه".
(٢) في هامش ز "في حادى عشر محرم سنة ٧٩٣ بويع للملك الظاهر برقوق بعد خلع المنصور لنفسه. من السلطنة".
(٣) في هامش "هو والد شيخنا عمر بن قديد".
[ ١ / ٣٩٢ ]
وغَلَبتهم على القلعة وجميع المملكة، فكان ذلك يُعدّ من عجائب الاتفاق، حتى لو كانوا على ميعادٍ ما وقعت هذه الموافقة.
وكان السبب في نصرة مماليك الظاهر أَن منطاش أَودع منهم السجون جملة كبيرة، وكان الكثير منهم في السجن بالقلعة، فضاق عليهم الأَمر واشتدّ بهم الخطب، فتحيّلوا إلى أَن فتحوا بابًا مسدودا وجدوه في سرداب عندهم فخرجوا منه بغتةً على نائب الغيبة فهرب منهم فنهبوا بيته واحتملوا خيله وقماشه، وكان كبيرهم يقال له بَطَا (^١) فبلغ ذلك نائب القلعة فقاتلهم ثم عجز فهرب، فاجتمع سَرَىْ (^٢) تَمُر الحاجب وقطلوبغا وبقية المماليك وصعدوا إلى مدرسة حسن.
وبادر بطا فأَخرج سودون النائب من الحبس فرتَّبه في القلعة، وتسامع مماليكُ الظاهر فتكاثروا عند بطا وتناوشوا القتال مع المنطاشية، وساعدهم عليهم العامة حتى هزموهم، وكان العوامّ قد قاموا مع منطاش على الناصري إلى أَن غلب كما تقدّم، لكن ظهر بعد ذلك منه هوجٌ وسوءٌ تدبير وعدم معرفة فرجعوا عنه وأَحبّوا عود دولة برقوق فساعدوا أَصحابه وكان ذلك في أَوائل صفر. وكان ابتداء ذلك ليلة الثاني منه وانتهاء ذلك في رابع صفر.
وقرأْت بخط القاضي تقى الدين الزبيرى فيها أَجازنيه: "أَن المحبوسين كانوا في خزانة الخاص القديمة المجاورة لباب القصر، ووكل بهم جماعة يحرسونهم بالنوبة وبالغوافي التضييق، عليهم، فلما كان في أَواخر المحرّم وهم يستغيثون من الحرّ (^٣) والضيق ويتوقعون القتل كل وقتٍ وأَشاعوا أنهم عزموا على أَن يرموا عليهم جيرًا ويمنعوهم الماء ليهلكوا أَجمعين بذلك، فاتفق أَن واحدا منهم جلس في مكانه، فعبث ببلاطة تحته فقُلِعَتْ فأَزالها فأَحسّ بهواء فأَراد ما تحتها، واستعان ببعض رفقته فوجدوا سرداب السلم (^٤) فمشوا فيه إلى أَن انتهوا إلى باب من أَبواب الاصطبل، فاتفق أَنهم وجدوه مفتوحًا وكان البواب نسى أَن يغلقه: فأَخذ كل منهم قيده في
_________________
(١) الضبط من ز والأصح بضم الباء.
(٢) الضبط من ز.
(٣) "الحرب" في ل.
(٤) في بعض النسخ "سرداب الحمام".
[ ١ / ٣٩٣ ]
يده وصاحوا صيحةً واحدة في (^١) وسط الاصطبل: "الدعاء للأَمير بطا"، فظنَّ صَرَى (^٢) تمر أَن بطا خامر وأَراد القبض عليه فرمى نفسه من السور وتبعه أتباعه، فطلع المماليك إلى أَماكنهم من الاصطبل فانتهبوها ولبسوا الأَسلحة وركبوا الخيل، وقدّموا كبيرهم بطا، وكان ما كان.
فجهّز بطا عَانَ بن مغامس صاحبَ مكة كان - وكان مسجونًا معه - إلى الظاهر يُعْلِمه بما اتفق، فالتقاه في الطريق فردَ معه أقبغا أَخا بطا فوصلا إلى القاهرة في ثامن صفر، فنادوا للعامة بالأَمان وتزيين البلد وتجهيز الإقامات، وشكر السلطانُ لعنان هذه البشارة فشركه مع عجلان في إمرة مكة وكان ذلك في أَوائل شهر ربيع الآخر بعد أَن استقر برقوق بالقاهرة، وسافر عنان إلى مكة في ثاني عشرى ربيع الآخر بعد أَن استخدم عدةً من الترك.
* * *
وفي عاشر صفر قُبض بطا على حسين بن علي الكورانى وصودر، فوصل كتاب السلطان في ثاني (^٣) عشر صفر على حسين بعمل شيءٍ من الأُمور السلطانية، فأَفرج عنه بُطا وخلع عليه وأَعاده للولاية وقال له: "حَصِّل لنا المنطاشية كما كنتَ تصنع معنا إلى أَن يرِد أَمْرُ السلطان بما يرد"، ثم قُبض عليه بعد ذلك.
ودخل الظاهر بالعسكر يوم الثلاثاء رابع عشر صفر إلى القلعة على طريق الصحراء. وتلقَّاه الناس للسلام وللفرجة على سائر طبقاتهم، وكان يومًا مشهودًا. وأركب [برقوق] الملكَ المنصور (^٤) المخلوعَ بجانبه والخليفةَ أَمامه والقضاة قدَّامه وباقى الأُمراء إلى إن جلس على تخت المُلك وجُدِّدت له البيعة بالاصطبل، وأُدخل المنصور إلى بيته بالحوش عند أَهله وأقاربه.
* * *
وفي صبيحة هذا اليوم استقر كريمُ الدين بنُ عبد العزيز - الذي تزوجْتُ أَنا ابنته بعد
_________________
(١) "في وسط الاصطبل" ساقطة من ز.
(٢) كتبتها ز هذه المرة بالصاد.
(٣) "في ثانى عشر صفر" ساقطة من ز.
(٤) في ز "الناصر" وهو خطأ.
[ ١ / ٣٩٤ ]
هذا بست سنين - في نظر الجيش نقلًا من صحابة الديوان عوضا عن جمال الدين الذي كان محتسبًا لأَنه كان تقدّم مع منطاش إلى دمشق فلم يستطع العَوْد.
واستقرّ موفق الدين أَبو الفرج في الوزارة والخاص، واستقرّ فخر الدين بن مكانس في نظر الدولة ثم أُمْسِك وصودر ثم هرب فأُخذ وأهين، ثم أُفرد الخاص لسعد الدين بن تاج الدين موسى كاتب السعدى عن قريب.
وأُفْرِدت الوزارة لموفق الدين ثم قُبض عليه في ربيع الآخر، واستقرّ في الوزارة سعد الدين بن البقرى زوجُ ابنةِ موفق الدين، واستقرّ محمود الأستادار مشيرًا عليهما.
واستقر قرقماس أُستادارًا كبيرًا إلى أَن مات في جمادى الأُولى فأُعيد محمود إلى الأُستادارية.
واستقر حسين بن علي الكوراني في ولاية القاهرة على عادته، ثم قُبض عليه عن قرب في سادس عشرين من صفر، وَسُلِّم لمشدّ الدواوين محمد بن آقبغا آص فعاقبه وشدَّد عليه العذاب.
واستقرّ بطا دويدارًا كبيرًا وسودون الشيخونى في النيابة على عادته، وإينال اليوسفى أَتابكَ العساكر لانقطاع أَيتمش بقلعة دمشق مسجونًا.
وكان الظاهر لما غلب على العسكر المنطاشي وتوجّه إلى القاهرة دخل منطاش إلى دمشق فأَقام بها يعزل ويولِّي ويصادر، وكان قاضي الشافعية حينئذ شهاب الدين بن القرشي، وكان الناصريّ ولَّاه فاستمر، وكان [القرشيّ] قبل دخول منطاش قام في صدّ برقوق عن دخول دمشق، وصار يلبس آلة الحرب ويصعد إلى الأَسوار ويحفظها بالرجال والآلات ويطلق اسانه في برقوق، وبرقوقُ يسمع.
فلما رجع منطاش إلى دمشق من وقعة شقحب عزله وولى شهاب الدين الزهرى وحبس القرشي وضيق على جمال الدين المحتسب ناظر الجيش وعلى بدر الدين كاتب السرّ، وكانا رجعا من شقحب مقهورين وسجن جماعة من الأُمراءِ مِمَّنْ أُسِر في الوقعة منهم أَيتمش.
* * *
واستمر الطباطبي في نقابة الأَشراف والنظر عليهم عوضا عن الشريف شرف الدين بن قاضي العسكر.
[ ١ / ٣٩٥ ]
واستقر علاء الدين على بن عيسى الكركي في كتابة السر عوضا عن بدر الدين بن فضل الله لانقطاعه أَيضا بدمشق.
واستقر أَبو عبد الله الركراكي في قضاء المالكية عوضا عن بهرام لأَنَّ الظاهر شكر له ما اتفق عليه بسبب امتناعه من الكتابة في الفتوى المرئية عليه، وكان قد سجن إلى أَن خلص مع بطا.
واستقر نجم الدين الطنبدى في الحسبة بالقاهرة عوضا عن سراج الدين القيسرى: واستقر نور الدين على بن عبد الوارث في الحسبة بمصر عوضا عن همام الدين.
* * *
وفى تاسع عشري صفر جلس السلطان ليحكم على عادته بالاصطبل يومى الأربعاء والأَحد فهرع الناس إليه واشتد خوف الرؤساء من البهدلة.
* * *
وفي صفر قُبض بكلمش على كريم الدين بن مكانس وضربه بالمقارع بسبب ما استأْداه من دواوينه في أَيام الناصري، فهرب فقبض على إخوته: فخر الدين وزين الدين وجماعة من حواشيه.
واستقر علم الدين سنّ إبرة في نظر الدولة.
واستقر تاج الدين المليجي في نظر الأَحباس عوضا عن شمس الدين الدميرى، واستقر عماد الدين الكركي أَحمد بن عيسى - أَخو علاء الدين الذي استقر في كتابة السر (^١) - في قضاء الشافعية عوضا عن بدر الدين بن أَبي البقاء. وكان عماد الدين وأخوه هذا قد بالغا في خدمة الظاهر بالكرك فعظمهما وقدمهما، وكانت ولاية عماد الدين للقضاء في ثالث شهر رجب، والسبب فيه أَنه لم يحضر من الكرك إلَّا بعد أَن استهل رجب فخرج إليه أَخوه لتلقِّيه، وخرج معه الأَعيان فحضر عند السلطان في ثاني رجب فعظَّمه جدا ومشى له خطوات وعانقه ثم خلع عليه بولاية القضاء في صبيحه ذلك اليوم.
* * *
_________________
(١) في ز "الشام" ثم كتب الناسخ في الهامش "لعله السر".
[ ١ / ٣٩٦ ]
وفى ثامن جمادى الأُولى - بعْد إطلاق أَكثر الأُمراء المحبوسين - استقرّ أَلطنبغا الجوباتيُّ نائبَ السلطنة بدمشق، وجُهِّزَت صحبته العساكر لقتال منطاش فوصلوا في جمادى الآخرة، فبرز لهم منطاش فقاتلهم ثم انهزم، ثم بلغه أَن أيتمش ومن معه في الحبس بقلعة دمشق وثبوا على نائبها فأَمسكوه وملكوا القامة، فكرَّ راجعًا إلى دمشق فَقَتَل من قدر عليه، وأَخذ ما أَمكنه من الأَموال وتوجَّه إلى الجهة الشمالية، وتسلَّل أَكثر من كان مع منطاش إلى الظاهر ودخلوا القاهرة أَرسالًا.
واستولى [أَلطنبغا] الجوباني على دمشق، وقَبض على من أمكنه من أَصحاب منطاش، فلما وصلت الأَخبار إلى القاهرة بذلك زُيِّنَتْ عشرة أَيام، ثم قدم عسكر طرابلس باستدعاء منطاش فوجدوه قد هرب، فقبض على أَعيانهم أَخذًا باليد، وجُهِّزت سيوفهم إلى القاهرة.
* * *
وفى العشرين حضر السلطان دار العدل ولم يدخلها المنصور منذ خُلع الظاهر، ولما فرغ الموكب دخل السلطان القصر فحضر الخليفة ومعه القضاة فقرئ عهد السلطنة بحضرتهم وحضور الأُمراء.
ثم خلع على الخليفة وركب من باب القصر حجرة بسرج ذهب وكنبوش مزركش، وكان الحنفيُّ ضعيفا فلم يحضر، وحضر المناوى وهو معزول فجلس تحت الحنبلي.
* * *
وفى الثاني عشر من شهر رجب وصل بدر الدين بن فضل الله وجمال الدين العجمي إلى القاهرة فأُمِرا بلزوم بيوتهما، وأَغْرم كلًّا منهما مالًا كبيرًا.
* * *
وفيه استقر علاء الدين بن الطبلاوي في ولاية القاهرة.
* * *
وفيه قوى كمشبغا بحلب على النائب الذي بها من جهة منطاش، وكان كمشبغا
[ ١ / ٣٩٧ ]
لما انهزم في وقعة شقحب سار إلى حلب في البرية، فوصل في ثامن عشر المحرم فدخلها متخفيا ثم التفَّت عليه جماعة من الظاهرية فحاصروا القلعة وقبضوا على ولد نائبها حسين بن الفقيه فهددوه بقتل ولده ففتح لهم الباب (^١) فدخلوها، وأَرسلوا إلى كمشنبغا فملكها، فحاصره النائب من جهة منطاش وهو جَنْتَمِر (^٢) وعاونه أَهل بانقوسا فأَحرقوا باب القلعة والجسر لواصل، ونقبوا من ثلاثة مواضع، فرمى عليهم كمشنبغا بالمكاحل، وصار يتخطَّفهم بالكلاليب، فدام ذلك نحو شهرين أَو أَكثر.
فلما سمع جنتمر هَرَبَ منطاشٍ خاف على نفسه فهرب، فبلغ ذلك كمشبغا فعمَّر الجسر وخرج فقاتل أَهل بانقوسا، وعمر أَسوار حلب أَحسن عمارة في أَسرع وقت، وكانت من وقعة قازان خرابًا.
فلما انتصر كمشبغا عليهم قتل غالبَ أَهلها وهم زيادة على أَربعة آلاف نفس، وقتل كبيرهم أَحمد بن الحرامى وخربّها إلى أَن جعلها دكَّا، وقتل قاضي حلب وغيره صبرًا، كما سيأْتي في الوفيات.
فلما بلغ ذلك كلُّه السلطان أعجبه وأَرسل إلى كمشبغا يطلب منه الحضور إلى القاهرة فحضر، وكان ما سنذكره.
* * *
وفى العشرين من رجب كان شاع أَن بطا يريد أَن يثير الفتنة، فحلّ سيفه بحضرة السلطان في القصر وعمل في عنقه منديلًا واستسلم للموت. فشكَرَ الظاهر فعله وبرَّأه مما نُقِل عنه وجَمع الأُمراء وحلَّفهم وحلَّف المماليك وطيّب خواطرهم، وأَحضر مملوكًا يقال إنه [هو] الذي آثار الفتنة فضربه وسجنه.
* * *
في رجب خرج: الناصري وأَلطنبغا الجوباني بالعساكر من قَبِل الظاهر من دمشق، وقد قرر في نيابة دمشق أَلطنبغا الجوبانى وقرا دمرداش في نيابة طرابلس ومأمور في نيابة حماة،
_________________
(١) في هـ "النائب".
(٢) في هـ "تمنتمر".
[ ١ / ٣٩٨ ]
وتوجّه عليهم يلبغا الناصري ومعه جماعة من المماليك الظاهرية وغيرهم، فتوجهوا إلى دمشق، فبلغ ذلك منطاش وكان قد جبى من الأَموال من أَهل دمشق شيئًا كثيرًا فخرج بها - وهي نحو من سبعين حِمْلًا - في ثالث عشر جمادى الآخرة بعد أَن قتل من مماليك (^١) الظاهر نحو مائة وعشرين نفسًا واستصحب معه ابن جنتمرو ابن إينال اليوسفى، وسار من دمشق فخرج (^٢) أَيتمش من الحبس فملك القلعة وراسل الجوبانى، فدخل الجوبانى دمشق وهرب محمد بن إينال اليوسفى ونحو مائتي نفر من منطاش فرجعوا إلى دمشق.
ثم خرج أَلطنبغا الجوبائي والناصري ومن معهم، وانضمّ إليهم في طلب منطاش فالتقوا به بين حمص ونوسا (^٣)، فانكسرت الميمنة وفيها الناصري فانهزم، وثبت الجوباني فخامر عليه بعض من معه فجُرح في رأْسه وسقط. فقتله نعير بيده وتمَّت الهزيمة.
واتفق أَن ميسرة العسكر كسرت منطاشًا ففرّ في طائفة، فلما بلغَهُ قَتْلُ أَلطنبغا الجوباني رجع فقتل أَتباع أَلطنبغا الجوهرى ومأمور، ووقع النهب في العسكر من العرب والتركمان، ورجع الناصري إلى دمشق. فبلَغَتْ هذه الأَخبار السلطانَ فساءَه قَتْلُ الجوباني، وقرَّرَ يلبغا الناصري في نيابة دمشق، وجَهَّز أبا يزيد - الذي كان اختفى عنده لما هرب - وصحبته شمس الدين الصوفى لكشف الأَخبار، وكان الصوفى من العباسة - بلدة معروفة بالشرقية - وكان قد اتَّصل بالظاهر لما كان بالكرك، وشهد معه وقعة شقحب وتزيا له بزي الخليفة وانتسب عباسيا، فحصل لبرقوق بذلك نوع مساعدة.
* * *
وفى رمضان نزل ابن نعير على سرمين، فثار عليه أَحمد بن المهمندار في عسكرٍ كبير من التركمان فأَسروا ابنه عليا وهزموه، وأَرسلوا ابنه إلى كمشبغا فقتله (^٤).
* * *
وفى ثامن رمضان استقر ناصر الدين محمد بن رجب في شد الدواوين عوضا عن ابن آقبغا آص.
* * *
_________________
(١) في ز "جهة".
(٢) عبارة "فخرج أيتمش فدخل الجوباني" ساقطة من ز.
(٣) في ز "قوس".
(٤) في ز "فاعتقله".
[ ١ / ٣٩٩ ]
وفى تاسع عشر رمضان استقر مجد الدين إسماعيل الكنائى البلبيسي الحنفي في قضاء الحنفية عوضا عن شمس الدين الطرابلسي بحكم عزله.
* * *
وفي العشرين من رمضان أُعيد أَبو الفرج إلى الوزارة، وقُبض على سعد الدين بن البقرى. وفيها غلب ابن أَبان التركماني على طرابلس في أَثناء الفتنة بين الظاهر ومنطاش، فأَرسل إليها الظاهر قرا دمرداش فغلب عليها، ثم نقله الظاهر إلى نيابة حلب وأَمر كمشبغا بالتوجه إلى القاهرة، فاستقرّ بها أَميرًا كبيرًا.
* * *
وفيها وصل رسل صاحب تونس - أَبي العباس أَحمد بن محمد بن أَبي بكر الحفصي - ومقدَّمهم محمد بن علي بن أَبي هلال - صحبة الركب القاصد إلى الحج، وحج معهم أَبو عبد الله بن عرفة الفقيه المشهور، وقد أَجاز لي المذكور بعد أَن رجع من الحج في السنة المقبلة.
* * *
وفيها نازل منطاش ونعير حلبًا، فتحصَّن كمشبغا من أَول رمضان إلى العُشر الأُخير منه، فراسل نعير كمشبغا يعتذر: فبلغ ذلك منطاشًا فأَخذ حِذره من نعير وخدعه بأَن طلب منه جماعةً من العرب يغيرون معه على بعض التركمان، فأَرسل معه جماعة من العرب، فلما بعدُوا ونزلوا بالليل أَخذ خيولهم وتوجّه إلى البلاد الشمالية.
وكان نعير ملَّ من الحرب فأَرسل يعتذر إلى السلطان ويطلب منه الأَمان فقبل ذلك منه وأَرسل إليه بما يرغب فيه، فسار منطاش إلى مرعش وهرب معه عنقاء بن شطى واجتاز بأَعزاز فانتهبها، ثم نازل منطاش عينتاب ومعه سولى بن ذلغادر وذلك في شوال فغلب عليها ووقع فيها النهب والتخريب إلى أَن تفرَّق أهلها شذر مذر بعد أَن كان نادى لهم بالأَمان ثم غدر بهم، ثم حاصر القلعة وتحصن نائبها محمد بن شهرى التركماني بقلعتها، ثم جَيَّش على منطاش فقتل أَكثر من معه، ومع ذلك فقد دام الحصار إلى آخر السنة إلى أَن تجهز يلبغا الناصري نائب الشام ونائب حلب إليه، وقبل وصولهم بيوم هرب منطاش وقدم محمد بن بيدمر
[ ١ / ٤٠٠ ]
الذي كان أَبوه نائب الشام وأسندمر رأس نوبة منطاش مُستأْمنين في جماعة من المنطاشية فأَكرمهم السلطان.
وفيها (^١) قتل الأَمير (^٢) بن بردبك بن أَرنا صاحب الروم، واستقر بعده في مملكة الروم أَبو يزيد بن عثمان.
وفى شوال عطش الحاج بعجرود حتى بلغت القربة مائة درهم فضة، ووقع بين الركب وبين العرب الكسرة لما رجعوا، وكان أَمير الأَول بيسق أَمير آخور، وأمير المحمل عبد الرحيم بن منكلي بغا.
وفي أَواخر ذى الحجة استقر ناصر الدين بن الحسام وزيرا عوضا عن أَبي الفرج فاستخدم الوزراءَ الذين كانوا قبله وهم شمس الدين المقسى وسن إبرة في نظر الدولة وفخر الدين بن مكانس وسعد الدين بن البقرى في استيفاء الدولة، وأُعيد محمد بن آقبغا آص إلى شدّ الدواوين، ونقل ناصر الدين بن رجب إلى كشف المعاصر عوضا عن خاله ناصر الدين بن الحسام المذكور، وكان ابن الحسام أَولا يخدم عند سعد الدين بن البقرى دويدارًا واقفا في خدمته لما كان ناظرَ الخاص فانعكس الحال وصار ابن البقرى تحت أَمره وربما يكلمه الكلام الفظ، فلله الأَمر.
وفى شوال جهزت عائشة خوند أُخت الملك الظاهر للحجرة الشريفة كسوةَ حريرٍ منقوش بالَغَتْ في تحسينها، وطرزت بابها بالزركش.
وفى رمضان توجه ابن الحسام إلى الصعيد فحصل بها الأَموال السلطانية، فكبس عليه ابن التركية ونهب جميع ما حصله، فبلغ ذلك السلطان فأَرسل إليه عسكرا.
_________________
(١) هذا الخبر غير وارد في ظ.
(٢) فراغ في جميع النسخ.
[ ١ / ٤٠١ ]
وفيها (^١) اختلفت كلمة التركمان وتحزَّبوا أحزابا بعد قتل قرا محمد، ووقع بينهم وقائع كثيرة إلى أَن أَصلح بينهم سالم الدوكارى.
وفى رمضان نزل الفرنج على طرابلس فلما أَشرفوا على الميناء أَرسل الله عليهم ريحا فرَّقت مراكبهم وغرق الكثير منهم، فردوا عن طرابلس فقصدوا المدينة فنازلوها وبها أَبو العباس (^٢) صاحب تونس ففتح لهم البلد فدخلوه، فقاتلهم وكسرهم بعد (^٣) أَن قتل منهم خلائق.
* * *
وفيها قتل صاحب تلمسان أَبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى، قتله ولده وغلب على ملكه، وكانت دولة أَبي حمو إحدى وثلاثين سنة.
* * *
وفى ذى الحجة استقر قرا دمرداش في نيابة حلب نقلا من طرابلس، واستقر في طرابلس إينال بن خجا على، وسولى بن ذلغادر في نيابة الأَبلستين، وتوجّه كمشبغا من حلب إلى جهة القاهرة.
وقيه مُنع من يلبس العمامة من ركوب الخيل إلَّا الوزير وكاتب السر وناظر الخاص وأُذِن لهم في ركوب البغال ونودى أَن الطحانين لا يستعملون الخيل الصحاح وكذلك الحمَّارة.
* * *
وفيها (^٤) مات فخر الدين بن سبع الخلوتي، فأَرسل السلطان قرقماس الخزندار إلى زفتا - بلد المذكور - للحوطة على ماله، وكان المذكور نصرانيا فأَسلم، ثم وقع في واقعٍ كما تقدم في الحوادث أَولا وثانيا، فاتفق أَن بعض أَعدائه قتله في الحمام غيلة فيقال إنه
_________________
(١) هذا الخبر غير وارد في ظ.
(٢) عبارة "أبو العباس صاحب تونس" بدلها في ظ "ابن صاحب تونس".
(٣) خلت ظ من "بعد أن قتل منهم خلائف".
(٤) هذا الخبر بأكمله غير وارد في ظ.
[ ١ / ٤٠٢ ]
حُمل من ماله أَلفُ أَلف ومائتا أَلف درهم، ووجد له من الغلال واواني والرقيق ما يساوى أَلفى أَلف، وكان يزرع في كل سنة أَلف فدان، ويطعم كل ليلة مائة نفس، وكان قتله في جمادى الآخرة.