فيها وصل الحجاج إلى الأَزلم فلم يجدوا بها الإقامة على العادة، فوقع فيهم الغلاء الشديد، وكان السبب في تأخير الإقامة أَن العرب الذين جرت عادتهم بحملها نُقل لهم عن عرب بُلَىّ أَنهم أَرادوا نهب الإقامة فتأَخروا بمغارة شعيب، فوصل الحاج إلى المويلحة فلم يجدوا شيئًا ثم عيون القصب فلم يجدوا شيئا، فغلا (^١) السعر حتى بيعت الويبة الشعير بإثنين وتسعين درهما، قيمتها حينئذ تزيد على خمسة دنانير هرجة؛ ومات من الجمال شيءٌ كثير، وقاسى الحجاج مشقة شديدة، وتأَخّروا عن العادة خمسة أَيام.
وفي رابع عشرى المحرم (^٢) استقر قرط (^٣) بن عمر التركماني الكاشف نائب السلطنة بالوجه القبلى وابنه حسين والى قوص، وأَوقع قرط فى ربيع الآخر بالعرب فكسروه وقتلوا عددا (^٤) من مماليكه، ثم عاد فانتصر عليهم وقتل منهم مقتلةً وأَرسل رءُوسًا من القتلى إلى القاهرة فعُلِّقَت (^٥).
وفيها توجه فخر الدين أَياس في طلب برهان الدين بن جماعة (^٦) لشكوى الناس من سيرة ابن أَبي البقاء، فوصل في أَواخر صفر فخرج بركة لملتقاه وطلع صحبته إلى برقوق ونزل آخر النهار في صهريج منجك، ثم طُلب صبيحة قدومه إلى القلعة وخُلع عليه، ونزل في موكب حافل في ثلاثة عشر من الأُمراء الكبار، فارتجت له القاهرة بحيث كان أَعظم من يوم المحمل وباشر بحرمة ومهابة أَعظم من المرة الأُولى واستعاد من البلقيني تدريس الشافعي،
_________________
(١) عبارة "فغلا السعر دنانير هرجة" في السطر -غير واردة في ظ، وإنما أضيفت من نسخ المخطوطة الأخرى، هذا وقد ذكر المقريزى فى السلوك، ورقة ١١٧ ب، أن ويبة الشعير بلغت خمسين درهما فضة ثم تزايد سعرها حتى بلغت الضعف.
(٢) "شعبان" فى النجوم الزاهرة (ط. بوبر) ٥/ ٣١٥.
(٣) اقتصرت نسخ ل، ك، ز، هـ على تسميته بقرط فقط.
(٤) "عدة" فى ل.
(٥) "وتعلقت" في ل.
(٦) وكان إذ ذاك في القدس، راجع السلوك، ورقة ١١٩ ا.
[ ١ / ١٩٠ ]
وكان انتزعه البلقيني لما استقر ابن أَبي البقاء في القضاءَ، ثم إن ابن جماعة اصطلح مع البلقيني وعوّضه نظر وقف السيفى ووقف المدرسة الطقجية، فكانت ولاية ابن أَبي البقاء هذه الأُولى: سنةً وأربعة أشهر.
وقرأْتُ بخط. الزبيرى أَن العظمة المذكورة لابن جماعة كانت من جهة بركة، فلما تلاشي أَمره لم يتفق لابن جماعة مثل هذه الصورة التي كانت في أَيام الأَشرف بعناية ابن أقبغا آص.
وفيها أَمر بركة بمسك الكلاب ونفيها (^١) إلى الجيزة، وقرّر على كل أَميرٍ وكلِّ صاحبِ دكانٍ منهم شيئًا.
وفيها قيس الميدان وجُعل على كل أَميرٍ فدانٌ، فأَحضر كل أَمير رجالًا من عنده فعَزقوه وأَصلحوه (^٢).
وفي صفر (^٣) قُبض على مثقال الجمالي الزمامي الأَشرفي، وسئل عن ذخائر (^٤) الأَشرف بعد أَن عُرض على العقوبة، فدلّ على ذخيرةٍ وجدوا فيها ثلاثين أَلف دينار، ثم هُدِّد فأَقرّ بأُخرى فيها نصف الأُولى.
وفيها أَحْضر (^٥) مثقال المذكور برنية فصوص من جملتها فص عين هرٍّ زنته ستة عشر درهما، ثم ضُرِب وسُعِّط مرارًا فلم يقر بشئ، ثم وجدت ورقة (^٦) بخط الأَشرف فيها فهرست ذخائره فاعتبرت، فتحققوا أَنه ما بقى عند مثقال شي، فأُطلق.
وفي ربيع الآخر أَمر بركة بتسمير جماعة من قطّاع الطريق فسُمّروا، وكانوا نحو الستة عشر نفسًا.
وفيها شاع بين العامة أَن بركة يريد أَن يركب عليهم فتحدثوا في ذلك، فأَمر بركة والىَ
_________________
(١) في ظ، ك، ل، هـ "نفيهم".
(٢) يستفاد من السلوك، ورقة ١١٩ ب، أن السبب في ذلك أنه كان قد هجر منذ زوال الدولة الأشرفية "حتى توحش فعادت إليه نضارته".
(٣) في هامش ز: "تقدم في السنة الماضية فينظر في أيها كانت " ثم كلمتان غير مقروءتين ومثلها تقريبا في هـ، وفى هامش هـ "إنما تقدم أنه قبض عليه وصودر فليس بينهما منافاة لاحتمال أن يكون أمسك مرة أخرى".
(٤) فى ز "ذخائر أم الأشرف".
(٥) عبارة "أحضر مثقال المذكور" غير واردة في ز.
(٦) وجدت هذه الورقة في بيت مربيته، انظر في ذلك النجوم الزاهرة، (ط. بوبر) ٥/ ٣١٥.
[ ١ / ١٩١ ]
القاهرة أَن يقبض على الزعر والعبيد فتتبعهم واشتد خوف العامة، فأَمر (^١) برقوق الواليَ أَن ينادي للعامة بالأَمان، فاطمأَنّوا.
* * *
وفيها قُبض على مملوكين بدمشق كانا يأخذان النساءَ قهرًا فصلبا، وذلك في ربيع الأَول.
* * *
وفيها ثار أَقبغا عبد الله وجماعة معه على نائب الشام، وكان قد تجرد مع نائب حلب في عسكرى البلدين بسبب التركمان، فوقعت بينهم وبين أَقبغا المذكور ومَن معه وقعة، فكسرهم نائب الشام. أَقبغا إلى نعير فاستجار به، وصادف موت أَخيه قارا أَمير عرب آل فضل، فأَرسل نعير عمه صَوْل بن حيار إلى مصر يطلب الأَمان لأَقبغا ويخطب الإمرةَ لنفسه ويلتزم الطاعة فلم يقع ذلك الموقع وسُجن صَوْل المذكور.
وفيها أُعيد أَشقتمر [المارديني] إلى نيابة حلب فسافر في ربيع الآخر أَو جمادى الأُولى، وأَمر برفع المكس عن أَهل عزاز وأَرسل الأَمان إلى أَقبغا فأَرسله نعير فوصل إلى حلب ثم إلى الشام ثم استقر نائب غزة فأَقام بها؛ وقُسِّمت الإمرة بين نعير وبين ابن عمه (^٢) زامل.
وفيها أَرسل تمرباي -نائب حلب- إلى القدس بطالًا في جمادى الأُولى.
وفي جمادى الأُولى (^٣) أُرسل بيدمر إلى القدس بطالًا أَيضا فوصلا (^٤) إلى القدس جميعا في جمادى الآخرة.
وفيها أَوفى النيل (^٥)، فنزل برَكة إلى كسر الخليج فخَلّق العامود بالمقياس ورجع في الحراقة فصدمه مركب بقلع فكسر مقدم (^٦) الحراقة ووقع شاش بركة عن رأْسه فنزل من الحراقة إلى شختور لطيف فكسر الخليج ثم إلى منزله، وتشاءموا له بذلك
_________________
(١) كان هذا من خطط برقوق فى تحببه إلى العامة حتى لقد تعصبوا له على حد قول المقريزى في السلوك، ورقة ١١٩ أ.
(٢) في ز، ك "عم أبيه".
(٣) في ظ" الآخرة".
(٤) المقصود بذلك تمرباى وبيدمر.
(٥) كانت غابة فيضان النيل هذه السنة قبراطبن و١٩ ذراعا وذلك بمقياس الروضة، انظر كتاب التوفيقات الإلهامية، ص ٣٩١.
(٦) عبارة "مقدم الحراقة لطيف فكسر" فى السطر التالي سقطت من نسخة ز.
[ ١ / ١٩٢ ]
وفيها (^١) أَمر بركة بسلسلة القناطر لئلا تدخل فيها الشخاتير بالمتفرجين في بركة الرطلي وغيرها، فعمل على قنطرة فم الخور سلسلة وعلى قنطرة الفخر أُخرى، ووكِّل بهما من يفتح السلسلة للمراكب الكبار التى تجلب البضائع من الوجه البحرى ويمنع المتفرجين، وفى ذلك يقول ابن العطار:
هُمْ سلسلوا البحر لا لذنبِ … وأرسلوا للحجاز باشه (^٢)
أَشار بذلك إلى إرسال سودون باجه إلى الحجاز لإصلاح الطرقات في هذه السنة.
* * *
وفيها أَمر بركة بكسر جرار الخمر بحارة الأَسارى (^٣) فكُسر منها شئ كثير على يد مأمور الحاجب الكبير.
وفيها فاض الخليج الناصرى من نَجْمُون (^٤) الجمالي فأَغرق البساتين وقنطرة الحاجب وكوم الريش والمناخ ومنية الشيرج وشبرا، وانقطعت الطرق.
وفيها تكلم جار الله قاضي الحنفية في إعادة ما كان السراج الهندى سعى فيه من إحداث (^٥) مودع للحنفية وفى استنابة القضاة في البر وفى لبس الطرحة في المواكب (^٦)، وكل (^٧) ذلك مما جرت به العادة القديمة بانفراد الشافعى به، واتفق أَن السراج أُجيب إلى ذلك فشغله الضعف عنه إلى أَن مات؛ فأُجيب سؤال جار الله إلى ذلك ولبس خلعةً لذلك: وعين شخصا يكون أَمين الحكم ومكانا يكون مودعا، فشق ذلك على برهان الدين بن جماعة وسعى في إبطاله، وساعده
_________________
(١) كان وضع السلاسل في أول ربيع الآخر، أما إرسال سو دون باجه -دو ادار الأمير بركة- إلى الحجاز فكان في الثامن عشر منه، ويشير المقريزي في السلوك، ورقة ١٢٠ أ، إلى أن سبب إرساله هو عمارة الحرم وإجراء عين عرفة، راجع أَيضا ابن شهبة: الاعلام، ورقة ٢٥٧ أ.
(٢) فى ل "باشا"، وفى هامش ز: "بتفخيم الباء".
(٣) سماها المقريزى في السلوك، ورقة ١٢٠ ا، بحارة الأسرى خارج مدينة مصر.
(٤) فراغ في ظ، والضبط من هـ.
(٥) ذكر المقريزي في السلوك، أَن إنشاء هذا المودع كان لا يداع أموال أيتام الحنفية حتى لا نخرج منهم. زكاة. هذا ويلاحظ أن هذه ثالث مرة سعى فيها العجم في إفراد مودع للحنفية وولاية قضاة حنفية بأعمال مصر، راجع في ذلك الاعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٥٧ ا.
(٦) فسر المقريزى فى السلوك، ورقة ١٢٠ ب، المواكب "بالخدمة السلطانية" فقط.
(٧) "وكان ذلك" في ز، هـ.
[ ١ / ١٩٣ ]
الشيخ أَكمل الدين وغيره من أَرباب الدولة، فعُقد لذلك مجلس حافل عند برقوق في نصف جمادى الأُولى. فتكلّم أَكمل الدين وبالغ في مساعدة الشافعي، وجرى بينه وبين جار الله مقاولات (^١) كثيرة وإساءات.
وفى آخر الأَمر قال أَكمل الدين لبرقوق: "إن في هذا الذي يطلبه جار الله شناعةً عظيمة على الحنفية، وإنهم إنما يطلبون منك ذلك تحيّلا منهم على إبطال الزكاة"؛ فنفر برقوق من ذلك وأَمر بإبطال ذلك. وقام مع الشافعية الشيخ خلف الطوخى وكان برقوق يحبه ويعتقده.
فلما كان في الثاني والعشرين من جمادى الأُولى خُلع على ابن جماعة واستقر على قاعدته وأَن لا يخرج شي من الأَوقاف الحكمية والمودع عن أَمره، وحصل للعجم من ذلك غم عظيم وشنّع العامة عليهم بما ذكره أَكمل الدين من قصدهم إبطال الزكاة، حتى قال ابن العطار:
أَمَرَتْ تركْنا بمودِع حكم … حنفىٍّ لأَجْل مَنْع الزكاة
رب خُذْهم فإنهم إنْ أَقاموا … نَخْشَ أَن يأمروا بِتَرْك الصلاة
وقال في ذلك أَيضا:
ظهر "البرهان" لما … لعِبَتْ عُجم بتركِ
واستقام الدست حتى … صُرفَ الجار يبْكي
* * *
وفيها غزر جمال الدين بن عبد الرحيم بن عبد الرزاق (^٢) وعُزل من نيابة الحكم للحنفية، وذلك أَن امرأَة أَقرَّت عنده بانقضاء عدتها يسقط. مخلق فحكم بذلك، ثم ادعت أَنها حامل فكتب لها فَرْض حمل، فاستُفْتِى عليه فأَفتى علماء مذهبه بأَن ذلك مخالف لهم، فأَمر برقوق بعزله وتْعزيره.
وفيها أَمر برقوق بعزل زين الدين الاسكندرى نائب الحنفى (^٣) من الحكم أَيضا، وذلك بشكوى مأمور الحاجب [لبرقوق] منه أَنه يمنع منه الخصوم، وأَمر برقوق بشخصٍ من العامة احتمى عند زين الدين المذكور من مأمور، فَضُرب بالمقارع وجُرس.
_________________
(١) في ل "مغالات"، وفى ز "بقالات" وفى هـ " مقالات".
(٢) "الوراق" فى ز، هـ.
(٣) "الحكم" في ز، هـ.
[ ١ / ١٩٤ ]
وفيها أَحضر قاضي القضاة الحنفية (^١) جار الله ابراهيم الحلوانى الواعظ، فعزّره وسجنه ومنعه من الكلام، وذلك أَنه كان يوما في ميعاده يقرأُ بالجامع الأَزهر فأحضر له شخص يقال له القدسي كتابا فيه من مناقب الشافعى وقال له: "أَمَرك القاضي برهان الدين بن جماعة أَن تقرأَ هذا الكتاب على الناس" فقرأَه، فمرّ فيه أَن شخصا رأى النبي ﷺ في المنام وهو يقرأُ هذه الآية (^٢) ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
وأَشار عند قوله: "هؤلاء" إلى أَبي حنيفة وأَتباعه، وببقية (^٣) الآية إلى الشافعي وأَصحابه (^٤).
فبلغ ذلك بعض الحنفية فشكوه إلى جار الله فأَحضره وعزّره، وأَحضر القدسي فحلف أَن ابن جماعة لم يأمره بشئ من ذلك وإنما اقترح هو ذلك من قبل نفسه، وأَراد أَن يُسمع الناس مناقب الشافعي ولم يعرف أَن فيها هذه القصة. فعزّره الحنفى أَيضا وسجنه، ثم سعى الشيخ سراج الدين البلقيني في أَمر الحلواني إلى أَن أَخرج من السجن وأَقام في منزله ممنوعًا من قراءة الميعاد (^٥)، ثم سعى هو حتى أُذن له في الكلام على عادته وأَعانه برهان الدين بن جماعة.
* * *
وفيها سعى كمال الدين -سبط صلاح الدين الخروبي- في الوزارة، وذلك أَنه نشأَ تحت (^٦) الكتابة والمباشرة، فتكلم مع فقيه الأَمير خضر أُستادار بركة فأَحضره خضر عند بركة وقرر أَمره، وأَن يكون كمال الدين وزيرًا وزوج خالته ابن السقطي ناظرًا للدولة وفقيهُ حضر ناظرَ الخاص وكرائى بنُ خاص ترك شادَّ الدواوين: وشخصٌ دلال بالوراقين -كان يصحبهم- مقدم الدولة.
وضمن [كمال الدين] للأَمير بركة تكفية الدولة ستة أَشهر بشرط أَن يُسلم له خاله
_________________
(١) ساقطة من ز.
(٢) سورة الأنعام ٦: ٨٩.
(٣) عبارة "وببقية الآية إلى الشافعي وأصحابه" ساقطة من ز.
(٤) على هامش ٤١ ا فى نسخة ظ العبارة التالية بخط ابن حجر نفسه " المنام مشهور وليس فيه لأبي حنيفة ذكي وإنما فيه لنسر المرسى" وقد وردت أَيضا بنصها في هامش هـ.
(٥) ف ل، ز، هـ "البخاري".
(٦) "يحب" في ز، هـ.
[ ١ / ١٩٥ ]
تاج الدين الخروبي وقريبهم ركن الدين الخروبي وغيرهما، وضمن لبركة أَن يخلص له منهم مائة أَلف دينار فأَجابه إلى جميع ذلك. فبلغ ذلك أَقاربه فسعوا عليه عند القبط، فوصل الأَمر إلى برقوق فأَنكر ذلك، وطلب المذكور وضُرب بحضرته بالمقارع، وضُرب معه فقيه خضر وجُرِّسا بطراطير، وذلك في أَوائل: شهر رمضان بمصر والقاهرة، ونودى عليهما: "وهذا جزاءُ من يتحدث فيما لا يعنيه"، وهرب ابن خاص ترك، ثم نُفى كمال الدين المذكور إلى قوص، فتغرب هناك إلى أَن مات.
* * *
وفيها ادعى شخص فقير أَنه محمد بن عبد الله النبي الأُمى، فقُبض عليه وسُجن بالمرستان، وكان سئل عن معجزته فقال: "إن أَحرف القرآن تنطق لى"، وسئل أَيضا فاعترف بنبوة محمد ابن عبد الله رسول الله، وأَنه أَرسل بعده ليُقِرَّ شرعه، وأَنه وُعد بالسلطنة والحكم والعدل؛ فشهد رؤساء المرستان أَن في عقله اختلالًا، فقيد زمانًا ثم أُطلق.
وقد رأَيته بعد ذلك بمدة طويلة وهو يستعطى الناس فلا يذكر شيئًا مما تقدم، ويتأَذّى ممن يذكر له ذلك.
* * *
وفي جمادى الآخرة عُقد مجلس بسبب عزِّ الدين الرازى حين ولى تدريس الحديث بالمنصورية، فقام في ذلك الشيخ برهان الدين الأَنباسي والشيخ زين الدين العراقي وغيرهما وقالوا: "إن هذا لا يعرف شيئًا (^١) من الحديث"، فلما اجتمعوا أُعْطِي جزءًا من "صحيح البخاري" ليقرأَ فيه بالحاضر فقرأَ شيئًا فصحف في مواضع واضحة فافتضح، وانفضل الأَمر على ذلك. فأَراد جمال الدين المحتسب ستر القضية، فأَخذ التدريس لنفسه من الناظر وخشى الشناعة فأَحضر بعض المحدّثين إلى منزله وقرأَ عليه الحديث، وواظب على سماع الحديث على بعض المشايخ كالآمدي والدجوى فصاروا يحضرون إلى منزله، واستمر تدريس الحديث بيده ثم استقر فيه ولدُه بعده إلى أَن صار إلى كاتبه (^٢).
* * *
_________________
(١) عبارة "من الحديث. . . . . . . . . فقرأ شيئا" ساقطة من ز.
(٢) يعني ابن حجر بذلك نفسه.
[ ١ / ١٩٦ ]
وفيها استنجز بركة مرسوما من السلطان بالاستيلاء على تركة ابن الأَنصارى قاضى دمنهور وعلى تركة محمد بن سلام التاجر. فاجتمع به برهان الدين بن جماعة فوعظه وسأَله أَن يترك ذلك الله تعالى، ووعظه أَن الله تعالى يعوضه خيرًا من ذلك. فأَجاب سؤله
* * *
وفى أَوائل ذي القعدة ادُّعى على الشيخ زين الدين عمر بن مُسَلَّم القرشي (^١) الواعظ. أَنه مجسّم، وشهد عليه جماعة بكلامٍ قاله يتعلّق بالصفات، فرسم عليه جمال الدين المحتسب، فقام القاضي برهان الدين بن جماعة في أَمره إلى أَن أطلق بعد ستة أَشهر.
* * *
وفيها عمّر بركة الميضأَة المنسوبة له بمكة المشرفة وأَمر بإصلاح بئر زمزم وبإجراء الماء في القناة من عين الأَزرق إلى الفساقي في باب المعلاة.
* * *
وفيها طلب بركة الوزراء المعزولين (^٢)، فنفى ابن الرويهب إلى طرسوس وابنَ الغنام إلى القدس، وضرب ابنَ مكانس بالمقارع، وهرب أَخوه فخر الدين، ثم شفع يلبغا الناصري في ابن مكانس فأطلق.
* * *
وفيها في ذى الحجة حضر جماعة من الرجال والنساء وذكروا أَنهم كانوا نصارى فأَسلموا، ثم اختاروا الرجوع إلى دينهم فأَرادوا التقرب إلى ربهم بسفك دمائهم ندمًا على ما فعلوا، فعرض عليهم القاضي علم الدين المالكي الرجوع إلى الإسلام فامتنعوا، فأَمر بعض نوابه بسفك دمائهم،، فضُربت أعناق الرجال عند الصالحية وأَعناقُ النساء تحت القلعة في الرميلة.
* * *
_________________
(١) في الاعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٥٨ ب "القرمي"، ويلاحظ أنه لم برد أى ذكر لهذا الحادث في السلوك للمقريزي، فلعله ضائع مع بقية أحداث عام ٧٨١. هناك ومع بعض أحداث السنة التالية كما يستفاد ذلك من مراجعة النص.
(٢) الظاهر أن ابن حجر أراد في نسخة ظ التي كتبها بيده أن يسجل أسماء المعزولين، فقد وردت بعد هذا كلمة "وهم"، ولكنه لم يسم أحدا.
[ ١ / ١٩٧ ]
وفيها جاءَ رجل جندى إلى الصالحية فنزل عن فرسه وسأَل عن القاضي المالكي وقال: "أُريد أَن تطهرني فإلى مرتد عن الإسلام"، فأُمْسِك وأُحضر إلى جمال الدين المحتسب فضربه وسجنه وسأَل الأَطباء إن كان مختل العقل أَو لا، فيقال إنهم شهدوا أَنه مجنون فسُجن بالمرستان.
* * *
وفيها في أَوائل رجب شاع بين الناس أَن شخصا يتكلم من وراء حائط.، فافتتن الناس به واستمر ذلك في رجب وشعبان، واعتقدوا أَن المتكلم من الجن أَو الملائكة، وقال قائلهم "يا رب سلِّم، الحيطة يِتْكَلّم! ". وقال ابن العطّار:
يا ناطقًا منْ جدارٍ وهْو ليْسَ يُرَى … إظهر، وإلا فهذا الفِعْلُ فتَّانْ
لمْ (^١) يسمَع الناس للمحِيطانِ أَلْسِنَةً … وإنَّما قيل للحيطانِ آذانُ
ثم تتبع جمالُ الدين المحتسبُ (^٢) القصة وبحث عن القضية إلى أَن وقف على حقيقتها، فتوجه أولًا إلى البيت فسمع الكلام من الجدار، فرسم على الجندى جار المكان وضرب غلامه وقرره، وأَمر بتخريب الجدار فخرب.
ثم غادوا بعد ذلك وسمعوا الكلام على العادة، فحضر مرة أُخرى وأَمر مَن يخاطب المتكلم فقال: "هذا الذي تفعله فتنة للناس، فإلى متى؟ "، قال "ما بقى بعد هذا اليوم شيء"، فمضى.
ثم بلغه أَنه عاد وقوى الظن أَن القضية مفتعلة، فلم يزل يبحث حتى عرف باطن الأَمر، وهو أَنه وجد شخصا يقال له الشيخ ركن الدين عمر مع آخر يقال له "أَحمد الفيشي" قد تواطأ على ذلك، وصارا يلقّنان زوج أَحمد الفيشي ما تتكلم به من وراء الحائط، من قرعة، فيصير الصوت مستغربا لا يشبه صوت الآدميين، فأَنهى الأَمرَ إلى برقوق فسمّرهم بعد ضرب الرجلين بالمقارع والمرأَة تحت رجليها، وحصل لكثير من الناس عليهم أَلم عظيم، وخُلع على جمال الدين المحتسب خلعةً بسبب ذلك.
وقيل إن أَصل ذلك أَن المرأَة كانت تغار من زوجها، فرتّبت مع الشيخ عمر أَن يتكلم لها من وراء الحائط. من القرعة وينهاه عن أَذاها، فثقب الحائط إلى أَن لم يصر منها سوى قشرة
_________________
(١) رواية ز "وما سمعنا وللحيطان السنة".
(٢) وكان إذ ذاك محمود القيصري العجمي.
[ ١ / ١٩٨ ]
وركَب القرعة وتكلّم من ورائها، فقال له في الليل بذلك الصرت المنكر: "يا أَحمد إنتق الله وعاشر زوجتك بالمعروف فإنها امرأَة صالحة" وكرر ذلك، فارتاع الرجل وصالحها.
فلما طالت المدة وتراضيا أَطلعته المرأة على الحيلة، فانفتح لهم دكان تحصيل، فصار الناس يهرعون إلى بيت أَحمد الفيشي ليسمعوا الكلام، واستقرت المرأة هي التي تتكلم.
وأعان المحتسب على الاطلاع على أمرهم أَن الكلام، الذي كان يُسمع ليس فيه إخبار عن مغيب ولا عن حادث يأتى، وكان الركن عمر قد أَقام بجامع عمرو بمصر ثلاثين سنة على قدم جيد والناس يتبركون به ويزورونه، وكانت الموقعة بهم (^١) في ثاني رجب. وكان أَحمد المذكور أَحد العدول الجالسين بالقرب من الجامع الأَزهر بالقرب من زاوية ابن عطاء.
* * *
وفيها وقع الخلف بين الأُمراء الثلاثة فتواطأَ برقوق وبركة على إينال اليوسفي فبلغه ذلك فأَضمر الشر، فاتفق أَن خرج بركة في شعبان إلى البحيرة للصيد على العادة، فانقطع إينال في بيته وأَظهر أَنه ضعيف، فسلّم عليه برقوق مرة بعد مرة، ثم إنه ركب مرة إلى المطعم، فبلغ ذلك إينال فركب إلى الاسطبل وذلك فى يوم الاثنين رابع عشرى شعبان، فملك الاصطبل ونهب أَصحابه بيت برقوق، واستولى على ما في خزائن برقوق، وأَلبس من وجده من مماليك برقوق السلاح ووعدهم بالمال والإقطاعات، وقبض على جركس الخليلي، وأَمر بضرب الكوسات.
وطلب إينال من الزمام أَن يُنْزِل له السلطانَ إلى الاصطبل فامتنع، فطار الخبر إلى برقوق فخاف، فقوَّى أَيتمش عزمه وأنزله في اصطبله، وأَلبس مماليكه وركبوا في خدمته وطلعوا من باب الوزير وقصدوا القلعة على حين غفلة من أَصحاب إينال لاشتغالهم بالنهب، فأَحرقوا باب السر ودخلوا منه، واجتمع معهم من العامة مالا يحصى، فساعدهم -بالعصى والحجارة لما قابلهم- أَصحاب إينال فانكسر الإينالية.
وأَظهر إينال من الشجاعة مالا مزيد عليه، ووقعت في إينال نشابة من بعض مماليك برقوق فجُرح وانهزم إلى بيته مكسورًا، فأَرسل برقوق في أَثره فأُسِر وأُحضر إليه، فقرره ليلا على مَن تواطأ معة من الأُمراء فلم يعترف بشيء، وحلف له أَنه ما كان غرضه إلا الذب عن نفسه،
_________________
(١) "منهم" فى ز، وف هـ " الركن عمر إمام".
[ ١ / ١٩٩ ]
فأَرسل به إلى الإسكندرية فسجنه، واطمأَن برقوق ونزع السلاح ونادى للعامة بالأَمان، وكاتَبَ بركةَ بما اتفق، فأَسرع العود وتلاقيا في الميدان وترجلا جميعا وتعانقا (^١)، وسارا إلى الرميلة ثم افترقا إلى منازلهما.
* * *
وفيها قُتل محمد بن مكى الرافضي بدمشق بسبب ما شُهد به عليه من الانحلال واعتقاد مذهب النصيرية (^٢)، واستحلال الخمر الصرف وغير ذلك من القبائح وذلك في جمادى الأُولى. وأَرخه بعض أَصحابنا في سنة ست وثمانين، والله أعلم.
وضربت عنق رفيقه عرفة بطرابلس وكان على معتقده.
* * *
وفيها حج المحمل اليمنى أَيضا أَرسله الأَشرف بن الأَفضل.
* * *
وفيها زار القاهرُ (^٣) صاحبُ حصن أَرزن العادلَ صاحب حصن كيفا فأَكرمه وركب معه للصيد، وكان العادل خاله، وتوجه العادل إلى أَسعرد وقرّر أُمورها.
* * *