في الثالث من المحرم استقر شمس الدين محمد بن عبد اللطيف المناوي الملقب بالبدنة (^١).
وفيها مات ناصر الدين الطناحي (^٢) في المحرم أو صفر وكان إمام السلطان، واستقر تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله في نظر الأحْباس عوضًا عنه، وكان الطناحي بتعاني الكيمياء ويُفْسد ماله فيها.
واستهلت [هذه السنة] وقد غلب نوروز على دمشق وخرج عنها نائبُها فتوجه إلى الرَّملة، ورجع جكم من دمشق في أوائل المحرّم طالبًا البلاد الحلبية، وتوجه نوروز إلى جهة شيخ ليقبض عليه، فاستمر شيخ متوجهًا إلى الديار المصرية فوصل إليها في الثالث من صفر فنزل الميدان فأكرمه السلطان وعظمه وهاداه أكثر الأمراء، وصُحْبَتُه حينئذ ولدا (^٣) ابن التبانى بواسطة الأمير قطلوبغا الكركي، ووصل أيضا دمرداش نائب حلب - كان - وألطنبغا العثمانى حاجب دمشق، ويونس الحافظي نائب حماة، وسودون الظريف وآخرون، وخُلع على شيخ في الثالث من صفر.
ورجع نوروز من الرملة بعد أن فاته شيخ ومن معه فأوْقَع بالعرب في صرخد، وجاء بجمالٍ كثيرة ودخل دمشق في أواخر صفر (^٤).
وفي مستهل ربيع الأول برز شيخ ودمرداش ومَن معهما من العساكر إلى جهة الشام لقتال نوروز وجكم، وخرج معهما سودون الطيار أمير سلاح وسودون الحمزاوي الدوادار، ثم خرج الناصر في ثامن الشهر وعسكر بالريدانية.
_________________
(١) وردت هذه الكلمة بلا تنقيط في هـ، أما في ك فجاءت "البدينه" بلا تنقيط، وقد سماه المقريزي في السلوك، ورقة بمحمد بن عبد الخالق ونعته بالطويل وبالبدنة.
(٢) انظر العيني: عقد الجمان، لوحة ٢٥٦.
(٣) فوقها في هـ "كذا".
(٤) فيما يتعلق بهذه الأحداث راجع أيضا السلوك المقريزى، ورقة ٦٠ ب.
[ ٢ / ٣٥١ ]
واستخلف بالقاهرة تمراز نائبا في الغيبة ورحل من الريدانية ثانى عشره (^١)، ثم دخل غزة في ثاني عشرى ربيع الأول، ثم دخل دمشق في سابع ربيع الآخر، وحَمَل الجتر (^٢) بين يديه شيخ نائبُ الشام.
ورحل السلطان مَن الريدانية صبيح يوم الجمعة فخرج الناس من القاهرة، ولما بلغهم ذلك - كالوزير وناظر الخاص والقاضي الشافعي قبل صلاة الجمعة - تأخَّر كثير منهم إلى أن صلوا الجمعة وركبوا ووصلوا إلى غزة في ثاني عشرى ربيع الآخر، ثم وصل إلى دمشق في سابع ربيع الآخر (^٣).
وجهَّز السلطان قبل سفره أخويه المنصور عبد العزيز وإبراهيم إلى الإسكندرية، وأرسل معهما قطلوبغا الكركي وإينال حطط يحتفظان بهما، فلم يلبثا (^٤) أن ماتا في يوم واحد في العُشر الأول من ربيع الآخر، وأُحْضِرا إلى القاهرة ميتَيْن فدُفِنا في تربة أبيهما، وحضَر مع الأمير الذي كان موكَّلًا بهما محضر مثبوت بأنهما ماتا بقضاء الله وقدره.
وكان نوروز لما بلغَتْه حركة السلطان إلى الشام جهَّز سودون المحمدى في عسكرٍ إلى الرّملة وأمره بشَنْق فواز أمير عرب حارثة فشُنق، ووصل إليه إينال بن قجماس ويشبك بن أزدمر هاربَيْن من القاهرة، ووصل معهما سودون المحمدى هاربًا من الرملة؛ ودَخل الرملة جبريل والعثمانى وجاهين دويدار نائب الشام.
وفى سابع عشر ربيع الآخر خرج نوروز ومعه العسكر إلى قَصْد قتال ابن بشارة (^٥)، وأرسل بكتمر جلق لجمْع العشير، ثم رجع نوروز إلى البقاع ولحق به بكتمر وتوجَّها
_________________
(١) أمامها في هامش ك "خروج الناصر لقتال جكم".
(٢) في هـ "الشتر" وأمامها في الهامش "أي القبة والطير المذهب"، وفي هامش ز "الذي يقول الناس: القبة والطير".
(٣) أمامها في هامش هـ "يحرر هذا الكلام فقد تقدم آنفا ما يخالفه".
(٤) يقصد بذلك أخوى السلطان: عبد العزيز وإبراهيم.
(٥) يعنى بذلك أحمد بن بشارة من مشايخ العشير بالشام.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
إلى بعلبك، ثم توجّهوا إلى ناحية حمص في أواخر الشهر؛ ودخل جاهين دوادارُ النائب في سابع عشرى ربيع الأول إلى دمشق، ثم وصل أُستاذه ودمرداش إلى الشام آخر يوم في ربيع الأول؛ واستقر ألطنبغا العثماني في نيابة صفد، وعمر بن الهدبانى حاجبَ الحجّاب بدمشق، واستقر سودون بقجة في نيابة طرابلس.
وفي ربيع الآخر سعَتْ جماعةٌ من المماليك لطلب النفقة فأمر الناصر بمسْك جماعةٍ منهم وشَنْق جماعة.
وفى نصف ربيع الآخر برز السلطان إلى جهة حلب واستقرّ صبيحةَ ذلك اليوم نجمُ الدين عمرُ بنُ حجى - أخو الشيخ شهاب الدين - في قضاء الشام، واستقر علاءُ الدين ابن نقيب الأشراف الدمشقى في كتابة السرّ.
ووصل في هذا الشهر شمسُ الدين الإخنائى إلى دمشق وكان قد ملَّ من السعي في قضاء الشافعية بمصر وتناوَبَ ذلك القاضي جلال الدين البلقيني أربع مرات، وفي الآخر استعان البلقيني عليه بجمال الدين الأستادار فألزمه بالسفر صحبة العسكر إلى الشام فسافر وفارقَهم إلى القدس.
* * *
وفى ربيع الأول غضب الناصر على قضاة حماة ورسم عليهم وصادرهم وأهانهم، ووضع في رقابهم الزناجير لكوْنهم أثبتوا محضرا صورته: أنهم سمعوا طائرًا بحماة يقول: "اللهم انصر جكم"؛ وكان قبل ذلك قد رسم على قضاة الشام وطلب من كل واحدٍ منهم مالًا كثيرًا فُوزن أكثره في الترسيم، فطلب من علاء الدين أبي البقاء مالًا فاختفى ثم مات قريبًا.
ودخل (^١) الناصر حلب في أواخر ربيع الآخر وصُحْبَتُه القضاة: البلقيني والكمال بن العديم والبساطى وسالم، فهرب جكم ونوروز وتمريغا المشطوب من حلب وعدوا الفرات،
_________________
(١) أمامها في هامش ك "دخول الناصر حلب وهرب جكم".
[ ٢ / ٣٥٣ ]
فأقام الناصر بحلب إلى أن استهل جمادى الآخرة وأرسل العساكر إليهم في طلبهم فلم يلحقوا منهم أحدًا فرجعوا إليه بذلك؛ وفى غضون ذلك صادر السلطان قضاة طرابلس وقضاة حلب لِعِلَّة قيامهم مع جكم ورجع متوجها إلى القاهرة، فلم (^١) يحضر جكم ومن معه، فرحل السلطان من حلب ورجع وقُرّر في نيابة حلب جركس المصارع، وفى نيابة طرابلس سودون بقجة، وفى نيابة دمشق شيخ، فلما تحقق جكم ومن معه رحيل السلطان مِن حلب رجع إلى حلب فهرب جركس المصارع منه إلى دمشق فدخلها قبل أن يخرج السلطان منها، وأقام جكم ومن معه بحلب (^٢).
وفى جمادى الأولى (^٣) استقر صدر الدين بن الأدمى في قضاء الحنفية بدمشق عوضًا عن ابن الكَفْرى، وكان ابن الجواشينى توجّه إلى حلب ليسعى في ذلك فرجع خائبا.
ودخل السلطان دمشق في جمادى الآخرة ويشبك معه وهو ضعيف.
* * *
وفى نصف جمادى الآخرة أعيد شمس الدين بن الإخنائي إلى قضاء الشام وصُرف ابن حجى، واستضاف الإخنائى الخطابة ومشيخة السميساطية والغزالية ونظر الحرمين وضمّ (^٤) ذلك إلى وظيفة القضاء؛ وكانت هذه الوظائف قد أُفْرِدَت لشهاب الدين بن حجي من مدة، وكان تارةً يستقلّ بها وتارةً يشركه غيره فيها، فلما استضافها الإخنائي سعى فيها الباعوني فانفرد بها وكُتب توقيعه بذلك.
وفى هذا العُشر الأوسط رحل النَّاصر إلى جهة مصر فوافَتْه الأخبار بما صنع جكم وبأن جماعة نوروز وصلوا إلى حماة وبعضهم إلى حمص، فنادى في العسكر بالرجوع إليهم
_________________
(١) عبارة "فلم يحضر جكم ومن معه فرحل السلطان من حلب ورجع" غير واردة في هـ.
(٢) في هامش ك "رجوع جكم إلى حلب ورحيل الناصر".
(٣) يشير المقريزي: السلوك، ورقة ٦٠ ب، إلى أن تولى ابن الأدمى قضاء الحنفية بدمشق كان بمال كثير، ويشير ابن طولون في قضاة دمشق، ص ٢٠٧ إلى أنه "كان لا يتعفف".
(٤) في ك "وتمرلنك" بدلا من "وضم ذلك".
[ ٢ / ٣٥٤ ]
فتخاذلوا، وخرج بعضهم يوهم أنه يتوجه إليهم وبعضهم إلى جهة مصر، فما وسع النَّاصر إلَّا الرجوع إلى مصر فخلع على شيخ وقرّره في نيابة دمشق، وأمره أن يجمع النوّاب ويتوجّه إلى صفد، فخرج هو ودمرداش ويونس العثمانى إليها، وتوجّه الناصر في ثاني عشرى جمادي الآخرة.
* * *
وفى ذى القعدة زلزلت أنطاكية زلزلةً عظيمة فمات تحت الردم عددٌ كبيرٌ؛ قيل: مائةٌ وقيل أكثر.
وفى (^١) رجب هرب سودون الحمزاوي من الناصر فتحصّن بقلعة صفد، فلما قصد نوروز دمشق خرج منها شيخ فتحيل على سودون الحمزاوى وأخذ منه صفد فتحصن بها وذلك بعْد أن أمن إليه الحمزاوى، وكاتب نوروز وجكم بسببه وسأل منهما أن يكون هو وشيخ يدًا واحدة على مَن خالفهم، وجاءه جواب نوروز بالصغو إلى ذلك فلم يفجأ إلا وشيخ تملَّك القلعة وحال بينه وبينها، فهرب إلى نوروز، واستولى شيخ على جميع ما وجده للحمزاوي هناك (^٢).
* * *
وفى شعبان (^٣) سُلِّم فخر الدين بن غراب للأُستادار فصادره وأهانه.
وفيه (^٤) شرع نوروز في عمارة القلعة وجَدَّ في ذلك واجتهد، وعمل فيه الترك والعامة وتزاحموا على ذلك، وفرضوا بسبب ذلك على الأراضى أموالًا كثيرة وشقَّ ذلك على الناس، وشرعوا في إقطاع الأوقاف والأملاك، وكثرُ السعىُ عند نوروز في الوظائف بالبراطيل وانتزاعها من أربابها وقُبض على كثير من التجار فصودروا حتى كان أهل دمشق يشبهون
_________________
(١) راجع هذه الأحداث أيضا في السلوك، ورقة ٦٢ ا وفى نزهة المنفوس.
(٢) أمام هذه الأخبار في هامش هـ "يحرر فإنه ذكر وفاته في التي قبلها".
(٣) انظر السلوك، ورقة ٦٢ ب.
(٤) أمامها في هامش ك "تاريخ شروع نوروز في عمارة قلعة دمشق".
[ ٢ / ٣٥٥ ]
تلك الأيام بأيام تمرلنك، كذا قرأتُ في تاريخ ابن حجى بل قال: "إنها أبشع" قال: "وتنوَّعوا في ظُلم الناس واقتراح الذُّنوب لهم وظهر أهل الفساد ظهورا عظيما".
وفى أواخر شهر شعبان خرج إينال باى بن قجماس ويشبك بن أزدمر وسودون المحمدى وأسنباى في جماعة كبيرة إلى غَزَّة، وكان شيخ قد قبض على نائبها جبريل، وجَهَّز شيخ مماليكَ الحمزاوى في مركب فاتَّفق أنَّهم فكُّوا قيودهم وغلبوا على الموكلين بهم وطلعوا إلى أستاذهم بغزَّة.
وفى شعبان مات قطلوبغا الكركي وإينال حطط وكانا من أعوان يشبك.
وفي مستهل رجب مات ركنُ الدين عمر بن (^١) قايماز الأُستادار.
وفيها خطب جماز إمرة المدينة فأرسل إليه من مصر أن يقْتَتِل هو وثابت فمن غلب كان الأمير، فاقتَتلا في ذى القعدة، فغلب جماز واستولى على المدينة.
* * *
وفى (^٢) التاسع من جمادى الآخرة بُويع الأمير جكم بالسلطنة ولُقب "الملك العادل"، وضُربت السكة باسمه وخُطب له بحلب، ثم أرسل دعاته إلى البلاد فأطاعه جميع النواب بالممالك الشامية والشمالية وخُطب له بها، ولم يتأخَّر عن طاعته غير صفد لإقامة شيخ بها ومن معه، بل خُطب له من غزة إلى الأبلستين (^٣)، وانتزع ألبيرة (^٤) من كزل وكان عصى بها، وحلف له نوروز ومَن بَعْده (^٥) بدمشق في ذى القعدة وكذا من بعده من الأمراء، فقدر الله تعالى أن مدته لم تطل فإنه استولى على القلاع التي بيد التركمان كلها، ولم يتأخر عليه سوى آمد كانت مع محمد بن قرايلك فعصى عليه، فخرج (^٦) عليه جكم
_________________
(١) راجع عنه السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ٣٥٩.
(٢) في هامش ك "سلطنة جكم بحلب".
(٣) في هامش هـ "رأيت بعض الموسمين كتبها البالستين".
(٤) البيرة - بكسر الألف - بلد قرب سميساط بين حلب والثغور الرومية وهى قلعة حصينة، انظر ياقوت معجم البلدان ١/ ٧٨٧ ومراصد الاطلاع ١/ ٢٤٠.
(٥) المقصود "بمن بعده" هنا جماعة الأمراء الذين هم أصغر منه منزلة.
(٦) أمامها في ك "خروج جكم. . ." ثم عبارة غير واضحة.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
بأبهة السلطنة وعدى الفرات من ألبيرة فراسله عثمان بن طورغلى (^١) وهو المعروف بقرايلك يسأله الصلح ويخضع له فلم يُصْغِ إليه بل قال: "لا أرجع عنه إلا أن جاء قَبَّل رجْلي في الركاب، فإن شئْتُ عفوت عنه وإن شئت قتلته"، فرجع رسله إليه بذلك فاستعد للحصار؛ وأشار على جكم أكثرُ مَن معه من الأمراء أن يقْبَل هدايا قرايلك ويرضى عنه بالطاعة ويحقن الدماء ويرجع، فلم يُضْغِ لذلك.
ثم وصل إليه الملك الظاهر عيسى صاحب ماردين وحاجبه فيّاض - وكانا شيخين كبيرين قد طالت مدتهما في مملكة ماردين - فأطاع جكم ووصل إليه بعسكره فقوى عزمه على حرب قرايلك، واستند إلى ماشُهِر عن المذكورين من الظلم والإفساد، فلما قربوا من آمد حطُّوا (^٢) على التركمان واشتبك القتال، فقُتل ولد قرايلك في المعركة فانكسر التركمان، فتَبع جكم آثارهم فوقعَتْ فرسه في حُفْرةٍ من الحفر التي جرت عادتُهم بإعدادها للمكيدة، وقيل بل جاءهُ حجر رماه تركماني من مقلاع فأدماه فوقع (^٣) من فرسه وتكاثروا عليه وذبحوه وانهزم عسكره، فلما فُقِد وتحقق قرايلك قَتْلَ جكم أمر بالتفتيش عليه بين القتلى فوجدوه فلم يعرفوه إلَّا بترسه وبحنَّاء رجليه، وكان لا يفارق ذلك.
وانهزم عسكر جكم هزيمةً شنيعةً ونهبهم التركمان واستلبوا من الجمال والبغال والخيل والأمتعة ما لا يوصف كثرة.
وقُتل في الوقعة ناصر الدين بن شهرى الحاجب - كان بحلب - وقُتل نائب عينتاب الأربلى وصاحب ماردين وحاجبه، وهرب تمربغا المشطوب فاختفى، وكانت الوقعة في خامس عشر ذي القعدة، ووصل خبرها إلى الشام في ذى الحجة ووصل إلى مصر في أواخرها.
_________________
(١) انظر السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ٤٧٤.
(٢) في ك، هـ "حطموا".
(٣) أي جكم.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وقد أشار صاحب ماردين على جكم بالتأنى وقْتَ القتال فخالفه حتى تَلِفَتْ أرواحهم؛ وبلغني أن التركمان قطعوا أعضاءه وأرسلوا كل عضوٍ إلى ناحية افتخارًا بقَتْله لشدة بأسه وهيبته في قلوب التركمان والعرب، ثم أرسلوا برأسه إلى القاهرة في السنة الآتية، ولما بلغ الناصر ذلك فرح وأمَر بضرب البشائر ثم أُحْضِرت الرأس فطيف بها في الأسواق وعُلِّقَتْ على باب زويلة وزُيّن البلد أياما وذلك في الثاني عشر من المحرم في السنة المقبلة.
وكان جكم من مماليك الظاهر؛ وأول ما أُعْطِى تقدمةً بعد هزيمة أيتمش من القاهرة، واستقرَّ رأس نوبة كبيرًا ثم استقر دويدارًا كبيرًا بعد أن بارز يشبك بالعداوة، فانتصر عليه وحبس يشبك، ثم في سنة أربع انهزم جكم وسُجن بقلعة المرقب وراح جكم كأنْ لم يكن، وكانت مدة سلطنته بدعواه قدْرَ (^١) شهرين، وكان شجاعًا بطلًا يحب العدل والخير إلَّا أنه كان مقدامًا على سفْكِ الدماء فكان يُهاب لذلك؛ وقد كان ابن قرايلك يظن أنه لا يقف في وجهه ولا يجسر على قتاله.
* * *
وفي ذي القعدة بعث شيخ إلى نابلس جيشًا فقبضوا على عبد الرحمن بن المهتار وأحضروه له إلى صفد فقُتل بحضرته، وكان المذكور (^٢) قد عصى بآخره على الناصر واتفق مع نوروز فأرسله إلى نابلس فصادر أهلها وبالغ في ظلمهم، فكانت تلك عاقبته.
وفى أوائل ذى القعدة خرج شيخ من صفد ومَن معه فوصل إلى قاقون (^٣) فهرب منه الحمزاوى إلى غزة، فاجتمع هو ومَن بها من الأمراء، ووقعت الوقعة عند حلبين، فقُتل في المعركة إينال باى بن قجماس ويُقال بل قتل بين يَدىْ شيخ صبرًا، وقُتِل في المعركة
_________________
(١) علق مطالع نسخة ز في الهامش على ذلك بقوله " … مدة سلطنته تزيد على خمسة أشهر على ما فصله، فتدبر"، انظر في ذلك ٨٣٩. Wiet: Les Biographies du Manhal Safi No
(٢) يقصد بذلك عبد الرحمن بن المهتار.
(٣) حصن قرب الرملة وكان يعتبر من أعمال قيسرية على ساحل الشام، انظر ياقوت المعجم ٤/ ١٨، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٠٥٩.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
أيضا يونس الحافظي الذي كان نائبَ حماة، وأسر الحمزاوى، وانهزم سودون المحمدى ويشبك بن أزدمر وغيرهما، فجمع نوروز العساكر وتوجّه لقتال شيخ، وسار في نصف ذى القعدة فقَبضوا في شقحب على الأمير بلاط وكان أرسله ليكشف الأخبار.
وفى ثالث عشرى ذى القعدة خُطب للملك الناصر بدمشق، وعَيَّن نوروز جماعةً يتوجهون إلى القاهرة بسبب السؤال للناصر في الرضا عنه فتوجهوا، ثم رجعوا لما بَلَغهم تصميمه على قصْدِ دمشق.
وفيها استولى تمربغا المشطوب على حلب وذلك أنه لما هرب من الوقعة التي كانت بين جكم وبين قرايلك، جاء مع طائفةٍ من المغل إلى جهة حلب فوجد ابن ذلغادر قد جمع التركمان وحاصرها فأوْقَع بهم وكسرهم ودخل البلد وعصت عليه القلعة، فلما بلغهم قَتْلُ جكم سلَّموها له فاستولى على مابها من الحواصل وعلى ما بحلب أيضا من الخيول والمماليك المتخلفة عن جكم، واستقرت قدمه بحلب وانسلخت السنة وهو بها.
* * *
وفيها كائنة ابن الحبال
وفى هذه السنة تواترت الأخبار أن نيسابور خُسِف بها وراح من أهلها خلق كثير، وهي التي يقال لها نشاور، وأن صاحب هرمز مات وولى ولده مكانه وعظم على الناس، ورد المكس إلى رُبع ما كان عليه.
* * *
وفيها استقر في مملكة ماردين شهاب الدين أحمد بن إسكند بن الصالح إسماعيل لما قُتِل الظاهر الأمجد عيسى الإربلى في الوقعة مع جكم وتلقب بـ "الصَّالح"؛ وجَدُّ صالح هو ممدوح الصفى الحلّيّ بتلك القصائد الطنَّانة، وستأتى قصته في حوادث سنة إحدى عشرة إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
ووقع في هذه السنة والتي بعدها والتي قبلها من تلاعُب الجهلة بمنصب الحسبة ما يُتَعَجَّب من سماعه، حتى إنَّه في الشهر الواحد يليه ثلاثة أو أربعة، وسبب ذلك أنهم فرضوا على المنصب مالًا مقررًا، فكان من قام في نفسه أن يليه يزن المبلغ المذكور ويُخْلَع عليه، ثم يقوم آخر فيزن ويُصْرَف الذي قبله، واستمر هذا الأمر في أكثر دولة الناصر فرج.
وفى رمضان وقع الطاعون بالقاهرة وفشا الموت واستمر إلى آخر السنة.
* * *