فيها وقعت الفتنة بين أَيْنَبَك [البدرى (١)] وقرطاى [الشهابي (٢)] وذلك أَن قرطاي لما استقر أَتابك العساكر صاهَره أَيْنَبَك فعظم قدره، ثم غدر (^٣) أَينبك بصهره وتمالأ (^٤) مع جماعةٍ من المماليك مثل بركة وبرقوق ومَن (^٥) انضم إليهما، ووعد كلًّا من هذين (^٦) بإمرة طبلخاناه، وأركب السلطانَ فحضر الأُمراءُ إلى الاسطبل فركب (^٧) قرطاى ومن معه من الأُمراء كسودون الجركسي (^٨) وقطلوبغا البدرى ومبارك شاه (^٩) الطازى وقطلوبغا جركس وغيرهم، فأَحسوا بالغلبة فهرب قرطاى وأَرسل يطلب نيابة حلب (^١٠) - وهو بسرياقوس - فأُجيب إلى ذلك، وذلك في أَواخر صفر.
ثم أُمسك جماعة من الأُمراء الذين كانوا معه، واستمر أقتمر الحنبلي نائبَ دمشق وأقتمر عبد الغنى نائبَ السلطنة بمصر وأَينبك أَتابك (^١١) العساكر ودمرداش اليوسفى رأْس
_________________
(١) (١ - ٢) الإضافة من تاريخ البدر للعينى، ورقة ٩٩ ب س ٦ وفى هـ "جرت" بدلا من "وقعت".
(٢) أورد العيني في تاريخ البدر، ورقة ٩٩ ب، قصة هذا الغدر فقال "إنه بتاريخ الأحد العشرين من صفر عمل قرطاى وليمة فأهدى إليه أينبك مشروبا يقال له شنشن وعمل فيه بنجا، فلما شربه قرطاي تبنج فلما علم أينبك بذلك ركب ولبس لامة الحرب" هذا وقد وردت الإشارة إلى الشنشن أَيضا في الجواهر لابن دقماق، ورقة ١٧٢، وروايته شبيهة برواية العينى.
(٣) في ل "مال".
(٤) في ل "قد".
(٥) المقصود بذلك بركة وبرقوق.
(٦) في ظ "فركب قرطاى ومعه من الأمراء سودون " الخ
(٧) في ل "الشركسي".
(٨) في ز "مبارك الطازى".
(٩) كان ذلك يوم الاثنين. كما أنه أرسل إليه يطلب منه منديل الأمان وهو رمز الاستسلام، ولم يشر العيني في كتابه تاريخ البدر إلى أَنه أنعم عليه بنيابة حلب لاسيما وأنه قد ذكر فيه، ورقة ٩٩ ب، أَن قرطاى "أخرج إلى غزة منفيا ثم نفى إلى طرابلس ثم إلى مرقب ثم جهز إليه من يخنقه بها، وكان هذا آخر العهد به، راجع الجوهر الثمين لابن دقاق، ورقة ١٧٢.
(١٠) نودى في مصر والقاهرة في ذلك اليوم "من كان له ظلامة فعليه بباب المقر الأشرف العزى الأتابكي أينبك" راجع تاريخ البدر للعيني، ورقة ٩٩ ب.
[ ١ / ١٥٠ ]
نوبة (^١) وقطلوبغا (^٢) - أَخو أينبك - أَمير آخور وآطلمش الأَرغونى دويدارًا كبيرًا.
وأَسكن أَينبك مماليكه مدرستي حسن والأَشرف، وأَعطى كلا من ولديه: أَحمد وأبي بكر تقدمةَ أَلف.
وكان استقرار أَينبك في ثاني عشرى صفر، وأَشاع (^٣) العوام أَن بعض الأُمراء ركب على أينبك ولم يكن لذلك حقيقة، فأَمر ابن الكوراني الوالي أَن يسمر طائفة منهم، فيقال إنه أَخرج من الحبس طائفة ممن وجب عليهم (^٤) القتل فسمَّرهم ووسطهم بعد أَن نادى عليهم: "هذا جزاءُ من يُكثر الفضول"؛ ثم التمس من الخليفة أَن يولّى أَحمد بن يلبغا السلطنة لأَن أُمَّ أَحمد كانت تحته، فامتنع [الخليفة] وقال: "أَنا ما أَعزل ملك بن ملك وأولى ابن أَمير" فقال له (^٥): "إن أَحمد ما هو إلَّا ابن السلطان حسن فإن أُمه كانت حاملًا به لما قُتل [السلطان] فأَخذها يلبغا ولم يشعر بذلك فولد أَحمد على فرشه" فقال الخليفة (^٦) "هذا ما يثبت"، فزبوه أينبك وغضب منه وأَمر بإمساكه ونفاه إلى قوص، وقرر (^٧) قريبه زكريا بن الواثق في الخلافة، ثم لم يلبث إلَّا نصف شهر حتى جاءَت الأَخبار من بلاد الشام بمخامرة النواب وموافقتهم لطشتمر وأَنهم جمعوا جمعا كبيرًا وكان اتفاقهم على ذلك في ربيع الأَول، فتجهز أَينبك إلى قتالهم وخرجت مقدمته في سادس عشرى شهر ربيع الأَول وهم: أَخوه قطلوبغا وأَحمد بن أَينبك ويلبغا الناصري ودمرداش اليوسفى وبلاط الصغير وتمرباي الحسنى وجماعةٌ منهم: بركة وبرقوق وبورى الأَحمدى في آخرين، وأَخرج معه السلطان ورضىَ على الخليفة المتوكل وأَعاده إلى الخلافة واستصحبه معد. وخرج بقية (^٨) العسكر في أَول ربيع الآخر،
_________________
(١) كان استقراره رأس نوبة كبيرًا عوضًا عن قرطاى الطازى، راجع تاريخ البدر.
(٢) رسمه العيني في تاريخ البدر، ورقة ٩٩ ب، في آخر سطر هكذا "قطلو حجا" ثم "قطلو خجا" في ورقة ١٠٠ ا، س ١٥، ثم "قطلو قجا" في ورقة ١٠٠ ا، ص ٢١.
(٣) في ظ "وأشاع العوام أَن بعض الأُمراء أمر بأن يركب على أينبك، فأمر أينبك حسين بن الكوراني الوالي أن يسمر جماعة ممن وجب عليه القتل فسمرهم ووسطهم".
(٤) "عليه" في ز.
(٥) في ل، ز "فقال له: أَحمد ما هو إلا ابن سلطان".
(٦) في ل "فقال الخليفة: أَحمد هذا ما يثبت".
(٧) وذلك بغير مبايعة ولا إجماع كما يقول العيني في البدر، ورقة ١٠٠ ب، وذيل العراقي، ص ١٩٨.
(٨) "ببقية" في ز.
[ ١ / ١٥١ ]
واتفق أَن ذلك كان وقت وفاء النيل فتفاعل المصريون على أينبك بالكسر، فإنه خرج (^١) في ليلة الكسر (^٢) فلم يلبث الجاليش أَن رجعوا في ثاني ربيع الآخر من بلبيس خوفًا من الأُمراء الذين صحبتهم، وكان ذلك مكيدةً من يلبغا الناصري فإنه قال: "يا أَخى أَينبك، احترز على نفسك فإن برقوق وبركة يريدان قتلك". فلم يكذبه، ففر في الحال قطلوبغا في ثلاثة أَنفس إلى أَخيه.
ويقال إنّ كُتُبَ الأُمراء وردت من الشام إلى مَن بمصر بتوبيخهم على تأمير أَينبك، فرجعوا إلى أَنفسهم وأَجابوهم بالاعتذار وأَنهم معهم، فاطّلع قطلوبغا على ذلك فهرب في ثلاثة أَنفس إلى أَخيه ورجع العسكر وطلع السلطان إلى القلعة، ثم ركب قَطْلَقْتَمر العلائي وأَلطنبغا السلطاني ليلا ومعهما جمع (^٣) كبير إلى قبة النصر في ثالث ربيع الأَول. فتوجّه إليهما قطلوقجا في مائتي نفس فأَمسكوه وانكسر عسكره، فلما بلغ ذلك أَينبك هرب فرجع الأُمراءُ إلى الاسطبل، وتحدث قطلقتمر في المملكة في ذلك اليوم خاصة ثم أُمسك في اليوم الذي يليه لأَنه كان نزع لباس الحرب، فاجتمع الأُمراءُ الذين قاموا معه وأَشاروا عليه بتقرير سلطان كبيرٍ من أَولاد الناصر يكون (^٤) مالك أَمره، فامتنع (^٥).
ثم طلع إليه في ذلك اليوم الأُمراءُ الذين كانوا خامروا على أَينبك وهم: يلبغا الناصري ودمرداش اليوسفى وبلاط الصغير؛ ومن الطبلخانات برقوق وبركة وغير هؤلاء، فتكلموا مع قطلقتمر المذكور في أَمر المملكة، فزاد الكلام ونقص إلى أَن قبضوا عليه، وأُمْسِك معه أَلطنبغا السلطاني ومبارك شاه الطازى فأرسلوا إلى الاسكندرية.
واستقل بالكلام يلبغا النَّاصرى وبرقوق العثمانى وبركة الجوبانى، فركب الثلاثة وأَمسكوا دمرداش اليوسفى وتمرباى الحسنى ونحوهما، فأُرسلوا الجميع إلى الاسكندرية.
_________________
(١) ليس معنى هذا أن أينبك خرج بنفسه على رأس العسكر بل الواقع أَنه جعل تقدمة الجيش إلى أخيه قطلوقجا، يؤبد ذلك رواية العيني في تاريخ البدر، ورقة ١٠٠ ا، حيث يضيف إلى ذلك قوله "وبعد رجوعه حضر إلى أخيه فأخبره بالخبر".
(٢) أي ليلة كسر الخليج.
(٣) في نسخة في "جميع العسكر".
(٤) رواية ف "لكونه".
(٥) كان سبب امتناعه عن تقرير أَحد أولاد الناصر رغبته في ألا ينفرد وحده بمثل هذا الأمر، فيذكر العيني أنه قال "حتى يأتى إخوتنا" يعنى بذلك الأمراء الآخرين الذين كانوا مع قطلوقجا، راجع أبا المحاسن: النجوم الزاهرة، ١١/ ١٥٨.
[ ١ / ١٥٢ ]
ولم يكن في الثلاثة أكبر من يلبغا النَّاصرى. وإنما كانت إمرة برقوق وبركة [إمرة] طبلخانات عن قرب ثم تقدما، واستقر بركةُ أَميرَ مجلس، وبرقوقُ أَمير آخور ومَلَكَ الاسطبل.
ثم اتفق رأيُ الثلاثة على إحضار طشتمر ليكون أَتابكًا، فحضر من الشام في ثاني عشر شهر جمادى الأُولى وخرج السلطان لتلقِّيه، فاستقر [طشتمر] أَتابك العساكر، وحضر صحبته سودون الشيخوني وتمرباى الدمرداشى رأس (^١) نوبة وكانا قد نُفيا إلى الشام، واستقر يلبغا الناصري أَمير سلاح. وتمرباى الدمرداشي رأسَ نوبة، وبرقوقُ أَميرَ آخور، وبركةُ أَميرَ مجلس، وانتظم الحال على ذلك.
واستبد برقوق وبركة بالحكم وانطاع لهما طشتمر - وذلك من ثالث جمادى الأُولى، وكان ابتداء تقدمة برقوق إلى إمرة مائةٍ في سادس ربيع الآخر، وكذلك بركة.
وكان يلبغا النَّاصرى استقر أَمير آخور فانتزعه برقوق وسكن الاسطبل، وسكن بركة بيت شيخون. واستبدا بالحكم.
واستقر في نيابة الشام أقتمر الحنبلي، وفى نيابة حلب أَقشتمر، وفى نيابة حماة منكلى بغا البلدى، وكان كل هؤلاء مع طشتمر لما عزم على التوجه لمصر لنزع أَينبك.
وفي الخامس من المحرّم استقر قرطاى أَتابكَ العساكر عوضا عن طشتمر اللفاف لما مات، واستقر مبارك شاه الطازى رأسَ نوبة عوضا عن قرطاى، وخُلع على قرطاى بنظر المارستان.
* * *
وفى المحرم ولى جار الله قضاء الحنفية، وانفصل صدر الدين بن منصور من دمشق.
وفي العشرين من صفر أُحضر أَولاد الناصر من الكرك، وكان الأَشرف سيَّرهم إليها لما حج - وهم أَولاد حسن وأَولاد حسين وأَولاد حاجى - فنزلوا الدور بالقلعة على عادتهم.
وفيها أُمِر بنفى بيدمر من صفد إلى طرابلس ثم شُفع فيه فأَقام بالقدس بطالًا.
وفيها قُرر بيدمر الخوارزمي في نيابة الشام بعد موت أَقتمر.
_________________
(١) "رأس نوبة" غير واردة في ز.
[ ١ / ١٥٣ ]
وفى تاسع عشر شهر ربيع الآخر حضر أَينبك وحده إلى بلاط الصغير، فتوجّه معه إلى يلبغا الناصري فأَرسله إلى سجن الأسكندرية، وفى ذلك يقول شهاب الدين بن العطار:
مِنْ بعد عزٍّ قَدْ ذلَّ أَينبك … وانحطّ من بَعْد السمو من فتكا
وراحَ يبكي الدماء منفردًا … والناس لا يعرفون أَين بكا (^١)
* * *
وفى ليلة الرابع من رجب سكر قطلقتمر - أَخو أَينبك - وهو في السجن، ثم قام ليبول فسقط من طاقٍ في المكان فمات سكرانًا ودُفن في صبيحة ذلك اليوم من غير غُسل ولا صلاة، وكان هو رأْس هذه الفتنة كلها لأَنَّه أكبر الأَسباب في القيام على الأَشرف، وأَراد بلاط الصيد فعدى إلى الجيزة فأَرسل إليه برقوق يخيّره في أَي نيابة أَراد من البلاد فامتنع، وأَراد إثارةً الفتنة فوجد المعادىَ قد عُوِّقت عليه فتوجّه إلى الكرك بطالًا.
* * *
وفى ذى الحجة وقعت الوحشة بين الأَميرين برقوق وبركة وبين أَتابك العساكر طشتمر، وكان طشتمر يحب السلامة ويكره القتال، فكان يسلِّم للأَميرين جميع ما يختارانه من ولايةٍ وعزلٍ وأَمرٍ ونهى وغير ذلك، فطمعا فيه وصارا يقترحان عليه إبعاد واحدٍ بعد واحد من أُمرائه وخواصه فيفعل ما يقترحانه عليه إلى أَن كان آخر ذلك أَن أمراه بنفى كمشبغا - رأس نوبته -، فأَراد [طشتمر] تسليمه لهما فامتنع [كمشبغا] ودخل عليه (^٢) مماليكه ليلة عرفة مليسين (^٣) وقالوا له: "إن لم تركب معنا قتلناك" فوعدهم وصرفهم ودخل بيت الحريم ثم قفل الباب. تركب من كان لبس (^٤) من مماليكه إلى الرميلة وبلغ ذلك الأميرين (^٥) فركبا ودُقّت الكوسات وتكاثر مماليك طشتمر على أُولئك فكسروا طُلب بركة وعدّة من أَطلاب الأُمراء، وظهرت من ققطاى الطواشي - خادمِ طشتمر - شجاعة عظيمة، وحَمل في مائتي نفس فكسرهم وهو يقول: "أين أَصحاب الخصي؟ ".
_________________
(١) هامش هـ "كان هذا عند شيخنا من الجيد لسكوته عليه وذكره إلَّا لتزويق ألفاظه وجعل معناه تبعًا لها فصار بهذا الاعتبار إلى السفساف أقرب منه إلى الجيد".
(٢) أي علي طشتمر.
(٣) أي لابسين آلة الحرب.
(٤) في بعض النسخ "ليس".
(٥) المقصود بذلك بركة وبرقوق.
[ ١ / ١٥٤ ]
فاتفق أَن جاءَت في كمشبغا - رأسِ نوبة طشتمر - نشابةٌ فنحرته فحُمل إلى طشتمر وهو في السياق فقال له: "انظر كيف قاتلتُ عنك حتّى قتلتُ! " فقال: "وقتلتَ نفسك ورحتَ النار، وخربتَ بيتي وفتحتَ باب فتنةٍ كان قد أُغلقَ". فمات كمشبغا من ساعته وانكسر أَصحاب طشتمر بعده لأَنه ما كان ركب أَصلًا، فلما رآى ذلك جعل في رقبته منديلًا وركب من اصطبله إلى برقوق - وهو إذ ذاك زوج ابنته - بغير سلاح، فسلّم نفسه له وقال: "أَنا أُحب أَن أكون فداءَ المسلمين، فاصْنَع بي ما شئتْ"، فقبض عليه وعلى أَطلمش الدويدار وجماعةٍ من حواشيه وسُيِّروا إلى الإسكندرية. ونُفى تقطاى وجماعة معه إلى قوص.
واستقر برقوق - في ثالث عشر ذي الحجة - أَتابكَ العساكر ولم يتحول من الاسطبل، واستقر أَخوه قرادمرداش أَمير آخور وسكن في جانب الاسطبل.
ثم قَبض برقوق - في نصف ذى الحجة - على يلبغا الناصري ونفاه إلى الإسكندرية وقَرر إينال اليوسفى رأس نوبة مكان يلبعا الناصري.
* * *
وفى هذه السنة تزايد الرخاء بمصر حتى بيع بدرهم واحدٍ أَربعة وعشرون رغيفًا باردًا، والقنطار الجبن الجاموسي بثلاثين درهمًا، وبيع بدرهم أَربعون حبة من البيض وأَمثال ذلك. وفى ذلك يقول شيخنا بدر الدين بن الصاحب:
إنّ برقوق أَمير … كعبُه في الناس أَخضر (^١)
* * *
وفي العشرين من جمادى الأُولى استقر الشيخ برهان الدين الأَنباسي في مشيخة سعيد السعداء بعد وفاة علاء الدين السرائي بعناية شمس الدين المقسى ناظرِ الخواص.
وفى ثالث عشرى جمادى الأُولى أُعيد القاضي علم الدين البساطي إلى قضاء المالكية، وصُرف
_________________
(١) جاءت رواية هذا البيت في ز على النحو التالي: "إن برقوق لغصن"، وفى هـ "لغصن".
[ ١ / ١٥٥ ]
بدر الدين الإخنائي، وكان البساطى عُزل في صفر وأُعيد البدر، ثم صُرف البدر في رجب وأُعيد العلم.
وفى رجب صُرف التاج النشو من الوزارة واستقر كريم الدين بن الرويهب.
* * *
وفى صفر قُبض على يلبغا النظامي.
وفيه استقر سودون الشيخونى حاجبًا وكذلك بلوط الصرغتمشي.
وفيه نُفى منكلى بُغا الأَحمدى البلدى - وكان نائبَ طرابلس - إلى الكرك ثم نُقل إلى دمشق أَميرًا.
وفيها أُفرج عن يلبغا الناصري - وكان نُفي إلى الشام - فاستقر أَمير طبلخاناه.
* * *
وفى شعبان عَزل القاضي برهانُ الدين بنُ جماعة نفسه عن القضاءَ لوقوع هذه الفتن وكان قد انقطع عن حضور المواكب (^١) فَعَين الأَميرُ طشتمر الشيخَ سراجَ الدين البلقيني مكانه، فنزل الشيخ سراج الدين لولده بدر الدين عن قضاء العسكر، ونزل ولدُه بدرُ الدين لأَخيه جلال الدين عن توقيع الدست، ولم يتم لطشتمر ما أَراده من تولية البلقيني بسَعْى بدر الدين ابن أَبي البقاء عند الأَميرين بركة وبرقوق، فقرراه في الولاية في ثامن عشر شعبان.
واستقر (^٢) صدر الدين المناوي في إفتاء دار العدل عوضًا عن بدر الدين بن أَبي البقاء المذكور، واسترضيا الشيخ سراج الدين بتدريس الشافعي، والشيخ ضياءَ الدين [القرشي (^٣)] بدرس الفقه والحديث بالمنصورية عوضًا عن بدر الدين.
وتوجه ابن جماعة إلى القدس على الخطابة والتدريس كعادته، وكان طشتمر يميل إلى الشيخ سراج الدين البلقيني فاتفق معه أَن يعزل ابن جماعة ويقرره [هو] في القضاء، فنزل
_________________
(١) يستفاد مما جاء في ذيل العراقي، ص ٢٠١، أَن ابن جماعة كان قد امتنع عن الحكم من غير أن يعزل نفسه نحو أَربعة أشهر ونصف، وبذلك بقى منصب القضاء الشافعي معطلا.
(٢) جملة "واستقر … البقاء المذكور" في السطر التالي غير واردة في ز.
(٣) راجع ذيل العراق، ص ٢٠٢، والإضافة منه.
[ ١ / ١٥٦ ]
البلقيني عن قضاء العسكر لولده بدر الدين، وباتوا ليلةً من الليالي يقررون نوابَ البلاد والنوابَ بالقاهرة، حتى قيل إن بدر الدين طرق على أَبيه الباب نصف الليل فقال له: "غلطنا في تولية فلان فإنه جرى منه كذا"؛ واتفقا على تقرير غيره فيما عيّناه له، فأَصبح بدر الدين بن أَبي البقاء قاضيًا.
وقرأْتُ بخط القاضي تقى الدين الزبيرى وأَجازنيه "لما حضر طشتمر واستقر أَتابك العساكر في جمادى الآخرة شرع الشيخ سراج الدين البلقيني في الحطِّ على ابن جماعة، واستعان على ذلك بالضياء القرمى فذكرا عنه معائب وأَنه يستحق العزل، واستكتبا في ذلك عدةٌ من الفقهاء في محضر، وتقرر أَن البلقيني يستقر قاضى الشافعية، فعورض طشتمر في ذلك، واستقر بدر الدين بن أَبي البقاء كما ذكر".
* * *
وفيها استقر علم الدين القفصى في قضاء المالكية بدمشق عوضًا عن البرهان الصنهاجي، وكمالُ الدين المعرى في الحكم بحلب عوضا عن جلال الدين بن نجم الدين الزرعي.
وفيها استقر في الوزارة كريمُ الدين بنُ الرويهب عوضا عن التاج الملكي، ثم عُزل في شوال واستقر في الوزارة (^١) صلاح الدين بن عرام الذي كان نائبَ الاسكندرية واستقر بالملكي ناظرَ الدولة.
وفيها استقر في نيابة حلب منكلى بغا البلدى عوضا عن أشقتمر، ثم أقبل كمشبغا واستقر بمرتبته.
* * *
وفيها قُتل بدر الدين المنشيء الذي كان الصالح - صاحب حصن كيفا - فَوّض إليه أُمور المملكة، وكان قَتْلُه وهو يصلّى التراويح في شهر رمضان ليلة إحدى وعشرين، وكان قد ضَعُف عن تدبير المملكة وأَشرفت البلاد على الخراب، فاتفق الجند على قتله فقتلوه بغتة، ثم أَعلموا
_________________
(١) في ز "واستقر في الوزارة كريم الدين بن الرويهب عوضا عن صلاح الدين بن عرام".
[ ١ / ١٥٧ ]
الصالح بذلك، فاتفق (^١) الرأى على تفويض المملكة للملك العادل عز الدين سليمان: وكان قد حج في تلك السنة فتأَخر الأَمر إلى حضوره في السنة التي تليها.
* * *
وفيها استقر شيخ (^٢) زاده بن أَبي أويس في سلطنة بغداد، واستمر أَخوه حسين مقيما بتبريز.
وفيها ولى قضاء المالكية بحماة رجل يقال له شمس الدين الأَدمى كان نقيب الحكم عند القفصي، فثار عليه المالكية بدمشق وعقدوا له مجلسًا عند النائب وحرروا أَنه جاهل وأَنه شاهِدُ زور وأَنه كاتِبُ مكس، فكاتَبَ النائبُ فيه فتوجه إلى مصر ثم رجع بتوقيعٍ بالاستمرار على ولايته: فباشر في السنة المقبلة.
وفى شوال (^٣) سُمِّر تكا السلحدار (^٤) بأَمر برقوق لأَنه كان أَخبر طشتمر بأَنه (^٥) يريد أَن يقبض عليه، وأنكر تكا ذلك وحلف، ثم أَمر بإطلاقه.
وفيه أُمِّر جركس الخليلي وتكلّم في أمور الدولة (^٦).
وفيه استقر عبدُ الله بن الحاجب والىَ القاهرة، وصُرف تقى الدين بن محب الدين عن نظر الجيش وأُضيفت إلى التاج الملكي.
* * *
وفيها نازل أَبو العباس بن أَبي سالم المريني - صاحبُ فاس - أبا بكر بن غازي بن يحيى
بن الكاسي الوزير، وكان غلب على غسانة واستقل بإمارتها، فحاصره أَبو العباس إلى أَن قبض
عليه فقتله طعنًا بالخناجرت مات.
_________________
(١) في ز "فاستقر".
(٢) في ز " الشيخ زاد بن أبي أويس".
(٣) في ز "شعبان".
(٤) عبارة "السلحدار … عليه وأنكرتكا" غير واردة في ز.
(٥) أي برقوق.
(٦) "المملكة" في ز.
[ ١ / ١٥٨ ]
وكان أَبو بكر المذكور استوزره عبد العزيز بن أَبي الحسن المريني في سنة ثمان وستين (^١) فقام بأُموره أتم قيام حتى مات سلطانه، فقرر في السلطنة ولده محمدا - وهو صبي - وحجر عليه واستبد بالأُمور، فثار عليهم أَبو العباس هذا في سنة خمسٍ وسبعين ولم تزل الحرب دائرة بينهم إلى أَن غلب أَبو العباس على فاس في سنة ست وسبعين بعد أَن أَمَّن أبا بكر ثم قبض عليه وأَخرجه إلى غسانة فأَقام بها مسجونًا فاغتنم الفرصة ووثب على أَميرها واستقل بإمارتها إلى أَن نازله أَبو العباس، فخرج إليه بالعساكر في هذه السنة فقبض عليه وسجنه وقتله طعنًا بالخناجر وذهب مثلًا في هذه السنة.
* * *