في (^١) صفر حضر كمشبغا من حلب فأَمر السلطان بتلقِّيه.
وفي المحرّم احتال [يلبغا] الناصرى وأَيتمش فأَظهرا التنافس، وأَلبس الناصريُّ مماليكه وأَظهر الخروج عن طاعة السلطان وأَمر مناديه فنادى: "من كان من جهة منطاش فليحضر"، فحضر إليه أَلف ومائتا نفس فقَبض عليهم وسجنهم.
وفيها توجّه منطاش في (^٢) جمادى الآخرة من مرعش إلى العمق ثم سار منها إلى سرمين ثم إلى حماة ثم إلى حمص ثم (^٣) إلى بعلبك، فبلغ ذلك الناصري فخرج إليه من طريق الزبداني فخالفه منطاش إلى دمشق فنزل القصر الأَبلق (^٤) وذلك في رجب.
وسار أَحمد تنكز بجماعة البيد مرية ودخل دمشق من باب كيسان ولاقى منطاش بالخيول فرجع الناصري فاقتتلا قتالًا كبيرًا، وكاتب الناصريُّ السلطانَ يستحثه على الوصول لدمشق فاتفق خروج السلطان في العساكر في أَواخر شعبان إلى أَن بلغ دمشق في رمضان، فلما قرب من دمشق هرب منطاش فدخل في العشر الأَخير من رمضان ثم رحل (^٥) إلى حلب فدخلها في العشر الأَخير من شوال، وكان الناصريّ في أَول السنة أَظهر الخروج عن طاعة السلطان ونادى: "من كان من جهة منطاش فليحضر إليّ استخدمه"، فحضر إليه أَكثر من أَلف نفس فحبسهم (^٦)، فلما بلغ ذلك السلطان شكره.
* * *
وكان طروق منطاش البلاد الشامية في جمادى الآخرة، فأَول ما طرق سرمين فبلغ ذلك نائب حماة فخاف منه فهرب، فدخل [منطاش] حماة بغير قتال، ثم كثُر جمعه فتوجّه إلى
_________________
(١) هذا الخبر غير وارد في ظ.
(٢) عبارة "في جمادى الآخرة من مرعش إلى العمق ثم سار منها إلى سرمين ثم" غير واردة في ظ.
(٣) من هنا حتى كلمة "منطاش" في السطر التالي ساقطة من ز.
(٤) في ز "الأبيض".
(٥) في ز، ك، هـ "توجه".
(٦) هذا الخبر تكرار لثاني خبر ورد في أَوائل أحداث هذه السنة التي ذكرها ابن حجر.
[ ١ / ٤١١ ]
حمص فهرب نائبها (^١) إلى دمشق فملكها أَيضا ثم توجّه إلى دمشق. فلما وصل بعلبك هرب أَيضا فدخلها بغير قتال ولم يشوش على أَحد من أَهل هذه البلاد.
ثم توجّه إلى دمشق فخرج إليه النَّاصرى بعساكر دمشق من جهة الزبداني، وكان منطاش توجّه إلى جهة طرابلس فخالف شكر (^٢) أَحمد التركماني - وكان من جهة منطاش - الطريق التي توجّه منها الناصري في العسكر فدخل دمشق، فالتفَّتْ عليه جماعة من البيدمرية فأَخذ منها خيولًا كثيرة وتوجهوا بها إلى منطاش فقوى بهم ورجع إلى دمشق من طريق أُخرى، ونزل القصر الأَبلق، وبلغ ذلك الناصريَّ فرجع وحاصره بدمشق، ودام القتال بينهما وقُتل من الطائفتين جماعة ونهيت دورٌ كثيرة وخرّبت.
فلما طال الحصار ترك منطاش دمشق وتوجّه إلى بعلبك فوصل نعير فيمن معه من العرب والتركمان فقاتل الناصري فانكسر (^٣) منه، وكاتب السلطان واستحثه على المجئ إلى الشام، فخرج [السلطان] في العساكر واستخلف في غيبته كمشبغا في الاصطبل وسودون النائب بالقلعة والصفوى حاجب الحجاب، واستصحب معه الخليفة والقضاة والمباشرين وجماعة (^٤) من القضاة والمباشرين المعزولين، فوصل دمشق في الثاني والعشرين من شهر رمضان فدخل من في طاعته جميع المحالفين من العرب والترك والتركمان ولم يُشْهر في وجهه سيف.
وكان (^٥) يلبغا الناصريّ التقاه فترجّل له السلطان وأركبه من خيوله (^٦) الخاصة وصلَّى الجمعة ثاني يوم قدومه ونادي في البلد بالأَمان وأنَّ الماضي لا يعاد فكثر الدعاء له، وولَّى القاضي شهاب الدين الباعونى (^٧) قضاءَ الشام والخطابة، وعَزّل الزهرى، وكان بدر الدين بن أَبي البقاء أَخذ الخطابة من سرى الدين، فلما دخل الناصريّ مصر وغلب على المملكة نزل عنها ابن أَبي البقاء لابن القرشي فأَضافها إلى القضاءِ، فلما عَزل منطاشُ ابنَ القرشي عن القضاء وولاه الزهرى استمر حتى دخل برقوق دمشق فعزله وولَّى الباعوني.
_________________
(١) في ز، ك "صاحبها".
(٢) ضبطتها نسخة، بفتح الشين والكاف.
(٣) "فانكسر منه" خلت منها نسخ ز، ل، هـ.
(٤) "وجماعة من القضاة المباشرين" ساقطة من ل.
(٥) العبارة من هنا حتى نهاية الخبر غير واردة في ظ.
(٦) "مراكبه" في ز، هـ، ك.
(٧) انظر ترجمته في قضاة دمشق لابن طولون، ص ١٢٢ وما بعدها.
[ ١ / ٤١٢ ]
وأَرسل إليه (^١) نعير بالطاعة والاعتذار عمّا جرى منه، والتزم له بإحضار منطاش بعد أَن طلب لنفسه الأَمان ولأَصحابه، فأُجيب سؤاله.
ووصل إليه (^٢) رسول سولى بن ذلغادر يتنصّل من الذي جرى منه، وأَرسل هدية جليلة منها مائنا إكديش.
واستناب [السلطان] في قلعة دمشق سودون باى فظلم الناس بالمصادرة وسفك الدماء فلم يفلح فقُتل بعد ذلك، وبرز السلطان إلى برزة في سابع شوال، وسار في تاسعه طالبا البلاد الحلبية، وقرّر فخر الدين بن مكانس وزيرًا بالشام فوصل إلى حلب في الثاني والعشرين منه، وقرّر بدر الدين بن فضل الله في كتابة السرّ عوضا عن علاء الدين أَلبيرى (^٣) بحكم ضعفه، وكان (^٤) استصحب ابن فضل الله معه بطالا، وأَمر الكركي بالعود إلى دمشق فاستمر بها من أَول غيبة السلطان في سفرته إلى حلب، فلما عاد وجده على حاله من الضعف، فتوجّه صحبته إلى مصر فاستمر بها ضعيفا إلى أَن مات.
ووصل إلى السلطان كتاب من صاحب ماردين يتضمّن أَن [قد] اجتمع عنده ثلاثة عشر أَميرا من الأَشرفية وجملة من المماليك، فجهّز إليه إينال اليوسفى فتسلَّمهم وأَحضرهم صحبته بعد أَيام قلائل، وكان كبيرهم قشتمر الأَشرفى، فشكر السلطان ذلك لصاحب ماردين.
ووصل أَيضا كتاب من سالم الدوكاري التركماني يخبر السلطان الظاهر بأَن منطاش في قبضته، فجهّز السلطانُ دمرداش نائب حلب في جريدة من إحدى الجهات، وجهّز يلبغا الناصري - نائب دمشق - في جريدة أُخرى، فوصل دمرداش إلى سالم وأَقام عنده أَربعة أَيام، فماطله [سالم] في تسليم منطاش، فلما طال الأَمر عليه (^٥) ركب عليه (^٦) ونهب بيوته وقُتل جماعة من أَصحابه، فهرب سالم ومنطاش إلى جهة سنجار.
_________________
(١) أي إلى السلطان.
(٢) أي إلى السلطان أيضا.
(٣) هكذا في ظ، لكنها "الكركي" في ل، ك، و"البيرى الكركي" في هـ، وكلها صحيحة.
(٤) عبارة "وكان أن مات" ص ١١، غير واردة في ظ.
(٥) أي على دمرداش.
(٦) المقصود هنا سالم الدوكارى.
[ ١ / ٤١٣ ]
ثم قدم يلبغا الناصرى بعد الهزيمة فتفاوض هو ودمرداش إلى أَن غضب الناصري فجرّد الدبوس (^١) على دمرداش ثم أَصلح الحاضرون بينهما فرجعا إلى السلطان، فأخبره دمرداش بأَن الناصري هو الذي كاتب منطاش أَولا حتى حضر إلى دمشق وأَنه هو يخذِّل عنه أَول الأَمر وآخره. وأَحضر إليه كتابًا من عند سالم الدوكارى التركماني صورته أَن الناصريّ أَرسل إليه يعرفه فيه أَنه لا يُسلم منطاش ولا يخذله، ويقول فيه بأَنه ما دام [منطاش] موجودًا فنحن موجودون.
فلما وقف السلطان على ذلك خلا بالناصري فعاتبه على ذلك عتابًا شديدًا، ثم أَفضى به الأَمر إلى أَن أَمر بذبحه، فذُبح بحضرته وذلك في ذى القعدة، ثم تتبّع جماعة من أَصحابه بالقتل والحبس، منهم: أَحمد بن المهمندار نائب حماة، وقرّر في نيابة دمشق بُطا الدويدار، وفى نيابة حلب جلبان عوضا عن قرادمرداش، واستصحب قرا دمرداش إلى القاهرة، و[قرر] في نيابة طرابلس فخر الدين أياس، وفى نيابة حماة دمرداش المحمدى، واستقر أَبو زيد دويدارًا عوضا عن بطا.
* * *
ثم رجع السلطان إلى دمشق فوصلها في ثالث عشر ذي الحجة فقتل بها جماعة من الأُمراء منهم أَحمد بن بيدمر، وكان شابا حسن الشكل فحزن عليه جميع من بدمشق و[قتل] محمد بن أَمير على الماردانى وكمشبغا المنجكى وقرابغا الأَشرفى وغيرهم، وخرج منها في ثاني عشرى ذي الحجة فتوجّه إلى القاهرة.
* * *