فيها ابتدأ الطاعون بالقاهرة، فأول من مات من الأمراء أيدمر الشمسى فأعطيت إمرته لأنس - والد برقوق - في المحرم، ثم مات على بن قشتمر فتقرر مكانه تغرى برمش.
وفيها في صفر قُبض على الشمس المقسى وتسلَّمه بهادر المنجكي بخمسمائة ألف درهم وأُطلق إلى منزله، واستقر في وظائفه كريم الدين بن مكانس، وكان السبب في ذلك أن برقوق لما استقر في تدبير المملكة أخرج كثيرًا من البلاد المتعلِّقة بالدولة لجماعة من جهته، فضاق الحال على الوزير فاستعفى، فغضب منه وولى عنه (^١) وقبض على صهره علم الدين يحيى ناظر الدولة، وعلى شمس الدين بن غراب وغيرهما، وانتهز ابن مكانس الفرصة فالتزم بالنفقة (^٢) فقُرِّر وزيرًا فباشر على هوج فيه.
وفيها قبض على سيف المقدم وصودر على مائتي ألف درهم، واستقر عوضه أحمد العظمة، فقال الشاعر:
مضى المقدم سيفٌ بنعمةٍ … وبهمهْ (^٣)
وكان لحمًا سمينًا فأبْدلوه … بعظْمَهْ
وفيها تزايد الطاعون في صفر وتناهى في آخر ربيع الأول، وقرأتُ بخط صارم الدين بن دقماق أنه سمع الشيخ عليًّا الروبى - حين حضر من الفيوم إلى القاهرة في أواخر صفر - وكان للناس فيه اعتقاد زائد وخرج (^٤) الناس إليه للزيارة - يقول: "إن الطاعون يرتفع في آخر ربيع الآخر"، فوقع كما قال.
وفيها عاد ابن التنسى إلى ولاية القضاء عوضا عن ابن الريغي، ثم استقر ابن الريغي عوضا عن ابن التنسي، ثم تكرر ذلك بينهما.
_________________
(١) "غيره" في ز، هـ.
(٢) "بالتكفية" في ز، هـ.
(٣) في ز "بنقمه وتهمه".
(٤) "تهرع" في ز، هـ.
[ ١ / ٢٣١ ]
وفيها استقر سودون الشيخوني مقدّمَ ألف.
وفى المحرم خُلع على القاضي ولى الدين بن أبي البقاء وأُعيد إلى دمشق على وظيفة القضاء. فوصل في سادس صفر، وكذا خُلع على الكمال المعرى وأعيد إلى حلب على وظيفة القضاء، فوصلها في ثامن صفر.
وفيها استقر الشيخ أصلم (^١) في مشيخة سرياقوس عوضا عن أبيه نظام الدين.
وفيها خرج الحاج (^٢) في شهر رجب.
وفيها (^٣) مات السلطان الملك على بن الأشرف شعبان في شهر ربيع الأول، وكانت المملكة باسمه وهو محجوب، وعاش ثلاث عشرة سنة: منها في المملكة خمس سنين وأربعة أشهر، وقُرر مكانه أخوه حاجى بن الأشرف وعمره ست سنين وأربعة أشهر، ولُقِّب "الصالح".
وفيها ضيق قرط على العرب فحضر إلى أيتمش (^٤) ومن معه من الأمراء المجرّدين بالبحيرة ومعه خمسة من أمراء العربان، ومعهم ستمائة فارس وجماعة من الرجال، فأقبلوا عليهم وطيِّبوا قلوبهم.
ثم أرسل بدر بن سلام إلى بلوط - نائب الاسكندرية - يطلب الأمان وأن يحضر صحبته إلى القاهرة، فلم يتم ذلك.
ثم حضر رحاب - أمير تروجة - وجماعة من أمراء البحيرة صحبة قرط إلى القاهرة طائعين فخلع عليهم واستمر قرط بدمنهور يعمر ما خرب منها ويوطِّن أهلها، ولم يهرب منهم غير بدر بن سلام.
وفيها في رجب جُهِّز برهان الدين إبراهيم الدمياطي - الذي كان نقيب الحكم عند المالكية
_________________
(١) أمامها في الهامش: "مفخمة"، وعلامة على حرف الميم في كلمة أصلم.
(٢) في ز "الحجاج في شهر ربيع الأول"، ثم سقط جزء من الخبر التالي، راجع الحاشية التالية.
(٣) بعد أن أشارت نسخة ز إلى خبر خروج الحاج سقطت منها العبارة الآتية "وفيها مات السلطان الملك المنصور على بن الأشرف شعبان في شهر ربيع الأول"، وقد ورد في الهامش بخط غير خط الناسخ "هنا ساقط فتأمل"، ولكن أمام هذه الترجمة الهامش الأيسر عبارة: "مات الملك المنصور على وعمره ثلاث عشر سنة ومدة ملكه خمس سنين وأربعة أشهر وتولى أخوة الملك الصالح حاجى وعمره ست سنين وأربعة أشهر وهو الرابع والعشرون من ملوك الترك بمصر".
(٤) رواية ز، هـ "فحضر إلى أيتمش ومعه من الأمراء المجردين بالبحيرة خمسة من أمراء العربان".
[ ١ / ٢٣٢ ]
ثم ولى بعد ذلك نظر المواريث - إلى الحبشة رسولًا من قبل السلطان، وكان السبب في ذلك أن بعض الحبشة وصلوا إلى قرب أسوان وأفسدوا في نواحيها فخاف منهم أهلها فطالعوا السلطان بذلك، فأرسل برقوق إلى بَتْرك النصارى اليعاقبة - متَّى بن سمعان - فتهدده، فأرسل من جهته رسلا لكشف الخبر، ثم كتب إلى ملك الحبشة ينكر عليه ويأمره أن لا يُحدث حادثًا، وجُهز إبراهيم المذكور من جهة السلطان بالكتب.
وفي صفر ورد الأمر (^١) إلى دمشق بعزل القاضي برهان الدين التادْلى (^٢) قاضي المالكية واستقرار الشيخ برهان الدين الصنهاجي (^٣) عوضه، فامتنع البرهان وصمم، فبقي المنصب شاغرًا إلى أن استقر علم الدين القفصي في جمادى الأولى.
وفيها هبت ريح عظيمة بدمشق فأتلفت كثيرًا من الأشجار وقلَعَتْها بعروشها، وشاهد أهل دمشق من ذلك هولًا عظيما.
وفيها حضر شخص عجمي عند برقوق، وأخبره أن النيل يتوقَّف من مستهل جمادى الأولى فلا يزيد بعد ذلك شيئًا فأمر بحبسه، فاتَّفق أن النيل زاد في ذلك اليوم خمسة عشر إصبعا، ثم في اليوم الذي يليه ستة عشر، فأُحضر العجمي وأمر بضربه فضُرب مقترحًا مائة عصًا وجُرس، فشَفع فيه مأمور الحاجب فأُطلق، وأوفى (^٤) النيل في عاشر الشهر المذكور؛ ولله الحمد.
وفيها غضب برقوق على جمال الدين المحتسب وأمر بنفيه فخرج، ثم شُفع فيه فأُعيد إلى بيته بطالًا وكان ذلك في أوائل شعبان.
وكان السبب في ذلك أن برقوق تكلم بالتركي في حق القضاة بسبب من الأسباب نُقل له عن بعضهم فقال: "ما هم مسلمين"، فذكر ذلك جمال الدين لصدر الدين بن منصور قاضي، الحنفية، فذكره ابن منصور لبرهان الدين بن جماعة واستشاره في عزل نفسه فسكَّنه، وركب بن جماعة إلى برقوق فذكر له ذلك، فغضب على جمال الدين وعزله وقَرر في الحسبة تاج الدين المليجي، ثم أُعيد جمال الدين إليها في ذي القعدة.
_________________
(١) "الخبر" في ز، هـ.
(٢) ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٥٠.
(٣) ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٥١.
(٤) بلغت غاية فيضان النيل بمقياس الروضة في هذه السنة ١٩ ذراعا، ١٢ قيراطا، انظر محمد مختار باشا: التوفيقات الألهامية، ص ٣٩٢.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وفيها استقر سعد الدين بن البقرى في نظر الخاص، والخليلي مشير الدولة فأَحْدَثَ فلوسًا وأمر الناس بالمعاملة بها، فلم يمش له فيها حال فَتُرِكَت.
وفيها غضب السلطان على علم الدين البساطي فعزله عن قضاء المالكية واستشار فيمن يولِّيه مكانه فأشار عليه ابن جماعة بجمال الدين عبد الرحمن بن خير الاسكندرانى فولاه، وقيل كان السبب في عزله أنه وقع منه في بعض المجالس كلام نفر (^١) منه ابن جماعة: فتكلَّم مع أكمل الدين في أمره وسعى في عزله حتى عُزِل.
وفيها أمْسك كريم الدين بن مكانس وإخوته وأُهينوا وصودروا، وتولى الوزارة علم الدين سن إبرة. وكان السبب في ذلك أن ابن مكانس فتك في الناس وبالغ في الظلم وألزم المباشرين كلهم بجامكية شهرين، وظلم التجارَ وأخذ منهم أموالًا جمة، فاستغاثوا بأهل الدولة حتى رفعوا أمورهم للسلطان فعزله في رمضان عن نظر الخاص، واستقر عوضه سعد الدين بن البقرى ثم عزل عن الوزارة واستقر علم الدين سن إبرة.
ثم صُرف في ذى القعدة فاستقر شمس الدين كاتب أرلان في ديوان برقوق وكان ابن مكانس أشار بتوليته وزارة الشام خوفًا منه، فأرسل إليها ثم استُعيد واستقر في ديوان برقوق عوضًا عن علم الدين بن قارورة.
وارتفع سعر القمح في هذه السنة إلى أربعين، فأُعيد محمود إلى الحسبة.
وفيها ولى صلاح الدين خليل بن عبد المعطى حسبة مصر بعد أن سعى أن يكون نقيبا عند الحنفية فلم يُجَبْ.
وفي جمادى الأولى خرج نظر الأوقاف عن القاضي برهان الدين بن جماعة، ووليه فخر الدين أياس الحاجب.
واستقر سودون الشيخوني حاجبا كبيرا بعد على بن قشتمر، ومات أميرُ سلاح علَّان فأُعطى أنسُ - والدُ برقوق - تقدمته.
وفيها استقر شهاب الدين بن أبي الرضا الشافعي في قضاء حلب بعد موت المعرى.
_________________
(١) "تغير" في ز، هـ.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وفيها جُرّدت العساكر إلى الشام بسبب التركمان، ومقدمُ العساكر يونس - دويدار برقوق - فكسروا التركمان على مرعش، وقُتل منهم خلق كثير وذلك من ابتداء جمادى الأولى إلى شعبان، بعد أن فرّ خليل بن ذلغادر وإخوته، وهم كانوا السبب في هذه الحركة لأنهم كانوا جمعوا جموعًا كثيرة فوصلوا إلى العمق وإلى تبريز وخاف أهل حلب منهم، فكاتب إينال اليوسفى فجردت العساكر من دمشق ومن جميع الممالك ومشوا على التركمان من حلب إلى عينتاب ثم إلى مرعش ثم إلى أبلستين ثم إلى ملطية، والتركمان تفرّ منهم وتتحصن بالجبال المنيعة إلى أن وصل هَزْمُهُم إلى أطراف بلاد الروم، ولما بالغ العسكر في نهب ما قدروا عليه وانتبهوا إلى ملطية كاتبوا بذلك، فأُذِن لهم في الرجوع.
وفيها كانت الوقعة بين العسكر الحلبي والتركماني فانكسر العسكر، ثم أوقع بهم نائب حلب أشقتمر وانتصف منهم.
ثم لما توجه يونس الدوادار إلى الشام بسلطنة الصالح أمر العسكرَ الشامي بالتوجه إلى غزو التركمان، فجمعوا العربان والجند وتوجهوا إلى جهة حلب فخرجوا في ربيع الآخر. فلما كان ثامن جمادى الأولى - وهم بمرعش - هبط. جماعةٌ من التركمان عليهم من مكانٍ عال، فوقع بينهم وبين شرف الدين موسى (^١) الهدبانى ومن معه من الأكراد وغرب بني كلاب مقتلة، فانكسر التركمان وجُرح الهدبانى وأُسِر ثم أفْلتَ ثم وقعت الوقعة الكبرى في حادى عشرة، فاستظهر الترك وانكسر التركمان وانهزموا أقبح هزيمة بعد أن قاسي العسكر شدة في سلوك المضايق والأوعار وشدة البرد.
أما كبير التركمان - سولى بن ذلغادر - فنجا وقطع الفراتَ إلى خَرْتِبَرْت (^٢) وانتهب العسكر من التركمان شيئًا كثيرًا، فأرسل خليلُ بن ذلغادر ومَن معه يطلبون الأمان.
وفيها فتحت مدينة دوركى (^٣) فاستقر في إمرتها إبراهيم بن محمد بن شهرى.
_________________
(١) "موسى" ساقطة من ز، هـ.
(٢) الضبط من مراصد الاطلاع ١/ ٤٥٧ حيث ذكر في شأنها أنها حصن يعرف بحصن زياد في أقصى ديار بكر من بلاد الروم.
(٣) ضبطتها ز، هـ بكسر الدال والواو وسكون الراء.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وفى رجب نُفي مأمور الحاجب ثم أُعْطى نيابة حماة عوضا عن طشتمر الشعباني.
وفي رمضان أحضر يلبغا الناصرى إلى مصر واستقر أمير سلاح رأس الميسرة، واستقر جركس الخليلي مشيرَ الدولة؛ ثم في شوال قُرِّر في نيابة حلب عوضًا عن إينال اليوسفى، واستقر يونس الدوادار بتقدمة يلبغا، وأمر الوزير ألا يتكلم في شيء إلا بعد مراجعته.
وفي جمادى الأولى عُقد الجسر بحجارة مقنطرة على نهر بردى عند جامع يلبغا وكان قبل ذلك خشبًا، عمله ألطنبغا أستادارُ جندمر، ثم عَمل نظيره مقابله على نهر الخندق، وحصل به رفق كبير.
وفيها في ذى الحجة شاع أن قيبيط (^١) - وكان رأس منسر (^٢) بالقاهرة. قد فعل ما لا يُحصى وجاء تائبا (^٣) إلى زاوية الشيخ إسماعيل الإنبابي، فبلغ برقوق فأرسل حسين الكوراني إليه فقبض عليه وعلى اثنين من أتباعه فسُلِخوا وحشوا تبنا، وعلقوا بباب زويلة.
وفي حادى عشر ذي الحجة وَسَّط قرط رحابًا - أمير العرب - وثلاثة معه، وعُلِّقت رءُوسهم بباب زويلة.
وفيها ارتفع السعر بالحجاز حتى بلغت الغرارة أربعمائة درهم.
وفبها كائنة ابن القماح البزاز بقيسارية جركس، وكان قد تعامل هو والبواب فصار يفتح له القيسارية بالليل ويغلق (^٤) عليه فيفتح حوانيت التجار (^٥) ويأخذ منها ما يريد، إلى أن كثر ذلك وافتضح، فعثروا عليه فأُمسك (^٦) وضُرب بالمقارع هو وولده وسجنا بخزانة شمائل.
_________________
(١) في ز، هـ "قرغيظ".
(٢) "ميسرة" في ز.
(٣) في ل "ثانيا".
(٤) عباره ز "ويغلق عليه حوانيت الناس ويأخذ منها ما يريد".
(٥) في ز، ظ، هـ "الناس".
(٦) رواية ابن دقماق في الجوهر الثمين، ص ١٧٩ "أمسك ومعه العملة وزفوه بالمغانى من مصر إلى القاهرة فاعترف قبل المغرب".
[ ١ / ٢٣٦ ]
وكانت سلامته من القطع (^١) من العجائب، وفى ذلك يقول بدر الدين بن الصاحب مضمّنا، وكان بلغه أنه عشر فسقط. فانكسرت يده:
قالوا بأنَّ يد القمّاح قد كُسِرَت … فأعلنت أُختها بالوَيْل والغير
تأخَّر (^٢) القطع عنها وهي سارقة … فجاءها الكسر يستقصى عن الخبر
وقد اهتدم ذلك برمته من البيتين السائرين في تاريخ ابن خلكان:
إن العمادَ بنَ جبريلٍ أخَا علمٍ … له يدٌ أصبحَتْ مذمومة الأثر
تأخَّر (^٢) القطع عنها وهي سارقة … فجاءها الكسرُ يستقصى عن الخبر
وفيها - في جمادى الأولى - حضرت رسل حسين بن أويس صاحب بغداد وتبريز إلى برقوق، وهم قاضي البلد الشيخ زين الدين على بن عبد الله بن سليمان بن الشامي المغربي الغافقي (^٣) الآمدي الشافعي، وشرف الدين عطاء بن الحسين الواسطى الوزير. وشمس الدين محمد بن أحمد البرادعي فأكرموا غاية الإكرام.
وذكر الغافقي أنه غرم على سفرته عشرة آلاف دينار وأنه جاء في مائة عليقة، وكان يكثر الثناء على أهل الشام. وتردّد الكبار للسلام عليهم حتى القضاة؛ ورتب لهم برقوق رواتب كثيرة وطلبهم عنده مرة ومد لهم سماطا حافلًا. وكان تسفيرهم في العشر الأخير من رجب.
وفيها كانت الوقعة بالتركمان وزعيمهم ابن ذلغادر، أوقع بهم العسكر الشامى ومعهم نائب حلب ونائب دمشق في جمادى الأولى فانكسروا كسرة شنيعة وقُتل منهم جماعة، ثم رجع العسكر التركماني فهَزموا العسكر وجُرح نائب ملطية منطاش وتمزَّق الجيش، ووقع التركمان في النهب، وقُتل جركان (^٤) الجركسي وكان من قدمائهم، له ذكرٌ في حوادث سنة خمسين وسبعمائة، وكان من أتباع الفخر أياس وولى نيابة حمص ثم قلعة دمشق ثم الحجوبية بحلب.
_________________
(١) أي من قطع يديه.
(٢) اكتفت نسختا ز، هـ من هذا البيت بالكلمات الآتية "تأخر القطع إلى آخره".
(٣) في ز، هـ "المقانعي" وفى هامش كل منهما "العنابقى" بدون تنقيط القاف.
(٤) في ل، هـ "جوبان" وفى ز "حوكان" لكن راجع فيما بعد ترجمة رقم ١٧ من وفيات هذه السنة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وفيها ابتدئ في عمارة المدرسة الظاهرية بين القصرين، فابتدئ بهدم خان الزكاة بين القصرين، وحصل للناس بذلك مشقة زائدة.
وفيها في شهر رمضان أمطرت السماءُ مطرًا عظيما حتى صار باب زويلة خوضًا إلى بطون الخيل، وخرج سيل عظيم من جهة "طرا" فغرق زرعها وأقام الماءُ أيامًا ولم يعهد الناس ذلك بالقاهرة.
وفيها ظهر نجم له ذوابةٌ قَدَرْ رمحين من جهة القبلة، فأقام (^١) أياما وذلك في شعبان.
وفيها أمسك شخص يقال له الحاج على السرورى، ووُجد عنده رءُوس بني آدم فضرب وجُرِّس.
وفيها أجرى الماءُ إلى الميدان بسوق الخيل وإلى الحوض الذي على بابه، وكان له نحو من سبعين سنة منقطعا.
* * *
وفيها في شهر رمضان قام شخص يقال له ابن بهار إلى ابن جماعة، فأمسك بعنان بغلته عند "العنبرانيين" وقال له: "حكمتَ في بغير الشرع"؛ فرجع ابن جماعة إلى برقوق فشكاه إليه فاتفق أنه كان يفكِّر في أمر من أمور المملكة، وزاد ابن بهار في الإساءة على ابن جماعة بحضرة برقوق فلم يرد عليه، فرجع ابن جماعة إلى التربة فأقام بها وعزل نفسه من الحكم، فبلغ ذلك الأمير فأنكر القصة واعتذر بالفكرة التي كان فيها، فأرسل إلى ابن بهار فأحضره وعُقِد له مجلس.
فأفتى البلقيني - ووافقه العلماءُ - بتعزيره، فعُزِّر وضُرب بحضرة برقوق بالمقارع، وأرسل قطاوبغا الكوكائى وأياس الصرغتمشى إلى ابن جماعة فترضَّياه وطلع معهما إلى برقوق، فقام إليه وترضَّاه واعتذر إليه وأعاده إلى القضاء وقال له: "من تكلَّم في حقك بكلمة ضربتُه بالمقارع" فقبل ذلك ونزل.
وقرأت بخط القاضي تقى الدين الزبيرى (^٢) وأجازنيه ما نصه: "وفي شهر رمضان تسلّط
_________________
(١) عبارة "فأقام أياما" ساقطة من ل، ز.
(٢) في ل "الدميري".
[ ١ / ٢٣٨ ]
شخص يقال له ابن نهار على القاضي ابن جماعة بالإساءة والسب، وكتب فيه تصنيفا واستمر على ذلك مدّة حتى لقى ابن جماعة قد خرج من عند برقوق فشتمه ولعنه، فأمسكه ابن جماعة ودخل به إلى برقوق وقال له: "هذا قال لي كذا وكذا"، فلم يجبه فعزل نفسه ونزل إلى تربة الشيخ جمال الدين الإسنائى - ظاهر باب النصر - ليسافر منها إلى القدس، فقام الأمراء الذين حضروا ذلك مثل قطلوبغا الكوكائي وسودون الشيخونى وأياس الصرغتمشى وسألوا برقوق في عقد مجلس" فذكر قصَّتَه. وفي آخرها "أنه جُرّس ونفى".
* * *
وفيها ثار جماعة على الملك الأشرف صاحب اليمن وأرادوا الفتك به وتولية خاله المظفر، فعُرف بهم وأراد القبض عليهم، فهربوا إلى "الدملوه"، فخرج عليهم العرب فأمسكوهم وأحضروهم إليه فاستتابهم (^١) وعفا عنهم.
وقيل كان ذلك في السنة التي قبلها.
وفيها وقع بين العادل صاحب الحصن وبين السليمانية - ورئيسهم عزيز الدين - وأعان صاحب بَدْلِيسُ (^٢) وجميع حكام ديار بكر، ومن جملتهم سيف الدين النجبى صاحب جزيرة ابن عمر، فعرّف عزيز الدين بكثرة العساكر، فأرسل أباه بهاء الدين في الصلح فاجتمع أبوه بصاحب أرزن فجمع بينه وبين العادل فأقبل عليه ورحل عنهم.
* * *
وفيها في شعبان كائنة الشيخ شمس الدين القونوي (^٣) وكان مقيما بزاويته بالمزة وللناس فيه اعتقاد، وكان شديد الإنكار على أهل الظلم، ورسائلُه إلى الحكام لا تُرَد. فاتفق أن الحاجب "يلو" - نائب الغيبة بدمشق - عزل ابن بلبان من ولاية البر وكتب فيه إلى مصر
_________________
(١) في ل "استنابهم".
(٢) الضبط من ابن عبد الحق البغدادي: مراصد الاطلاع، ١/ ١٧١، حيث ذكر أنها بلدة من نواحي أرمينية قرب خلاط.
(٣) "المقريزي" في ل.
[ ١ / ٢٣٩ ]
بما يعتمده محضرًا، فجاء الجواب (^١) بالتنكيل به. فبلغه ذلك، فهرب إلى زاوية الشيخ شمس الدين القونوي فاستجار به فأجاره ابن الشيخ، فغضب الشيخ.
وكان الشيخ يشطح في حقه وفى حق غيره، فبلغ الحاجب فغضب وأرسل إليه الجنادرة ليحضروا الشيخ وابنه والوالى فنعوا أنفسهم، ووقع بينهم مقاتلة، فشُجَّ الشيخ في رأسه ثم غُلِبوا، فأُحضروا إلى الحاجب، وأحضر القضاة وعرضوا عليهم أمرهم، وأحضروا السلاح الذي قاتلوا به، وأُمِر بكتب محضر بصورة الحال. فأنكر الشيخ أن يكون عرف بحضور ابن بلبان وإنما ابنه فعل ذلك.
وانفصل الحال على أن ضُرب الوالى وابن الشيخ وسُجنا بالقلعة.
وتوجه الشيخ إلى منزله وذلك في شعبان، وحصل للشيخ من ذلك غم كبير. وأقام في زاويته بالمزة وأقصر مما كان فيه من الإنكار ومراسلة الأُمراء، وكان للنائب (^٢) فيه اعتقاد كبير ورسائله للحكام لا تردّ.
فلما كان في جمادى الأُولى سنة خمس وثمانين وصل المرسوم السلطاني إلى الشيخ بالتعظيم والإكرام، وبطلب الذين قاموا عليه وتمكينه من تعزيرهم، ووصل إليه كتابٌ بالتعظيم والتبجيل والإكرام وبطلب الدعاء منه، فأحضر الحاجب (^٣) إليه أربعة، فربط واحدًا منهم في شجرة وأمر بسجن آخر، وزال ما عنده من الانكسار: ورجع إلى حالته الأولى.
وفيها كائنة الشيخ شمس الدين محمد بن خليل الجزري الحنبلي الصوفى. وكان إمام مدرسة الضياء بسبب فتواه بشيءٍ من مسائل ابن تيمية، فأحضره ولى الدين قاضي دمشق وأراد ضربه ثم سجنه فشفع فيه الحنبلي ومنعاه من الفتوى، وذلك في رمضان.
* * *