استهلَّت والسلطان ضعيف يرمى الدم والحمى، وأُشيع موته ثم تعافى وزُيّن البلد في الثالث عشر منه.
وفى ثامن عشر المحرم توجّه نوروز على نيابة الشام وسار معه جمعٌ كبير.
وفى الثالث والعشرين وصل رسولُ نائب الشام شيخ إلى الناصر واسمه يلبغا المنجكى في طلب الصلح والاعتذار عمّا جرى، وكان صحبةَ (^١) الرسول الشيخُ شهابُ الدين بنُ حجي والشيخ شمس الدين بن قديدار، فسمع الناصرُ الرسالَة ولم يُعِدْ الجواب، وكان نوروز حاضرًا كذلك، وخرج بعد قليل مسافرًا إلى نيابة الشَّام، ونزل الشيخان عند القاضي جلال الدين البلقيني والرّسولُ عند أَمير آخور.
وفي الثالث من المحرم وصل أَمير الحاج وذكر أَنه لم يفارقهم إلَّا من الينبع خوفًا من العرب الدين في الطريق بين مكَّة وينبع.
وفى السابع من المحرم قَبَض شيخ نائبُ الشام على سودون الظريف نائبِ الغيبة بدمشق وسجنه بالصُّبَيْبَة، وقَبض على كمشبغا الرمّاح وغيره، وأَلزم القضاةَ وكاتِب السر بمالٍ وصادرهم به وسَلَّمهم لابن ماتاشى وولاه القضاة فأَخذهم بين يديه مشاةً من القلعة إلى العادلية فرسم عليهم بالنورية، فهربوا في أَثناء الليل، ثم سعوا عند النائب وبذلوا ما وقع عليه الاتفاق وأَذن لهم في الحكم، واستناب علاءُ الدين بنُ أَبي البقاء القاضي الشافعي بن ناشي المذكور في قضاء صيدا وبيروت، واستمرّ نوروز متوجهًا إلى الشام، واتّفق أَن نائبها كان توجه إلى الصبيبة فدخل نوروز إلى دمشق في ثاني عشري صفر بغير قتال.
وفي السابع من صفر تغير السلطان على بعض الأُمراء وتخيّل منهم إرادةَ الركوب عليه، منهم يشبك بن أَزدمر وإينال باي بن قجماس، فأَمر بإمساك يشبك بن أزدمر
_________________
(١) ذكرت النجوم الزاهرة ١٢/ ٣٢٣ أنه كان بصحبته أيضا الشريف ناصر الدين محمد بن علي نقيب الأشراف.
[ ٢ / ٣١٦ ]
وكان رأْسَ نوبة كبيرًا وأَمسك معه أَميرين (^١) آخرين وسفَّرهم إلى الإسكندرية للاعتقال بها، فتغيّب إينال باى بن قجماس وهو أَمير آخور لمَّا بلغه ذلك، ويقال إنه طاف ليلًا على جماعة من الأُمراء ليركبوا معه فأَبوا فهرب وهرب معه سودون الجلب، فأَمر السلطانُ بالحوطة على دار إينال باى فأُحيط على موجوده، فغضب كثير من المماليك الظاهرية لذلك وظنوا أَن يشبك ظهر، وأَنه عند السلطان وأَنه هو الذي رتَّبه في ذلك، فركبوا تحت القلعة (^٢) بعصيّ، ثم عادوا للركوب في سادس ربيع الأَول وسطوا على أَرغون فأرادوا قتله فهرب، ولما اشتد الأَمر زاد تَخَوّفُ السلطان منهم فأَراد الهرب، فأُشير عليه بإحضار المحبوسين من الأُمراء وتأمين الهاربين ففعل ذلك. وكان ما سنذكره.
وفى تاسع (^٣) صفر استقر فخر الدين [ماجد] بنُ المزوق في نظر الجيش وصُرف بدر الدين بن نصر الله، واستقرّ محمد بن شعبان في الحسبة وصُرف صدر الدين [أَحمد] بن العجمي، ثم أُعيد صدر الدين في السابع والعشرين من صفر.
وفي الحادي عشر منه استقرّ شمسُ الدين الإحنائى في قضاء الشافعية بالقاهرة وصُرف القاضي جلال الدين البلقيني.
وفى العاشر من صفر حضر إينال باى بن قجماس وحضر إلى السلطان مقيَّدًا على أَمانٍ كتبه خليل بن تمراز عنه، فعاتبه الناصرُ فيقال إنه أَغلظ له في الجواب، فأَمر بنفيه إلى دمياط بطالا، واستقرّ في وظيفته شرباش [الشيخى]، ثم صُرِف واستقرّ فيها سودون المحمّدى، واستقرَّ باش باى رأْس نوبة عن يشبك بن أَزدمر، وفى قضاء المالكية جمالُ الدين عبدُ الله بن القاضي ناصر الدين التَّنسى في مستهل ربيع الأَول وهو شاب صغير، كان عند وفاة أَبيه مِن أَجمل أَهل زمانه، فاتفق أَنه خَرم بعض الأَموال لما كان في حبس
_________________
(١) هما الأميران تمر وسودون وهما من إخوة سودون طاز، راجع النجوم الزاهرة ١٢/ ٣٢٣، هذا ويلاحظ أن القبض وقع على هذين الإثنين فقط، أما إينال باي بن قجماس فقد اختفى.
(٢) فراغ بقدر كلمتين في ز، هـ.
(٣) راجع السلوك المقريزى، ورقة ١٥٣.
[ ٢ / ٣١٧ ]
الإسكندرية فتعصّب له فولى القضاء، فقام القاضي جلال الدين البلقيني وجماعةٌ على أَهل الدولة فعُزل بعد يومين وأُعيد جمال الدين البساطي في ثالث ربيع الأَول، وفى الخامس منه أُعيد القاضي جلال الدين وصُرف الإخنائي، وهي الخامسة للبلقيني.
وفى السادسة منه ثارت الفتنة بين الناصر وأُمرائه (^١) فتخيَّل منهم وتخيّلوا منه، واجتمع جمعٌ كبيرٌ عند الأَتابك بيبرس لرَغْم النَّاصر وتواعدوا على الركوب فهرب (^٢) تغْري بردي ودمرداش.
وفى الثامن منه ظهر يشبك وأَتباعه مثل تمر وجركس المصارع وقانباي العلائي.
وفى الخامس عشر منه أُحضِر الأُمراءُ المحبوسين بالإسكندرية إلى القاهرة [وهم] قطلوبغا الكركي ويلبغا الناصرى وإينال حطط وسودون الحمزاوى، ثم أُحضر إينال باى من دمياط ثم أُحضِر يشبك بن أَزدمر من الإسكندرية في تاسع عشر ربيع الأَول.
وفى العشرين منه قُبض على كاتب السر فتح الله وتسلَّمه مشد الدواوين ثم صودر على خمسمائة (^٣) أَلفٍ وهى قريبة من أَربعة آلاف دينار إذ ذاك، وأُطلق ولَزم بيته، واستقرّ سعد الدين بنُ غراب في كتابة السرّ فباشرها من هذا الوقت إلى أَن عاد الناصر إلى المملكة فتركها لابن المزوّق، وأُعيد ابن نصر الله إلى نظر الجيش، ولبس ابن غراب بزى الأُمراء وأُعطِىَ تقدمة.
وفى الثاني والعشرين منه أَمَر الناصرُ يشبك بنَ أزدمر أَن يستقرّ في نيابة ملطية فامتنع،
_________________
(١) ذكر السلوك، ٥٣ ب، أن طائفة من المماليك الجراكسة سألوا السلطان القبض على تغرى بردي ودمرداش وأرغون من أجل أنهم من جنس الروم.
(٢) لم يكن هرب تغرى بردى - والد أبي المحاسن المؤرخ - ودمرداش إلا بإشارة من السلطان الناصر فرج حين أحس الخوف من الأمراء الثائرين الذين خافوا من إعراضه عن الجراكسة، انظر الحاشية السابقة، ويقول ابنه أبو المحاسن: النجوم الزاهرة، ١٢/ ٣٢٥ في ذلك "إن السلطان أمر الوالد أن يختفى حتى ينظر في مصلحته، وأمر دمرداش أيضا بذلك".
(٣) الوارد في النجوم الزاهرة ١٢/ ٣٢٦ أن السلطان ألزمه بحمل ألف ألف درهم.
[ ٢ / ٣١٨ ]
فأُلبس غَصْبا ورُسم عليه وأُمر الحاجب (^١) أَن يخرجه من القاهرة، وأُمِّرَ أزبك الإبراهيمي (^٢) في نيابة طرطوس فامتنع أَيضا ولم يحضر الخدمة، وتشَوَّش أَكثر المماليك من ذلك والأُمراءُ الجراكسة وتخيّلوا من الناصر أَنه يريد إبعادهم وتقديمَ أَخواله الروم، وكان ذلك يظهر منه كثيرا، فكثر الهرج والمرج وإشاعة ركوبِ الأُمراء على النَّاصر، فغلب عليه الخيال (^٣) إلى أَن حمله ذلك على الحرب، فغُيب يوم الأَحد خامس عشرى ربيع الأَول وقت القيلولة وفُقد فلم يعلموا له خبرًا، فقيل إنه خرج من باب القرافة مختفيا وركب فلم يُعلم خبره لأَنه نهى مَن اتبعه عن اتباعه فرجع عنه وليس معه إلا مملوك واحد وهو بيغوت، فعدَّى إلى الجيزة ثم رجع إلى بيت سعد الدين بن غراب فاختفى عنده ولم يتحققوا أَين هرب بل أُشيع أَنه قُتل سرا، وصار ابن غراب يطالعه الأَخبار يوما بيوم ويدبّر معه أَمر يشبك وغيره ويعلمه بما يشتد به الحقد منه على أَقاربه كبيبرس وإينال باى وغيرهما ممن يخالف هواه هوى يشبك إلى أَن كان ما سنذكره.
فلمّا بلغ الأُمراءِ غيبةُ الناصر اجتمعوا في آخر النهار ببيت الأَمير الكبير بيبرس ثم بالإسطبل بعد أَن جمعوا القضاة والخليفة، وتشاوروا إلى أَن استقر رأْيهم على سلطنة أَخيه عبد العزيز فأَحضروه ولقَّبوه "المنصور" وعقدوا له البيعة في تلك الليلة، واستقرّ بيبرس الصغير لالا السلطان، واستقرّ في الثامن والعشرين منه بيبرُس الكبير قريبُ السلطان
_________________
(١) الحاجب الذي وكل إليه أمر إخراجه هو محمد بن جلبان.
(٢) ويعرف بخاص خرجي، انظر الضوء اللامع ٢/ ٢٧٣.
(٣) فسر النجوم الزاهرة ١٢/ ٣٢٩ تخيل السلطان بأنه سكر يوم النوروز ثم ألقى بنفسه في فسقية وألتقى الأمراء أنفسهم معه وراحوا يتمازحون، وترك السلطان وقاره فجاء أحدهم وحاول إغراقه مرارًا وهو يمرق تحته كأنه يمازحه، فخلصه بعض مماليك أبيه من الروم وأسرها السلطان في نفسه، ثم تبين له أن بقية الأمراء يريدون قتله على أية صورة، فلم يجد فرج بدا من أن يفوز بنفسه ويترك لهم ملك هذا مصر، هذا ويلاحظ أن من الناصر فرج إذ ذاك كانت نحو سبع عشرة سنة، انظر أيضا المقريزى السلوك، ورقة ١٥٤، وإن جاء التاريخ هناك ١٣ ربيع الأول.
[ ٢ / ٣١٩ ]
أَتابكًا وأَقباى أَميرَ سلاح وسودون الطيارُ أَميرَ مجلس وسودون المحمّدى أَميرَ آخور وباش باى رأْسَ نوبة كبيرًا ورسطاى حاجبَ الحجاب، وخُلع على المباشرين المستقرين: على سعد الدين بن غراب وهو كاتب السر، وعلى ابن المزوَّق وهو ناظر الجيش، وعلى فخر الدين بن غراب وهو الوزير، وعلى القضاة الأَربعة وهم: البلقيني وابن العديم والبساطى وسالم؛ وكان ما سنذكره.
وفى صفر عُزل الصدر بن العجمي من الحسبة وقُرر ابن شعبان ثم صُرف بعد خمسةَ عشر يومًا وأُعيد الصدر، وصُرف القاضي جلال الدين عن القضاء في صفر وأُعيد الإخنائي ثم أُعيد القاضي جلال الدين في خامس ربيع الأَول.
وفى تاسع عشرى ربيع الأَول رُجِم الأستادار وشُجَّ وجهه فدخل إلى السلطان واستعفى ورجع إلى بيته فطَرَدَ الأَعوان.
* * *
وفي ربيع الآخر توجه نوروز نائب الشام لقتال شيخ بالصبيبة، واجتمع شيخ وجكم ومن معهما فوقع القتال بينهم، ودخل شيخ دمشق فأَمر بضرب عنق جقمق الحاجب لأَمرٍ اتَّهمه به فقُتل صبرا، وذلك في حادى عشر ربيع الآخر، وأُحضر شيخ السليماني وكان نائب صفد ثم طرابلس، ثم قبض عليه جكم لما حَكم على طرابلس وسَجنه وأَخذ ماله فهرب إلى صهيون، ثم قدم دمشق فاستقر بها أَميرًا عند نوروز وحضر معه الوقعَة فقبض عليه وأَمر جكم بقتله فقتل، وغلب شيخ على دمشق وفوض القضاءَ لشهاب الدين الحسبانى، وخَطب بالجامع فلم يقبل أَحدٌ من النواب القدماء عنه النيابة فاستناب جماعةً من جهته منهم ابنه وصهره، فيقال إنهم استأذنوا القاضي الحنفيَّ لتصحَّ أَحكامهم.
وأَراد الأَمير جكم أَن يتوجّه إلى طرابلس فوصل كتابُ النائب بها يلتمس المصالحة فتأَخَّر تَوَجُّه جكم، ووصل نوروز إلى بحيرة حمص في ناس قليل، فتوجَّه شيخ وجكم
[ ٢ / ٣٢٠ ]
ومن تبعهما لقتاله فهرب إلى حماة، فدخل شيخ وجكم طرابلس، فنزل جكم بدار النيابة، ووقع يَوم دخولهم مطرٌ كثير جدا، فلما بلغ ذلك نائب حلب توجه أَيضا إلى حماه فاجتمعوا كلهم عند نوروز ووافقهم جمعٌ كثيرٌ من التركمان منهم: ابن صاحب الباز، فوقعت الواقعة بين جكم وشيخ وبين دقماق نائب حماه ومن انضم معه ظاهرَ حماه في أَواخر رجب، فانكسر دقماق وملكا حماه، وقُتل دُقماق بين يَدَىْ جكم ونَهب حماه.
وكان نوروز قد توجّه إلى حلب هو ومَن معه لأَن دمرداش كان تقدّمهم وأَوهمهم أَنه جمع لهم التركمان، فلما وصلها غَلب على حلب فتوجَّه نوروزُ ونائبُ حلب في إثْرِه وبقى دقماق بحماة وحيدًا فانكسر.
ثم توجّه جكم وشيخ إلى حلب فدخلوها بغير قتال، وهرب نوروز إلى جهة الشَّمال واستقر بها الأَمير جكم، ورجع شيخ إلى دمشق وكان قد أَرسل إلى الناصر يخطب منه نيابةَ دمشق ويخطب لجكم نيابةَ حلب، فوصل شاهين الحسنى ومعه رسولُ سودون الطَّيار ومعه ولاية شيخٍ على الشام، وجكم على حلب، ودمرداش على حماة.
ودخل (^١) شيخ إلى دمشق في أَواخر رجب ولبس خلعةَ النَّاصر ولم تخرج دمشق في هذه المرة عن حكمه في الصورة الحسية، وكان بعد ذلك ما سنذكره.
وكان دمرداش مشتَّتا عند التركمان.
* * *
وفيها كائنة عبد الوهاب بن الجباس المصرى، وكان يحترف في حانوتِ عطارٍ فسعى أَن يكون سمسارا فأُهين ومُنع، فخَدم عند بدر الدين الكلستاني كاتب السر فسعى له
_________________
(١) راجع المقريزي: السلوك، ٥٦ ب.
[ ٢ / ٣٢١ ]
حتَّى صار شاهدًا، ثم سعى إلى أَن ولى الحسبة بمصر ثم بالقاهرة، ثم لما ولى جمال الدين التنسى قضاء المالكية - وهو شاب - طمع هذا في قضاء الشافعية عند ابن غراب، وكان ابن غراب قد غضب من الشافعي في شيء فنوّه بذكر ابن الجبّاس وكان في غاية الجهل، أَلثغَ زرِيَّ الهيئة، فقام في ذلك الشيخ زينُ الدين الفارسكوري وادّعى عند ابن العديم بقَضايا، وآخر أَمره كُتِبَ عليه قسامة أَن لا يلبس طيلسانا ولا يركب بزى القضاة، وأُهين وعُزِّر وحبس، ثم شُفع فيه فأُطلِق وذلك في ربيع الأَول من هذه السنة.
* * *
وفى أَوائل رجب استقر ابن خطيب بعرين في ولاية قضاء الشام وكان قد سافر مع جكم وتقرّب له برواية أَحاديث الملاحم المكذوبة وبشَّره بأَنه يلى السلطنة وبأَنه ينتصر على أَعدائه، فلما غلب على حماه سأَل نائبَ الشام أن يقرره في قضاء دمشق فكتب له توقيعًا بذلك، قال ابن حجى: "وكان ابن خطيب يعرين آيةً في الكذب والزور مشهورًا بذلك، مع الشهرة التّامة بعدم الدين (^١)، حتى إنَّ حكم أَرسله رسولًا إلى نائب الشام في أَواخر هذه السنة، فخلع عليه خلعة حرير بطراز ذهب فلبسها، وخرج وهو فرحان وقد تَطَيْلَس فوقها، ثم أنِس منه فوجد فيه أُمورا منكرة فختم عليها، ثم بعد وصول نائب الشام - شيخ - إلى دمشق كاتب يشفع في ابن الحسبانى فوصل توقيعه بذلك في شعبان فباشر القضاءَ وصُرف ابن الخطيب.
* * *
وفى السادس من جمادى الآخرة ظهر الناصر وصعد إلى القلعة ضحْوةَ النهار، فكانت مدة غيبته سبعين يوما إلَّا يوما (^٢)، وكان يشبك وجماعة اتفقوا مع الناصر وهو في بيت
_________________
(١) أمامها في هامش ز بخط الناسخ "استغفر الله".
(٢) أمامها في هامش ز بخط قارئ النسخة "هذا مخالف لما ذكر من قبل وأنه تغيب في الخامس والعشرين من ربيع الأول لأنه تكون مدة الغيبة على ذلك الحساب إحدى (كذا) وسبعين يوما، المهم إلا أن يكون شهران تسعة وعشرين يوما حتى تكون المدة ناقصة عن سبعين بيوم، وكان يلزم على المصنف بيانه ولم يبينه".
[ ٢ / ٣٢٢ ]
ابن غراب فأَركبوه إلى بيت سودون الحمزاوى بالباطليّة، فلما أَصبحوا ركبوا ولا عِلْمَ عند بيبرس وأَتباعه بظهور الناصر بل ظن أَن الأُمراء البطَّالين مثل يشبك ومن معه قد ركبوا عليه، فركب هو أَيضا بالرّميلة، فخرج الناصر ومَن معه مِن المماليك فحملوا على بيبرس ومَن معه وطلبوا باب القلعة ففَتح لهم واليها الباب، فطَلع الناصرُ القصرَ وانخذلت طائفةُ بيبرس، فهرب سودون المردانى واختفى، وخرج بيبرس إلى خارج المدينة، فأَرسل إليه سودون الطيار فأَحضره وأَرسله مقيدًا إلى الإسكندرية، واستقرّ يشبك في الأَتابكية عوضه في ثامن جمادى الآخرة، واستقر سودون الحمزاوي دويدارًا عوضًا عن سودون الماردانى، واستقر جركس المصارع أَمير آخور عوضا عن سودون المحمّدى في دولة أَخيه المنصور وسجنهم، واستقرّ سودون من زاده في نيابة غزة عوضا عن سلامش.
وفى نصف جمادى الآخرة استقر يعقوب التبّانى في نظر الكسوة ووكالةِ بيتِ المال عوضًا عن ولى الدين الدمياطى (^١) مع بيبرس ثم صُرف عن ذلك بعد أَيام واستقر ابن البرجي في ثامن عشري جمادى الآخرة، ثم أُعيد ابن التباني في رابع رجب، وكان ذلك بعناية قطلوبغا الكركى.
وفى أَواخر جمادى الآخرة استقر تمراز الناصري نائبَ السلطنة بعد شغورها مدّةً طويلة.
وفى نصف رمضان استقر القاضي ولى الدين بن خلدون في قضاء المالكية عوضًا عن البساطى، ثم لم ينشب ابن خلدون أَن مات في خامس عشريه واستقرّ جمال الدين بن التنسى بعناية قطلوبغا الكركى، ثم صُرِف في سادس عشر شوال وأُعيد البساطى.
_________________
(١) في المقريزى: السلوك، ٥٧ ا "ابن البرجي".
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وفى شوال استقر كاتبه (^١) في درْس الحديث بالشيخونية عوضًا عن شمس الدين المدني، والقاضى الحنفى كمالُ الدين بنُ العديم في مشيختها عوضًا عن الشيخ زاده الخرزباني.
وفيها رجع منكلى بغا من بلاد الشرق وكان توجه رسولا إلى تمرلنك في العام الماضي.
وفي رمضان أَفرج نائب حلب عن جماعةٍ مِمَّن كانوا مسجونين بقلعة الصّبيبة ومنهم سودون الظريف، واستقر أَميرًا كبيرا بدمشق ثم قُبض عليه لأَمر صَدر منه واستقرّ عوضه بكتمر الساقى وسجن سودون المذكور.
وفيه رجع نوروز وعلان إلى حلب بموافقةِ جكم على ذلك، وأَرْسل جكم إلى نائب الشام بذلك فوافق عليه، واستمر دمرداش عند التركمان يستحثّهم ويجمعهم على قصد جكم ومن معه بحلب، ووصل إليه تقليد حماه فقوى بذلك.
وفي رمضان اشتد الغلاءُ (^٢) وبلغت الغرارة من ستمائة إلى سبعمائة، فنادى النائب في الفقراء فاجتمعوا بالميدان ففرقهم على الأَغنياء ما بين الأُمراء والقضاة والتجار، فقَلَّ سؤالهم وخف صياحهم وسكنوا.
* * *
وفيه استولى التركمان على كثيرٍ من البلاد الشامية وكان رئيسهم إلياس ويقال اسمه فارس بن صاحب الباز، ثم وصلوا إلى حماة فغلب عليها، وكان دمرداش قد وصل إليها لما جاءَه تقليدُ النيابة بها، فهجم عليه ابن صاحب الباز فهزمه إلى أَن وصل إلى دمشق مكسورًا، فوصل إلى حمص، فاستأْذن له نائبُها نائبَ الشام في دخول دمشق فأُذن له فدخلها، وعظم الأُمراء من التركمان، فجمع النائبُ القضاةَ وتشاوروا في مالٍ يجعمونه بسبب طرد التركمان، فطال النزاع إلى أَن اتفقوا على أَخذ أُجرة شهر (^٣) من كل بستان
_________________
(١) المقصود بذلك ابن حجر نفسه صاحب هذا الكتاب.
(٢) ذكر المقريزى في السلوك، ٥٧ أ، "أن الأسعار غلت بدمشق حتى فرق شيخ الفقراء على الأغنياء، وجعل لنفسه منهم نصيبا وافرًا".
(٣) في شهر رمضان سنة ٨٠٨ فرض شيخ على أهل دمشق أجرة مساكنهم لشهر يحملونها إليه إعانة له على قتال التركمان لإكثارهم الفساد في حماة وطرابلسي.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
ودار وحانوت وغير ذلك فشرعوا في جبايتها، ثم بطل ذلك ونودى بالرد على من أُخِذ منه شي، ولما بلغ جكم أَن دمرداش عند نائب الشام شيخ تَغيَّظ عليه لأَنه كان عدوّه، وكان يكتب قبل ذلك إلى شيخ يستنجده على التركمان فتقاعد عنه فغضب أَيضا.
وفى شوّال وصل إلى حكم قاضى السلطان يطلب منه إرسال نوروز وغيره من الأُمراء المتسحبين، فحماهم حكم وشتم القاصد وردَّه بغير جواب.
* * *
وفيها في شوال كانت الوقعة بين جكم والتركمان ورئيسهم فارس - ويدعى إلياس ابن صاحب الباز صاحب أَنطاكية وغيرها - وكان قد غلب على أَكثر البلاد الشمالية ودخل حماة فملكها، وكان عسكره يزيد على ثلاثة آلاف فارس غير الرجالة، فوافقه جكم بمن معه فكسره كسرةً فاحشة وعظم قَدْر جكم بذلك وطار صيته ووقع رعبه في قلوب التركمان وغيرهم.
ثم إنه بعد ذلك واقع نعيرًا ومَن معه مِن العرب فكسره، ثم توجه جكم إلى أَنطاكية وأَوقع بالتركمان فسأَلوه الأَمان، وأن يُمَكِّنهم الخروج إلى الجبال وإلى مواطنهم، ويُسَلموا إليه جميعَ القلاع التي بأَيديهم، فتقرر الحال على ذلك، وأَرسل إلى كل رقعةٍ واحدا من جهتهم، ودخل إلى حلب مؤيدًا منصورًا، فسلم فارس بن صاحب الباز لغازي بن أَوزون التركماني وكانت بينهم عداوة فقتله وقتل ولده وجملةً من جماعته.
وكان أَميرًا كبيرًا شجاعًا بطلًا استجدَّ بأَنطاكية مدرسةً بجوار تربة حبيب النَّجار، وكان قد استولى على معظم معاملات حلب ومعاملة طرابلس وصَار في حكمه أَنطاكية والقصر والشغر وبغراس وحارم وصهيون واللاذقية وجبلة وغير ذلك، فلما أُحيط به تسلم جكم البلاد ورجعت معاملة كل بلد إليها على ما كانت أَولا، وكاتب جكم نائبَ الشام يطلب منه إرسالَ دمرداش ويعاتبه على تأَخره عن نصْره مرةً بعد مرة، فاستشعر دمرداش أَن نائب الشام يقبض عليه ويرسله إلى جكم فهرب، وأَعادَ نائبُ الشام إلى جكم الجوابَ بذلك فلم يعجبه وعزم على قصْد دمشق ومحاربة النائب، فبرز في شوال والتقى مع ابن صاحب الباز
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وجَمْعِهِم من التركمان وكسَرهم كسرة ثانية وضرب أَعناق كثير منهم صبرًا، وقتل نعيرًا وأَرسل برأْسه إلى القاهرة.
ولما وصل دمرداش من هروبه إلى الرملة جاءَ توقيع من الناصر بولايته طرابلس فرجع لذلك، واستمر قصد حكم إلى جهة دمشق فوصل إلى سلمية، وأَرسل شرباش إلى حمص، فاستعدّ نائب الشام لقتاله، ووصل إليهم العجل بن نعير طالبًا بثأْر أَبيه وكذلك ابن صاحب الباز طالبًا ثأْر أبيه وأخيه، وكان معهم من العرب والتركمان خلقٌ كثير، وتوجّهوا بعد عيد الأَضحى إلى جهة حلب.
ووصل توقيع العجل بن نعير بإمرة أَبيه، ووصل نائب الشام ومَن معه إلى حمص في نصف الشهر، وتكاتبوا مع جكم في الصلح؛ فلمّا كان في الثالث والعشرين من ذي الحجّة وقعت الوقعة بينهم فانكسر عسكر أَهل الشام، ووصل شيخ ودمرداش إلى دمشق منهزمين، وكانت الوقعة بالرّسْتَن (^١)، وأن نائب الشام ومَن معه كانوا في الميمنة فحطَّمها، ثم حَمل على الميسرة فثبتوا ساعةً ثم انهزموا.
ورحل نائبُ الشام ومَن معه مِن دمشق بعد أَن أَخذ منها خيولًا وبغالًا وتوجّه إلى مصر، ورحل جماعةٌ من جهة نرروز بعده إلى دمشق، وهرب الحسبانى وعلاءُ الدين نقيبُ الأَشراف وتأَخر البقيةُ من القضاة والمباشرين فلاقوا نوروز وسلَّموا عليه، فدَخل دمشقَ في أَواخر ذى الحجة، وقُتِل علاءُ الدين بيْن يَدَىْ جكم صبرًا وكذلك طولو، ثم دخل حكم بعد بيوم، وبالغ حكم في الزَّجر عن الظلم وعاقبَ على شُرْب الخمر فأَفحش حتى لم يتظاهر بها أَحد، وكانت قد فشَتْ بين الناس، ونادي في دمشق أَن لا يظلم أَحد على أَحد، ومَن أَساءَ على الحكم والحسبة فُعِل به وفُعِل، وانسلخت السنة وهُم على ذلك.
_________________
(١) بليدة قديمة بين حماة وحمص على نهر العاصي، انظر ابن عبد الحق: مراصد الاطلاع ٢/ ٦١٥، Dusshud: Topographie Historique de la Syria، pp. ١٠٩ at nag
[ ٢ / ٣٢٦ ]
ولما ظهر الناصر واستقرّ في السلطنة ثانيا جُهِّز إلى شيخ التقليدُ بنيابة الشام، وإلى نوروز التقليدُ بنيابةِ حلب، وتوجّه ليساعده على مَن يخالفه، وكان دقماق نائبُ حماة وعلانُ نائبُ حلب وبكتمر جلق نائبُ طرابلس قد اتَّفقوا على مَنْع نوروز من ذلك، فالتقى الفريقان فكسرهم شيخ وهجم على حماة من نهر العاصي وغلب عليها، وقُتل دقماق في هذه الموقعة، وفرّ بقية الأُمراء إلى جهة حلب، فتَبِعهم شيخ فنازلهم فتركوها وتوجّهوا نحو المشرق، وتسلَّم حلب وسلَّمها لجكم، ورجع للشام وقد بسط العينتابي وأَظهر التعصّب فيها لجكم لأَنه كان ينتمى إليه، فقال في حوادث ذى الحجة سنة ثمانٍ: "وفيها كانت وقعةُ عظيمة بين جكم وشيخ بالرّستن - بين حماة وحمص - فانكسَر نائبُ الشام شيخُ كسرةً شنيعةً وانهزم إلى أَن وصَل إلى الرّملة، وقد كان جكم وشيخ صديقين، لكن شيخ لما رأى ما اتفق لحكم من النَّصر على ابن صاحب البال - كبير التركمان - وعلى نعير كبير العرب - وقتلهما على يده بعد أَن عَجز عنهما الظاهر وغيرُه حسده وخشي أَن تستمر هذه السعادة إلى أَن يتسلطن، فكاتب فيه الناصرَ أَنَّه عاصٍ، وكلُّ ذلك بدسائس يشبك لأَن شيخًا كان من جهته، وكان يشبك بروم السلطنة فكان يُعادِي كلَّ من يستشعر منه أَنَّه يروم مثل ما يروم، فكان يُحرّضُ أَتباعه على جكم"، قال: "قُتِل في هذه الوقعة من أَتباع شيخ جماعة منهم طولو وعلان وتفرّق شملُ شيخ إلى الغاية حتى لم يبْقَ معه ممَّن كان اجتمع له مِن العسكر - وهم نحو عشرة آلاف - غير مائة لفس". قال: "وكان جكم في هذه الوقعة في دون الأَلفَيْن، لكن، النصر يؤتيه الله لمن يشاء".
* * *
وفيها قَدم ركبُ العراق بعد أَن كان له تسع سنين قد انقطع.
وفيها حاصر العرب المعروفون بالحجافلة مدينة عدن حتَّى عزَّ المساء بها جدًّا، وبلغت الراوية - وهى قَدْر قربة الكتف المصرية - خمسين درهمًا، فخرج إليهم العفيفُ بنُ عبدِ الله بن الوجيه عبد الرحمن العلوي وأَخوه في العسكر فقُتل في المعركة، وكان شابًا حسنًا كثير الفضل للغرباء، أَحسن الله جزاءَه، قُتل في رابع صفر وله ثلاثون سنة.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وفى شعبان استقرّ جمال الدين بنُ القطب في قضاء الحنفية بدمشق، والقاضي عزُّ الدين بن المنجا في قضاء الحنابلة عوضًا عن ابن عبادة.
وفيه استقرّ صدر الدين بن الأَدمى في كتابة السرّ عوضًا عن الشريف علاء الدين.
وفى رمضان وصل أَبو العباس الحمصي قاضيًا على الشام عوضًا عن علاء الدين بن أَبي البقاء، ثم استقرّ بعد ثلاثة أَيام - من سفر أَبى العبّاس الحمصي - شهابُ الدين الحسبانى، وكان نائبُ الشام قد استقرّ به فيها بغير توقيع، فباشر إلى أَن وصل توقيعه كما قدّمنا ذكره، فلما سَمع أَبو العباس الحمصي بذلك دخل الشامَ مختفيًا ثم رجع إلى مصر هاربًا، ثم كتب النائبُ يشفع في علاء الدين بن أَبي البقاء أَن يعود، ثم وَصل أَبو العبّاس متوليًا في ذي القعدة فسلَّم على النائب فلكمه في عمامته، ثم وصل توقيع ابن الحسبانى بعد ثلاثة أَيام فاستمرّ.
* * *
وفي رمضان ظهر سودون الماردانى من الاختفاء وأُودِع سجن الإسكندرية.
وفى العشرين منه مات ابن غراب - سعد الدين إبراهيم بنُ عبد الرزّاق بن غراب - وكان جدُّه غراب أَول من أَسْلم من آبائه وباشر بها إلى أَنْ اتُّهِم أَنَّه كان مِمَّن دلّ الفرنج - لما هجموا الاسكندريّة - على عورات المسلمين، فقُتِل ابن غراب سنة سبعٍ وستين وسبعمائة، ونشأَ ابن عبد الرزاق إلى أَن وَلِيَ نظر الإسكندرية ومات في نحو الثمانين، وخلف ولدين صغيرين أَكبرهما يسمى "ما جدا" وأَصغرهما "إبراهيم"؛ فلما تمكَّن محمود من الظاهر دخل الإسكندرية فآوى إليه إبراهيم وهو يومئذ يكتب في العرضة تحت كنف أَخيه ماجد الذي تلقَّب بعد ذلك "فخر الدين"، وتسميّ "محمّدا"، فقرّبه محمود (^١) ودرّبه وخرّجه إلى أَن مهر بسرعة وجادَتْ كتابتُه، وحمَد محمود ذهنه وسيرته فاختصّ به وتمكن منه بحيث صار يدرى بجميع أُموره، وتعلَّم لسان الترك حتى حدق فيه، فاتفق أَنه عثر عليه بخيانةٍ، فخاف ابن غراب من سطوته، بل استدرك نفسه وانضوى إلى ابن الطَّبلاوى - وهو يومئذ قد قرُب من قلب
_________________
(١) يقصد بذلك محمود الأستادار.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الظاهر في ولاية القاهرة - فلم يزالَا به حتى بطش بمحمود وآلَ أَمره إلى استنفاد أَمواله وموْته بحبْس أُولى الجرائم؛ وتقلَّب ابن غراب في ماله فيما يستحى من ذكره لكثرته، ولازم خدمَةَ ابنِ الطَّبلاوى إلى أَن قُبض عليه بأَمْر الظاهر، ثم كان من أَوصياء الظاهر، ثم اختُصَّ بيشبك وتنم وغيرهما من أَكابر الظاهرية، ثم تشتَّت شمل أَكثر الباقين. وتمكّن ابن غراب حتى استحضر أخاه فخر الدين فقرّره وزيرًا، ثم لمّا استقرّ في كتابة السرّ ونظرِ الجيش أَضاف إليه نظرَ الخاص؛ ثم لبس الأستاداريّة وتَزيّابزيّ الجند، وضُرِبَتْ على بابه الطبول، وعظُم جدًّا، حتى إنَّه لمّا مِرض كان الأمراءُ يعودونه قيامًا على أَرجلهم؛ وكان هو السبب في فرار النَّاصرَ وترْكِه المملكة وإقامته عنده تلك المدّة مختفيا حتى تمكنّ مما أَرادَ من إبعاد مَن يودّ الناصرَ وتقريب من يبغضه، فلمّا تكامل له جميع ما أَراد لحظَتْه عينُ الكمال بالنَّقص فمرض مدة طويلة بالقولنج إلى أَن مات.
فلمّا عاد الناصر إلى المملكة بتدبير ابن غراب أُلْقى إليه بالمقاليد، فصار يُكْثِرُ الامتنان على جميع الأمراء بأنَّه أَبْقَى لهم منهجهم (^١) وأَعاد إليهم ما سُلِبُوه من ملكهم، وأَمّدهم بمالِه عند قلَّتهم؛ وكان يصرّح بالتمكين أَنه أَزال دولةً وأقام أخرى، ثم أَعاد الأُولى من غير حاجةٍ إلى ذلك، وأَنه لو شاءَ لأَخذ المُلْكَ لنفسه من غير مانع، وأَهان كاتبَ السرّ فتحَ الله وصادره ولبس مكانه، ثم ترفَّع عن كتابة السرّ فولَّاها كاتبًا عنده يقال له الفخر بن المزوّق، وكانت جنازته (^٢) مشهودة.
مات ضحوة يوم الخميس ليلة التاسع عشر من رمضان، وبات في قبره ليلة سبع وعشرين من رمضان؛ ولكن كان ابن غراب محبوبًا إلى العامة لما قام به في الغلاء والفناء (^٣) من إطعامه الفقراءَ وتكفينه الأَموات من ماله.
* * *
_________________
(١) في الضوء اللامع ج ١ ص ٦٦ "بهجتهم" وقال "نقلا عن ابن حجر في الإنباء".
(٢) أي جنازة ابن غراب.
(٣) يشير ابن حجر إلى الوباء الذي حدث سنة ٨٠٦ هـ.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وكان يحبّ الانفراد بالرياسة، مليحَ الشَّكل، جميل الصورة، شديد الزهو، يظهر التعفف، شديد العجب، مفضالًا وهابًا، وافرَ الحرْمة، كثير البذْل، واللهُ يسامحه. وكان قد بلغ من المملكة ما لم يبلغه أَحد؛ مات بعلة القولنج الصفراوى بعْد أَن صار أَميرًا بتقدمة أَلف، وتنَقَّل في الولايات من نظر الخاص والجيش والأستادارية وكتابة السرّ وغير ذلك على ما سلف من الحوادث؛ وكان يدْرى اللغةَ التّركيّة، مع الدعاء والمكر والمعرفة التَّامة بأَخلاق أَهل الدولة.
ولقد تلاعب بالدولة ظهرًا لبطن، وخدم عند الأَضداد، وعظم قدره حتى شاع أَنه لابد أَن يلى السلطنة، ولم يوجد له كثيرٌ مِن المال بل مات وعليه من الديون ما لا يدْخل تحت الحصْر.
* * *
وفى أَواخر ذى الحجة استقرّ فتح الله في كتابة السرّ عوضًا عن فخر الدين بن المزوّق الذي كان مِن جهة ابن غراب.
وفي ليلة النصف من ذى الحجة خُسف القمر في أَواخر الليل فاستمر إلى بعد أَذان الفجر.
* * *