كان أَوّلها يوم الاثنين (^١) [سابع] عشرى توت من أشهر القِبط وأَخذ النيل في النقص وانتهت زيادته إلى إثنى عشر إصبعا من عشرين.
وفى الثامن من المحرم خرج السلطان إلى سرياقوس ثم رجع.
وفى أولها وصل (^٢) ناصر النوبى صاحب بلاد النوبة إلى القاهرة واجتمع بالسلطان فأَكرمه وخلع عليه وتوجه إلى بلاده.
وقبض على بكلمش أَمير آخور وعلى كُمُشْبُغا الكبير وأُرسلا إلى الإسكندرية.
وفيه صُرِف تَغْرِى بَرْدِى نائب حلب واستقر بها أَرْغُون (^٣) شاه نائب طرابلس، واستقر في نيابة طرابلس آقْبُغَا الجمالي نائب صفد، والشهابُ أحمد بنُ الشيخ علىّ نائبُ غَزّة في نيابة صفد، وقُرِّر الشيخ الصفوى فى نيابة غزة ثم صُرِف عنها، واستقر بَقْجَاه الشَّرفى، ولما وصل تغرى بردى [من يشبغا] خرج السلطانُ إلى السّرحة فتلقاه فدخل نصف ربيع الأَول، وكان في تقدمته مائةٌ وثلاثون فرسا وسبعون جملا ومائة حِمْلِ قماش.
وفى شلخ المحرم استقر أَيْتَمُشُ أَتابكَ العساكر عوضًا عن كَمَشْبُغَا وزادَهُ من إقطاعه
_________________
(١) يتفق هذا وما ورد فى جدول سنة ٨٠٠ فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٠٠، والسلوك، ورقة ٢٥٩ ب.
(٢) كان سبب قدومه إلى القاهرة هو فراره من أبن عمه، ثم إنه توجه إلى النوبة بعد أن أصدر السلطان أمره إلى الصارم إبراهيم الشهابي بمعاونته ضد مناوليه، راجع السلوك، ورقة ٢٥٩ ب، وعقد الجمان، ج ٢٥، لوحة ٢١.
(٣) هناك أكثر من واحد يسمى كل منهم بأرغون شاه وكلهم في هذه الفترة وهم أرغون شاه البيدمرى، وأرغون شاه الإبراهيمي المنجكي، وأرغون شاه السيف تغرى بردى، وأرغون شاه النوروزى الحافظي، على أن المقصود منهم في المتن هو الثاني الذي ولى لبرقوق نيابة السلطنة بحلب كما ولى نيابة صفد ثم طرابلس ثم حلب سنة ٨٠٠، واختلف في سبب موته، فعزاء بعضهم لشراب مسموم تناوله، ورده البعض إلى خروجه فى إثر جماعة من العرب حتى أصابه عطش فمات منه، انظر في ذلك الضوء اللامع ٢/ ٨٢٥، Wiet: Les Biographies du Manhal Safi، No. ٣٧١ أما أقبغا الجمالي فيعرف بآقبغا الجمالى كمشبغا الرومى ولم أجد له ولاية لنيابة صفد في ترجمته الواردة بالضوء اللامع ٢/ ١٠١٣ ولم ترد الإشارة إلى ذلك في الوظائف التي تقلدها في ٤٨٣. Wiet: op. cit. No، لكنه مات مقتولا قرب مريوط في سنة ٨٣٧، انظر أيضا السلوك، ورقة ٢٥٩ ب.
[ ٢ / ٧ ]
بلدا (^١)، واستقرّ سُودُون قريبُ السلطان على إقطاع كَمَشْبُغا، وقُرر إقطاع سودون لعبد العزيز ابن السلطان.
ووصل تغرى بردى الذى كان نائب حلب فأعطى إقطاع شيخ الصغوى ونُفِي (^٢) شيخ إلى القدس بطالا. واستقر بيبرسُ ابنُ اخت السلطان أَميَر مجلس عوضا عن الصفوى.
وفي المحرم (^٣) لما رجع الحاجّ إلى العقبة وجدوا ودائعهم قد نُهبت فقيل أُخِذَ لهم ما يساوى عشرين أَلف دينار، وقَبض أَمير الحاج علَى صاحب الدرك فصولح بعضٌ وترك بعض.
وفى آخر صفر أُمِّرَ يلبغا السالمي إمرة عشرة.
وفيْه صُرف شعبان من حسبة مصر واستقر شمس الدين الشَّاذلي الذي كان بالإسكندرية مكانه، ثم عُزل الشاذلى وأُعيد شعبان ثم عُزل شعبان وأُعيد الشاذلى، ووقف جماعةٌ من المصريين فى شعبان فشكوا منه إلى بيبرس الدويدار وذلك في ذي القعدة فأَهانوه إهانةً شديدةً حتى صفعه بعضهم بحضرة الدويدار، وأَمَرَ أن ينادَى عليه، فآل الأَمر إلى أَن هرب شعبان إلى اليمن.
وفي ربيع (^٤) الأَول وقع الوباء بالوجه البحرى ووصل منه إلى مصر فمرض أَكثر الناس.
وفي صفر وُسِّط شاهين - رأسُ نوبة كمشبغا - بعد القبض على أُستاذه، وقد حَكَم شاهين
_________________
(١) البلد الذى زيد في إقطاعه هو فرشوط كما جاء فى عقد الجمان ٢٥/ ٢٣، وفرشوط - كما ورد في القاموس الجغرافي المدن المصرية ق ٢ ج ٤ ص ١٩٧ - ١٩٨ من قرى الصعيد القديمة وقد ذكرها أميلينو في جغرافيته باسم Fargout، هذا وقد أشار نفس المرجع إلى اختلاف رسمها الكتابى عند الجغرافيين العرب واللغويين في العصور المختلفة.
(٢) ذكر العينى فى عقد الجمان ٢٥/ ٢٣ سبب هذا النفى وهو استغراقه فى شرب الخمر وسماع الملاهي وجمع المساخر وعدم التفاته لأمر مماليكه وشئون إمارته رغم نصح السلطان له مرارًا.
(٣) كان ذلك يوم ١٨ منه حسب رواية السلوك، ورقة ٢٦٠ أ.
(٤) انظر السلوك، ٢٥٠ أ.
[ ٢ / ٨ ]
هذا في القاهرة فى ولاية أستاده نيابةِ الغيبة وكان قتله على سبيل القصاص منه لأَجْل قتيل ثبت عليه أنه قتله، وكان إمساك كمشيغا في آخر المحرم، وأُرسل هو وبَكْلَمُشْ إِلى الإسكندرية فسُجِنا بها، وأُمسك بعدهما شيخ الخاصكي وأُرْسِل إلى القدس وكان من أخصّ الناس بالظاهر، وبه ضُرب المثل في حُسْن الصورة، ثم تغير منه وأمسكه ومات بالقدس في هذه السنة. واستقر نوروز الحافظي أَمير آخور بدل تاني بك، وبيبرس ابنُ أختِ الظاهر دويدارًا عوضا عن قلمطاى، وتَغْرِى بَرْدِى نائب حلب بدل بكلمش. وآقبغا الكبير أمير مجلس بدل بيبرس المذكور. وعلى باى بدل نوروز رأس نوبة.
وفى هذه السنة (^١) انتهت الزينة بقصور سرياقوس فكان آخر مَنْ ركب إليها الظاهر في هذه السنة، ولم يخرج إليها أحد منهم بعده.
* * *
وفيها نازل تمرلنك الهند فغلب على دلىّ (^٢) كرسىّ المملكة وقتل وفَتك على عادته وخرَّب، وكان قد توَجَّه إليها من طريق غزنة على البر، ووصل رجيفه إلى اليمن وكان السبب المحرك له على ذلك أَن فيروز شاه - ملك الهند - مات فبلغه ذلك فسَمَت نفسه إلى الاستيلاء على أَمواله، فتَوَجه في عساكره. وكان فيرور شاه لما مات قام بالأَمر بعده "يلوّ" الوزير ثم عليه أَخوه، وكان فيروز شاه لما مات قام بالأمر بعده سازبِك صاحب مُلْتَان (^٣)، ففي أثناءِ ذلك طرقهم اللنكية فحاصروا ملتان فملكها وقصد يلوّ في دلى، وكان يلوُّ بلغه أمر أَخيه، فجدّ واجتهد وجمع العساكر، فاستقبل اللنك بجدّ وصَدَّر أَمامهم الفيلة عليها المقاتلة، فلما استقبلتْها الخيل نفرت منها، فبادر اللنك وأَمر باستعمال قِطَع من الحديد على صفة الشوك وألقاها في البركة التي كان بها، فلما أصبحوا واصطفّوا
_________________
(١) كان ذلك فى المحرم، راجع السلوك، ورقة ٢٦٠ أ، وفى ذلك يقول المقريزى: "إنه لم يخرج إليها أحد منهم بعد ذلك، وجهلت عوائدها وخربت القصور وكانت من أجمل عوايد ملوك مصر".
(٢) هي دله أيضا عند بعض المؤرخين المعاصرين.
(٣) ملتان - وأكثر ما تكتب مولتان - بالواو - إحدى مدن الهند، وهي قريبة من غزنة وأهلها مسلمون، وكانت من أوائل البلاد التي فتحها محمد بن القاسم الثقفى، انظر معجم البلدان ٤/ ٦٢٩، ٦٨٩، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٣٠٥.
[ ٢ / ٩ ]
للقتال أَمر عساكره ينتهون إلى خلف فظنوا أَنهم انهزموا فتبعوهم، فاجتازت الفيلة على ذلك الشوك الكامن في الأرض فجفلت منه أعظم من جفل الخيل منها ورجعت القهقرى من ألم الحديد، فكانت أشد عليهم من عدوّهم، فإنها من حرارة الشوك ولَّت على أدبارها وهاجت حتى طحنت المقاتلة الرجالة والفرسان فانهزموا بغير قتال، ثم توجه اللنكية بعد الهزيمة إلى حصار البلد.
* * *
وفى العشرين من ربيع الأَول استقر جمال الدين يوسف بن موسى بن محمد الملطى (^١) ثم الحلبي فى قضاء الحنفية، وكان المنصب - نحو أَربعة أَشهر من حين مات شمس الدين الطرابلسي - شاغرا، وكان قدومه في ثامن عشر ربيع الأول وخُلع عليه في العشرين (^٢) منه، لكن كان السلطان أذن لنوّاب الطرابلسي أن يحكموا بعد مضى شهر من وفاته
وفى سابع عشر صفر الموافق لثالث (^٣) عشر هاتور أمطرت السماء مطرًا غزيرا توحّلت منه الأَرض وزلقت البيوت.
وفى ثامن جمادى الأَول أُمِّرَ علىِ بَاىْ تقدمةَ ألفٍ وكذلك يَشْبُكْ الخزندار.
_________________
(١) كان الملطى هذا من كبار رجال الحنفية وأصله من خرتبرت وقد ولد بها سنة ٧٢٦، وتنقل في البلاد ودخل مصر وهو كبير، وقد اتهم في حياته بأمور لا تتفق والمنصب الذي يشغله أو مكانته الدينية كإفتائه بأكل الحشيشة حتى قال فيه المحب الشحنة: عجبت لشيخ يأمر الناس بالتقى … وماراقب الرحمن يوما ولا اتقى يرى جائزًا أكل الحشيشة والربا … ومن يستمع للوحى حقًا تزندقا وليس من شك فى أن هناك مبالغة فى بعض ما اتهم به، انظر عنه الضوء اللامع ١٠/ ١٢٧١، وذيل رفع الإصر، ص ٤٠٩.
(٢) انقضت الفترة من يوم مقدمه إلى توليه القضاء وهو في بيت بدر الدين محمود الكلستاني كاتب السر الذي كان شديد الميل إليه.
(٣) يتفق هذا والتواريخ الواردة في جدول سنة ٨٠٠ بالتوفيقات الإلهامية، على أن ١٧ صفر هذا كان يوم الجمعة وهو يعادل يوم ٥ نوفمبر ١٣٩٧.
[ ٢ / ١٠ ]
وفى العشرين منه استقرّ صدر الدين بن القاضي جمال الدين العجمي في توقيع الدست عوضًا عن ناصر الدين الفاقُوسى (^١) لغضب كاتب السر عليه.
وفى تاسع عشرينه إستقر نوروز الحافظى أمير آخور وعلى باى رأسَ نوبة.
وفي جمادى الأول صرف علاء الدين بن أبي البقاء عن قضاء الشافعية بدمشق واستقر شمس الدين الإِخنائي (^٢).
وفي جمادى الآخرة صُرف تاج الدين بن الدماميني (^٣) عن قضاء المالكية (^٤) واستقر (^٥) ابن الرِّيْغى، وصُرف القفصى عن قضاء حلب ونقل إلى قضاء المالكية بدمشق عوضًا عن البرهان التادلي (^٦).
وفي خامس عشر ربيع الآخر إدّعى شخصٌ على شهاب الدين العبادي في مجلس السلطان، فحصلت منه إساءةٌ في مجلسه فأَمر بضربه فشُفع فيه فحُبس في خزانة شمائل إلى ثاني يوم من رجب فأُطْلق.
_________________
(١) هو ناصر الدين محمد بن الحسن ويعرف بابن الفاقوسي - وهو لقب لبعض آبائه -، وقد ولد سنة ٧٩٣ بالقاهرة. وأكثر من السماع بمصر والشام، أما توقيعه الدست فقد وليه وهو صغير، هذا وقد أشار السخاوي في الضوء اللامع ٧/ ٥٥٣ إلى أنه ذكر أيام برقوق للكتابة وأصبح شيخ الموقعين مدة حتى عزله البدر محمود الكلستاني صاحب ديوان الإنشاء، وكان السبب فى هذا أن ابن الفاقوسى أراد تغيير المصطلح على طريقة أهل البلاغة فكره ذلك منه الكلستاني وراح يشنع عليه وأخرجه من التوقيع؛ هذا وقد كانت وفاته سنة ٨٤١، انظر أيضا النجوم الزاهرة ٦/ ٨٥٢ وإن سمته - كما بالمتن - بالفاقوسي فقط.
(٢) انظر ابن طولون: قضاة دمشق، ص ١٢٥.
(٣) هو أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد الدماميني.
(٤) في السلوك، ٢٦٢ أ "الإسكندرية"، هذا وقد كان عزله عن قضاء حلب لسوء سيرته.
(٥) كان استقرار ابن الريفى مكان ابن الدماميني بسعى سَعد الدين إبراهيم بن غراب.
(٦) وصفه ابن طولون في قضاة دمشق، ص ٢٥٠ بالجرأة والمهابة، وذكر أن وفاته كانت بعد أن حضر الوقعة مع اللنكية، وهو نفس ماقاله ابن حجر في كتابه الإنباء وعنه نقل السخاوى فى الضوء اللامع ج ١ ص ١٥٥، ومن ثم خلا الضوء من تحديد سنة موته، على أنه ورد في جدول القضاة المالكية فى كتاب ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٥٠ آخر سطر من قوله: مات سنة ٨٣، وهو خطأ يصححه ما جاء في المرجع ذاته من الإشارة إلى أنه عاش أكثر من سبعين سنة وأن مولده كان سنة ٧٣٢، والواقع أن وفاته كانت سنة ٨٠٣، انظر أيضا شذرات الذهب ٧/ ٢٢.
[ ٢ / ١١ ]
وفي ليلة الجمعة ثامن شعبان عزم سَعدُ الدين بنُ غراب علَى علاء الدين ابن الطبلاوى (^١) لحضور ختم فى منزله بسبب مولودٍ وُلِدَ له، فحضر هو وابن عمه ناصر (^٢) الدين [محمد بن محمد بن الطبلاوى] وجماعةٌ من الَأعيان، فأَرسل ابنُ غراب بهاءَ الدين نقيبَ الجيش فأَمْسَكَ ناصر الدين [محمد بن محمد بن الطبلاوى﴾ الوالى -وهو أخو علاء الدين - وابنَ عمه الخطيبَ وقريبهم ابن قَرْلَهَا وجماعة من حواشيهم فقبض على الجميع، وفى أَثناء ذلك حضر يعقوب شاه الخزندار إلى بيت ابن غراب فوجدهم قد أكلوا السماط فقبَض على علاء الدين الصفدى وهرب علاء الدين الحجازي ثم قُبض عليه، فلمَّا كان يوم السبت اجتمع جمعٌ كبير من العوام فطلعوا بالختمات والصناجق وسأَلوا السلطان في إطلاق ابن الطبلاوى ليلبغا المجنون فاستخلص منه أَموالا جمة، منها في يوم واحد مائةٌ وخمسون أَلف دينار، وأُخرجت ذخائره على النحو الذي كان هو يُدَبِّره في أَمر محمود سواء، وقُرر على كل واحد من مال المصادرة ما يناسبه.
ثم لما كان سادس عشر شعبان سأَل الحضور بين يدى السلطان فأُحضر فسأَل أن يشافه السلطان بكلامٍ سِيرّ، فقرّبه فسأَل أَن يكون الكلام في أذنه فتخيل وأَمر بإخراجه فلما أُخرج ضرب نفسه بسكين كانت معه ضربتين ليقتل نفسه فكانتا سالمتين، فأُعلم السلطان بذلك فخشى أن يكون أراد أن يضربه فغضب وأَمر الأُستادار أَن يعاقبه بعد أَن حلَّفه أَنه لم يبق عنده شيء من المال، فاعترف - لما عُصر - بذخيرة عنده فأُخذت. وعُزل أخوه من الولاية واستقر [مكانه] بهاء الدين بن رسلان وصودر أخوه (^٣) على مائتي أَلف درهم وبقيةُ الحواشي على ثلاثمائة ألف درهم.
وفى شعبان صُرف البَجانسي عن الحسبة وأُعيد بهاء الدين بن البرجي.
_________________
(١) في الأصل "الصفدي" وهو زلة قلم.
(٢) وكان يعرف بابن ستيت.
(٣) المقصود بذلك ناصر الدين محمد، وليس أخا ابن رسلان.
[ ٢ / ١٢ ]
وفيها خُطب للسلطان الملك الظاهر بماردين ووصل بذلك منكلى (^١) بغا الدوادار في أوائل السنة الآتية ومعه دراهم عليها اسم السلطان.
وأوفى (^٢) النبل عاشر مسرى.
وفيها حضر رسول الظاهر عيسى صاحب ماردين يعتذر (^٣) عما جرى منه ويشكو من أَسْر تمرلنك له ويسأَل أن يستمر على طاعته، فأَرْسل إليه تقليدا وثلاثين أَلف دينار هدية.
وفيها استولى المذكور على الموصل وسنجار.
وفيها في رمضان وصل قَطْلُوبُغَا الخليلي من بلاد المغرب وصحبته الخيول التي كان توجَّه لمشتراها للسلطان وهى مائة وعشرون فرسًا، وحضر صحبته رسول صاحب فاس ورسول صاحب تلمسان ورسول صاحب تونس والأمير يوسف بن على أَمير عرب تلك البلاد، وقدّموا هداياهم فقُبلت وخُلع عليهم وتوجهوا إلى الحج.
وفى رمضان طرق اللنك بغداد فحاصرها فلم ينالوا منها غرضا فرجعوا عنها إلى همدان، وفرحوا بذلك.
_________________
(١) يرد في هذه الفترة بالذات إثنان يدعى كل منهما "منكلي بغا" أحدهما العلاء الصالحي الظاهري برقوق ويعرف بالعجمى، وثانيهما: منكلى بغا قراجا الظاهرى برقوق. أما الأول فقد أصبح من جملة دوادارية السلطان بفضل الناصر فرج بن برقوق، كما أرسله رسولا إلى تيمور لنك سنة ٨٠٥ ومات سنة ٨٣٦، ولم نجد في ترجمته بالضوء اللامع ١٠/ ٧٣١ ولا في إنباء الغمر، ترجمة رقم ٢٠ من وفيات سنة ٨٣٦ ولا في المنهل الصافي، ولا فى. Wiet: op ٢٥٤٣ .cit No مايشير إلى ماجاء في المتن أعلاه" وإن انفرد المرجعان الأخيران بأنه كان فى السفارة المصرية إلى تيمور لنك، على أنه ورد في ترجمته بالنجوم الزاهرة ٦/ ٨٢٤ ما يفيد أنه كان "أحد الدوادارية الصغار في أيام أستاذه الملك الظاهر برقوق". أما مشكل بغا قراجا فلا يعرف عنه سوى أنه كان أحد الطبلخانات بالديار المصرية، والأرجح أن أولهما هو المقصود في المتن، وربما كان برقوق أرسله لمعرفته العربية والتركية والفارسية.
(٢) كان ذلك يوم السبت ١٩ ذي القعدة ويوافقه الثالث من أغسطس سنة ١٣٩٨؛ هذا ولد بلغت غاية فيضان النيل بمقياس الروضة ١٩ ذراعًا و٧ قراريط، انظر التوفيقات الإلهامية ص ٤٠٠، وتقويم النيل ١٩٩١.
(٣) كان الظاهر عيسى صاحب ماردين قد كتب إلى السلطان برقوق يعتذر عما بدر منه من طاعته تيمورلنك، ويرجع السبب في ذلك إلى أنه أقام عنده سنتين في الأسر في قيد رقبته خمسة وعشرون رطلا من الحديد مما حمله على أن يحلف له بالطلاق على الطاعة إن هو أطلق سراحه.
[ ٢ / ١٣ ]
وفى خامس عشر شوال طاهر السلطان أَولاده (^١) وهم: فرج وعبد العزيز وجماعة من أَولاد الأُمراء وعمل لهم وليمة عظيمة.
وفيها استقر محيى الدين بن نجم الدين بن الكشك فى قضاء الحنفية عوضا عن تقى الدين الكَفْرى.
وفى شوال كان الحريق بدمشق بالحريريين والقواسين والسيوفيين والصراف وبعض النحاسين، ووصلت النار إلى حائط الجامع وإلى قرب النورية (^٢)، واحترقت الجوزية (^٣) وحمام (^٤) نور الدين وزقاق العميان (^٥)، واحترق بيت القاضي شمس الدين الإخنائي، ووصل الحريق إلى نصف الخضراء، وأقام من يوم السبت العشرين من شوال إلى يوم الثلاثاء ثالث عشرينه ولكن لم يَعدم للناس إلَّا القليل (^٦).
_________________
(١) الصحيح هنا أن يقول "ولديه" وهما فرج وعبد العزيز، وذلك كما جاء في النجوم الزاهرة (ط. مصر) ١٢/ ٨٠. هذا وقد ورد في هذا المرجع أن الوليمة كانت للنساء فقط ولم تعمل للرجال وذلك "مخافة على الأمراء من الكلف". أما أولاد الأمراء فقد نص على أنهم "والأمراء المقتولون" كالأمير منطاش، انظر أيضا السلوك، ٢٦٣ ب.
(٢) هي من دور الحديث الشريف بدمشق، أسسها الشهيد نور الدين محمود بن زنكي، انظر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٩٩ وما بعدها، وجاء في الروضتين ١/ ٢٣ أنه وقف عليها وعلى من بها من المشتغلين بعلم الحديث وقوفًا كثيرة.
(٣) هي من مدارس الحنابلة بدمشق، وكانت بسوق القمح وتنسب إلى منشئها محيى الدين بن الشيخ جمال الدين أبى الفرج عبد الرحمن بن الجوزى (٥٨٠ - ٦٥٦ هـ)، وكان أستاذ دار المستعصم بالله، هذا وقد ذكر ناشر الدارس ٢/ ٢٩ حاشية رقم ١ أن هذه المدرسة تقع فى سوق البزورية، وقد حرقت ودرست وأصبح مكانها مخازن ومصلى بسيطا، كما أنه نقل عن مخطط المنجد رقم ٦٩ أنه كان على عتبة بابها كتابة تدل على أنه وقف عليها خراج قرية غزارا وبعض خراج دير ابن عصرون ومزرعتين بأرض المليحة.
(٤) أنظر الإشارة إليه في الدارس في تاريخ المدارس ١/ ١٢٣ ص ٤، ٢/ ٣٣٢، هذا وقد ورد في حاشية رقم ٢ بهذه الصفحة أنه يعرف اليوم بحمام البزورية، وهو اليوم مصبنة بدمشق.
(٥) لم يرد فى النعيمي: الدارس "زقاق العميان" ولكن ورد "درب العميان" مضافًا إلى التعريف بمسجد يعرف بمسجد درب العميان، على أنه ورد في عقد الجمان ٢٥/ ٣٨ ص ٨ - ٩ أنه واقع خلف الجوزية.
(٦) إكتفى السلوك، ورقة ٢٦٣ ب، بالإشارة إلى ضخامة هذا الحريق وأنه "أتلف معظم أسواق المدينة وتشعث منه جدار الجامع القبلى"، أما عقد الجمان، ٢٥/ ٣٨ فذكر أن هذا الحريق كان في مكان يعرف بالجويرة (تصغير جارة) فاحترقت أسواق القواسين والنشاشيبيين والسيوفيين والعنبرانيين والصاغتين والخيوطيين وبعض النحاسين، ووصلت النار إلى حائط الجامع القبلى، ووصلت إلى قرى النورية، واحترقت الجوزية وسوق النقليين ونصف الإبزاريين وحمام نور الدين "زقاق العميان وبيت شمس الدين الإخنائى ووصل الحريق إلى نصف الخضراء".
[ ٢ / ١٤ ]
وفى أَوائل ذي القعدة استقر ابن غراب في نظر الجيش مضافًا لنظر الخاص، انتزعها من القاضى شرف الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن أَبي بكر بن الدماميني وكان باشرها بعد جمال الدين العجمي، ولما أُخذت دواته والمزورة بلغ ذلك شعبان محتسب مصر فأَظهر الشماتة ونادى فى مصر بولاية ابن غراب وعَزْلِ ابن الدماميني، وعمَل في ذلك شعرًا مدح به ابن غراب وهجا ابن الدماميني وصبَّح به ابن غراب، فاتفق أَنه في ذلك اليوم استقر الشاذلي في الحسبة وصُرف شعبان.
وفى وسط هذا الشهر وقع الحريق بدار التفاح بالقاهرة فبادروا لإطفائه فلم يحصل منه من المفسدة ماحصل في المرة الأولى قديما.
وفى ثانى عشر ذي القعدة كان المهم المشهور في إصطبل السلطان لأنه كان لعب بالأكرة مع الأَمير الأَتابك أَيْتَمشُ [البجاسى] فغلبَ أَيتمش فأَخرج مائتي أَلف درهم [فضة] ليعمل بها السماط وأَنعم بها السلطان عليه، وأُمِرَ الوزير ابنُ الطوخي والأُستادار يلبغا بعمل المهم فضربوا الخيم بالميدان، وعملوا عشرين أَلف رطل لحم ومائتي زوج أَوز وأَلف طير ودجاج وعشرين فرسًا - وقيل بل كانت ثلاثين، وخمسين قنطارًا من السكر، وسبعين اردبا من الدقيق وعمل بها "بوزة"، وعملت في الدنان وقيل: كان فيها مائة إردب، وأُضيف إليها عشرة قناطير حشيش فطُحِنَت (^١) وخلطت بها، وعُمل من الزبيب ستون قنطارا نبيذا، ونزل السلطان فمُد السماط ونهب العوام ما عمل، وصاح فقير تحت القلعة بإنكار هذه الوليمة، فقبض الشريف شرف الدين على ابن قاضى العسكر في نقابة الأَشراف عوضا عن الشريف جمال الدين الطباطبي.
* * *
_________________
(١) في ز "قطبخت".
[ ٢ / ١٥ ]
وفى ذي القعدة كانت الفتنة من عَلِي بايْ الخزندار فانكسر وقُتل، وكان ابتداء ذلك أَن المذكور كان من أَحْسن أَبناءِ جنسه شكلا وقامة، فقدّمه الملك الظاهر إلى أن جعله مقدَّم أَلف وقدمه فى أَكثر الأُمور على غيره، وكان لعلى باى مملوك (^١) من أَحبِّ الناس إليه، فاتفق أن بعض الأُمراءِ - وهو أَقباى [الطرنطائي]، وجده عند بعض حظاياه فقَبض عليه وضربه ضربا مبرحا وأَطلقه، فشكاه لسيده، فشكاه سيده إلى السلطان فاعتذر آقباي عما صدر منه لما لحقه من الغيرة فلم يؤاخذه السلطان، فأَضمرها على باى في نفسه وعزم على إثارة الفتنة، فتضاعف أمره، ثم اتفق مع جمع غير كبير على أَن السلطان إذا عاده فتك به فلم يتفق أَن السلطان يعوده حتى أَوفى النيل فنزل للكسر على العادة، وأَشاع أَنَّه إذا رجع عاده - وكان ساكنا عند الكبش (^٢) - فلما رجع السلطان بعد الكسر - وكان ذلك في تاسع عشر ذي القعدة - وركب تلقاه شخص من مماليك يلبغا يسمى سُودُون الأَعور - كان رفيقَه فى خدمة يلبغا - فأَطلعه على باطن علىّ باي، [وأرسل (^٣) السلطان إلى على باى: أَرسطاى] فأَعلمهم أَن السلطان على عَزْمِ المجئ إليهم فاطمأَنوا بذلك، فمنع السلطان الشاويشية (^٤) من النطق، فلما قرب من الكبش نادته امرأَةٌ من فوق دار: "لاتدخل فإنهم بلبوس الحرب"، فجازهم السلطان إلى جهة القلعة، فلما تحققوا أنه توجه عنهم أَعلموا كبيرهم علىّ باى فتغيّظ على الذي أَقامه في الباب لإعلامه هروب السلطان
_________________
(١) واسمه "نكباى" وكان شاد الشر بخاناه لعلي باي.
(٢) الكبش وتسمى بمناظر الكبش وهى مجاورة للجامع الطولوني، أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وكانت من أجل وأحسن أماكن النزهة بمصر كما كانت سكنا لبعض الخلفاء وكثير من كبار أصحاب النفوذ من المماليك، ولكنها خربت زمن الأشرف شعبان بن حسين، انظر في ذلك الخطط ٢/ ١٣٣ - ١٣٤، وأشار المرحوم محمد رمزى في تعليقه على النجوم الزاهرة ١٢/ ٨٢ أنها اليوم في المنطقة التي تشرف من بحريها على شارع مراسينا، ومن غربيها على خط البغالة بقسم السيدة زينب بالقاهرة.
(٣) أضيف ما بين الحاصرتين ليستقيم المعنى ويتفق مع مجريات الأحداث.
(٤) الشاوش، كلمة تركية الأصل "جاوش"، وذكر دوزي في قاموسه.١٨٩. Vol. I p أنها كانت تنطق في العصر المملوكي "جاويش" وجمعها "جاويشية"، وهي مشتقة من الكلمة التركية "جاووش"، ويمتاز الجاويشية بشجاعتهم وقال إنهم يغنون أمام السلطان وأشار إلى مراجعة كتاب Sultans Hist. des Quatremèr des Mamlouks، t. I، pt. ١، p. ١٣٦.
[ ٢ / ١٦ ]
وضربه بطبر (^١) فقطع رأسه، وتبع مماليك السلطان فقتل بَيْسَق الخاصكي - وكان يُعرف بالمصارع - فاجتمع عليه عدة من المماليك فقطعوه بالسيوف، وركب علىّ باى وساق خلْف السلطان فأَسرع ففاته ودخل من باب الإصطبل وطلع القلعة وأَلبس من معه آلة الحرب وأَغلق الإصطبل، فوصل علِى باى الرميلة فتلقاه بعض حاشية السلطان فقاتلوه حتى انكسر، وبلغ مَن بمصر من الناس هذه الفتنة فوقع لهم خوف على أَنفسهم، فاستخفى أَكثرهم وأُغلقت الدكاكين وتفرق ذلك الشمل كله.
ومن جملة من كان في المراكب يلبغا [الأحمدى المجنون] الأُستادار والوزير، فبادر يلبغا بلبس آلة الحرب وتوجه إلى القلعة، فلما رآه المماليك كلموه وأرادوا ذبحه فصاح وصرَّحَ بأَنه جاءَ نجدةً للسلطان وأنه في الطاعة، فصدّهم السلطان عنه وأَمرهم باعتقاله (^٢)، ثم قبضوا على المملوك الذي كان رأس الفتنة فأَمرهم السلطان بقتله.
ولما هرب علىّ باى هدم العوام داره ونهبوا ما فيها حتى رخامها وأَخشابها، ثم سمعوا باعتقال يلبغا الأستادار فصنعوا بها مثل ذلك.
ثم أَمر السلطان بالتفتيش علَى علىّ باى وهدّد من وجده عنده، فأَحضروه من مستوقد حمام، فأَحضره السلطان وسأَله عمن كان معه على رأيه فلم يقرّ على أَحد، فسأَله عن يلبغا الُأستادار فبّرأَه وحلف على ذلك، فأَمر بإطلاقه ثم خلع عليه واستمر في وظيفته ونزل إلى داره، وهي عند جامع الإسماعيلى فوجدها خرابا ووجد فيها ناسا فقتلهم، وانتقل فسكن داخل القاهرة بجنب الكافورى.
_________________
(١) الطبر - على وزن بلد - كلمة فارسية معناها الفأس، وكان يحمله أمام السلطان في خروجه أمير يعرف بأمير طبر، ومعه جماعة من أولاد الجند يعرفون بالطبر دارية وعددهم في المواكب عشرة يسيرون على يمين السلطان وشماله، ومهمتهم حراسة السلطان كما جاء في G. Demombynes: La Syrie à l'Epoque des Mamlouks، Introd.، p. XCVII أما أمير طبر فيأتي في المرتبة بعد السلاحدار، ولم يحدد القلقشندي: صبح الأعشى ٥/ ٣٦٢ مكانته وإن قيل إنه أمير عشرة، انظر أيضا، Dozy: Supp. Diet. Ar.، I، p. ٢٠
(٢) كان اعتقالهم إياه في الزردخاناه السلطانية مقيدا.
[ ٢ / ١٧ ]
ثم قَرر السلطان على باى بالضرب والتسعيط وعصره في رجليه إلى أَن كسرهما، وضربه على ركبه إلى أَن تفشختا، ثم ضربه بدبوس (^١) كان بيده في صدره فخسفه ولم يقرّ مع ذلك على أَحد، فأَمر بإنزاله بعد المغرب إلى الاصطبل ثم أَمر رسطاى بقتله، وأَمر السلطان بنزع آلة الحرب واطمأَن، ثم شكى يلبغا الأُستادار إلى السلطان ما صنع العوام بمنزله (^٢) فشاع بينهم أَن السلطان أَمره بالركوب عليهم فخافوا وأَصبحوا في رابع عشرى ذي القعدة وقد أَغلقوا الدكاكين، فبلغ السلطان فأَمر النداء لهم بالأَمان والطمأنينة فسكتوا.
فلما كان الحادى والعشرون من ذى القعدة حضر السلطان الموكب ودخل بعد الخدمة إلى الحريم، فهجم عليه بعض المماليك ودخلوا من باب السر بخيولهم وكسروه حتى وصلوا إليه فاستغاثوا، فحصلت له رجفة وشاع ذلك فى الناس، فخرج السلطان لابسًا السلاح ودخل القصر وكشف عن سبب ذلك، وأَرسل إلى قبة النصر فلم يجدوا أَحدًا فصرف الناس، وباتوا وأَكثر الناس في وجل. وجاءَت الأُمراء وغيرهم لابسين آلة الحرب، فلما كان في يوم الخميس رابع عشرى ذى القعدة أنفق على المماليك لكل واحد ستمائة، فسخطوها، فحضر إليهم بنفسه وترضاهم وبكى فأبكاهم، فرضوا وقبضوا النفقة وسكنت الفتنة؛ ويقال إن يلبغا المجنون تولى إنفاق ذلك من حاصله، وأحضر إلى السلطان بعد ذلك مائة أَلف وثمانين ألف دينار، وقال: "هذا آخر ما كان عندى"، وذكر أَن بيته لما نُهِب رمى خزندارُهُ الذهب المذكور في الخلاءِ فسلم.
* * *
وفيها رجع العسكر الشامي من سيواس وكانوا جُردوا في العام الماضي لما بلغهم أَن ابن اللنك قصد البلاد فلما تحققوا رجوعه أُمر برجوعهم.
_________________
(١) الدبوس عصا ذات رأس حديدية مدببة، انظر ٤٢٣. Dozy: op.، cit. I، p
(٢) كان منزله يقع على بركة الناصري، انظر ما سبق، ص ١٧ س ١٦.
[ ٢ / ١٨ ]
وفيها استقر رسطاى فى تقدمة علىّ باى وفى وظيفته وهى رأس نوبة الكبير.
وفى سادس عشرى ذى القعدة قبض على يلبغا الأُستادار ونُفى إلى دمياط بطالًا.
واستقر ناصر الدين بن سنقر في وظيفة الأُستادارية الكبرى.
وفي رابع ذي الحجة سُمِّر من أتباع على باى أَربعة (^١) أَنفس وطيف بهم.
وفيها قُتل سولى بن ذلغادر التركماني وهو سكران، وبرهان الدين صاحب سيواس في المعركة.
وفيها قبض على الشيخ الصفوى واعتُقل بقلعة المرقب بسبب أنه كان بطالًا بالقدس فكان يتعرض لحريم الناس وأولادهم بالإكراه، فشكوا منه فأَمر بنفيه واعتقاله، وكان شيخ هذا من أَجمل أَهل عصره وأَقربهم من السلطان منزلة، ثم تغيَّر عليه فنفاه.
وفيها نُقل بكلمش من حبس الإسكندرية إلى القدس بطالًا.
وفيها استولى قرا يوسف على الموصل لمّا رجع من الشام بعد رحيل عسكر تمرلنك عن سنجار. وأَقام ولد تمر بتبريز ثم طلب بغداد، فبلغ ذلك أَحمد بن أويس فجمع العساكر، فلما قرب منه "مرزاه" أَظهر الهزيمة وأَكمن عسكره ففطن منهم مرزاه فتوجهوا، ثم رآى الجغطاى الغلبة فأَوقدوا النيران ليلا وانهزموا فهلك أَكثرهم عطشًا وجوعًا، فأَدركهم أَحمد وعسكره وهم بآخر رمق، فوضعوا فيهم السيف فنجا مرزاه ومعه نحو من ثلاثمائة نفس خاصةً ناجيا بنفسه إلى تبريز أَحمد ورجع منصورا، ورحل مرزاه إلى تبريز ففتك في أَهلها وقتل من جملتهم الدُّوسكي صاحب بدليس.
* * *
_________________
(١) هم: رأس نوبته وخازنداره ودواداره وأمير آخوره، انظر عقد الجمان ٢٥/ ٤١.
[ ٢ / ١٩ ]
وفيها مات أبو عامر عبد الله بن أَحمد بن إبراهيم بن على بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني صاحب فاس وبلاد المغرب في جمادى الآخرة، وملك بعده أَخوه أَبو سعيد عثمان ودبّر أمره الشيخ أحمد بن على القاضي كما كان مدبرَ أَمر أَخيه من قبله.
وفى أَواخر ذى الحجة ضعف السلطان ضعفا شديدا حتى إنه ما صلى العيد بالجامع، واستمر به الإسهال إلى ثالث عشرى ذى الحجة، وكثر الإرجاف بموته مرارًا، فأَكثر من التصدّق عنه وأَكثر من ذلك جدا حتى قيل إن جملة ما تصدّق به: مائتا أَلف وخمسون ألف مثقال من الذهب، ومن الفضة والفلوس والغلال والقماش نحو ذلك.
وفي سابع عشرى ذى الحجة عوفى قليلًا فنودى بالزّينة.
وحضر ذلك اليوم المبشِّر من الحجاز بأَخبار الحجّاج.
وفى السابع والعشرين من ذى الحجة كانت العرب (^١) أَفسدت بالشرقية فقَبض الكاشف على جماعةٍ منهم، فأَمر السلطان بتوسيطهم ففُعل بهم ذلك، وزُفّوا من القاهرة إلى بلبيس، وكانوا أَكثر من مائتي نفس.
وفى الثالث من ذى الحجة أَمر السلطان بعرْض مماليك على باى وكانوا سبعين، فأَطلق بعضهم وردّ بعضهم على تجارهم الذين اشتراهم منهم على باى، وأَمر بِضرْب الخواص منهم بالعصىّ (^٢) تقريرًا ليخبروه بجلية الأَمر، وسَمَّر منهم أربعة ووُسِّطِوا، وفرّق الكتابيّة الصغار على الأُمراء.
_________________
(١) نص السلوك، ورقة ٢٦٦ ب على أنهم من عرب بني وائل، انظر الإشارة إليهم في القلقشندي: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، ص ٤٤٦، كما أن نفس المؤلف أشار في كتابه الآخر: قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان ص ٦٣، إلى بني سَعد، وذكر - نقلا عن الحمداني - أن ديارهم من ضواحي القاهرة إلى أطراف الشرقية ثم قال: "ولم تزل بينهم وبين بني وائل العداوة والشحناء والوقائع التي يقتل فيها الجم الغفير من الفريقين، والأمر على ذلك إلى الآن"، مما يدل دلالة صريحة على أن بني وائل كانوا في الشرقية أيضا.
(٢) في هـ "بالقصر".
[ ٢ / ٢٠ ]
وفى أَول يوم من ذى الحجة قُرّر الُأستادار كاشفًا على الوجه البحرى فجاءَ إلى الدويدار الكبير ليقبِّل يده على العادة فأَنكر ذلك وأَمر بنزْع خلعته وضرْبه، فبلغ ذلك الأُستادار فشكى للسلطان، فغضب السلطان وأَمر بإحضار دويدار الدويدار - وهو أَزْدُمُر - فضُرب بحضرته وأمره بلزوم بيته.
فلما كان في الثامن من ذي الحجة العصر خُلع عليه وأُعيد.
* * *
وفى يوم الخميس - أَول يوم من شهر ربيع الأَول - عُمل المولد السلطاني وحضر المشايخ والقضاة على العادة، وجلس شيخنا البُلْقينى رأسَ الميمنة، وإلى جانبه الشيخ برهان الدين ابن زُقَّاعَة وإلى جنبه القاضي جلال الدين ابن شيخنا؛ وجلس رأْسَ الميسرة أَبو عبد الله الكركي، ودونه القاضي الشافعي وبقية القضاة.
وفي جمادى الأُولى انتَزع السلطان الإسكندرية من ابن الطبلاوى وأُعيدت لناظر الخاص، واستقر أخوه فخر الدين ماجد بن غراب في نظر الإسكندرية مع مشاورة يشبك. الخزندار بسؤال ناظر الخاص في ذلك.
وأَرسل أَمير فرج إلى الثغر للكشف على ابن الطبلاوى وبالكشف على تاج الدين قاضي الإسكندرية ثم رسم بإحضاره، فلما قدم بين يدى السلطان وقف الشكاة فيه وبالغوا، فأَمر بضرْبه فضُرب يوم الجمعة سادس عشر رجب بالعصىّ بعد العصر ورُسم عليه.
وفي ربيع الآخرة وقع الفناء بالباردة والحمى بالشرقية والغربية حتى كانوا لا يلحقون دفن الموتى فيُجعل كل عشرين في حفرة، ومنهم من يحمل الموتى إلى البحر فيلقيهم (^١) فيه ودام ذلك نحو ثلاثة أَشهر، ثم هبّت ريح شديدة بالقاهرة حتى اتفق الشيوخ العتق أَنهم
_________________
(١) راجع حسن حبثى: الاحتكار المملوكي، حوليات كلية الآداب - جامعة عين شمس ١٩٥٨.
[ ٢ / ٢١ ]
لم يسمعوا بمثلها، وقالوا إنها ريح برقة لأَنها كست (^١) الأرض ترابا أَصفر يشبه تراب برقة.
وفيها وقع بين نُعَيْر - أَمير العرب من آل فضل - وبين ابن عمه سليمان بن عنقاء بن مهنا بقرب الرحبة، فكانت أولًا على نعير، ثم انقلبت على ابن عمه فقتل من أَتباعه من لا يُحصى، ونُهب كل شيء وُجد لهم.
* * *