استهلت والناصر قد رحل في آثار الأُمراء الذين خامروا عليه فدخل دمشق كما قدّمنا في سلخ السنة الماضية وخرج منها في سادسه.
ووقع في أَول يوم منه تقرير ابن الكشك في قضاء الحنفية، وكان عماد الدين بن إسماعيل بن القصّاص - قاضي الحنفية بحماة - قد جرت له مع يشبك بن أَزدمر كائنة قبيحة جدا، فخرج من حماة إلى دمشق، فبذل لنوروز - وهو نائب الشام - مالًا فولَّاه قضاءَها ثم توجّه إلى مصر فقرّره طوغان وهو بغزَّة في قضاء الشام، فوصل إلى دمشق فلم يتمكن من المباشرة لدخول الشريف ابن بنت عطا بتوقيع الحنفية بدمشق فباشر، ثم دخل الناصر دمشق فأعاد ابن الكشك؛ فولى قضاء دمشق ثلاثةُ أنفس في عشرة أَيام.
* * *
وأَفرج الناصر عن ناصر الدين بن البارزي وعن نكباى الحاجب، وسار إلى جهة حمص قد وقد بلغه أَن الأُمراء نزلوا بها، ثم بلغه أَن الأُمراء رحلوا إلى بعلبك فوصل إليها فوجدهم قد توجهوا إلى البقاع على جهة وادى التيم بقصْد القاهرة، فتوجّه إليهم فمضوا إلى جهة الصُّبَيْبة وهو يتتبّعهم حتى نزلوا باللجون، فأَشار عليه نصحاؤه أَن يرجع إلى دمشق حتى تستريح العسكر ثم يتوجّه إليهم فيأْخذهم من الصُّبَيْبة فأَبىَ ولجّ في طلبهم وظنَّ أَنهم في قبضته، وأَن الذي أَشار عليه بذلك غشَّه واتهمه لهواه فيهم، ثم ركب من ساعته وساق فما وصل إلى اللجّون حتى تقطَّعْت عساكر، ولم يبق معه الَّا اليسير، وذلك في ثالث عشر المحرّم.
وكان الأُمراءُ قد داخلهم الخوف منه فعزموا على أَن يتوجّهوا في الليل من وادي عاره (^١) إلى جهة الرملة ثم يقصدون حلب من طريق البريّة ولم يخطر لهم أَن يقاتلوه خوفًا منه وعجزا عنه، فساعة وقوع عينه عليهم حمل واقتحم فيهم، فارتطمت خيول الذين معه في وحل كان هناك، وخامرت طائفة منهم، فقُتل في المعركة مقبل الرومي وكان الناصر قد فسخ عقد
_________________
(١) في هـ "غارما".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
أخته من نوروز وزوّجها لمقبل، فقصده نوروز فقتله في المعركة وقتل أَلطنبغا شقل، وجرح بكتمر فمات من جراحته بعد ذلك بأَيَّام.
ووقعت في الناصر جراحة فانهزم راجعًا إلى دمشق، فأَشار عليه بعضُ من ينصحه أَن يستمر متوجها إلى القاهرة فامتنع لما أَراد الله من هلاكه، وتوجّه إلى دمشق فأَدركه الليل في بيتِ تركمانيٍّ فعرفه فأَنزله عنده، وكان معه حينئذ ثلاثة أَنفس فأَقام في الليل يسيرًا حتى استراح، ثم قدّم له التركماني حِجرة - وكان فرسه قد أَعْبي - فركبها ووعده بمالٍ وإقطاع، وتوجّه إلى دمشق فتحصّن بالقلعة واحتاط الأُمراءُ بالخليفة والقضاةِ وكاتب السرِّ وناظر الجيش وبجميع ما كان مع النّاصر من المال والخيل مما لم ينزله، فانتقل الأُمراءُ من الخوف إلى الأَمن ومن الذل إلى العزّ، وتقدّم شهاب الدين الأَذرعي - إمام النائب شيخ - وهو ابن أَخي الشيخ بدر الدين بن قاضي أَذرعات فصلَّى بالقوم المغرب فقرأَ (^١) ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية، فوقعت الموقعَ لمناسبة الحال، وأَصبح الأُمراءُ ورأْسُهم شيخ ونوروز فاشتوروا فيما يفعلون، وكان كاتب السرّ فتح الله قد خاف من الناصر فأَشار عليهما أَن يكتبا إلى القاهرة بما اتَّفق ويأْمرا بحفظ القلعة والبلد، ويكتب الخليفة بمثل ذلك.
وتوجّه قجقار الفردي بذلك فوصل آخر الشهر، ورحل الأُمراءُ إلى دمشق فوصلوا إليها في نصف المحرّم.
وكان الناصر قدم في تلك الليلة وطلع القلعة واستدْعى القضاة والأَعيان ورغَّبهم فيما لديه، ووعدهم بالعدْل والجميل فمالوا معه وشجّعوه، فتلاحق به العسكر شيئًا بعد شيء، ووجد تغرى بردى نائب الشام قد مات في ذلك اليوم فقرر عوضه دمرداش، وأَخذ في الاستعداد وإخراج الأَموال والسلاح، فاجتمع له جمع كثير وأَنفق فيهم وقواهم بالمدافع والمكاحل ورَفْع الجسور عن الخنادق، وأَمر القضاة أَن يركبوا مع القاضي جلال الدين البلقيني وكان قد تقدّم
_________________
(١) سورة الأنفال، آية ٢٦.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
قبل الواقعة إلى دمشق ونادى بأَن النَّاصر قد أَبطل المكوس وأَزال المظالم ويطلب منهم الدعاءَ، فتعصب له عوام الشام.
فلما كان في الثامن عشر من المحرّم نزل الأُمراءُ بقبة يلبغا، فندب الناصر لهم عسكرًا، فخرج إليهم سودون الجلب وسودون المحمّدى فهزموهم ثم ارتحلوا فنزلوا غرب البلد ووقفوا من جهة القلعة فتراموا بالنشاب.
ثم نزل نوروز بدار المطعم، وشيخ بدار غرس الدين الأُستادار، وضَمَّ معه الخليفة وكاتب السرّ والقضاة، ونزل بكتمر جَلَق وقرقماس فمنعوا الميرة عن النَّاصر وقطعوا نهرى دمشق، فتعطَّلت الحمامات وغلقت الأَسواق وعظم الأَمر واشتد القتال وكثرت الجراحات.
وفى ثالث عشرى المحرّم لحق بالأَمير شيخٍ ناصرُ الدينُ بن العديم قاضى الحنفية وشهابُ الدين الباعونى وشهاب الدين الحسباني - وكانوا بالصالحية - وناصرُ الدين بن البارزي وصدرُ الدين الأَدمى - وكانا من أَخصّاء شيخ - فأَنس فأنس بهما وعرّفاه بأَحوال البلد مفصّلة؛ وبسط ناصر الدين بن العديم لسانه في الناصر فبلغ ذلك النَّاصر فقَرّر ابن الشحنة في قضاء الحنفية بالقاهرة عوضًا عنه. ويُقال إن ناصر الدين المذكور كان ممَّن شهد الواقعة باللَّجون وأُحيط به مع الخليفة والمباشرين.
وفى الرابع والعشرين من المحرّم وُسِّط بلبان (^١) أَشق شاد الشرابخاناه وبلاط أَميرُ علم وكان كلٌ منهما يذبح المماليك الظاهرية بين يدى الناصر بالقاهرة.
وفى يوم السبت خامس عشرى المحرّم أَشهد عليه الخليفة بخلع الناصر من المُلْك لِمَا ثبت عليه من الكفريات والانحلال والزندقة، وحكم ناصر الدين بن العديم بذلك وبسفْك دمه، واستقرّ في السلطنة الخليفة المستعين بالله أَبو الفضل العباسي بن المتوكل العباسي ولم يُغَيّر لقبه، وبايعه الأُمراء ومَن حضر، وكان رأْىُ الأُمراء قد أَجْمع على ذلك فلم يوافقهم الخليفة إلَّا بعد شدّةٍ وتوثُّقٍ منهم بالأَيمان فاشتد امتناعه وصمّم، وبادر كاتب السرّ
_________________
(١) في ك "ملاش"، وفى هـ "بلا أشق" وفوقها "كذا".
[ ٢ / ٥٠٧ ]
فتح الله فأَرْسل جماعة، منهم: محمد بن مبارك الطازى - وهو أَخو الخليفة لأُمه - ورَتَّب معه ورقةٌ فيها مثالب الناصر، وأَن الخليفة عزله من السلطنة فلا يحلّ لأَحدٍ من المسلمين القتال معه ولا مساعدته فإنه فعل وفعل؛ وعدَّد مثالب الناصر، وقرأَها شيخ بينهم جهْرًا ودار بها على الوطاق كلِّه حتى بلغ ذلك النَّاصر وتحقَّقه، وتوعّد الخليفة بكل سوء ظنَّا منه أَن ذلك مِن تدبيره. فبلغ ذلك الخليفةَ فسقط في يده وأَيِس من صلاح النَّاصر فأَجاب إلى ما التمسوه منه من القيام بالأَمر، فبايعوه كلهم وحلفوا له على الوفاء، وأَحضروا له لباس الخطيب الأَسود فلبسه وجلس على كرسيٍّ وقام الكل بيْن يديه.
وقرّر بكتمر جلق في نيابة الشام، وقرقماس في نيابة حلب، وسودون الجلب في نيابة طرابلس، والأَميرين: شيخ ونوروز في ركابه يدبران الأَمر.
ونادى منادى الخليفة: "أَلَا إنَّ فرج بن برقوق قد خُلع من السلطنة، ومَن حضر إلى أَمير المؤمنين وابن عمّ رسول الله فهو آمن! " فتسلَّلَ الناس عن الناصر، وكتب المستعين إلى القاهرة باجتماع الكلمة وأَمر يلبغا الناصري بحفظ البلد.
فلما كان صبيحة هذا اليوم قدم الحاج فتلقَّاهم شيخ وبعث كل طائفة إلى الجهة التي هي مقصدها، ومنَعهم أَن يمّروا تحت القلعة.
وفى سابع عشرى المحرّم استقرّ برهان الدين الباعونى في قضاء الشافعية بالقاهرة عوضًا عن البلقيني، وشهاب الدين الحسبانى في قضاء الشافعية بدمشت عرضًا عن الإخنائي، واشتغل الأَميران بحصار النَّاصر؛ وقُتِل في هذه الفتنة (^١) خلق من الأُمراء منهم: يشبك العثماني.
ولمَّا بلغ الناصرَ ما صنع فتحُ الله عَزَله من كتابة السرّ وقرّر عرضه فخرَ الدين بنَ المزوّق، وأضاف نظر الخاص إلى الوزير سعد الدين بن البشيري وكان معه بدمشق.
* * *
_________________
(١) في ز "السنة".
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وفى ثامن صفر قدم قجقار القردمى القاهرة بأَخبار الواقعة، فأَراد أَسنبغا الزردكاش أَن يقبض عليه فمنعه يلبغا الناصري وقرأَ كتبه، واشتهر الخبر، ورَتَّبَ الناصر لقجقار ما يليق به وبمن معه وهم نحو ثلاثين نفرا.
ثم قدم كزل العجمى وعلى يده كتب من الخليفة والأُمراء بما تقدّم من خلع النّاصر.
وقدم بعده ساعٍ من عند الناصر يخبر فيه بأَنه ملتجئٌ إلى القلعة، ثم قدم قصروه وعليه خلعة الخليفة وكتابٌ إلى الناصريّ ومَن بالقاهرة من الأعيان، فقُرِئ وأُرسل إلى الجامع الطولوني فقرأَه ابن النقاش، ثم [أُرْسِل] إلى الجامع الأَزهر فقرأَه مسطرها (^١) كما سيأْتى.
* * *
وفى السادس من صفر شاع بين الناس أَن قرايلك وغيره من التركمان وصلوا نجدةً مِنَ النَّاصر، فنادى مُنادِى شيخ بتكذيب ذلك و"أَن المذكورين جاليش تمرلنك فاحذروهم" ثم اجتمع الجميع وأَعادوا بيعة المستعين وجدّدوا له الأَيمان وأَنهم رضوا بأَن يكون حاكما عليهم، وأنه المستبدّ بالأُمور من غير معارضة أَحدٍ منهم له.
* * *
وفى الثامن من صفر اشتدّ القتال وحمل شيخ بمن معه فانهزم أصحابه وثبت هو ثم تراجعوا وصدقوا الحملة فانهزم أَصحاب الناصر، ووصل شيخ إلى طرف القنوات، فجاء دمرداش فأَعلم الناصر أَنه قد سهل القبض عليه وسأَله أَن يندب معه رجلًا فناداهم فلم يجبه أَحد، وأَعاد فأَجابه بعضهم بجوابٍ فيه جفاء، وإذا العسكر قد اختبط فإن نوروز كيسهم فهربوا بحيث لم يبْق بيْن يدى الناصر أَحد، فملك شيخ الميدان والإصطبل.
فأَشار دمرداش على الناصر أَن يرحل إلى حلب، فقام فدخل حريمه ليلًا وتجهَز فلم يخرج، فاستبطأَه دمرداش فتركه وسار وقام ناس على الأَسوار فنادوا: "نصر الله أَمير المؤمنين"، فلما سمع الرماة ذلك تخوّفوا على أَنفسهم ففروا، فركب الناصر فرسه ودار
_________________
(١) يعنى ابن حجر بذلك أَنه هو نفسه الذي قرأ هذه الكتب في الجامع الأزهر؛ والضمير في "مسطرها" عائد على أسطر إنباء الغمر.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
على السور فلم يجد أَحدًا فعاد إلى القلعة، فركب شيخ ودخل من باب النصر وملك المدينة ونزل بدار السعادة، وامتدَّتْ أيدى الغوغاء إلى النهب فبالغوا ونزل المستعين في البلد.
ويقال إن دمرداش لما رأى أَن حال الناصر تلاشى احتال لنفسه فقال للناصر: "أَروح أَنا وابن أَخى وأَجمع عسكر من التركمان وغيرهم"، فمال الناصر لكلامه وأَعطاه مالًا كثيرًا لذلك، فتوجّه من دمشق ومعه نحو مائتي نفس، فلما رأى الذين مع الناصر ذلك خارت قواهم ووهنوا، ورأى الناصر علامة الخذلان فقال لهم: "من شاء أَن يستوثق لنفسه فليفعل"، فتفرفوا.
* * *
ثم تحوّل شيخ إلى الإصطبل، وأَنزل بكتمر جلق في دار السعادة، فلما كان يوم الأَحد بعث الناصر يطلب الأَمان ويستحلف الأُمراءَ فحلفوا له على ما أَراد، وأَرسلوا له أَخا الخليفة: لأمه: محمد بن مبارك الطازى وكان بينه وبينه الكلام ولم يفترقا على طائل، فعاود الرمي عليهم من أعلا القلعة فعاودوا الحصار، فاضطرهُ الأَمر إلى أَن نزل ليلة الاثنين ومعه أولاده يحمل بعضهم وتُحمل معه بعضهم وهو يمشى من باب القلعة إلى الإصطبل: فلما راه شيخ قام فقبّل له الأَرض وأَجلسه بصدر المجلس فسكن روعه، فبات تلك الليلة وأَصبح شيخ يوم الاثنين فلم يجتمع به، واجتمع الأُمراء عند المستعين يوم الاثنين بدار السعادة فاشتوروا فيما يصنعون بالنَّاصر، فاتفق رأْيهم على أَن يمضوا فيه حكم ابن العديم، فأُخذ في ليلة الأَربعاء من الإصطبل فجلس في مكانٍ من القلعة وحده لا يصل إليه إلَّا من يناوله حاجة المأْكول والمشروب خاصة، وتركوه فريدًا إلى ليلة السبت سادس عشر صفر، فدخل عليه محمد بن مبارك الطازى ورجل من خواصّ شيخ وآخر من خواصّ نوروز ورجلان من المشاعلية، فلما رآهم أحس بالشرّ فقام ودافع عن نفسه، فبادر المشاعلية حى صرعاه بعد ما أَثخنا جراحه، وتقدّم إليه أحدهما فخنقه، فلما ظنّ أَنه أَتلفه قام عنه فتحرّك، فعاد مرة بعد مرة، فغزَّ أَوْدَاجَه بخنجر كان معه، ثم سحبه بعد ما سلبه فأَلقاه على مزبلة تحت السماء ليس عليه سوى لباسه وعيناه مفتوحتان، يمرّ به القريب والبعيد وقد صرف الله قلوبهم عنه فلا أَحد يترققّ له ولا يحنّ عليه، بل ربّما مدّ إليه بعضهم يده فعبث بلحيته. ثم حُمِل
[ ٢ / ٥١٠ ]
ليلة الأَحد فغُسل وكُفِّن وصلى عليه ودُفن بمقبرة (^١) باب الفراديس، ولم يكن له جنازة مشهورة، فسبحان المعزّ المذلّ.
* * *
وكان شيخ يحلف أَنه لا يريد قتله ولم يُرد إلَّا أَن يسجنه ببعض الأَماكن منفيا ويرتب له ما يأْكل ويشرب، ووافَقَه جماعةٌ من الأُمراء، منهم: يشبك بن أَزدمر؛ إلا أَن نوروز وبكتمر جلق لم يأْمنا عاقبته فحرّضا على قتله وساعدهم الحُكم ابن العديم بقتله بسيف الشرع فقُيِل.
ولقد كان الناصر هذا أَعظم الناس خذلانًا لدين الإسلام وأَشأَمهم طلعةً على المسلمين، والعجب أَنه لما وُلد أَقبل يلبغا الناصري ومنطاش فبشَّرا به أَباه فسمَّاه "بُلْغَاق" يعني "فتنة"، فلما خلص أبوه من الكرك سماه "فرجًا"، فكان اسمه الأَول هو الحقيقى.
* * *
وفى عاشر صفر قُبض على الإخنائى وابن المزوق والغرس الأُستادار وعبد الرزاق ناظر الجيش وصودروا، وخُلع على صدر الدين بن الأَدمى بكتابة السرّ بدمشق وعلى الأمويّ بقضاء المالكية بها.
وتقرّر الأَمر بين الأُمراء أَن يكون الأَميران (^٢) يدبّران الأَمر بين يدى الخليفة، وأَن ينزل شيخ بباب السلسلة وينزل نوروز في بيت قوصون، فلما كان الخامس والعشرُون من صفر (^٣) التَمس نوروز من الخليفة أَن يقرّره على نيابة الشام فأَجابه إلى ذلك وخلع عليه وصَرف بكتمر جلق عنها واستقر أَميرًا كبيرًا بالقاهرة، واعتلّ نوروز بأَنه يخشى وقوع الفتنة وأَن التدبير لا يليق أَن يكون إلَّا لشخص واحد فأجيب لذلك، وفُوّضت له كفالة الشام كله، وجُعل له تعيين النواب والبلاد وتعيين الإقطاعات لمن يراه، وكذلك أَمْرُ القضاة والمباشرين فيطالع الخليفة بمن يرى تقريره فيكتب له تقليده
* * *
_________________
(١) في هـ "بقبر باب الفراديس"، وفى ز "بمقربة باب الفراديس".
(٢) المقصود بذلك شيخ ونوروز.
(٣) في ث "محرم". وأمامها في هامشها "ولاية نوروز الثانية للشام".
[ ٢ / ٥١١ ]
وفي السابع والعشرين من صفر أُعيد جلال الدين البلقيني إلى قضاء الشافعية بالقاهرة وعُزل الباعوني فكانت مدّته شهرًا: إسمًا بلا مباشرة، وصَرف نوروزُ ابنَ الأَدمى من كتابة السر وقرر البصروى، وصرف الحسبانى عن قضاء الشافعية بدمشق وقرر الإخنائي فتوجّه مع الحسبانى إلى وطاق الخليفة، فكتب له توقيعًا بخطابة الجامع ونظر الأَسرى ومشيخة السميساطية ونصف الناصرية، فَضَرَبَ نوروز على الخطابة وأبقاها الباعوني، ثم بَقّى نصف الناصرية مع شهاب الدين بن نقيب الأَشراف، ثم قرّر الباعوني في المشيخة فلم يتأَخَّر مع الحسباني سوى نظر الأَسْرى ثم انتُزِعَتْ منه.
* * *
وفي ثامن صفر وصلت الأَخبار إلى القاهرة - صحبةَ كزل - بما جرى للناصر وقرئت الكتب بذلك على المنابر، وكذَّب أَسنبغا الزرد كاش ذلك وأَراد إثارة فتنة، فساس يلبغا الناصري الأَمر حتّى سكن اضطرابه، ووصل كتاب الخليفة إليه أَن يسلم يلبغا القلعة فأَذعن وتوجّه إلى داره، وصدرت الكتب من الخليفة إلى الأُمراء والتركمان والعربان والعشير، ومفتتَحُها: "مِن عبد الله ووليّه الإمام المستعين (^١) أَمير المؤمنين وخليفة رب العالمين وابن عمّ سيد المرسلين، المفترضة طاعته على الخلق أجمعين، أَعزَّ الله ببقائه الدين. إلى فلان".
وفى الثامن من ربيع الأَول توجّه الخليفة وشيخ ومن معهما إلى القاهرة فدخلوا في يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الآخر بعد أَن تلقّاهم الناس إلى قطية وإلى الصالحية وإلى بلبيس، وحصَل للناس من الفرح بذلك مالا مزيد عليه ونادوا في الناس برفع المظالم والمكوس.
وفى سادس عشره توجّه نوروز من دمشق إلى حلب، وقرّر في نيابتها سودون الجلب فمات معه في حادى عشر ربيع الأَول، واستقر يشبك بن أَزدمر في نيابة طرابلس، وخرج نوروز من حلب وطلب دمراش فوصل إلى عينتاب فقطع دمرداش الفرات فرجع نوروز فوجد سودون الجلب قد مات، فقرّر في نيابة طرابلس طوخ ورجع إلى دمشق فدخلها في أَوائل رجب، وتوجّه أَلطنبغا القرمشي نائبًا على صفد.
* * *
_________________
(١) عبارة "الإمام المستعين" غير واردة في ث.
[ ٢ / ٥١٢ ]
وفيه ضَرب نوروز الدراهم الخالصة زنة الواحد نصف درهم والدينار بثلاثين منه وفرح الناس بها، وكانت معاملاتهم قد فسدت بالدراهم المغشوشة النوروزية فكان ضربها (^١) قديمًا في كل درهم عُشْرُهُ فضة وتسعة أَعشاره نحاس.
* * *
وفى شهر ربيع الأَول استقرّ الشيخ محب الدين محمد بن الأَشقر شرف الدين عثمان الرازي (^٢) في مشيخة الخانقاه الناصرية بسرياقوس، وكان شيخها - شهاب (^٣) الدين بن أَوحد - قد قام عليه الصوفية لما بلغهم خبر الملك الناصر لأَنه كان يستطيل عليهم لصحبته فآذوه ورموه بكل عظيمة وكان جديرًا بذلك؛ فخشي على نفسه منهم فبادر بالنزول عن الخانقاه المذكورة للمذكور (^٤) لمعرفته بمحبّة الناس له لحسن سياسته، فأَمضى له يلبغا الناصري النزول واستقرّ بها، وخرج ابن أَوحد إلى ملاقاة معارفه من المصريين في العسكر، واستقرت قدم ابن الأَشقر في سرياقوس.
وكان قد تزوّج بنت البرهان المحلِّى - وهى أُخت زوجة الخليفة - فخرج إلى لقائه فتلقاه بإكرام وتعظيم.
وفي الثاني من ربيع الأَول دخل الخليفة القاهرة فشقها والأُمراءُ بين يديه، واستمر إلى القلعة فنزلها، ونزل شيخ الإصطبل بباب السلسلة، وكان شيخ يظن أَن الخليفة يتوجّه إلى بيته ويستعفى من السلطنة، فلما لم يفعل ذلك أَعْرَض عنه وأَبْقى له مَن يخدمه من حاشيته، واستقرّت الخدمة عند شيخ، وأَمْسَك أَسنبغا الزردكاش فادّهى عليه مُدَّعٍ بموجب القتل فقُتِل، وقبض على أَرغون وسودون الأَسندمرى وكمشيغا المزوّق وحبسهم (^٥)، وقرَّر في نيابة الإسكندرية خليل الدشارى عوضا عن قطلوبغا الخليلي بحكم موته.
_________________
(١) في هـ "منه بها".
(٢) في هـ، ث "الكراوى".
(٣) إزاء هـ في هامش ث "إنما هو شمس الدين حفيده لأن الخانقاه لا تقر تولية أَحد صوفيتها".
(٤) إزاء هذا الخبر في هامش هـ: "أخبر في عز الدين عبد العزيز السنباطى أن ابن أوحد شئل عن سبب اختياره لابن الأشقر لها دون غيره فقال: لم أجد أحدا يقتص منه تخصصيه بها ليأخذ لى حقى من صوفيتها، وكان يتخذ منه ذلك فإن ابن الأشقر كان كالحية نعومة وملاسة ووثبًا، وحياته مثار الصوفية بها، على أَنه عامة أذل من اليهود".
(٥) ساقطة من هـ.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وفى الثامن منه صعد شيخ والأُمراءُ إلى القصر، وجلس الخليفة على تخت الملك، فخلَع على شيخ خلعة عظيمة بطراز لم يُعْهد مثْلُه، وفَوّض إليه أَمر المملكة بالديار المصرية في جميع الأُمور، وكتب له أَن يولِّى ويعزل بغير مراجعة، وأَشهَد عليه بذلك، ولُقِّب "نظام الملك" وقرر طوغان دويدارًا، وجاهين الأَفرم أَمير سلاح، وإينال الصصلالي في الحجوبية.
وخلع على يلبغا الناصري وسودون الأَشقر، وقرّر أَلطنبغا العثماني في نيابة غزَّة عوضا عن سودون من عبد الرحمن، ونزلوا كلهم في خدمة شيخ. فلما كان اليوم الذي يليه عرض شيخ الأَجنادَ وفرق الإقطاعات.
وقَرر جقمق دويدارًا في خدمة الخليفة وأَسكنه القلعة، وتقدّم إليه بأَن لا يمكِّن الخليفة من كتابة العلامة إلَّا بعد عرْضها على شيخ، فاستوحش الخليفة حينئذ وضاق صدره وكثر قلقه واتَّضَع جانبه وصار المُلك كله لشيخ؛ فسبحان من له الأَمر كله.
* * *
وفي حادى عشره استقرّ صدر الدين بن العجمي في حسبة القاهرة وصُرف ابن الدميرى، وخُلع على المباشرين باستقرارهم على عادتهم، وخُلع على التاج الشوبكي واستقرّ والىَ القاهرة (^١).
واستقرّ بدر الدين حسن بن محب الدين أستادارًا وسكن في بيت جمال الدين، واستقر شهابُ الدين أَحمدُ الصفدى ناظرَ المرستان - عوضا عن فتح الله - وناظرَ الأحباس عوضا عن تاج الدين بن نصر الله أَخى ناظر الجيش بدرِ الدين، وقام جدَّ القيام في دفْع ذلك فلم يجب سؤاله، واستقرّ ناصر الدين البارزي في توقيع الأَمير (^٢) عوضًا عن تاج الدين بن نصر الله، وشرفُ الدين التبّانى في وكالة بيت المال ونظر الكسوة.
* * *
وفى قدوم القوم إلى القاهره انحلَّت الأَسعار ورخصت الغلال، وزاد النيل زيادةً وافرة
_________________
(١) في هامش ث: "بداية أمر التاج في ولايته الولاة".
(٢) هكذا في هـ، ولكنها "الأمر" في ز.
[ ٢ / ٥١٤ ]
بحيث أَنه كان عند الناروز قد وَفَى ثمانية عشر ذراعًا واستبشر الناس بذلك، وخفَّ الظلم جدًّا وتعَطَّلت الرمايات والمصادرات، ومُنع بيع الأَنفس الأَحرار والمجاهرة بالمحارم في الجملة.
وفى السادس عشر من جمادى الأولى قرى تقليد الأَمير شيخ بتفويض الخليفة له أَمورَ المملكة وجميع ما قد اشتهر من خلافته.
وفى ثالث (^١) عشريه جلس في الحرّاقة وبين يديه القضاة والأُمراءُ والمباشرون، وقرأَ كاتب السرّ عليه القصص كما جرت العادة عند السلاطين في دار العدْل، ولم يبْق له من السلطنة سوي اسمها والسكة والخطبة، واستمرّ يعمل هذه الخدمة كل اثنين وخميس.
وفي رابع عشريه قُرّر صدر الدين بن الأَدمى في قضاء الحنفية بالقاهرة وصُرف ابن العديم، فسعى ابن العديم بالمال حتى أُعيد إلى الشيخونية في رجب وصُرف أَمين الدين بن الطرابلسي، وأرسل جقمق إلى بلاد الشام بتقاليد النواب من جهة الخليفة.
وفى الثامن من جمادى الآخرة مات بكثمر جلق وكان قد لسعَتْه عقرب من مدة شهرين فتمرّض منها إلى أَن مات، ونزل شيخ للصلاة عليه راكبًا والناس مشاة، فخلا الجو الشيخٍ بموت بكتمر.
وفيه جُهّزَت سارة بنت الملك الظاهر إلى زوجها نوروز بدمشق فخرج لملاقاتهَا إلى الرملة، فوصلَتْ وهي ضعيفة فتوجّه بها إلى القدس فماتَتْ هناك.
ولما دخل القدس اتَّصل به شمس الدين محمد بن عطاء الله الهروى فقرّره في تدريس الصلاحية عوضًا عن الشيخ زين الدين القمنى، وكانت الوظيفة بيَدِ القمنى ويستنيب فيها شهاب الدين بن الهائم، فمات ابن الهائم فخلت من مدرّس فوثب عليها الهروى.
وفى جمادى الآخرة قرأَ البارزى مُوَقعُ شيخ بين يديه القصص في غير أَيام الخدمة، وكثُر الناس على بابه وقلّ تردَادهم إلى فتح الله، فبدأَ جانبه في الانحطاط.
_________________
(١) في ك، ث "تامن عشرينه".
[ ٢ / ٥١٥ ]
وفي يوم السبت تاسع عشرى رجب عُقد مجلس بين يدى شيخ بسبب (^١) مدرسة جمال الدين، وادّعى أَخوه شمس الدين على فتح الله كاتب السرّ أَنه واضعٌ يده عليها ظلمًا، فأَجاب بأَنها صارت للنَّاصر بوجْه شرعى وأَنَّه فوّض له النظر عليها، فبدر ابن الأَدمى فقال: "حكمْتُ بإعادتها إلى وقف جمال الدين وكذلك أَوقافها على ما كان جمال الدين وقَفها، وانفصل الأَمر على ذلك.
* * *
وفى رجب شكي أَخو جمال الدين الأُستادار وعاداته ما أَصابهم من الناصر وانتزاع أَوقافهم، فحكم صدر الدين بن الأَدمى بإبطال ما صنعه الناصر وبإعادة وقف جمال الدين على حاله، وصرف الفائض من الريع إلى ورثة جمال الدين. وكان فتح الله سعى في ضدّ فلم يجب سؤاله واتَّضع جانبه جدًّا، وسعى أَخو جمال الدين حينئذ فاستعاد البيبرسيّة بحكم أَنها كانت بيده وخرجَتْ عنه لعلاء الدين الحلبي ثم نزل عنها لكاتبه (^٢)، فلم يزل أَخو جمال الدين يسعى إلى أَن اشترك معه في المشيخة، ثم انتزعها منه كلها في سنة ست عشرة ثم استعادها كاتب في سنة ثماني عشرة.
* * *
وفي مستهل شعبان - يوم الاثنين - بويع (^٣) للأَمير شيخ بالسلطنة باتفاقٍ من أَهْل الحلّ والعقد - الذين حضروا - من الأُمراء والقضاة والمباشرين، ثم صعد إلى المقصر فجلس على تخت الملك وقَبَّل الأُمراء الأَرض وصافحه القضاة وأَصحاب الوظائف وقرّرهم على وظائفهم، وأَرسل إلى الخليفة ليشهد عليه بتفويض السلطنة الله على عادة من تقدّمه، فأَجاب بشرط أَن ينزل من القلعة إلى بيته، فلم يوافقه السلطان على النزول بل استنْظره أَياما. وتلقَّب السلطان "بالملك المؤيد" بعد أَن شاوره في ذلك فاختار هو هذا اللقب، وكنتُ حاضرًا في وظيفة إفتاء دار العدل، فاتفق أَنهم اختلفوا في تكنيسته فقلت: "الذي يوافق التأْييد هو النصر"، فاتُّفِق على تكنيته "أَبا النصر"، وانفصل المجلس على ذلك.
_________________
(١) في هامش ث: "ورد الجمالية باسم جمال الدين".
(٢) يقصد ابن حجر بلتك نفسه.
(٣) في هامش ث: "سلطنة الملك المؤيد شيخ، رحمه الله تعالى".
[ ٢ / ٥١٦ ]
واتفق في يوم سلطنته قدوم جقمق الدويدار راجعًا إلى دمشق لتقليد النواب، فتلقّاه نوروز وخلع عليه ظانًا أَن الأَمر على ما كان عليه، فلما كان في ثامن عشر رجع إلى دمشق فقبض عليه نوروز وسجنه.
وفى السادس عشر من شعبان توجّه طرباى بخلعة استقرارٍ لنوروز نيابة الشام، فلمّا بلغه ذلك أَعاد جوابًا قبيحًا وأَفحش في الردّ وكاتَبَه كما كان يكاتبه من قبل، فرجع الرسول مسرعًا فوصل في أَول يوم من رمضان، فجهَّز المؤيدُ الشيخّ شرف الدين التَّباني - في ثامن عشر - رسولًا إلى نوروز يعظه ويشير عليه بالدخول في الطاعة، فقدم عليه في سابع شوال فلم يلْقه بإكرامٍ ومنعه من الاجتماع بالناس، وقبض على نجم الدين بن حجّى - وكان خرج مع الحجّاج فوُشِى به إلى نوروز أَنه يريد التوجّه من مكة إلى مصر - فحبسه بالقلعة ثم أفرج عنه بعد خمسة عشر يومًا.
وأَرسل نوروز إلى الأُمراء مِن البلاد أَن يوافوه بدمشق لحرْب المؤيد، فوصل إليه تغرى بردى بن أَخي دمرداش وطوخ وقمش ويشبك بن أَزدمر، فاستقرّ الرأْى على أَن يرجعوا إلى بلادهم ويتجهَّزوا ويعودوا إلى دمشق.
ثم وصل الخبر بمجئ إينال الرجبي وجانبك الصوفى في عسكرٍ من جهة المؤيد إلى غزَّة فملكوها، وهرب كاشف الرملة إلى نوروز، فجهَّز نوروز جيشًا إلى غزَّة، فتوجّه معه كاشف الرملة فكبسوا إينال الرجبي بالقدس فكسروه وأُرسل إلى دمشق - وكان زوج أُخت (^١) نوروز - فخامر عليه، فلما حضر إلى نوروز بصق في وجهه ثم أَطلقه، وتوجّه عسكر نوروز فأَخذوا غزَّة فهرب جانبك إلى صفد.
* * *
_________________
(١) أما م هذا الخبر في هامش ث جاء تعليق ضاع أوله بسبب التصوير، ولكن تتمته كانت على الصورة التالية: " … وتكتب وتحب العلم ومطالعة الكتب. كان عندها عدّة من الكتب وهي التي ربتني بعد الوالدة ولى من العمر نحو الثمان سنين وزوجتى بجارية اشترتها وأعتقتها ودخل بها إينال الرجبي تلك السنة وهي بكر ثم عقيب ذلك جرى له ما جرى، وكان هو في تلك الأيام مقيما بالقدس الشريف ومع الوالد رحمهم الله تعالى، وكانت ولايته صفد هذه في سنة سبع أو ستة وثمانمائة. ماتت بطرابلس في رجب أو شعبان سنة إحدى … وثمانمائة وأخرجت والدتها صرة كاتبه بدمشق في يوم موت من جقمق سنة ست وخمسين وثمانمائة بعد عودتنا من الحج مع الوالد ومعى عائشة بنت أرغون. كانت خيرة دينة ماتت ولها من العمر نحو الثمانين".
[ ٢ / ٥١٧ ]
وفى الثامن من شعبان عمل المؤيد الخدمة بدار العدل بالديوان وكانت قد انقطعت مدة طويلة، وقرّر الأُمراءَ: فيلبغا النَّاصرى أَتابكَ العساكر، وطوغان دويدارًا كبيرًا، وشاهين الأَفرم أَميرَ سلاح، وقنباى المحمدى أَميرَ آخور، وسودون الأَشقر رأْسَ نوبة.
وخلع على القضاة والمباشرين، واستقرّ شمس الدين بن التَّبّالي في قضاء العسكر عوضًا عن جمال الدين بن القطّان، وكان استقرّ في الوظيفة بعناية الخليفة فعُزِل.
وفى هذا اليوم صَرَف نوروز شهابَ الدين الأَموى عن قضاء المالكية وأَعاد عيسى فرحل الأمويّ إلى القاهرة.
وفى شعبان تجهَّز طوغان ومعه عسكر إلى البحيرة لدفع عرب لبيد عنها - وكانوا قد أَفسدوا - فقتل منهم جماعة، فرحلوا إلى الإسكندرية فحاصروها فتجهَّز إليهم قرقماس ابن أَخي دمرداش.
* * *
وفى الثاني من رمضان جُمع اليهود والنصارى وحضر جماعةٌ من أَهل العلم، منهم: ابن النَّقَّاش وشمس الدين التبّانى وشهاب الدين بن شقرى مع المحتسب ابن العجلي، وكتب أَسماءَ أَهل الذمة وقُرّرت عليهم الجزية على قدر أَحوالهم: على الغنيّ أَربعة دنانير، والوسطِ ديناران، والفقير دينار واحد. فبلغت الجزية في هذه السنة عشرة آلاف دينار، وكانت في العام الماضي أَلفًا وخمسمائة دينار فقط.
وفى شوال أَرسل المؤيد آقبغا الأَسندمرى إلى دمرداش بتقريره نائبًا بحلب.
وفى تاسعه قُبض على سودون المحمّدى بالقاهرة وأُرسل إلى الإسكندرية لأَنه كان يميل إلى نوروز، وقُبض على كاتب السرّ فتح الله وعُوّق بالقلعة وأُحيط (^١) بداره وقُبض على حواشيه، ثم صُرِف في ليلة الجمعة وأُلزم بمائة أَلف دينار، وحُمل في ليلة الأَحد إلى بيت الأُستادار وشَرع في بيع حواصله.
_________________
(١) عبارة "وأحيط بداره" غير واردة في ك.
[ ٢ / ٥١٨ ]
وقُرّر (^١) ناصر الدين البارزى في كتابة السرّ عوضا عن فتح الله، وكان صدر الدين بن الأَدمى قد عُيّن لذلك من قبل، فاتفق له رمد أَشفى منه على العمى، فاستقرّ البارزي وسُجن فتح الله بالقلعة في أَواخر شوال، ثم عوقب في سادس ذي الحجّة على ظهره عقوبةً بالغةً وعُصِر حتى كاد أَن يموت وأُهين إهانة بالغةٍ، ثم حُوِّل في ثامن ذى الحجة إلى ناظر الخاص فأَنزله في داره (^٢) مُضَيْقًا عليه.
وكان المؤيد قد نقل الخليفة المستعين من القصر فأَنزله في دارٍ من دور القلعة ومعه أَهله، ووَكلَ به مَن يمنع الاجتماع به فبلغ ذلك نوروز فجمَع (^٣) القضاةَ والعلماء في سابع ذي القعدة واستفتاهم عمّا صنعه المؤيّد بالخليفة من خَلْعه وسِجْنه، فأَفتوه بعدم جواز ذلك، وافترقوا على غير شيء.
* * *
وفى هذا الشهر انتهت عمارة قلعة دمشق إلى أَن صارت أحسن مما كانتْ وأَعمر، وتوَسَّع نوروز في النفقات والعطايا حتى إنه أَعطى تغرى بردى بن أَخي دمرداش ثمانية آلاف دينار، ويشبكَ بن أَزدمر خمسة آلاف دينار؛ وقسْ على هذا.
وكثرت مصادرته للناس فأَخذ من خليل الأُستادار وحده مائتي أَلف دينار، ويقال إنه وجد مع ناسٍ من أَهل البقاع ذهبًا فأَنكر عليهم فاعترفوا أَنهم نبشوا لدفْن ميت فوجدوا ناووسًا ففتحوه فوجدوا فيه ذهبًا كثيرًا فاقتسموه، فتَتَبِّع نوروز من أَخذه واستعاد منه ما قدر عليه، فحصل له نحو ثلاث غرائر ملآى ذهبا فيما قيل.
* * *
وفى تاسع شوال سُجن سودون المحمدى بالإسكندرية.
وفى ذى القعدة قُطع الدعاء للخليفة بمكة ودُعِى للمؤيد وحده، وكان من أَول دولة المستعين يُدْعى لهما.
_________________
(١) في هامش ث: "ولاية ابن البارزي ناصر الدين كتابة السر بمصر".
(٢) في هـ، ث: "دار".
(٣) في هامش ث: "ابتداء مخالفة نوروز لشيخ وما جرى بينهما".
[ ٢ / ٥١٩ ]
وفيه مات طوغان نائبُ قلعة الروم فغلب عليها دمرداش، ثم وصل إليه تقليد نيابة حلب فسار إليها واستقرّ في تاسع ذى الحجة وخَطب باسم المؤيّد بها؛ وكان أَهل حلب قد ركبوا على يشبك بن أَزدمر وأَخرجوه منها بسبب كثرة ظلمه لهم وأَخْذِ أَموالهم بغير تأْويل، فلما خرج إلى البرِّ يتنزَّه أغلقوا في وجهه أَبواب البلد فوقعت بينهم حروب فكسروه فرجع إلى دمشق مستنصرًا بنوروز.
وأَرسل أَهل حلب إلى دمرداش - وكان مقيما بقلعة الروم من حين هرب من دمشق والناصرُ في الحصار - فأَمّروه عليهم، وثار أَهل طرابلس بأّصحاب طوخ - وكان مقيما بحماة - فقتلوا أُستاداره وولده، وأَخرجوا الحاجب بعد ما خرج. وأَرسل نوروز من استولى على غزَّة، وهربَ نائبها فلجأَ إلى العرب فأَقام عندهم.
وفى الثالث من ذى الحجة قَرَّر المؤيد قرقماس (^١) ابن أَخي دمرداش في نيابة الشام وأَمره بقتال نوروز فوصل إلى الرملة ثم رجع بغير قتال.
وكان نوروز قد راسل المؤيّد فسأَله أَن يستمر على نيابة الشام وأَن يستبد بها فلم يجب سؤاله وعرف أَنها مكيدة.
وفي الثالث من ذى الحجة استقر (^٢) شرف الدين بن التبانى - بعد أَن وصل من الرسلية لنوروز - في تدريس الشيخونية ومشيختها عوضا عن ابن العديم، وكان ابن العديم حجَّ واستخلفَ في التدريس الشيخَ سراج الدين قارئ الهداية، وفى المشيخة شهابَ الدين بن شقري.
وفى أَواخر ذى الحجة صُرف ابن العجميّ من الحسبة وأُلزِم بمال يحمله، واستقر محمد بن شعبان على بذل خمسمائة دينار دفعةً واحدة معجّلة: في كل شهر مائة دينار.
* * *
وكان سعر الغلال في هذه السنة رخيصا بمصر جدًّا، غاليا بمكة جدا، حتى بلغ الشعير
_________________
(١) في هامش ث: "ولاية قرقماس في الشام".
(٢) في هامش ث "ولاية شرف الدين بن التبانى في مشيخة الشيخونية".
[ ٢ / ٥٢٠ ]
كلّ ويبة دينارين، ونوى التمر - واسمه العضا - دينارًا، وكل ثلاثة أَرطالِ بقسماط بدينار.
* * *
وفيها غلا سعر الفلفل جدا، ووصل الفرنج على العادة فأَبى تجار المسلمين أَن يبيعوه لهم إلَّا بسعر مائتين وأَربعين، فوصّلوهم إلى مائتين وعشرين فامتنعوا ورجعوا فلم يشتروا شيئًا، وذلك في سنة خمس عشرة، ودخلت سنة ستّ عشرة والأَمر على ذلك؛ وكان المسلطان المؤيد جهَّز مع شيخ على الكيلاني - أَحد التجار - بخمسة آلاف دينار ليشترى له بها من الفلفل يقصد التجارة، فاتفق أَن صاحب اليمن أَرسل إلى مكة جملةً مستكثرة من الفلفل وأَمر قاصده أَن يعتمد على ما يشير به شيخُ علي، فقطع سعره بخمسة وعشرين: كل مائة منّ، فأخذ منه بالخمسة آلاف - التي هي للسلطان - بهذا السّعر فأَتى على أكثره، وباع القاصد بقيّة ما معه على التجار بسعر خمسة وثلاثين.
ولما وصل الذي اشتُرِىَ للسلطان بيع بإثنى عشر أَلف دينار فعظُمَ قدْر شيخ عليّ عنده جدا.
وفي آخرها غلا الكتَّان جدا، وغلا بسبب ذلك القماش المعمول من الكتَّان، وتبعه جمْع الأَقمشة القطنية.
* * *
وفيها اشتد البلاءُ على أَهل فاس (^١) باستمرار حصار السّعيد إياها إلى أَن قُدِّرَت هزيمته أَيضا في شعبان، ثم عاد في شوال فخرجوا إليه فقاتلوه فكبّا به فرسه فأُخِذ وقُتل. وفى أثناء ذلك وقع الفساد في تلك البلاد واستولى المفسدون وقُطِعت الطرقات، ومات بفاس من الناس مَن لا يُحصى عدده جوعًا، ثم أَعقبه الوباء حتى كان يرى الدُّوَّار ليس فيه أَحد حيّ.
* * *
ومن النوادر أَن قلعة دمشق لما كملت عمارتها على يد نوروز حضر عنده شخص أَعجمي
_________________
(١) في هامش ث: "حصار السعيد مدينة فاس".
[ ٢ / ٥٢١ ]
فقطع له آلةً بطريق الهندسة بحيث تُطْلِع الماء من النهر في دلويْن - يديرهما شخصان - من نحاس فيجرى الماء إلى الطارمة بالقلعة من غير علاج بهيمة ولا حامل يُصْعد الدّلو فيصب في الإناء الذي أُعدّ له وينزل الآخر كذلك.
* * *
وأَظهر نوروز في إمرته هذه بدمشق من العدل ما لا يوصف حتى توفّرت الدواعي من الواردين على حكاية ذلك، حتى إن المؤيد كان أَرسل إلى القدس أَميرين وهما جانبك الصوفى وإينال الرجبي في عسكر فخرج نائب القدس وظفر بإينال وفرّ جانى بك إلى صفد، وأَرسل نائب القدس إينال إلى نوروز، فلما وصل إليه أَكرمه وخلع عليه وأَعطاه واستقرّ عنده (^١).
* * *
وفيها مات شاهين الحسنى، وكان تقدّم في دولة الناصر وحجَّ بالناس، وولى نظر البيبرسيّة وغيرها.
وفيها مات على بن مبارك بن رميثة الحسنى، وكان عُيِّن لإمرة مكة - عند غَضَب النَّاصر على حسن بن عجلان سنة اثنتي (^٢) عشرة - ولم يتم أمره.
* * *
_________________
(١) أمامها في هامش هـ: "تقدم أنه بصق في وجهه، و[إن] قيل المراد أنه أكرمه وخلع عليه بعد ما بصق في وجهه وأطلقه فلا غبار فيه" انظر ما سبق، ص ٥١٧ س ١٧ - ١٨.
(٢) في ك "إحدى عشرة".
[ ٢ / ٥٢٢ ]