في ثامن (^١) المحرّم استقر صدر الدين المناوى في قضاء الشافعية عوضًا (^٢) عن القاضي عماد الدين الكركي، وكان عزل في سادس عشرى ذي الحجة.
وفي التاسع منه أُعيد موفق الدين إلى الوزارة وصرف (^٣) تاج الدين بن أبي شاكر.
وفيها (^٤) استقر قلمطاي دويدارًا عوضا عن أبي يزيد (^٥).
وفيها هجم جنتمر [التركماني] أمير الركب الشامى على بعض أهل المدينة (^٦) من الجند الأشراف بسبب صقرٍ يصطاد به فدافعوه عنه، فوقع الشر وقُتل منهم اثنان فركب ثابت بن نعير فسكَّنَ الفتنة.
* * *
وفيها عاث تمرلنك بالعراق وخرّب بغداد وتبريز وسنجار (^٧) وغيرها كما سيأتي واتصل شرر فتنته إلى الشام، ووصل خبرُ ضرره إلى مصر فارتاع - لما يُحكى عنه - كل قلب؛ وكان مسيره إلى السلطانية فنازل السلطانية فقتل صاحبها ثم قَصد تبريز فدخلها عنوةً ونهبها كعادته، وأرسل إلى جميع البلاد نوابًا من قِبله.
ثم طلب بغداد - وذلك في أواخر شوال - فنازلها في ذى القعدة فلم يلبث صاحبها أحمد [بن أُويس] أن أخذ حريمه وخزائنه وهرب، فبلغ ذلك تمرلنك فأرسل ابنه مرزا (^٨) في طلبه فأدركه، فلما كاد أن يقبض عليه رمى بنفسه في الماء فسبح إلى الجهة الأخرى وسلِم هو ومَن
_________________
(١) في ظ، ونزهة النفوس ٤٠ ب، "ثانى".
(٢) العبارة من هنا حتى آخر هذا الخبر غير واردة في ظ.
(٣) وذلك بعد أن قرر عليه أموالا كثيرة يؤديها للسلطان.
(٤) كان ذلك في التاسع والعشرين من شهر صفر، وذلك بحكم وفاة أبي يزيد، انظر نزهة النفوس، ورقة ٤٠ ب.
(٥) جاء في ل، ز بعد ذلك "بحكم انتقاله إلى نيابة الشام. ومات أبو يزيد فيها".
(٦) في ز "الدولة".
(٧) في ز "شيراز" وقد أسقطت كلتيهما نسخة ل.
(٨) في ز "مرانشاه".
[ ١ / ٤٥٠ ]
معه (^١) وأُحيط، بأهله وخزائنه، وهجم تمر على بغداد فملكها قهرًا ثم (^٢) شنَّ الغارات على بغداد وما حولها وماداناها وتمادوا إلى البصرة والكوفة (^٣) والحلة وغيرها، وأوسعوا القتل والفتك والسبي والأسر والنهب والتعذيب، وفرّ من نجا مِن أهل بغداد فوصل الشيخ غياث الدين العاقولى إلى حصن كيفا هاربا فأكرمه صاحبها.
ثم سار عسكر تمر إلى أربيل فحاصرها فأطاعه صاحبها، ثم ساروا إلى تكريت فَعَصَتْ عليهم فنازلها فصَبر لهم أهلها، فراسلوا (^٤) تمرلنك بذلك فأمدّهم بأمير شاه ولده وأردفه بخواجا (^٥) مسعود - صاحب خراسان - وأقام هو ببغداد إلى آخر السنة.
وكان (^٦) دخول تمرلنك بغداد في شوال، ثم توجه نحو الشمال فوصل إلى ديار بكر وعصت عليه قلعة تكريت فحاصرها من ذى الحجة إلى أن أخذها بالأمان في صفر سنة ست [وتسعين].
وفيها مات كمشبغا الأشرفي الكبير نائب الشام فاستقر عوضه تانى بك الحسنى.
* * *
وفى أول هذه السنة عصى نعير على السلطان لكونه أجار منطاش لمّا استجار به، فاجتمع عليهما من العرب والتركمان عسكرٌ كبير فقصدوا سلمية فخرج إليهم محمد بن قارا التركماني فقتل منهم جماعة، وجرح منطاش وسقط، وهو لا يُعرف، لأنه كان حلق شواربه فأردفه ابن نعير خلفه وانهزموا. ثم طرق منطاش ونعير حماة فنهبوها فبلغ ذلك نائب حلب - وكان قد استقر [بها] أقبغا الصغير - فكبس على بيوت العرب وسبى نساءهم وساق أموالهم وأكمن لهم في بيوتهم الكمناء.
فلما بلغهم سبىُ نسائهم رجعوا على وجوههم إلى بيوتهم فخرج عليهم الكمناء فقتلوهم وأسروا خلقا كثيرًا وانهزم الباقون.
_________________
(١) في ظ "تبعه".
(٢) من هنا حتى قوله "ببغداد إلى اخر السنة" س ٧ وارد في هامش ١٠٤ ب من نسخة ظ.
(٣) في ز "الكركر".
(٤) أي أن عسكر تمرلنك راسلوا صاحبهم.
(٥) في ل "بخجا".
(٦) هذا الخبر كله غير وارد في ظ.
[ ١ / ٤٥١ ]
فلما رآى أولاد نعير ذلك جنحوا إلى طاعة السلطان وملُّوا من الحرب وكرهوا منطاش لما فيه من الهوج، فراسلوا السلطان في طلب الأمان والتزموا له بمسك منطاش فأكرم رسلهم.
فلما بلغ ذلك أباهم أذعن إلى الطاعة وراسل نائب حلب ليسلِّم له منطاش فلما تحقق منطاش ذلك ضرب نفسه ليقتلها فلم يمت، فتسلَّمه قُصّادُ نائب حلب ثم تسلَّمه نائب القلعة، ثم أرسل السلطان يأمر بقتله وحَمْل رأسه، فحُملَتْ بعد أن طيف بها جميع البلاد الشامية التي يقع المرور عليها، فلما وصلت إلى القاهرة طاف بها الوالى ابن الطبلاوى على قناة ثم علَّقها على باب زويلة ثلاثة أيام ثم دُفنت.
وأرسل السلطان يلبغا (^١) السالمي إلى نعير بالخلع ولتحليفه على الطاعة.
* * *
وفي شعبان وصل عامر بن ظالم بن حيار بن مهنا بن أخى نعير مغاضبا لعمّه فأكرمه السلطان، ثم قدم أبو بكر وعمر - ولدا نعير - مفارقَين لأبيهما فأُكرما بدمشق.
وفى شوال أمطرت السماء مطرا غزيرا حتى خاض الناس في المياه وذلك في أول من توت والشمس في برج السنبلة.
* * *
وفيها حضر رسل صاحب دهلك ومعهم فيل وزرافة وغير ذلك: هدية (^٢).
* * *
وفى شعبان وصل رسل تمرلنك إلى الظاهر يُظهر له الوداد، والكتبُ على لسان طقتمش خان سلطان الدشت.
* * *
وفيها هرب أحمد بن أُويس من بغداد وذلك لأنه كان شديد العسف بالرعية والأمراء، فلما قصده تمرلنك كان إذا أرسل أحدا من الأمراء لكشْفِ خبره يعيد إليه جوابًا غير شاف،
_________________
(١) "يلبغا السالمي" غير واردة في ز، ل.
(٢) راجع الجوهر الثمين لابن دقماق، ص ١٩٣.
[ ١ / ٤٥٢ ]
فعميت عليه الأخبار إلى أن دهمه فلم تكن له به طاقة، فخرج من أحد أبواب البلد، وفتح أهل البلد الباب الآخر لتمرلنك فأرسل في طلب أحمد ففات الطلب ودخل الشام.
وكان تمرلنك قد غلب قبل ذلك على تبريز وكاتبَ أحمد أن يذعن له بالطاعة ويخطب باسمه فأجاب لذلك لعلمه أن لا طاقة له بمحاربته، فكاتب أهلُ بغداد تمرلنك في الوصول إليهم فوصل.
وكان أحمد أرسل الشيخ نور الدين الخراساني إليه فأكرمه وقال: "أنا أتركها لأجلك" ورحل، فكتب الشيخ نور الدين الخراساني إلى أحمد يبشِّره بذلك. وسار تمرلنك من ناحية أخرى فلم يشعر أحمد - وهو مطمئن - إلا وتمر قد نزل بغداد في الجانب الغربي، فأمر أحمد بقطع الجسر ورحل وهرب أحمد.
لكن لم يعامل تمرلنك البغداديين بما قصدوه فإنه سطا عليهم واستصفى أموالهم وهتك عسكرُه حريمهم وجَلا عنها كثيرٌ من أهلها، فأرسل [تمرلنك] عسكرا في إثر ابن أُويس فأدركوه بالحلة فنهبوا ما معه وسبوا حريمه وهرب هو ووضع السيف في أهل الحلة ليلا ونهبها وأضرم فيها النار.
ولما وصل أحمد في هربه (^١) إلى الرحبة أكرمه نعير وأنزله في بيوته، ثم تحول [أحمد] إلى حلب فنزل الميدان وأكرمه نائبها وطالع السلطان بخبره فأذن له في دخول القاهرة.
* * *
وفي ذي القعدة رجع حسن الكجكني من بلاد الروم من عند أبي يزيد بن عثمان بعد (^٢) أن أصلح بينه وبين ابن قرمان بأمر السلطان، وأرسل صحبتهم - بسؤالهم - محمد بن محمد الصُّغَيَّر الطبيب وجهز صحبته كثيرًا من العقاقير وغيرها، ثم جهز (^٣) اللنك ولده بعسكر حافل إلى صالح بن حيلان - صاحب البصرة والبحرين - فقاتلوه فهزمهم وأسر ولد تمرلنك،
_________________
(١) في ل "هزيمته".
(٢) عبارة "بعد أن أصلح … هدايا ابن عثمان" ساقطة من ل.
(٣) في ظ "وجه ولده".
[ ١ / ٤٥٣ ]
وخرج في آثاره عز الدين أزدمر وجهز السلطان إليه ثلاثمائة ألف درهم فضة برسم النفقة فبعث إليه عسكرًا آخر فظفر بهم.
* * *
وفيها كانت وقعة عظيمة للفرنج بنستروة، طرقوها في رمضان في أربعة غربان فنهبوها وقتلوا النساء والأطفال وأقاموا بها ثلاثة أيام.
* * *
وفيها كانت وقعة عظيمة بالمدينة (^١) بين جماز بن هبة - الذي كان أمير المدينة النبوية - وبين ثابت بن نعير المستقر فيها، وقُتل بينهم خلق كثير.
وفيها (^٢) كانت وقعة بين عرب الكرك ونائبها فقتل النائب يونس.
* * *
وفيها (^٣) في شوال كانت محنة القاضي ناصر الدين بن الميلق، فقرأتُ بخط قاضي القضاة تقي الدين الزبيري وأجازنيه قال: "لما كان ابن الميلق قاضيا طلب أمين الحكم وقت العصر إلى الحجاز، وكان من بالقاهرة من أهل الحجاز شكوه للقاضي وقالوا إنه يقول إنه ما يصرّ إلا بحكم النصف، فأنكر عليه القاضي وقال: تعمل هذا في أيامي؟ وألزمه بتكملة الصرّ، ولم يكن عنده ما يكمل به الصرَّة لتأخِّر حضور المال الوقف من الشام، وكان منطاش ختم على مودعى الحكم بالقاهرة والحسينية وصار يحطُّ على القاضي لامتناعه من إقراضه مال المودع، فحضر بدر الدين القلقشندى وأمين الحكم وأخوه جمال الدين موقع الحكم، وذكر للقاضي أنه حضر من وقف البرج والمغاربة قدر أربعين ألفًا من جهة علم دار، وهي في جهة شخص هو زوج ابنة تمنتمر (^٤) ناظر المرستان وأنهم لم يجتمعوا به، والمبلغ حاضرٌ معه لاغيبة له، وسألهم أن يقرضوا الأربعين من مودع مصر وكان لم يختم ليكمل بذلك الصرة ويعيدوها إذا قبضوا من القاصد، فأذن لهم فكتبوا قصة سألوا فيها أن ينقل أربعين ألف درهم
_________________
(١) "بالمدينة" ساقطة من ز، ل.
(٢) هذا الخبر غير وارد في ز، ل.
(٣) خير هذه المحنة بأكمله والتعليق عليه غير وارد في ظ.
(٤) فراغ في ل.
[ ١ / ٤٥٤ ]
من مودع مصر إلى مودع القاهرة، فكتب لهم بالنقل على الوجه الشرعي فقبضوه وصرّوه، وطالبوا القاصد فماطلهم وخرج منطاش والعسكر، وراك عليهم تمنتمر (^١) إلى أن انفصل ابن الميلق.
* * *
ولما استقر عماد الدين بن الكركى أوقفوا من المبلغ عشرة آلاف، فلما أن ولى المناوى ذكروا له ذلك فأمر أمين الحكم بمصر - وهو شهاب الدين أحمد - في أن يرفع الأمر إلى السلطان، فقدم قصة فقرئت فأمر بإحضار ابن الميلق فأوقفه، ثم عُقد له مجلس وهو واقف فألزموه بغرامتها فخرج فباع من وظائفه وأملاكه واقترض إلى أن وفَّاها وعند الله يجتمع الخصوم". انتهى ما نقلته.
وبلغني أنه في أول حضوره المجلس على تلك الصورة خرَّ مغشيا عليه فما أفاق حتى رشُّوا عليه الماء ومع ذلك لم يرحمه أحد ممن حضر ولم ينصفه أحد من أهل هذه الظلمة، ولعل ذلك يكون كفارة له.
وتوجع لابن الميلق - بسبب ذلك - جماعة كانوا يكرهون المناوى لفساد كان فيه: فبسطوا ألسنتهم فيه ووبخوه بكل وجهٍ فلم ينزعج لهم وصار ينتقم منهم واحدًا بعد واحد، ولله الأمر.
وفى ذى الحجة (^٢) شكى بعض التجار لنائب الكرك يوسف القشتمرى أن جماعةً من العشير أخذوا له مالًا من الغنم وغيرها، فركب وتحدث معهم وسألهم أن يعيدوا ما أخذوه، فأخذوا البعض فطلب البقية فذكروا أنهم لم يأخذوا إلَّا ذلك، فجمع مشايخهم ليحلِّفهم فاجتمعوا فقبض عليهم فغضب الباقون فوقعوا فيه فقاتلوه (^٣) وكان في ناس قلائل.
* * *
_________________
(١) فراغ في ل.
(٢) هذا الخبر والأخبار الأربعة التالية له غير واردة في ظ.
(٣) في ز "فقتلوه".
[ ١ / ٤٥٥ ]
وفي ربيع الآخر حصل سيل عظيم بحلب فساق جملة كثيرة من الوحوش والأفاعي، فوُجد فيها ثعبان فمه يسع ابن آدم إذا بلعه، وكان طوله نحو سبعة أذرع أو أكثر.
* * *
وفيه وقع الفناء بالإسكندرية فيقال مات في مدة يسيرة عشرة آلاف.
* * *
وفيه استقر الشيخ علاء الدين السيرامى في تدريس الفقه والمشيخة بالشيخونية عوضًا عن جمال الدين محمود لاشتغاله بوظيفة نظر الجيش، وأذن له السلطان أن يستنيب عنه من يحضر وقت العصر في الظاهرية ويحضر هو بالشيخونية ويدرس بالمكانين، ولم يتفق ذلك لغيره.
* * *
وفيها استقر أبو يزيد الدويدار في نظر جامع ابن طولون، انتزعه من القاضي المناوي فلما مات (^١) [أبو يزيد] استعاده المناوى ولبس لأجله خلعة.
* * *
وفيها (^٢) كان الطاعون الشديد بحلب فقرأتُ في تاريخها للقاضي علاء الدين: "بلغَت عدة الموتى كل يوم خمسمائة نفس وأكثر، ثم تناقص في أواخر السنة" وقال: "ومات فيه جمع من الأعيان ولكن كان غالبه في الصغار".
* * *
وفي هذه السنة أُكملت مدرسة إينال اليوسفى خارج باب زويلة ونُقل إليها فدفن بها.
* * *
وفى تاسع عشرى ذى الحجة نودى بأمر السلطان في الناس بمصر والقاهرة أن يتجهزوا إلى قتال تمرلنك وطرده من بلاد الإسلام، فإنه قتل العباد وخرّب البلاد وهتك الحريم وقتل
_________________
(١) كانت وفاة أبي يزيد في شهر رجب.
(٢) جاء في هامش ١٠٧ أ من نسخة ظ "وفيها كان بحلب وباء عظيم بلغت عدة الموتى فيه في اليوم الواحد ألفا خمسمائة ونفس، وكان أكثرهم من الأطفال".
[ ١ / ٤٥٦ ]
الأطفال وخرّب الديار، فركب سودون النائب وجماعةٌ معه ومعهم ورقة يقرأ فيها من ذِكْرِ مساوئه وسيرته القبيحة الأمورَ الفظيعة، فاشتد خوف الناس وعظم ضجيجهم وبكاؤهم؛ وكان يوما مهولًا.
* * *
وفى هذه السنة اجتمع بالقدس أربعة أنفس من الرهبان ودعوا الفقهاء إلى مناظرتهم، فلما اجتمعوا جهروا بالسوء من القول وصرَّحوا بذم الإسلام والقائم به وأنه ساحر كذاب، فثار الناس عليهم فقتلوهم وأحرقوهم.
* * *
وأوفى النيل سادس عشر مسرى.
* * *
وفي ذي القعدة قبض (^١) على تاج الدين بن أبي شاكر الوزير، وسُلِّم لوالى القاهرة فضربه بالمقارع وأخرجه على حمارٍ وفى عنقه الحديد، فترامى على الناس وطرح نفسه على الأبواب يستعطى ما يستعين به في مصادرته، ثم أُفرج عنه واستقر ناظر الاسطبل.
* * *