في أولها استولى تمرلنك على أبي يزيد بن عثمان وأسره وأسر ولده موسى ثم قُتل أبو يزيد، وكان من أكبر ملوك الإسلام وأتمهم (^١) يقينا وأكثرهم غزوًا في الكفار، وكان ينكر على ملوك عصره تقاعدهم عن الجهاد وأخْذهم المكوس.
فلما رجع تمرلنك في سنة ثلاثٍ من البلاد الشامية إلى جهة الشرق ثم عرج على بغداد عاد إلى جهة بلاده في سنة أربع إلى جهة الروم، فوصل إليها آخر السنة الماضية، وأرسل إلى صاحب ماردين بالحضور إليه، فلم يكن له بد من موافقته فتوجه إليه.
وراسل أبا يزيد في الصلح على عادته في المكر والدهاء، وكان أبو يزيد قد جمع العساكر لما بلغه قصده إلى بلاده واستكثر منها، فلم يجبه إلى الصلح ورحل بعسكره إلى جهة تمرلنك ليطرده عن بلاده، فسار خمسة عشر يوما، فراسله تمر أيضا يقول له: "إنك رجل مجاهد في سبيل الله، وأنا لا أحب قتلك، ولكن أنظر إلى البلاد التي كانت معك من أبيك وجدك فاقنع بها وسلّم لي البلاد التي كانت مع أرطا صاحب الروم في زمن الملك أبي سعيد"؛ فمال ابن عثمان إلى ذلك، فبلغه أن التمرية أغاروا على كماخ (^٢) ونهبوها، فتحقق أبو يزيد أن تمر لا يحب الصلح ولا يذكره إلَّا تخذيلا.
فلما تقارب العسكران أظهر تمر الهزيمة خديعة، فلم يفطن ابن عثمان لذلك وساق خلفه إلى مكان يسمى الآن "المكسورة". فلما قربوا منهم أخرج تمرلنك طائفة كانوا مستريحين وأراح المنهزمين، فتلاقوا مع عسكر ابن عثمان وهم كالموتى من التعب، فلاقاهم أولئك على الفور فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم هجم عليهم كمين لتمرلنك فهزمهم.
_________________
(١) في هـ: "أيمنهم نقيبة".
(٢) هي المعروفة بقلعة كمخ والتي يسميها الروم كمخا Kamcha وتقع على الفرات الغربي على مسيرة يوم أسفل من أرزنجان كما ذكر ذلك لسترانج: بلدان الخلافة الشرقية، ص ١٥٠ - ١٥١، اعتمادا على المصادر العربية وابن سرابيون، وقد ضبطها مراصد الاطلاع ٣/ ١١٧٨ بالفتح ثم السكون، واتفق معه في هذا لسترانج ثم عاد فجعلها بفتحتين.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وتوجه سلمان بن أبي يزيد بن عثمان إلى برصا منهزما ثم عدى إلى القسطنطينية ومعه أكثر العسكر، وأحاط التمرية ببقية العسكر وفيهم أبوه (^١) فأسروه وأتوا به إلى تمر، وتفرقت العساكر شذر مذر، وخاض التمرية في بلاد الروم فأفسدوا ونهبوا وأحرقوا عدة قرى، وأقاموا بالروم أربعة أشهر في الإفساد.
ومات أبو يزيد بن مراد بن أَردخان بن عثمان (^٢) في أسر تمر، وكان مطلقا فأدركه أجله إما من القهر أو من غيره، وفرّق تمرلنك ممالكه على من كانت بيدهم (^٣) قبل انتزاع ابن عثمان لها منهم.
ورجع تمرلنك إلى بلاده في شعبان من السنة بعد أن صنعوا في الروم نحو ما صنعوا في الشام، فمات السلطان محمود خان، وكان تمر يدير مملكته والاسم والفعل لهم، وهو من ذرية جنكيز خان، وكان حضر واقعة الشام مع تمر.
وكان أبو يزيد بن عثمان من خيار ملوك الأرض، ولم يكن يلقب بلقب ولا أحد من آبائه وذريته، ولادعى بسلطان ولاملك، وإنما يقال "الأمير" تارة، و"خوندخان" تارة؛ وكان مهابا يحب العلم والعلماء ويكرم أهل القرآن.
وقرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزى أنه سمع الأمير حسن الكجكني يقول: "دخلت معه - لما توجهت إليه رسولا - الحمّام، فكان الحوض الذي يغتسل فيه جميعه فضة، وكذا (^٤) كانت أوانيه التي يأكل فيها ويشرب ويستعملها".
_________________
(١) أي بايزيد بن عثمان.
(٢) في هامش هـ بخط البقاعي: "لم يذكر هنا في النسب أردن على ما كان ذكره في غير موضع من هذا الكتاب، وهذا هو الصحيح بلا شك".
(٣) في الأصل "بيده".
(٤) عبارة "وكذا كانت أوانيته التي يأكل فيها ويشرب ويستعملها" غير واردة في ظ.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
قال: "وأخبرني شمس الدين بن الصغير الطبيب، وكان الملك الظاهر وجَّهَه إليه بسؤاله (^١) في طبيب حاذق، فلما وصل إليه أكرمه وأعطاه"، قال (^٢): "فكان بعد أن رجع يحكى أن ابن عثمان كان يجلس بكرة النهار في براح متسع، وتقف الناس بالبعد منه بحيث يراهم، فمن كانت له ظلامة رفعها إليه فأزالها في الحال".
وكان الأمن في بلاده فاشيا بحيث يمر الرجل بالحمل مطروحًا بالبضاعة فلا يتعرّض له أحد؛ وكان يشترط على كل من يخدمه أن لا يكذب ولا يَخُون، ولكنه كان يصنع من الشهوات ما أراد.
قال: "وكان الزنا واللواط وشرب الخمر والحشيش فاشيا في بلادهم يتظاهرون بها، ويكرمون كل من ينسب إلى العلم غاية الإكرام".
وكان أبو يزيد لا يمكِّن أحدا من التعرّض لمال أحد من الرعية حيا ولا ميتا، وإن مات ولا وارث له يودع ماله عند القاضي، وكل من غزا معه لا يتعرّض لشيء مما يحصل في يده.
وترك - لما مات - من الأولاد: سلمان ومحمدًا وموسى وعيسى، فاستقل بالملك سلمان وسار على طريقة أبيه، ثم ثار عليه أخوه عيسى فقتل، ثم ثار أخوه موسى فغلب وقتل عيسى (^٣)، ثم ثار محمد فقتل موسى واستقل محمد في الملك إلى أن مات وقام (^٤) بعده ولده مراد بن محمد بن أبي يزيد بن عثمان.
_________________
(١) عبارة "في طبيب حاذق فلما وصل إليه" غير واردة في ظ.
(٢) أي الأمير حسن الكجكني.
(٣) في ظ، هـ "سليمان".
(٤) من هنا حتى عبارة "في ذى الحجة من هذه السنة" ص ٢٢٨ ص ١٤ غير وارد في ظ.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وكان السبب في قصد اللنك بلاد ابن عثمان أن أحمد بن يوسف (^١) وقرا يوسف كانا قدْ فرَّا إليه فأجارهما، فراسله اللنك بعد أن غلب على بغداد فيهما، فامتنع، فجعل ذلك ذريعة إلى قتاله فتوجَّه إليه.
وكان ابن عثمان قوى النفس فجمع العساكر ولم يقنع الانتظار فكان ما كان.
وأول ماملك اللنك قلعة كماخي وكانت في غاية الحصانة، ثم راسل التتار الترك بالروم ومَتَّ إليهم بالجنسية ومنَّاهم ووعدهم فوعدوه بالمعاونة.
فمن رأى الفاسد أن ابن عثمان أراد أن يدهم عسكر اللنك على غرة، فسلك بعسكره الجرار في مهامه وقفار ليصير من وراء العسكر ويظفر بهم فسار مُجدًّا فتعبوا ولغبوا وجاعوا وعطشوا، واستمر اللنك سائرًا لا يردّه أحد عن قرية ولا بلد، بل سار بعسكره متمهلا وقد بلغه ما صنعه ابن عثمان من جواسيسه، فتباطأ في مسيره وأراح جيوشه، فاتفق أنهم التقوا فتناجزوا القتال، فانهزم الذين قد خدعهم، وانهزم الباقون بهزيمتهم.
وكان ملتقاهم بمدينة "أنقرية (^٢) "، فسار سلمان بن أبي يزيد بن عثمان إلى جهة الساحل وركبوا البحر إلى قسطنطينية وقُبض على أبيه ابن عثمان فأُحضر بين يدى اللنك فلامه وعنفه واستمر معه في الأسر، وكانت الوقعة في ذي الحجة من هذه السنة.
* * *
وفيها أرسل تمرلنك من عنده إلى صاحب ماردين بكتاب يرسله صحبة من يثق به من عنده إلى القاهرة، ثم أرسل رسلًا في البحر من بلاد الروم، منهم مسعود (^٣) الكججاني يستنجد إرسال أطلمش ويهددهم - إن لم يرسلوه - بقصدهم، فوصل إلى دمشق رسول صاحب ماردين وهو بدر (^٤) الدين محمد بن تاج الدين حسين بن بدر الدين
_________________
(١) في هامش هـ بخط الناسخ "لعله ابن أويس".
(٢) هكذا في الأصل ويريد بها أنقرة.
(٣) انظر ترجمته فيما بعد في وفيات سنة ٨٢٢ هـ، والضوء اللامع ١٠/ ٦٢٣.
(٤) في هامش هـ: "من ذرية الشيخ عبد القادر".
[ ٢ / ٢٢٨ ]
حسن بن شمس الدين محمد بن حسام الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن الشيخ عبد القادر الجيلى، وهو ممَّنْ له حرمة في تلك البلاد ومكارم وإحسان وكلمة مسموعة، وذكر أنه لم يحمله على المجئ في هذه الرسالة إلَّا قصة النصيحة للمسلمين، وقد تقدم ذكر أبيه في سنة خمس وسبعين.
ولما وصلوا (^١) إلى مصر بادر المصريون بتجهيزه إليه وصحبته هدية جليلة في جمادى الآخرة، وكان مسعود المذكور قد صحب تمرلنك لما طرق المملكة الشامية، فجاء في الرسلية منه بهؤلاء (^٢)، ثم تكرّر بعد ذلك مجئُ مسعود إلى هذه البلاد، وباشر نظر الأوقاف بالقاهرة في الدولة المؤيدية ومات بها.
وفي كتاب (^٣) تمرلنك الآتى على يد مسعود: "أنه مهما يقول مسعود ويقع الاتفاق معه عليه فهو بإذنى، ومهما حلف عليه فهو لازم لي"، وأرسل مع مسعود لواء مذهبا عليه اسم تمرلنك.
ووصل مع مسعود ولد ابن الجزرى، وأخبر أن أباه كان مع ابن عثمان فأُسِر وأحضر عند تمر فأكرمه لاشتهاره بعلم القراءات.
ووصل أطلمش دمشق في جمادى الآخرة، ووصل إلى حلب في رجب، ثم توجه إلى تمرلنك فالتقيا بعد رجوع تمر من بلاد الروم، ورجعت الرسل الذين كانوا مع أطلمش فوصلوا في شوال وتحققوا توجهه إلى جهة الدست.
ثم وصل من عند مسعود المذكور رسول ومعه هدية فيها فيل وغيره، وكتاب يشكر الأمراء على إرساله أطلمش؛ وقرأت (^٤) بخط الشيخ برهان الدين المحدّث بحلب ما نصه:
_________________
(١) يعنى بذلك رسل تمرلنك القادمين في طلب أيتمش.
(٢) عبارة "بهؤلاء ثم … المؤيدية ومات بها" في السطر التالي ساقطة من ز.
(٣) هذا الخبر حتى إرسال اطلمش، س ١٦ وارد في ظ على غير هذا الترتيب.
(٤) من هنا إلى نهاية النص غير وارد في ظ.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
"ورد رسول تمر: مسعود بن محمود الخجاوي، وصحبته شهاب الدين أحمد بن علي بك بن خليل وخاصكي من جهة الناصر فرج يقال له قانباي في ثاني ذي القعدة سنة خمس وصحبتهم هدية من تمر إلى الناصر، من جملتها فيل وفهد وسنقر وباز وصقر وقباء قصير بكم مزركش مريش وفوقاني مزركش مريش مفرى بفنك وسولق وبَنْد وقبع" قال: "وكَانَ الثلاثة المذكورون توجهوا في العام الماضي إلى تمر وصحبتهم الأمير (^١) الذي كان مسجونا بالقاهرة من جهة تمر" قال: "وكان سبب وقوعه لأهل مصر أنه كان أميرًا على بعض القلاع فنازله قرا محمد فأمسكه وأرسل به إلى القاهرة فحبس بها، فلما دخل تمر الشام أرسل في طلبه وتكررت رسله مطلبه، فأرسلوه مكرما وتوجهوا به من جهة طرسوس إلى إن اجتمعوا به وهو في أرض الروم، ثم قدر بعد ذلك مجيء مسعود إلى هذه البلاد وباشر نظر الأوقاف في الدولة المؤيدية ومات بها".
* * *
وفي المحرم استقر صدر الدين بن الأدمى في كتابة السر بدمشق، وعلاء الدين بن أبي البقاء في القضاء بدمشق، وزين الدين الكفرى في قضاء الحنفية بها.
وفي صفر ضرب الحاجب فقيها ادعى عليه بمال عنده فأنكر، ثم صالح عليه غريمه فظن الحاجب أنه كاذب في إنكاره فعزَّره، فبلغ ذلك القاضي الشافعي فأرسل إلى الغريم فعزَّره وطيف به، فبلغ ذلك الحاجب فشكا إلى النائب، فسلَّمه الشاهد المذكور والشهود الذين عيّنهم، فضربهم وطوّف بهم ونادى عليهم: "هذا جزاء من يرمى الفتن بين الحكام"، وتأَلَّم الناس لذلك.
* * *
وفى يوم الاثنين ثانى عشر صفر برز سودون طاز إلى ناحية المرج والزيات، فنزل هناك بجماعته وإخوته منافرًا ليشبك، بسبب أنه ذكر له أنه قصد القبض عليه فلم يخرج أحد إليه، إلا أن بعض المماليك أغلظوا ليشبك في الرميلة وأفحشوا في القول
_________________
(١) في هامش هـ بخط الناسخ "أي أطلمش".
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وساق بعضهم ليضربه، فدخل بيت الأتابك بيبرس وأقام فيه أياما ثم تراسلوا، فأرسل السلطان إلى سودون طاز بترضاه فمارضى.
فلما كان يوم الاثنين تاسع عشره أخلع على إينال بيه بن قجماس بوظيفة سودون طاز، واستقر أمير آخور، وأُخرجت إقطاعات مماليك سودون طاز ومن يلوذ به.
ثم استعد السلطان بتحصين القلعة بالرميلة ليخرج إليه، فحصل من بعض المماليك خُلف، ثم اتفقوا ولبسوا السلاح يوم الأحد ثالث شهر ربيع الآخر، ثم خرجوا إليه في يوم الأربعاء سادسه، فلما علم سودون طاز بتوجّه السلطان ركب لجهة خليج الزعفران ثم خرج إلى جهة النيل حتى وصل إلى بولاق وسار إلى الميدان الكبير بالقرب من قناطر السباع.
وأما العسكر فوصلوا إلى جهة المرج فقيل لهم إنه توجّه إلى جهة البحر فرجعوا مسرعين، فتلاقوا عند الكبش، فانكسر وانهزم راجعا، فأمسك جاني (^١) بك فيه أخوه وجُرح هو وجماعةٌ من الطائفتين، ومات من جراحه خزنداره.
فلما كان في اليوم الثالث من حربه قُبض عليه وجئ به إلى بيت يشبك فرسم بحبسه في دمياط مكرّما، ونزل على فرس إلى البحر وشيعه الأُمراء إلى أن نزل إلى الحراقة وساروا به إلى دمياط مكرما، واستقر آقباى الكركى الخزندار على إقطاع سودون طاز فلم يلبث أن مات من جراحةٍ كانت أصابته ليلة السبت رابع عشر جمادى الأولى، واستقر إقطاعه لسودون الحمزاوى، وهو يومئذ شاد الشربخاناه.
وفى ثالث عشرى جمادى الآخرة وصل سودون الجلب إلى دمياط، واجتمعت إخوة سودون طاز وأشاروا عليه أن يسافر إلى الشام، فأرسل إلى والى دمياط فقبض (^٢) عليه، وهجم هو ومن معه على الطواحين فأخذوا منها ما شاءوا من الخيول وتوجهوا، فنزلوا
_________________
(١) في هـ: "فأمسك قانباي أخوه".
(٢) أي أن سودون طاز قبض على والى دمياط.
[ ٢ / ٢٣١ ]
على سليمان بن بقر (^١) أمير العربان بالشرقية، فبلغ ذلك السلطان من ابن بقر، فأرسل إليه عسكرًا فأحاطوا به وقبضوا عليه وعلى مَن معه، وسُمِّر سودون الجلب وبعض المماليك ساعةً بالرميلة تسمير سلامة ثم أُطلقوا، وسُجن سودون طاز بالإسكندرية وذلك في ثالث شهر رجب؛ ثم قُبض على قانباى وحبس بالاسكندرية، ثم أمر في شهر رمضان بإرسالهم مفرقين إلى الحبوس في قلاع الشام.
وفى شعبان حُبس نوروز وقانباى في الصُّبَيْبَة، وجكم في قلعة حصن الأكراد، وسودون طاز في قلعة المرقب، ثم حُوّل إليها جكم.
وفى سادس عشرى رجب استقر كمال الدين بن العديم في قضاء الحنفية بالقاهرة بعد صرْف أمين الدين الطرابلسي، وكان كمال الدين قد قدم في أوائل السنة من حلب بعد أن أسره اللنك وأهانه، فقدم ليسعى في أمور تنفعه في حلب، فلقى الأَمْرَ مَعْلُوقًا (^٢) بالأُمراء فداخلهم حتى استقر بالقاهرة.
وفيها أطلق جماز بن هبة الحسينى الذي كان أمير المدينة من سجن الإسكندرية وكان له بها سبع سنين، وقُرر في إمرة المدينة عوضا عن ثابت بن نعير.
وفيها أُمسك ابن غراب وأخوه فخر الدين الوزيرُ وسُلِّما للركن بن قايماز، واستقر الركن أُستادارًا وتاجُ (^٣) الدين بن البقرى ناظرَ الخاص وتاج الدين بن الدماميني - ناظر الجيش - الإخميمى المعروف بالشريف وزيرًا، وأصل ذلك أن سودون الحمزاوي تفاوض هو وابن غراب بحضرة الناصر في أواخر شعبان، فلما خرج ابن غراب من القلعة ضربه بعض المماليك وأرموا عمامته فهرب وألقى نفسه وحُمل إلى باب السلسلة عند الأمير إينال
_________________
(١) في ز "بكنز"، وفى هـ "بكتمر"، والصواب ما في المتن كما في ظ، والسلوك ٢٨ ا، وعقد الحمان ١٨٥، وإعلام ابن قاضي شهبة ٢٠٣ ب.
(٢) في ظ "معلوما"، ولفظ "معلوق" في مصطلح كتاب هذا الوقت يعنى "يتعلق به".
(٣) عبارة "وتاج الدين الدماميني ناظر الجيش" ساقطة من ز.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
باي بن قجماس أَمير آخور، وانقطع عن الخدمة أَيامًا إلى أَن أَمر الناصر بمسكه في ثامن عشر رمضان وأُمسك أخوه وجماعة من ألزامهما (^١)، وعُوِّق جمال الدين بن يوسف أستادار بِجاس بباب يَشْبك ثم أُطلق بعد قليل وعمل أُستادارية الأَمير بيبرس الأَتابك مضافًا لأُستادارية سودون الحمزاوي.
وفي مستهل شوال وصل يلبغا السالمى إلى القلعة وكان قد أُمر بعد مسك ابن غراب بإطلاقه؛ واستقرّ في الوزارة مبارك شاه في رابع شوال وعزل الإخميمي في ثامن عشرى شوال، وقُرّر تاج الدين عبد الرزاق والى قطيا، واستقرّ السالمي مشير الدولة فقط.
وسَعَّر (^٢) السالميُّ [الذهبَ] الهرجة بستين، والأَفلورى بخمسة وأَربعين، وتسلَّم ابنَ غراب وأَخاه فلم يُمكَّن من ضربهما، ثم تسلمهما ابن قايماز وضرب فخر الدين بن غراب بعض شيء، ثم شفع فيهما يشبك وأُطلقا في أواخر ذي القعدة.
وفى سلخ شوال عُزل تاج الدين بن الدماميني من نظر الجيش باستعفائه وأُضيف إلى ابن البقرى.
وفى سابع ذي القعدة استعفى تاج الدين [عبد الرزاق] والى قطيا من الوزارة واستقر (^٣) كاشفا بالبحيرة.
وفى سابع عشرى ذى القعدة استقرّ السالمي أُستادارًا مع الإشارة.
وفى أَول استقرار السالمي في الإشارة عَزَل ابنَ البلقيني من القضاء وأَعاد ابن الصالحي في ليالى خروج الحاج، ويقال إنه التزم في ذلك بمال جزيل يزيد على ستة آلاف دينار
_________________
(١) الإلزام هنا بمعنى "الأتباع".
(٢) تتفق هذه العبارة وما ورد في السلوك، ٣٩ ب.
(٣) عبارة "واستقرّ كاشفا بالبحيرة" غير واردة في ظ.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وفى أَواخر شوال استقر سودون الحمزاوى رأس نوبة كبيرًا عوضًا عن سودون المارداني، واستقر المارداني أَمير مجلس عوضا عن تمراز (^١)، واستقرّ تمراز أَميرَ سلاح عوضا عن بكتمر، واستقرّ طوخ خز ندارًا عوضا عن سودون الحمزاوى.
* * *
وفيها نازل الإفرنج الإسكندرية، فاهتمّ أَهل الدولة لذلك وجهزوا عسكرا فيهم: يلبغا الناصرى وبكتمر وجركس المصارع وآقباي الحاجب وسودون الماردانى وتمراز وتغرى بردى وغيرهم، وقدّموا فيه برهان الدين المحلِّى بسؤاله في ذلك طلبا لنباهة الذكر، فأَنفق عليهم جملة كثيرة من ماله، وتوجهوا في أَواخر هذه السنة.
وفيها في آخر السنة قفل المماليك أَبواب القلعة على الأُمراء بسبب النفقة، فنزل الأُمراء باب من السرّ إلى الإصطبل، وركبوا من خيوله إلى منازلهم، وتغيّب السالمي ثم حاصروه وعوّقوه في القلعة بسبب النفقة، تسلمه، ثم أَمير آخور إينال بك بن قجماس.
وفي جمادى الأُولى مات آقباى الخزندار.
* * *
وفيها في أثناء السنة كائنة ابن دقماق، وُجد بخطه حَطٌّ صعْب على الإمام الشافعي، فطولب بذلك من مجلس القاضي الشافعي، فذكر أَنه نقله من كتابٍ عند أَولاد الطرابلسي، فعزَّره القاضي جلال الدين بالضرب والحبس، ولم يكن المذكور يستأهل (^٢) ذلك.
وفيها استقر دمرداش في نيابة طرابلس، وأُحضر تغرى بردى إلى القاهرة وكذلك سودون الحمزاوى، وقرّر عوضه في نيابة صفد شيخ السليماني، واستقرّ سودون في وظيفة شيخ السليماني شادّ الشربخاناه ثم قُرِّر خزندارًا بعد موت أقباى الكركي في جمادى الآخرة، ثم تزوج ابنه بنت (^٣) السلطان برقوق في رجب.
_________________
(١) عبارة "تمراز خزندارا عوضا عن" غير واردة في ز.
(٢) جاء في هامش هـ بخط البقاعي: "لمه؟ بل هو أقل جزائه".
(٣) في ز "ابنه ابنه السلطان".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وفى ربيع الأَول أُعيد أبينا التركماني إلى مشيخة سرياقوس بعد موت حسن بن الآمدي.
وفي جمادى الأُولى استقرّ كريم الدين محمد الهوّى في حسبة القاهرة عوضا عن شمس الدين الشاذلي ثم صُرف، واستقرّ محمد بن شعبان في شعبان ثم ضُرب بعد أَيام بحضرة يشبك وعزل.
وفيها في رجب ارتفعت الأَسعار فبلغ القمح سبعين، والشعير أَكثر من ذلك، والفول تسعين، والتبن [الحمل] خمسين (^١)، وارتفعت أسعار سائر المأكولات وكذلك الملابس.
وفى ذى الحجة قدم دمشق ابن الحربى المصرى الذي ولى وزارة دمشق بسبب محاسبة الوزير المستقر على ما عنده ومحاسبة أَهل الأوقاف على ما استفادوه، وشرع في مظالم كثيرة بدمشق فبلغ ذلك نائبها وهو غائب فأَرسل بمنعه فمنع وتوجّه إلى القاهرة، فأَرسل في أثره فرجع وضربه ضربا مبرحا وسجنه بالقلعة بعد أَن نودى عليه، ففرح الناس بذلك ودعوا له.
وفي جمادى الآخرة صُرِف علاء الدين بن أَبي البقاء عن قضاء الشافعية واستقرّ شمس الدين بن عنان.
وفى ذى القعدة صُرف ابن الأَدمى عن كتابة السرّ وأُعيد علاء الدين نقيب الأَشراف، فسعى ولده ناصر الدين بالقاهرة، واستنجز لشهاب الدين بن حجيّ نظر الحرمين والغزالية (^٢) وتدريسها.
_________________
(١) وذلك بعد خمسة دراهم، كما جاء في السلوك ٣٨ ا وراجع فيه وفى عقد الجمان، ١٨٥ قائمة كاملة بالأسعار.
(٢) من مدارس الشافعية بدمشق وتنسب إلى الغزالى لأَنه دخل دمشق وقصد الخانقاه السميساطية لكن منعه صوفيتها فأقام بهذه المدرسة وكانت إذ ذاك زاوية فلما عرفوم أنكروا على أنفسهم ما فعلوه معه ومن ثم عرفت به، انظر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤١٣ وما بعدها.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وفيها استقر بدر الدين حسن الحبابي في قضاء المالكية عوضا عن الأَموى ثم وصل توقيع عيسى قبل أَن يباشر حسن، فاستمر عيسى واستناب حسنًا المذكور ورسم على الأَموى بسبب ما تأخرّ عليه من الرشوة.
وفى رجب أَغار التركمان - أَصحابُ سالم الدوكارى - على قارا (^١) وما حولها من القرى، فاستباحوها ونهبوا نحو ثلث البلد ولم يخرج إليهم نائب حلب ولا أَزعجهم، وذكروا أنهم عاقبوا الناس على المال كصنيع التمرية.
وفي رجب أُكملت عمارة دار السعادة بدمشق بعد إلزام النائب أَهل البلد بعمارتها ومرمَّة ما يحتاج إليه السكني فيها، وتحوّل إليها فسكنها.
وفى شعبان ولى شهاب الدين الأَموى قضاء المالكية بدمشق وكان قبل ذلك قاضي طرابلس، وقد ولى بعد ذلك قضاء مصر.
وفيه استقر كمال الدين بن جمال الدين عبد الله بن عبد الرحمن بن الخشاب (^٢) في قضاء الحنفية بدمشق عوضا (^٣) عن عبد الرحمن بن الكفرى.
وفى رمضان ولى فتح الدين بن شمس الدين الجزرى وكالة بيت المال بدمشق وتدريس الأَتابكية، انتزعها من جلال الدين بن أَبي البقاء.
وفي رمضان قُتل نائب القدس، قتله العشير وكان خرج إليهم ليكبسهم فاستعدوا له فقتلوه.
وفى شوال ولى محيى الدين بن الآمدى كتابة السرّ بطرابلس وضُرب قاضي حلب ابن
_________________
(١) قرية كبيرة بين دمشق وحمص وهي محطة تنزلها القوافل وجلٌ أهلها نصارى، وقد وردت في ياقوت ومراصد الاطلاع "قارة" ورسمها القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ١٣ بالرسمين معًا، وذكر: Dussaud: ٢٠٤ .Topographie Historique de in Syrie، p أنها وردت في بعض المراجع الغربية باسم " Cohere" وانظر ٥ Ibid، p. ٢٨٤، note ومناقشتها هناك.
(٢) انظر قضاة دمشق، ص ٢٠٥.
(٣) من هنا حتى قضاء الحنفية بدمشق، ص ٢٣٧ س ٣ ساقط من هـ.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
يحيى فقتل، ضربه رجل بسكين فمات، واستقر عوضه شمس الدين محمد بن أَحمد أَلبيرى - أَخو جمال الدين الأُستادار.
وفى شوال عُزل زين الدين عبد الرحمن بن الكفرى من قضاء الحنفية بدمشق واستقر عوضه جمال الدين بن القطب، قال ابن حجى: (وهو أحسن سيرة من ابن الكفرى وإن اشتركا في الجهل".
وفيه هرب نجم الدين بن حجى من حماة مغاضبًا لنائبها علَّان لأَنه اطَّلع منه على إرادة العصيان فكاتب فيه، فاطّلع علان على كتابه فأَراد قتله ففر منه إلى دمشق.
وفيها (^١) استشهد سعد الدين أَبو البركات محمد بن أَحمد بن علي بن صبر الدين بن وَلَدِى (^٢) بن منصور بن عمر الملقب "ويَسْمَعْ" استقرَّ في مملكة الحبشة للمسلمين بعد أَخيه حقّ الدين فسار على سيرته في جهاد الكفرة، وكانت عنده سياسة، وكثرت عساكره، وتعدّدت غاراته واتسعت مملكته حتى وقع له مرة أَن بيع الأَسرى الذين أَسرهم من الحبشة كل عبدين بتفصيلة، وبلغ مهمه في بعض الغنائم أَربعين أَلف بقرة، فيقال إنه لم تَبتْ عنده بقرة واحدة بل فرّقها.
وله في مدة ولايته وقائع وأخبار يطول ذكرها.
فلما كان في هذه السنة جَمَع الحطّيُّ صاحبُ الحبشة جمعا عظيما وجهَّز عليهم أَميرًا يقال له بادوا، فالتقى الجمعان، فاستشهد من المسلمين جمع كثير منهم أَربعمائة شيخ من الصلحاء أَصحاب العكاكيز، وتحت يد كل واحد منهم عدة فقراءَ يسلكون عنده، واستمرّ القتل في المسلمين حتى هلك أَكثرهم وانهزم من بقى، ولجأَ سعد الدين إلى جزير زيلع في وسط البحر فحصروه فيها إلى أَن وصلوا إليه فأُصيب في جبهته بعد وقوعه في الماء ثلاثة أَيام فطعنوه فمات. وكانت مدة ملكه ثلاثين سنة، واستولى الكفار
_________________
(١) جاء في هامش هـ بخط الناسخ "ترجمة ملك الحبشة محمد بن أحمد بن علي".
[ ٢ / ٢٣٧ ]
على بلاد المسلمين وخرّبوا المساجد وبنوا بدلها الكنائس، وأَسروا وسبوا ونهبوا، وفرّ أَولاد سعد الدين وهم: صبر الدين على ومعه تسعة من إخوته إلى البر الآخر، فدخلوا مدينة زبيد فأَكرمهم الناصر أَحمد بن الأَشرف وأنزلهم وأَعطاهم خيولًا ومالًا، فتوجهوا إلى مكان يقال له سيارة، فلحق بهم بعض عساكرهم واستمر صبر الدين على طريقة أَبيه، وكسر عدةً من جيوش الحطى، وحرق عدّة من الكنائس وغنم عدّة غنائم. وسيأتي خبر صبر الدين في سنة خمس وعشرين.
وفى العشر الأَخير من شوال سعى السالمي في إبطال مكس (^١) الذبيحة من الغنم والبقر وغيرهما، والسبب أَن غالب المتجوهين (^٢) أَخذوا مراسيم بمساميح، بعضهم ببقرة وبعضهم بشاةٍ أو أَكثر، فما بقى لجهة الدولة شيء يُتحصل من الجهة، فنودى بإسقاط ذلك ثم أُعيد بعد مدة لكنْ بصورة أُخرى وهى تَرْكُ الصوف والجلد لجهة الدولة.
وفيه سُعّر اللحم السليخ بدرهم ونصف، والسميط بدرهم وربع، والبقرى بدرهم. وفى أَواخر ذى الحجة ثار الجند بالأُستادار وأُغلق باب القلعة فهرب من باب السرّ ثم أخرج من طاحون بالقرافة، فرسم عليه السلطان وأَلزمه بتكفية العسكر والنفقة، وانسلخت السنة على ذلك.
* * *
وفيها خرج طاهر بن أَحمد بن أويس على أَبيه وحاربه وكثر (^٣) جمعه، وأَطاعه العسكر بغضا منهم في أَبيه لسوء سيرته، ففرّ أَحمد إلى الحلة فتبعه ولده وحاربه، ففرّ إلى بغداد ليأخذ وديعةً فأَخذها، فهجم عليه طاهر واستنقذ منه المال، فاستنجد أَحمد بقرا يوسف من تبريز فأعانه واجتمعا على حرب طاهر، فانهزم واتفق أَنه أَقحم فرسه في حال الهزيمة جانبا من دجلة لينجو منه إلى البر الآخر فغرق.
* * *
_________________
(١) جاءت هذه العبارة في السلوك، ورقة ٣٩ أ على الصورة التالية: "مكس البحيرة وهي ما يذبح من البقر والغنم" فقط.
(٢) لفظ يراد به في هذا الوقت "أصحاب الجاه"؛ أما "المساميح" فهى ما يسمح لهم به دون حق.
(٣) عبر عن ذلك السلوك، ٤٠ أ، بقوله: "ففرش الحلة إلى بغداد"
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وفى سنة خمس وثمانمائة تزوّج سودون الحمزاوى زينب بنت الملك الظاهر وعمرها يومئذ نحو العشر سنين.
وفيها ضُرب ابن شعبان المحتسب بحضرة يشبك لسوء سيرته.
* * *