فيها في المحرم قتل أُلجاي اليوسفي، وكان قد تنافر هو والسلطان الأَشرف بسبب منازعةٍ وقعَت بينهما في تركة والدة السلطان (^١) فركب ألجاي واقتتل مع مماليك السلطان بسوق الخيل (^٢) فكسروه فانهزم إلى بركة الحبش (^٣)، ثم رجع من وراءِ الجبل الأَحمر (^٤) إلى قبة النصر (^٥)، فهرب جماعة من أَصحابه إلى السلطان وخامر أَينبك عليه ثم نازله (^٦) العسكر السلطاني فهرب فساقوا خلفه إلى الخرقانية (^٧) من أَعمال قليوب فرمى بنفسه في بحر النيل فغرق، ثم أُطلع من بحر النيل ودُفن في تربته (^٨). وكان أَول أَمره حاجبا في أَول دولة يلبغا
_________________
(١) راجع تاريخ البدر للعيني، ورقة ٧٨ ب - ٨٨ أ، وجواهر السلوك، ٢٦٤ ب - ٢٦٥ أ.
(٢) يلعب سوق الخيل الذي كان بالرميلة في تاريخ الفتن المملوكية دورا هاما، إذ يكون من اليسير على من فيه - إذا توفر لديه السلاح - أن يصعد إلى قلعة الجبل حيث يشرف عليه الاسطبل السلطاني ولذلك كثيرا ما ترد أمثال هذه العبارة الآتية في كتابات مؤرخي تلك الحقبة "وكانوا لابسين آلة الحرب وهم على ظهور خيولهم بسوق الخيل" ومن ثم نصادف أن السلطان أو الأمير المنتصر على خصومه كثيرا ما كان يوقع العقوبة بهم في سوق الخيل، أما الرميلة التي كان بها سوق الخيل فتعرف في الوقت الحاضر باسم ميدان صلاح الدين.
(٣) تقع بركة الحبش ظاهر مدينة الفسطاط بين النيل والجبل، وتنسب إلى قتادة بن قيس بن حبشي الصدفي وكان ممن شهد فتح مصر.
(٤) لا يزال هذا الجبل معروفا إلى اليوم بهذا الاسم، وهو يطل على القاهرة من شمالها الشرق، ويعرف - كما جاء في خطط المقريزي ١/ ١٢٥، ٢/ ١١١، ٤٣٣ - "باليحموم"، أي الجبل الأسود المظلم.
(٥) كانت هذه القبة تقع شرق خانقاه السلطان برقوق والجبل الأحمر، وقد أشار المقريزي في خططه ٢/ ١١١، ٤٣٣، إلى أنها كانت زاوية يسكنها فقراء العجم ثم جددها الملك الناصر محمد بن قلاوون.
(٦) في ز، هـ "ثار له".
(٧) وردت بهذه الصورة في الجوهر الثمين لابن دقماق، ص ١٦٨، وكذلك في أبي المحاسن: المنهل الصافي ١/ ٢٥٣ أ، حيث قال عنها إنها بشاطيء النيل ظاهر قليوب، وذكر ابن الجيعان في التحفة السنية أنها من أعمال القليوبية ولكن سماها بالخاقانية، وهو الرسم الذي استعمله أيضا ابن مهاتي في قوانين الدواوين، لكنه ذكر أنها من أعمال الشرقية، راجع كذلك تحقيق المرحوم محمد رمزي في النجوم الزاهرة ١١/ ٦١ حاشية رقم ١، والقاموس الجغرافي (القسم الثاني) ١/ ٥٤.
(٨) وهي في جامعه الذي يعرف اليوم باسم "جامع السايس" بشارع سوق السلاح بالقاهرة وكان يعرف حتى ذلك الوقت باسم "سويقة العزي"، كما نص على ذلك أَبو المحاسن في المنهل الصافي ١/ ٢٥٣ أ، ويقع خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، انظر المقريزي: الخطط ٢/ ١٠٦، هذا وقد شرع =
[ ١ / ٥٦ ]
ثم استقر خزندارًا ثم حبس في أَيام أَسندمر، ثم أُفرج عنه بعد قتل أَسندمر واستقر أَمير سلاح وتزوج أُم السلطان وعلت كلمته إلى أَن صار هو الحاكم في الدولة كلها، وكان تامَّ الشكل حسن التودّد إلى العوام مع هوج فيه أَدّاه إلى أَن ركب على العامة بالسيف في سنة سبعين، فلولا أَنه كان في آخر النهار لأَفنى منهم خلقًا كثيرًا. وذكر بعض خواصه أنه كان يتصدّق في كل [يوم] اثنين وخميس بأَلفِ درهم دائما (^١)، وكان استقراره في الأَتابكية بعد موت منكلي بغا فلم تطل أيامه في ذلك، وقُبض على جماعة من حواشيه، فقيل إن سبب مخامرته أَنه كان يبيت عند السلطانِ ليلةَ الموكب، فجاءَه من أَخبره أَن السلطان يريد القبض عليه فتأَخر وأَرسل أَحضر ثياب مبيته، فأَرسل له السلطان يعاتبه فاعتذر، ثم شرع في تفرقة السلاح على أَتباعه، فبلغ السلطان فأَمر الأُمراء بالاجتماع عنده، فلما كان في السابع من المحرم ركب أُلجاي بمن معه إلى الرُّمَيْلة، فالتقى مع أَطلاب (^٢) الأُمراءِ ومماليك السلطان فاقتتلوا قتالًا شديدًا، حتى قيل إنهم التقوا أَحد عشر وجها، وقُتل جماعةٌ وجُرح جماعة، وفي الآخر انهزم أُلجاي إلى قبة النصر وتفرّق عنه الجيش، فتردد الناس من عند السلطان إليه في الصلح فلم يتم، وأَرسل إليه خلعةً بنيابة حماة فلم يقبل (^٣)، ثم تقلّل الجمع عنه إلى (^٤) أن صار في خمسمائة، فخرج إليه أَرغون شاه في جماعة من الخاصكية (^٥) فقاتلوه فانهزم (^٦) وتفرّق من معه، ونودي في
_________________
(١) = ألجاي اليوسفي في تشييد جامعه ومدرسته وتربته في رجب سنة ٧٧٤ هـ كما يستفاد من الكتابة الموجودة الآن فوق بابها، ومعنى هذا - كما يذكر المرحوم محمد رمزي - في النجوم الزاهرة ١١/ ٥٩ حاشية رقم ١، أن ما ذكره المقريزي في خططه ٢/ ٣٩٩ من أنها بنيت سنة ٧٦٨ هـ خطأ تاريخي.
(٢) انظر ابن تغري بردي: المنهل الصافي ١/ ٢٥٣ أ - ب.
(٣) أطلاب جمع طلب وهو لفظ مملوكي معناه الجيش.
(٤) أضاف ابن دقاق إلى ذلك في الجوهر الثمين، ورقة ١٦٧، أنه قال: "أنا أروح بشرط أن يكون سائر مماليكي وقاشي معي"، فلم يجبه السلطان، وهذا قريب من قول كل من المقريزي في السلوك، ورقة ٧٧ ب، وأبي المحاسن في المنهل الصافي، ١/ ٢٥٣ أ "لا أتوجه لذلك إلا ومعي جميع مماليكي وقماشي وكل ما أملكه".
(٥) "حتى صار" في ز.
(٦) رواية ابن دقاق في الجوهر الثمين، لوحة ١٦٨، أن السلطان أرسل الماليك السلطانية الخاصكية ومماليك سيدي أمير على ولده، أما رواية أبي المحاسن: المنهل الصافي ١/ ٢٥٣ أ، فتشير إلى أنهم كانوا من الأمراء الخاصكية ومماليك أولاده وبعض المماليك السلطانية.
(٧) وكان انهزامه إلى الخرقانية.
[ ١ / ٥٧ ]
القاهرة: "من أَمسك مملوكا من مماليك أُلجاي أَخذ خلعة"، فقُبض على أَكثرهم وصودر من كان في خدمته (^١).
واستقر [الأَمير عز الدين] أَيدمر [الدوادارُ الناصري] نائبُ طرابلس أَتابكَ العساكر، أَحضره السلطان منها بعد قتْل أُلجاي في صفر، واستقر في نيابة طرابلس يعقوبُ شاه، واستقر أَقتمر عبدُ الغني في نيابة السلطنة بمصر.
وفيها غضب السلطان على سابق الدين مثقال مقدم المماليك وأَمره بلزوم بيته، وولى عوضه مختار الجانمي (^٢)، ثم أعيد سابق الدين إلى وظيفته بعد قليل.
وفيها - في شهر رمضان - حضر منجك نائبُ الشام إلى مصر فاستقر نائبَ السلطنة بها، وفُوّضت إليه جميع أمور المملكة من الكلام في الوزارة والخاص والأَوقاف والأَحباس وإخراج الإِقطاع (^٣) إلى ستمائة دينار والعزل والولاية لأَرباب المناصب بما يقتضيه رأيه، وقرئ تقليده بذلك (^٤)، وكان النائب قبله أَقتمر عبد الغني فنُفي إلى الشام في جمادى الأُولى، وكانت مدة نيابته أَربعة أَشهر، ثم قُرِّر نائبا بطرابلس عوضا عن يعقوب شاه.
وفيها في صفر أَبطل الملك الأَشرف ضمان المغاني ومكس القراريط التي كانت في بيع الدور، وقرئ بذلك مرسوم على المنابر (^٥)، وكان ذلك بتحريك الشيخ سراج الدين البلقيني وأَعانه
_________________
(١) كانت جماعة الأمراء الذين ألقى الأشرف شعبان القبض عليهم وصادرهم هم صراي العلائي وسلطان شاه بن قراجا وطقتمر الحسني وعلي بن كلبك، راجع النجوم الزاهرة ١١/ ٦٢.
(٢) سماه المقريزي في السلوك، ورقة ٧٨ أ، ٧٨ ب، باسم "مختار الحسامي" انظر المنهل الصافي ٣/ ٧٥ ب، ٢٥٢ أ - ب.
(٣) في ز "الإقطاعات"، والواقع أن السلطان الأشرف شعبان فوض لمنجك أن يخرج من إقطاعات الحلقة فقط دون سواها من الإقطاعات، كما يستفاد ذلك من السلوك، ورقة ٨١ ب.
(٤) مما جاء في هذا التقليد - بناء على ما ذكره السلوك، ٨١ ب - أن السلطان قد أقام منجك مقام نفسه في كل شيء بيده، وفوض له ما فوضه إليه الخليفة من سائر أمور المملكة.
(٥) أشار المقريزي في السلوك، ورقة ٧٨ ب إلى ذلك فقال "اجتمع قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة والشيخ سراج الدين البلقيني بالسلطان وعرفاه ما في ضمان المغاني من المفاسد والقبائح، وما في مكس القراريط من المظالم وهو (أي مكس القراريط) ما يؤخذ من الدور إذا بيعت، فسمح بإبطالها، وكتب بذلك مرسومين إلى الوجه القبلي والبحري معا، فقرئا على منابر القاهرة ومصر. . . . . . وكان يتحصل منهما مال عظيم جدا وزال بزواله منكر شنيع". هذا والوارد في تاريخ البدر للعيني، ورقة ١٨٨ أ - ب أنه برز في صفر مرسوم السلطان إلى الوجهين البحري والقبلي بأن أحدا من ضمان الملاهي لا يطالب أحدا بشيء من يتزوج، وكان مكسبه فوق ألف ألف يصرف في جامكية غلان السلطان.
[ ١ / ٥٨ ]
أَكملُ الدين وبرهانُ الدين بنُ جماعة، ويقال إن السلطان كان توعك فأَشاروا عليه بذلك، فاتّفق أَنه عوفي فأَمضى ذلك واستمر.
* * *
وفيها وقف النيل عن الزيادة وأَبطأَ الوفاءُ إلى أَن دخل توت أَول السنة القبطية ووقع الناروز قبل كسر الخليج حتى قال بدر الدين بن الصاحب:
نيروزُ مصر بلا وفاء … يُعَدُّ (^١) صقْعا بغيْر ماءِ
واستمر التوقّف إلى تاسع توت، فاجتمع العلماءُ والصلحاءُ بجامع عمرو بن العاص واستسقوا (^٢)، وكُسِر ذلك اليوم الخليج عن نقص أَربعة (^٣) أَصابع عن العادة، ثم توجَّهوا إلى الآثار (^٤) وأَخذوها إلى المقياس، فأَقاموا من قبل العصر إلى آخر النهار يتوسلون إلى الله تعالى ويبتهلون ويستسقون (^٥)، فلم يزد الأَمر إلّا شدة، ثم نودي بصيام ثلاثة أيام، وخرجوا في ثالث ربيع الآخر إلى الصحراء مشاةً، وحضر غالب الأَعيان (^٦) ومعظم العوام وصبيان المكاتب؛ ونُصب المنبر فخطب عليه شهاب الدين بن القسطلاني خطيب جامع عمرو وصلَّى صلاة الاستسقاءِ ودعى وابتهل وكشف رأسه [وحوّل (^٧) رداءَه]، واستغاث الناس وتضرّعوا وكان يوما مشهودًا. وفي صبح هذا اليوم اجتمع العوام بالمصاحف وسأَلوا أن يُعزل علاءُ الدين بن عرب عن الحسبة فعُزل، واستقر عوضه بهاء الدين [محمد] بن المفسر وأُضيفت إليه وكالة بيت المال و[نظر] الكسوة ثم عزل في أَثناء السنة وأُعيد علاءُ الدين، فاتفق وقوع أَمطار كثيرة بحيث زرع الناس عليها البرسيم. وكان في الصعيد أيضا (^٨) مطر غزير زرع الناس عليه بعض الحبوب.
_________________
(١) في ك "بعد صفا".
(٢) في ز "استشفعوا".
(٣) الوارد في السلوك، ورقة ٧٩ أ، أنه قد بقي من الوفاء خمسة أصابع.
(٤) وتعرف بالآثار النبوية وهي قطعة خشب وأخرى من حديد كان الناس يتبركون بها زعما منهم بأنها من آثار الرسول ﷺ، وقد وجد لهما رباط عرف باسم "رباط الآثار" قرب بركة الحبش، وتحول هذا الرباط اليوم إلى مسجد "أثر النبي". أما الآثار فنقلت إلى جامع الحسين رضوان الله عليه. انظر في تحقيق ذلك المرحوم محمد رمزي في النجوم الزاهرة ١١/ ٢٧٢ حاشيه رقم ٢.
(٥) راجع نشق الأزهار، ورقة ٢١٥ ب - ٢١٦ أ.
(٦) كان المقريزي ممن خرج في ذلك اليوم لكنه لم يزد عما أورده ابن حجر سوى قوله: "وخرج الناس في بكرة الخميس عشريه إلى قبة النصر خارج القاهرة وهم حفاة مشاة بثياب مهنتهم ومعهم أطفالهم، وكنت ممن خرج يومئذ"، راجع السلوك، ورقة ٧٩ أ.
(٧) الإضافة من السلوك، ورقة ٧٩ أ.
(٨) "أيضا" غير واردة في هـ.
[ ١ / ٥٩ ]
واتفق أَيضا زيادة النيل في سابع هاتور الموافق لنصف جمادى الأُولى واستمر أَيامًا، ثم نقص بعد أَن بلغت الزيادة ثمانية عشر إصبعا، وابتدأَت زيادة الأَسعار في الغلال والحبوب من شهر ربيع الأَول وهلم جرا إلى أَن بلغ سعر الإِردب خمسين درهما تقدير (^١) دينارين هرجة ونصف وثلث، ثم تزايد السعر إلى الستين والسبعين (^٢). وهذا في ذلك الوقت نحو أربعة دنانير.
وفي جمادى الأُولى حدثت زلزلة لطيفة (^٣).
وفيها عُزل ابن الغنام من الوزارة ووُليَ عوضه تاجُ الدين الملكي المعروف بالنشو، وكان استقر ناظرَ الدولة في هذه السنة عوضا عن ابن الرويهب بعد نَفْيِ ابن الرويهب إلى الشام واستمر ابن الغنّام في نظر المرستان، ثم عُزل بالبرهان الحلبي ناظر بيت المال، ثم أُعيد ابن الغنّام.
وفيها ولي أَحمد بن آل ملك (^٤) نيابة غزة ثم عُزل، وولي نظرَ القدس والخليل ثم عزل، ورجع إلى القاهرة في رمضان.
وفيها - في شعبان - استقر بهاء الدين أَبو البقاء قاضيًا بالشام، ونُقل قاضيها كمال الدين المعري (^٥) إلى قضاءِ حلب عوضا عن فخر الدين [عثمان بن أَحمد بن عثمان] (^٦) الزرعي بحكم وفاته (^٧)، واستقر في تدريس الشافعي بعده ولدُه بدر الدين ثم انتزعه منه ابن جماعة.
وفيها - في جمادى الآخرة - استقر بيدمر الخوارزمي في نيابة السلطنة بحلب، ثم نُقل منها إلى نيابة دمشق في شهر رمضان وأُعيد أَشقتمر المارديني إلى حلب، ونُقل منجك إلى القاهرة كما تقدم، وكان دخول منجك إلى القاهرة في ذي القعدة، وخرج جميع العساكر لملتقاه ولم يتأَخر عنه إلَّا السلطان وولاه النيابة كما تقدم. واستقرّ شهاب الدين أَحمد بن علاء الدين [على]
_________________
(١) عبارة "تقدير دينارين هرجة ونصف وثلث" غير واردة في ظ، وفي هـ "درهما بعد دينارين. . . ألخ".
(٢) رواية النجوم الزاهرة ٥/ ٢٢٣، أن الأردب بلغ تسعين درهما.
(٣) نعتها العيني في تاريخ البدر، ورقة ٧٨ ب بأنها زلزلة "عظيمة"، وهذا الخبر غير وارد في هـ.
(٤) في ظ "عبد الملك" والرسم المثبت بالمتن من ع، ك، ز، والسلوك، ورقة ٨١ أ، والنجوم الزاهرة ٥/ ٢٢٢.
(٥) في ع "العري"، وفي ز "الغزي" وفي هـ "المصري"، وفي السلوك، ورقة ٨٠ ب "ابن المقري".
(٦) الإضافة من السلوك.
(٧) "وفاته" مكانها فراغ في هـ، و"بحكم وفاته"، غير واردة في ظ، ز، ولكن إزاءها في ع "كذا".
[ ١ / ٦٠ ]
ابن فضل الله كاتب السر بدمشق عوضا عن فتح الدين أَبي بكر (^١) ابن الشهيد (^٢).
وفيها وصلت هدية صاحب اليمن الملك الأَفضل بن الملك المجاهد إلى الديار المصرية صُحبة ناصر الدين الكارمي (^٣) وغيره.
وفيها وصل حِيَار (^٤) بن مهنّا أَميرُ آل فضل إلى باب السلطان (^٥) طائعا، فخُلع عليه واستقر في إمرة (^٦) العرب، وكان السلطان قد غضب عليه بسبب قتل (^٧) قَشْتَمِر بحلب قبل هذا التاريخ.
وفيها فُتِحَت مدرسة أُلجاي بعد موته، وكان بقي من عمارتها شيء فأَكمله الأَوصياءُ، واستقر في تدريس الشافعية بها الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي تدريس الحنفية جمالُ الدين محمود القيسري.
وفيها لازم شخصٌ من العوام الصياح تحت القلعة: "اقتلوا سلطانكم ترخص أَسعاركم" فأُخِذَ وضُرب بالمقارع وشُهِّر.
وفيها كائنة جمعة البواب، وذلك أَنه كان مقيما بتربةٍ خارج باب النصر فكان هو وامرأته يأَخذان الأَطفال اغتيالًا فيخنقانهم لأَجل أَثوابهم، فقبض عليهما فاعترَفا فقُتلا شنقا (^٨).
وفي هذه السنة ابتدئت قراءَةُ البخاري في رمضان (^٩) بالقلعة بحضرة السلطان، ورُتِّبَ الحافظ. زين الدين العراقي قارئا، ثم اشترك معه شهاب الدين أَحمد بن علي العُرْباني يوما بيوم.
* * *
_________________
(١) "أبي بكر" غير واردة في ز، هـ.
(٢) نعته المقريزي في السلوك، ورقة ٨٠ ب "بشيخنا".
(٣) في ع، ز، هـ "ناصر الدين بن الفارقي"، وفي السلوك للمقريزي، ورقة ٨٠ أ "شرف الدين حسين الفارقي وزير صاحب اليمن" وكلاها صحيح. والكارمي نسبة لمتاجرته في الكارم.
(٤) راجع الدرر الكامنة ٢/ ١٦٣٨.
(٥) في ع، ز "نائب السلطنة".
(٦) جرت الأحداث السابقة لهذا الخبر والمتعلقة به في سنة ٧٦٩ هـ وذلك أن قشتمر المنصوري ما كاد يتولى نيابة حلب في جمادى الآخرة من تلك السنة حتى كبس أميرال فضل وجرت معركة بينه وبين العرب قتل فيها هو وابنه محمد على يد حيار وولده نعير، ومن ثم عزل السلطان حيارا عن إمرة العرب.
(٧) "قتل" غير واردة في هـ.
(٨) راجع تاريخ البدر للعيني، ورقة ٧٨ ب، ويلاحظ أن كلمة "شنقا" غير واردة في ز وجاء في هـ بعد هذا "وفي أول جمادى الأولى حدثت زلزلة لطيفة" انظر ص ٦٠ س ٦.
(٩) كانت هذه من سنوات الشدة والغلاء في مصر المماليكية ومن أجل هذه الشدة قرئ البخاري عسى أن تخف وطأتها، راجع في ذلك السلوك، ورقة ٨٠ ب.
[ ١ / ٦١ ]
وفيها كان الغرق (^١) ببغداد، زادت دجلة زيادة عظيمة وتهدّمت دور كثيرة حتى قيل إن جملة ما تهدم من الدور ستون أَلف دار، وتلف للناس شيء كثير بسبب ذلك، ويقال إنه لم يبق من بغداد عامر إلا قدر الثلث، ودخل الماءُ الجامعَ الكبير والمدارس، وصارت السفن في الأَزقّة تنقل الناس من مكان إلى مكان ثم من تل إلى تل ثم يصل الماءُ إليهم فيغرقهم، وجرت في بغداد بسببه خطوب كثيرة وخلى أَكثر أهلها، ثم (^٢) عاد من عاد فصار لا يعرف محلَّته فضلًا عن داره.
وفيها (^٣) هبت ريح عاصف حارة (^٤) بسنجار فأَحرقت أَوراق الأَشجار.
وفيها ورد إلى حلب سيل عظيم على حين غفلة وارتفع زيادة عن العادة، فخربت بسببه دور كثيرة (^٥)، وخربت نواح كثيرة بالرها والبيرة.
وفيها ولي فخر الدين عثمان البرقي ولاية القاهرة.
وفيها كان غرق بغداد وزادت دجلة حتى اختلطت بالفرات وانهلت (^٦) لها الأَنهار والعيون والسحب من كل جهة حتى بقيت بغداد في وسط الماء كأَنها قصعة في فلاة، وصارت الرصافة ومشهد أَحمد ومشهد أَبي حنيفة وغيرهما من المشاهد (^٧) والمزارات لا يُتوصل إليها إلّا في المراكب، فصار أَهل بغداد في أَرغد عيش من كثرة النزه التي حدثت بذلك، وانفتح من البستان الأَربعين - الذي كان الخليفة اتخذه متنزّها في وسط داره (^٨) - فتحةٌ على باب الأَزج، فتدافع أُمراءُ بغداد في سدها ورمى ذلك بعضهم على بعضٍ، وكان الشيخ نجم الدين التُّسْتُري في تلك الأَيام قد عزم على الحج في خمسين نفرًا من الصوفية وقد هيأَ من الزاد مالا مزيد عليه؛ فاستدعى خادمه وقال: "انْفِقْ على سد هذه الفتحة جميع ما معنا حتى الزاد" ففعل؛
_________________
(١) كان هذا الغرق ليلة السبت ٢٣ من شوال بناء على ما ورد في تاريخ الغياثي كما جاء في العزاوي: العراق بين احتلالين ٢/ ١٣٣.
(٢) في ز "ثم عاد نصار".
(٣) انظر تاريخ البدر للعيني، ورقة ٨٩ أ، س ٢٠ - ٢١.
(٤) "خاسرة" في ز.
(٥) قدرها العيني، بأربعمائة بيت.
(٦) في ز، هـ "وأرسلت إليها".
(٧) في ز "المساجد".
(٨) في ع، ك، ز، هـ "دوره".
[ ١ / ٦٢ ]
ويقال انصرف عليها عشرة آلاف دينار، وبلغ السلطانَ أويس ذلك فاستعظم همته ووعد أَنه يكافئه، ثم اكترى من الملاحين على حمل رحله وجماله ورجالته من بغداد إلى الحلة.
وكان سفر الناس أَجمعين في تلك السنة في المراكب وخرجوا في خامس شوال، فلم تمض لهم إلا خمسة أَيام حتى هبت ريح عاصف قصفت سور المدينة، ثم تزايد الماءُ فانكسر الجسر وغرقت غالب الدور، حتى إن امرأَة من الخواتين ركبت من مكانها إلى كومٍ من الكيان بأَلف دينار، وتقاتل الناس وذهبت أَموالهم، وأَصبح غالب الأَغنياء فقراء، ثم بعد عشرين يوما نقصت دجلة وانقطع الماءُ الذي يوصل بغداد من المقطع فبقي البلد كأَنه سفينة غرقت، ثم نقص الماءُ فبقيت ثلاثة أَيام بأَهلها ودوابهم الموتى فجافت ونتنت، وبقي الماءُ كأَنَّه الصديد، فوقع الفناءُ في الناس بأَنواع من الأَمراض من الاستسقاء وحمى الدق (^١)، وغلت الأَسعار.
وكان أويس بتبريز فلما بلغه الخبر غضب (^٢) على نوابه، فالتزم الوزير عن نائبه أَن يعمر بغداد من خالص ماله بشرط أَن يطلق للناس (^٣) العراق ثلاث سنين للزارع والمقاتل، وأَن لا يطالب أَحدٌ أَحدًا بدين ولا بصداق ولا بإجارة ولا بحق، فَقَبِل السلطان ذلك فشرع في ذلك ونادى: "من أَراد عمارة بيته يجيء يأخذ دراهم ويسكن فيه بالأُجرة حتى يوفى ما يقترضه ثم يصير البيت له"، وأَخذ في عمارة السوق والسور، وكان (^٤) أويس قد عمل العراق حربا على بغداد في هلاكها، ثم آل أمره إلى أَن خلع نفسه عن الملك لولده حسين، وأَوصى بحبس ابنه الآخر حسن لأنه كان استنابه في سلطانه فقَتل الأُمراء وعصى. وأَوصى لولده عليّ ببغداد، وحفر له قبرًا فاتفق أَن ضعف يوم الأَحد ومات بعد أسبوع، وأَقامت بغداد ستة أَشهر لا تدخلها سفن (^٥) ولا تخرج منها سفن.
* * *
_________________
(١) عرف الخوارزمي - حمى الدق - في كتابه مفاتيح العلوم، ص ٩٨ - ٩٩ بأنها حمى تدوم طويلا ولكنها لا تكون قوية الحرارة، وقل أن تنتهى بالوفاة غير أنها تترك المريض منهوكا ذابلا، ويسميها العزاوي في العراق بين احتلالين ٢/ ١٣٦ بالسل، أما الاستسقاء ففيه تنتفخ البطن ويتمدد، وإذا ضرب بخفة سمع منه مثل صوت الطبل.
(٢) "عصا" في ز، هـ وفي هامش هـ بغير خط الناسخ "لعله امتلأ غضبا".
(٣) في ز، هـ "الناصر".
(٤) كلمات غير مقروءة في ظ، هـ، وهي في ك "ومن النفس كرها على بغداد"، وفي ز "وسر التي كرها".
(٥) في ز، هـ "سفر" وكذلك فيما بعدها.
[ ١ / ٦٣ ]