فيها أَوفى (^١) النيل وزاد زيادةً حسنة وباشر الناصرُ كسْرَ الخليج بنفسه، ومُنِع الناس من الدّخول إلى بركة الرطلى في الشخاتير وعمل على رأْسها جسرا بقنطرة، وباشر (^٢) ذلك باشباى فنسب إليه واستمر ذلك، وتراجع السِّعر كثيرا، ثم رجع عند التخضير فحصل (^٣) الفناءُ في الصعاليك وغيرهم، ووقع الغلاءُ في كلِّ شيء حتى اشترى بعضُ الناس زوجَ إوزٍّ بأَلفٍ ومائتى درهم، وبلغ سعر الشيرخشك كل رطل بثلاثمائة درهم.
وخرج من الإسكندرية خمس سفن ملأَى ناسًا هاربين من الغلاء فغرقوا أَجمعين.
وفيها ظهر في الجانب الغربي من مصر وفى القليوبية على شاطئ النيل في الليل في المزارع شبيهُ الفيران، يشتعِل مِثْلَ المشاعل.
وفى المحرم ولى سُوَيْدان واسمُه محمد بن سعيد (^٤) الصالحي - نِسبةً إلى الملك الصالح صالح بن التنكزية - وكان أحد قراء الجوق بالقاهرة - حِسْبَتها عوضًا عن الهُوَى.
وفى ثالث صفر (^٥) صُرِف بدرُ الدين بن نصر الله عن نظر الخاصّ وأُعيدَ إلى فخرِ الدين بن غراب.
* * *
وفى أَوائلها أُشيع أَنَّ نائبَ الشام شيخ المحمودى عزم على الخروج عن الطاعة، فأَرسلوا إليه الأَمير طولو الذي كان أَميرَ الركب في العام الماضي ليكشفَ أَخباره، وفي الباطن
_________________
(١) كانت غاية فيضان النيل هذه السنة بمقياس الروضة ١٦ ذراعًا و١٣ قيراطًا، كما جاء في التوفيقات الإلهامية ص ٤٠٣.
(٢) عبارة "وباشر ذلك بشباى فنسب إليه واستمر ذلك" غير واردة في ظ.
(٣) عبارة "فحصل الفناء في الصعاليك وغيرهم" غير واردة في ظ.
(٤) ورد اسمه في ز، وفى المقريزي: السلوك، ٤٣ ب "ابن سعد"، انظر العيني: عقد الجمان، لوحة ٢١٠، وسماه الضوء ٧/ ٦٢٩ "بابن سعيد". هذا ويلاحظ أن عبارة: "الصالحي نسبة إلى الملك الصالح بن التنكزية" غير واردة في ظ، وسترد ترجمة الصالحى فيما بعد تحت رقم ١٨ من وفيات سنة ٨٣٢ في الجزء الثالث من إنباء الغمر.
(٥) انظر عقد الجمان، لوحة ٢١٠.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
هو معه على هواه (^١)، فقرَّر أَمرَه ورَجع سريعا، وكان (^٢) النائب تلقاه وبالغ في إكرامه ورجع في ربيع الأَول.
وفيها غلب جكم على حلب وهَرب دمرداش ثم غلب على حماه وحمص وأَطاعه خلق كثير من التركمان والعرب والترك، وكان شهما مهابا؛ فكاتَبَه الناصر يطلب منه الدخول في الطاعة وأن يُؤَمَّر على البلاد التي غَلب عليها فامتنع، ثم كاتَبَه نائبُ الشام ومَن معه فأَجاب إلى الدّخول معهم، ثم وقعت بين جكم وقرايلك التركماني وقعةٌ انتصر فيها جكم وأسروا قرايلك، وفرّ دمرداش في البحر إلى دمياط، فأُذِن له في دخول القاهرة فاستقر بها أحدَ الأُمراء، واستقرت قدم جكم بحلب وغَلب عليها في جمادى الأولى.
وفى أَوّلها أَوقع نائبُ الشام بالعرب (^٣) من بنى الغزاوى فهَدم دورَهم واستاق مالهم من أَنعامٍ، وكانوا قد هربوا منه لما قصدَ عجلون ظنا منهم أن ذلك ينجيهم منه، ففعل بهم ذلك فرجَعوا فطلبوا الأَمان.
وفيها (^٤) في ثالث جمادى الأُولى تزلزلت مدينة حلب وقت الظهر وكانت ساعةً مهولةً وضجّ الناس بالدعاء ثم سكنت، وانتشرت في عدّةٍ من تلك البلاد. ذكر لي ذلك القاضي علاء الدين.
وفيها تعصّب أكثر الأمراء على يشبك واتَّفقوا مع النَّاصر أَن يَقْبِض عليه، فلما أَحسَّ (^٥) بذلك جمع إخوته ومن أَطاعه (^٦)، فوافقه تمراز ويلبغا الناصري وإينال حطب
_________________
(١) يفهم ما أورده أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ١٢/ ٣٠٦ أن إرسال طولو إنما كان لإعلام شيخ المحمودي بخير فتنة يشبك في مصر مع إبنال باى (شرحه ص ٣٠٣ - ٣٠٦)، وأن شيخا حين سمع بالأخبار "شق ذلك عليه"، على أن نفس الكاتب يشير فيما بعد (شرحه ص ٣٠٧) إلى مكاتبة شيخ ليشبك الشعباني يرغبه في القدوم عليه ويتعهد له بنصرته.
(٢) عبارة "وكان النائب إلى آخر الخبر" غير واردة في ظ.
(٣) في هامش هـ "صار العرف في العرب يختص بالرحالة، وهؤلاء ليسوا كذلك إنما هم مشايخ العشير".
(٤) ورد هذا الخبر في جميع النسخ الأخرى ما عدا نسخة ظ.
(٥) يعنى بذلك يشبك الشعاني.
(٦) أي من أطاعه من مماليك السلطان، راجع هذه الأحداث بالتفصيل في العيني: عقد الجمان، لوحة ٢١١ - ٢١٤، والمقريزي: السلوك، ورقة ٤٤ ب - ٤٥ أ.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وقطلوبغا الكركى وسودون الحمزاوى وطولو، وتَوثَّب على مدرسة حسن فصعد إليها لأنها كانت مجاورة بيته، ورَتَّبَ فيها آلات الحرب، ثم أَظهرَ الشقاقَ وأرادَ أَخْذَ المملكة، فقام عليه باقي الأُمراء فدامت الحرب بينهم أَياما من رابع جمادى الأولى إلى سابعه، ثم كانت الكسرة على يشبك وأَتباعه فهرب في الليل هو وأَكثر مَن أطاعه، وهرب معه سعد الدين بن غراب، واستمرَّت هزيمتهم إلى الشام فوصلوها في آخر جمادى الآخرة ودخلوا دمشق في أَول رجب، فتلقَّاهم نائبُ الشَّام وبَالغ في إكرامهم حتى قيل (^١) إنَّ جملةٌ ما لزمه عليهم مائتا أَلف دينار، وكان شيخُ النائبُ قد أَخرج نوروز من قلعة الصُّبَيْبَة وأحسن إليه، ووَصل إليهم أَسن باى من صفد وكان مسجونا بها، ووصل إليهم قَنِبَاى العلائي الذي كان هرب من السّجن فأَرسَلوه إلى جكم فاستماله حتى مال معهم وتوجَّه إلى دمشق فتلقَّوه وأُنْزِل في الميدان، وأَرْسَل إليه شيخٌ بهدايا جليلة.
ثم أُفْرِج عن قرا يوسف من السجن فركب معه جمع جمُّ من التركمان، وأَنْعمَ شيخٌ على نوروز بالدورة (^٢) التي جرت العادة بها في بلاد الشام فحصّل جملةً مستكثرة.
ولما فرٌ يشبك كان قد أُغْلِقت أَبوابُ القاهرة في هذه الفتنة أَيامًا ففُتحت وزاد الكلام ونقص، ثم استقرّ الأَمر وقُرِّر إينال بيه بن قجماس قريبُ السلطان أَتابكا، ويشبكُ بنُ أَزدمر رأْسَ نوبةٍ كبيرًا، وسودون المارداني في الدويدارية الكبرى؛ ووَصَل دقماق نائب حلب إلى دمشق بحسب تفويضه السلطان ذلك إلى اختياره والإذن له في المقام بأي بلدٍ شاء (^٣).
واستقر أَبوكم في نظر الجيش، وابن قَيْمَاز في الأُستادارية عوضًا عن ابن غراب، ثم صُرف أَبوكم واستقرّ بدرُ الدين بن نصر الله في ثاني عشرى جمادى الآخر، فكانت مدة أَبوكم في نظر الجيش عشرة أَيّام، ثم صُرف ابن البقرى عن الوزارة ونَظر الخاص
_________________
(١) انظر أبا المحاسن: النجوم الزاهرة (طبعة مصر) ١٢/ ٤٠٨.
(٢) عرف ناسخ هـ الدورة في الهامش فقال: "كما يقال بمصر السرحة".
(٣) انظر النجوم الزاهرة ١٢/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٢٩١ ]
وأُضيفتا لابن نصر الله، وقُبض على ابن البقرى ثم صُرِفتا عنه ووليها ناصر الدين قريب ابن الطبلاوى في رمضان وكانَ قبل ذلك شادَّ الدواوين.
وفى رابع رجب صُرِف [ركن الدين (^١) عمر] ابن قماز من الأستدارية واستَقَرَّ جمالُ الدين يوسف ألبيرى أُستاداربيجاس.
وفى شعبان أُفرج عن يلبغا السالمي أيضا من الإسكندرية وقدم في رمضان واستَقرَّ مشير الدولة (^٢).
ثم لما اجتَمعت الأُمراءُ على العصيان على الناصر هَرب منهم دقماق، واحتاج نائب الشام إلى الأَموال فأُخذ من التُّجار عشرة آلاف دينار، ومن الغوطة من كل بستانٍ: دينارَيْن، واستولى على كلّ شعيرٍ بدمشق.
ولما استقرّ يشبك بدمشق كاتَبَ جكم فجَمع العساكرَ وجاءَ إلى دمشق، واجتمعت كلمةُ غالبِ النُّواب على ذلك، وخرج معهم قرا يوسف بمَن معه من التركمان، فاجتمع من لا يُحصى وأَنْفق فيهم نائبُ الشام شيخ من الأَموال ما لا يدخل تحت الحصر، وساروا أوّلا إلى صفد فحاصروها وبها بكتمر جلق فصالحوه، ثم تَوَجَّهوا جميعًا - بعد قدوم جكم - من الشام إلى مصر، وبلغ ذلك الأُمراء بمصر فتجهّزوا فخرجوا في ثامن ذي الحجّة، وكان يشبك - لما خرج على السلطان - أَرسل بالإفراج عن السّالمي فأُعيد إلى الإشارة فباشرها بشدةٍ عظيمة وسطوة، وصار الوزيرُ وغيرُه لا يقطعون أَمرًا دونه، وخلص من سجن الإسكندرية سودون من زاده والمشطوب وصُرُق، فاستقر سودون من زَاده حاجبًا كبيرًا، وصُرُق كاشفا، وجمالُ الدين - استادارُبجاس - في الأستادارية في شهر رجم من هذه السنة وأُضيف إليه كشف الوجه البحرى.
_________________
(١) الإضافة من العينى: عقد الجمان لوحة ٢١٥، والمقريزى: السلوك، ورقة ٤٧ أ، وأمامها في هامش هـ "ولاية الجمال البيرى للاستادارية".
(٢) راجع العينى، شرحه، ٢١٥، والسلوك، ٤٨ ب.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وخرج العسكر إلى الريدانية في الثاني من ذى الحجة، ثم ساروا إلى جهة الشام فلما انتهوا إلى منزلة السعيدية (^١) في رابع عشر ذي الحجة وجدوا العسكر الشامى قد وصل وكانوا خرجوا من رمضان وهلمّ جرا، والتقى الجمعان ليلًا بغير تعبئة، فأَشار قرا يوسف على الشاميين بالمبيت على العسكر المصرى فدهمهم ما لم يكن في حسابهم، فانهزموا لا يلوى أحدٌ على أحدٍ إلى أَن انتهوا إلى القاهرة.
وأما النَّاصر فأَركبه سودون طاز وغيره الهجن وشقَّ به البريَّة إلى أَن انتهى به إلى القلعة بعد معاناةٍ عظيمةٍ ومقاساةِ جهد بعد يأْسٍ شديد، واجتمع إليه من انهزم وتصافّوا وتهيّئوا للقتال، ووقع في القاهرة هرج عظيم، وغُلِقَتْ أَبوابُ البلد والدروب وانقطعت المعايش، وتباطأَ الشاميون بسبب النَّهب فأَخذوا من العسكر المصرى ما لا يدخل تحت الوصف من الأَقمشة والجمال والخيول، ووقع صُرق في قبضةِ نائِب الشام فضرب عنقَه صبرًا.
ولما عزموا في الرَّحيل إلى جهة القاهرة استعجل جكم فالتمس منهم أَن يبايعوه بالسلطنة قبل دخول القاهرة، فأَنِفوا من ذلك واختلفت الكلمة، وكانوا قد حاصروا القلعة وكادوا أن يملكوا البلد، فراسلوا الناصرَ، فاقتضى رأْىُ شيخ ومَن وافقه الرجوعَ إلى الشام، واقتضى رأْىُ يشبك ومن وافقه الدخول إلى مصر خفية، واقتضى رأْى كراى ويلبغا الناصري وسودون الحمزاوى الدخولَ تحتَ طاعة الناصر فوصلوا إليه، وتفرَّق بقيةُ الناس فدخل أَكثرهم القاهرة خفية، ورجع جكم - لمّا رآى الخذلان - إلى جهة الشام حمية بمن تبعه، واستمرّت الهزيمةُ على الشاميين فتفرّقوا.
ثم اجتمع جكم وشيخ وقرا يوسف ومن بقى معهم ببلبيس وتوجّهوا إلى جهة الشام، وأَرسل الناصرُ خلفهم جريدةً فوصلوا إلى بلبيس ورجعوا ولم يظفروا بطائل، ونُودى في
_________________
(١) هي أول مركز البريد إلى دمياط وغزة، وقد أنشأها الملك الظاهر بيبرس في سنة ٦٦٥ راجع صبح الأعشى ١٤/ ٣٧٧، وهي منسوبة لولده السعيد محمد، وقد ذكر محمد رمزي في تعليقاته على النجوم الزاهرة ٨/ ٢٥٢ حاشية رقم ١ أنه تبين له أنها اندثرت وأن مكانها اليوم عزبة الشيخ مطر.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
القاهرة علَى أَعيان الأُمراء الَّذين اختفوا، ثم سكن الحال واحتيط على موجود الأُمراء الهاربين، وقُرّر على مباشرى يشبك مائةُ أَلف دينار، وعلى مباشرى سودون الحمزاوي ثلاثون أَلفَ دينار، وكانت جملةُ مَن فرَّ مِن مماليك السلطان مائتي نفر، وصودر شمس الدين الحلاوى وعُصِرَ لأَنَّه كان مباشرًا عند يشبك، وسُلِّم الشيخ زينُ الدين القمني لشاد الدواوين لأَنه كان أَعان يشبك بقسيٍّ وسهام ومال.
وسعى ابن غراب إلى أَن أَمَّنوه، فظهر هو وكثير من الأُمراء في العام الآتى، ثم ظهر يشبك وأُعيدت إليه وظائفه وعفا السلطان عنه، فيقال إن سبب ذلك أَن العسكر المصرى لما كبس رَكْب السلطان أَبصره يشبك وقد أَراد بعض المماليك أَن يقتله (^١) فحماه منه إلى أَن نجا فرعى له ذلك.
* * *
وفي أواخر هذه السّنة سجن الأُمراء الذين استأْمَنوا إلى الناصر، وكان يشبك لما انهزم أرسل طولو إلى شيخ يخبره بأَمرهم ويستأْذن في قدومهم (^٢) عليه، فأذِّنِ له وجَهّز له الإقامة، ثم تلقاه وترجّل له فترجّل يشبك أَيضا ودخل دمشق بمن معه في رابع رجب، ثم أرسل شيخُ خلْفَ نوروز فحضر إليهم من الصُّبَيْبَة وكان مُعْتَقَلا بها (^٣)، وكذلك حضر دُقماق نائبُ حلب، وأَفرَج شيخ عن قرا يوسف وكان مُعتَقَلا بقلعة دمشق، وأَنفق فيهم ما يزيد على مائتي أَلف دينار، وراسله بكتمر جلق نائب صفد بأَنه موافقهم.
* * *
واتَّفق خروج المحمل فركب (^٤) في موكب جليل، وركب معه جميع الأُمراء القادمين وهم: يشبك وسودون الحمزاوى وجَركس المصارع وتمراز وقطلوبغا الكركي وإينال خطط ويلبغا
_________________
(١) أي أراد بعض المماليك قتل السلطان.
(٢) هذه عودة من ابن حجر إلى بداية تحركات الأمراء الخارجين على السلطان، وليست خطوة ثانية في الفتنة.
(٣) أمامها في هامش هـ "قد تكرر بعض ما يذكره هنا"، راجع الحاشية السابقة.
(٤) يعنى بذلك شيخ المحمودي.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الناصرى وابنُ غراب وابنُ سنقر في آخرين. ثم قدم (^١) عليهم جكم فوافقهم بعد أَن كان اجتاز بحلب، ففرَّ منه دمرداش، ثم سار بالعساكر من الشام وخلَّف بدمشق تمراز ويلبغا الناصري وجماعة معهما، وانضمَّ إلى شيخ أَحمدُ بنُ بشارة بعشيره، وعيسى الكابولى بعشيره، والتركمانُ مع قرا يوسف، ونزلوا كلُّهم على صفد، فأَرسلوا قاضيَ العسكر تقيَّ الدين يحيى بن الكرماني إلى بكتمر يدعونه إلى الموافقة فلم يقبل، فحاصروه إلى أَن طلب الأَمان، وخَرُبَت في هذه المرة صفد خرابًا شنيعًا؛ ثم إنهم رجعوا إلى دمشق وأَعطى شيخُ للأَمير نوروز الدورة (^٢) في بلاد حوران والرملة، فغَدر به وتوجَّه إلى القاهرة ومعه جماعةٌ فدخلوا في طاعة الناصر، وقُطعت الخطبة من دمشق للناصر، ثم أُفرِج عن أحمد بن أُويس من (^٣) الاعتقال.
وخرجت العساكر من دمشق في يوم الاثنين ثامن عشر ذي القعدة إلى قبة يلبغا، وخلف بدمشق سودون الظريف وتَقَدَّم الجاليش ثم تبعه بقية الأمراء. ففرّ منهم دقماق إلى صفد، ولما وصلوا غزة استنابَ فيها أَلطنبغا العثماني، واستناب بالقدس الشهابَ بن اليغمورى، فوصلوا إلى الصالحيّة يوم التروية، فاستولوا على ما كان للسلطان بها من الإقامة، فلما دَخل من الصالحية أَخبر بأَنَ السلطان جمع العساكر ونزل ببلبيس ثم التقت كشافةُ الفريقين، ثم نزل الناصرُ بعساكره السعيديّة، ونزل شيخ بمَن معه قريبا، فلما جنّ عليهم الليل كبّسهم شيخ ومن معه فانعكس عسكر الناصر وقاموا لا يلوى أحدٌ على أَحدٍ من الدهشة وانهزموا، فنجا الناصر بنفسه مع الهجّانة إلى بلبيس ثم إلى قلعة الجبل، واستولى شيخ على الخليفة والقضاة وجماعةٍ من الماليك والأمراء، ثم ركب بمن من معه إلى أَن وصل إلى الريدانية ووقف عند تربة الظاهر وما بقى إلا الظفر، فاختلفت الآراءُ فيمن يكون سلطانًا، فَتَنَمَّر لهم حكم وصرّح بإرادة السلطنة فأَنفِوا من ذلك، ففرَّ خلْقٌ كثير إلى الناصر وطلبوا الأَمان، منهم إينال حطط وجمق ويلبغا الناصري وسودون الحمزاوي.
_________________
(١) هذه عودة أخرى من ابن حجر إلى مجريات النزاع بين شيخ المحمودي وجماعته وبين السلطان فرج.
(٢) في هامش "بخط الناسخ: "كما يقول المصريو السرحة".
(٣) "من الاعتقال" ساقطة من ظ.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ودخل يشبك ومن معه وطائفته ليلًا إلى القاهرة فتوزعوا في البيوت، ورَجعَ شيخ ومَن معه لما رأَوا ذلك إلى دمشق، وخلص الخليفة والقضاة وغيرهم فتوجّهوا إلى منازلهم، وذلك بعد أَن وقع القتال بينهم تحت القلعة من جهةِ دارِ الضيافة، فحاصر إينال حطط وجمق وأَسن بيه ويلبغا الناصري والحمزاوى. وقُتل في هذه الكائنة صُرق، وأُسِرَ معهم من الخليقة والقضاة والجند، ثم أَمرَ السلطانُ بحبس الأُمراء الذين خامروا بالإسكندرية.
ولما فرّ الأمراء أُحيط على موجودهم، فقُرر على مباشرى يشبك: مائةُ أَلف دينار، وعلى مباشري سودون الحمزاوى: ثلاثون ألفًا، وكان جملةُ مَن فرَّ من المماليك مائتي نفسٍ من المُنَزَّلين في ديوان السلطان.
* * *
وفى أَول هذه السنة حاصر دمرداش نائبُ حَلب - أَنطاكيةَ وبها فارسُ بن صاحب الباز التركماني وأَقام مدة ولم يظفر منها بطائل، وكان جكم مع فارس فتوجّه جكم بعده إلى طرابلس فغَلب عليها وطَرد عنها نائبهَا وهو شيخ السليماني، ثم توجّه إلى حلب فنازلها دمرداش - وذلك في شعبان - فالتقيا وجرى بينهما قتالٌ كبير، فانكسر دمرداش وخَرَج من حلب فركب البحْر إلى القاهرة وملكها جكم، ودخل من باب أنطاكية، ثم خرج إلى جهة أَلبيرة فقطع الفرات وأَوقع بالتركمان وغلبهم وأَسر منهم جمعا كثيرا، ورجع في سلخ شعبان ثم توجّه إلى طرابلس ثم إلى دمشق.
وفيها في جمادى الأُولى زلزلت مدينة حلب زلزلةٌ عظيمةٌ ففزع الناس لها ولجأُوا إلى الله تعالى فسكنت، ثم عاودت مرارًا ولم تُفْسِد شيئًا ولله الحمد.
* * *
وفيها توجه شهاب الدين بن كيدغدى رسولًا إلى اللنك من المصريين واتفقت وفاتُه بحلب في ليلة السبت رابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة، وكان الغلاءُ قد اشتدّ بها فخرجوا
[ ٢ / ٢٩٦ ]
إلى الاستِسقاء فاستسقوا في شهر رجب، فخطب فيهم في اليوم الثاني أَبو زرعة بنُ القاضي شرف الدين الأَنصاري، ثم عادوا في الثالث فخطب بهم شمسُ الدين بنُ الحداد الطوخي، فلما انصرفوا حصل مطرٌ ولكن غير غزير، لكنهم استبشروا به، ثم جاء المطر بعد ذلك.
* * *
وفي هذه السنة نودى على الفلوس بأَن يُتعامل فيها بالميزان وذلك في شعبان، وسُعّرت: كل رطلٍ بستة دراهم، وكانت فسدت إلى الغاية بحيث صار وزن الفلس ربع درهم بعد أَن كان مثقالا.
وفى يوم عيد النحر -والعسكرُ خارجَ البلد- أَمَر السالمي أن يُنَادى على الفلوس كلُّ رطل بأَربعة دراهم، فحصل للناس من ذلك تشويشٌ عظيم وأَكثروا الدعاء عليه، فبلغ ذلك السلطان فكاتب السالميَّ بالمنع من ذلك وأَمر بإعادة الفلوس إلى ستةٍ: كلُّ رطل.
ثم أَرسل السلطان بإمساك السالمي ليلةً كُبِس السلطان بالسعيدية، ثم سُجِن بالإسكندرية في نصف ذى الحجة بعد أَن سلَّمه السلطانُ لجمال الدين فعوقب ضربًا بالعصى بسبب أنه كاتب السلطان أن حصَّل له ثلاثة آلاف دينار فطُلبت منه، وفى سابع عشر ذي الحجة نقل إلى دمياط.
وفى تاسع عشر ذي الحجة - بعد استقرار السلطان بمملكته وظهورِ ابنٍ غراب - أُعيد أَخوه فخر الدين إلى الوزارة ونظر الخاص.
وفى الرابع والعشرين من ذى الحجة استقر نوروز في نيابة الشام، ووصل شيخ وجكم وقرا يوسف إلى الشام في ثامن عشرى ذى الحجة، واستمر بكتمر الجركسي في نيابة صفد، وسعدُ الدين بنُ غراب مشيرًا ولَبس بزىً الأُمراء حينئذ، واستمر جمالُ الدين في الأستادارية.
وفى ذي الحجة هرب أَحمد بن أويس من دمشق إلى جهة بلاده وكان النائبُ قد أَطلقه من السجن فخشي أَن ينكسروا فيُقبَض عليه فهرب.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وفيه أُحْدِثَ بمكة قاضيان: مالكي وحنفى، فالحنفى: شهابُ الدين أحمدُ بنُ الضياء محمد بن محمد بن سعيد الهندى، والمالكيُّ: المحدّثُ تقيّ الدين محمدُ بنُ أَحمد بن علي الفاسي وذلك بعناية السالمي، وكنتُ مِمَّن ساعد الفاسيَّ في ذلك.
* * *
وفى أَولها وصل اللنك إلى سمرقند واستقبله ملوك تلك البلاد وقدّموا له الهدايا، وأُمر بعد قدومه بتزويج ولده شاه رخ وعمل له عرسًا عظيمًا بلغ فيه المنتهى، وراعى وصيةً ابن عثمان في التتار فاستصحبهم معه في جملة العسكر إلى أَنْ فرّقهم في البلاد ولم يجعل لهم رأْسا فتمزَّقوا، ثم عَزم اللنك على الدّخول إلى بلاد الخطا فأَمر أن يُصنع له خمس مائة عجلة وتُضَبَّب بالحديد، وبرز في شهر رجب ورحل إلى تلك الجهة، فلما وصل إلى أَتْرَار (^١) فجأَه الأَمر الحقّ فوعك واستمر في توعكه أَياما ولم ينجع فيه الطب إلى أَن قُبِض في سابع عشر شعبان وحُمل حينئذ إلى سمرقند.
* * *
وفيها في جمادى الأولى جُهزت بنت تنم - وهى أُخت الناصر لأمه - إلى الشام وتلقاها زوجُها نائبُ الشام شيخُ فدخلت في جمادى الآخر، فدخل بها وأَوْلدَها ومات عنها وتزوجت بعدَه بعضَ الأمراء الصّغار، وماتت في عصمته سنة ستٍ وثلاثين.
وفى ثامن عشرى جمادى الآخرة صُرف جلال الدين البلقيني من قضاء الشافعية واستقر شمس الدين الإخنائى وهى الثّالثة للإخنائى، ثم صُرف الإخنائي في ثالث عشري ذي القعدة واستقر جلال الدين وهى الرابعة له، وصُرف جمال الدين البساطي عن قضاء المالكية واستقرَّ وليُّ الدين بن خلدون في حادى عشر رجب ثم صُرف في أَواخر ذي القعدة واستقر جمال الدين بن مقداد الأُقفهسى.
وفى أَول يوم من المحرم صُرف أَبو العباس الحمصي عن قضاء دمشق، وكان قبيح السيرة متجاهرا بأَخذ الرشوة، وولى علاء الدين بنُ أَبي البقاء.
وفى صفر وصل عبد العزيز البغدادى من القُدس فعُقد له مجلسٌ مع الباعوني، فزعم
_________________
(١) على ضفة سيحون الشرقية، وتعرف بباواب أو فاراب، انظر بلدان الخلافة الشرقية، ص ٥٢٨.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
عبد العزيز أنه قَطع عليه الطريق وأَخذ قماشه ونَهب ما معه من الورق والمستندات، فادّعى عليه الباعوني أَنه حكم عليه بما حكم به مع ثبوت العداوة بينهما، وكان قد أثبت ذلك على قاضي القدس الشافعي ونفذها له المالكي بدمشق، فأَنكر عبد العزيز العداوة فحكم عليه المالكي بثبوتها عنده، واقتضى الحالُ تعزيره فعُزِر فكَشَف رأْسه، ثم توجه المذكور إلى بغداد فأَقام بها وولى قضاءَها، وكان ما سنذكره.
وفيها مات الطاغية تمرلنك الخارجى في سابع عشر شعبان بعلة الإسهال القولنجى وله تسع وسبعون سنة، وكان نصِفُه بطالا، وقد أَباد البلادَ والعباد، وأكثر في الأرض الفساد، ولم يكن له في عراق العجم منازع، ثم ملك عراقَ العرب ودخل البلادَ الشامية فملكها إلا اليسيرَ منها، ثم دخل الرومَ فحارب المسلمين بها، وترك الفرنج، ودخل الهند قبل ذلك فحارب المسلمين بها وترك الكفار، وعَزَم في آخر عمره على الدّخول إلى الصين فمصى في الشتاء فهلك من عساكره أُمم لا يحصون فرجع إلى سمرقند، فأَخذه أَسْرُ البول فتمادى به حتى هلك بالقولنج وأَراح الله منه.
وفى أَواخر هذه السنة وعك السلطانُ إلى أَن أشرف على الموت، ثم فرج الله تعالى عنه وتعافى.
* * *