فيها في المحرم طهّر السلطان أَولاده (^١) وعمل لهم مهما عظيما أَنفق فيه من الأَموال ما لا يحصى، وظهر فيه من الفواحش والقبائح ما لا مزيد عليه، واستمر ذلك سبعة أيام (^٢).
وفي العشرين (^٣) من المحرم استقر نجم الدين بن الكشك في قضاء الحنفية بالقاهرة نقلًا من دمشق واستقر عوضه ابن عمه صدر الدين على [بن (^٤) محمد بن محمد بن أَبي العزِّ بن صالح بن أَبي العزِّ] بدمشق، ثُم (^٥) استعفى نجم الدين بعد مئة (^٦) يوم ونُقل إلى دمشق، ونقل ابن عمه إلى القاهرة.
واستقر صدر (^٧) الدين بن منصور في قضاء العسكر (^٨)، ثم عزل صدر الدين بن الكشك وفي رمضان واستقر ابن منصور (^٩) في قضاء الحنفية بالقاهرة.
وفي صفر ابتدئ في عمارة المدرسة الأَشرفية (^١٠) تحت قلعة الجبل، وهدم مِن جوارها
_________________
(١) هما ولداه أمير على وأمير حاجي، راجع السلوك، ورقة ٨٨ ب.
(٢) راجع ابن دقاق: الجوهر الثمين، ورقة ١٦٨، وتاريخ البدر للعيني، ورقة ٩٢ أ، وجواهر السلوك، ورقة ٢٦٥ ب.
(٣) الوارد في رفع الإصر، ورقة ٢٢ ا، أن استقرار ابن الكشك كان في ١٨ المحرم.
(٤) الإضافة من السلوك، ورقة ٨٨ ب.
(٥) بدلها في ز "و".
(٦) كان استعفاء ابن العز بسبب عدم ملاءمة مناخ مصر له "إذ لم تعجبه القاهرة ولا أهلها" على حد تعبير المقريزي في السلوك، ورقة ٨٩ ا - ب حيث يستفاد منه أن هذا الضيق الذي ألم بالقاضي دعاه لتحويل جميع القضايا إلى نوابه "فكان إذا دخل عليه أحد وجلس قال: "نقيب الحكم، باسم الله" يشير إليه أن قم، فينفض من في مجلسه، لذلك كان سفره فجأة من القاهرة ودون علم أحد. راجع أيضا ابن قاضي شهبة: الإعلام ورقة ٢٢٩ ا.
(٧) سماه المقريزي في السلوك، ورقة ٨٨ ب، والإعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٣٠ ا "بشرف الدين".
(٨) وذلك عوضا عن ابن الصائغ.
(٩) كان تولى ابن منصور قضاء الحنفية بمصر في رجب من هذه السنة حتى رمضان من السنة ذاتها، راجع رفع الأمر ورقة ٣٨ ا.
(١٠) وذلك بالصوة تجاه الطبلخاناه السلطانية كما يذكر تاريخ البدر للعيني، ورقة ٩٢ أ، وعقد الجمان، لوحة ٩٢ ا. أما جواهر السلوك، ورقة ٢٦٥ ب فذكر أنها في "السوة تحت الطبلخانات" وقد ورد رسمها في النجوم الزاهرة (بوبر) ٥/ ٢٢٤، س ٢٢، والجوهر الثمين لابن دقاق، لوحة ١٨٦، والسلوك للمقريزي، ورقة ٨٩ أ، بالصاد، وقد صار موضعها في عهد أبي المحاسن بيمارستان الملك المؤيد =
[ ١ / ١٠٣ ]
عدة أَماكن للناس منها بيت (^١) كبير لسنقر الجمالي، ونُقِل إليها عمودان عظيمان وُجِدَا في بيت (^٢) خوند الحجازية عمةِ السلطان برحبة (^٣) العيد وكان (^٤) المشد عليها أَينبك.
وفي أَواخر ربيع الأَول عزل ابن الأزكشي من المشورة وأُعيد التاج الملكي إلى الوزارة (^٥)، فقَبض على ابن الغنّام وصيّر داره مدرسة في ليلة واحدة فاستمرت، ولم يجسر الملكي على التعرض لها، ثم قُبض (^٦) عليه في ذي القعدة واستمر شمس الدين المقسى (^٧) مشيرًا بغير وزير، واستمر أَمين الدين جعيص مستوفى الدولة.
وفيها استقر آقتمر (^٨) الحنبلي في نيابة السلطنة بالقاهرة بعد منجك.
وفيها وقع الغلاءُ العظيم بدمشق فبلغت الغرارة خمسمائة بعد أَن كانت في الرخص بخمسين، واستمرت الشدة حتى أَكلوا الميتات (^٩).
[وفيها (^١٠) تزايد الغلاءُ بالشام] فعمل فيه ابن حبيب (^١١): "واستمر غول الغلاءِ كاشرًا عن أَنياب النوائب، ناشرًا حبائل مصايَد المصائب، وزاد إلى أَن نقصت الأَقوات، وترادفت (^١٢) أَمواج الأَموات"، واستمر إلى آخر السنة فتناقص السعر.
_________________
(١) الوارد في تاريخ البدر للعيني ورقة ٩٢ ا أنه اشترى هذا البيت من سنقر الجمالي، أما عبارة ابن قاضي شهبة في الإعلام، ورقة ٢٢٨ ب فليست واضحة تمام الوضوح.
(٢) وذلك حيث كان باب الزمرد أحد أبواب القصر الفاطمي تجاه رحبة العيد.
(٣) راجع المقريزي: الخطط ٢/ ٤٣٥.
(٤) عبارة "وكان المشد عليها أينبك" غير واردة في ظ.
(٥) وذلك بعد أن كانت الوزارة قد أبطلت.
(٦) إزاء هذه العبارة في ع، ز "أي التاج الملكي".
(٧) في ل "القشي".
(٨) راجع ابن حبيب: درة الأسلاك، ٣ لوحة ٤٨٤ س ٤ ا - ٥ ا.
(٩) وصف العيني في تاريخ البدر ورقة ٩٣ ا وفي عقد الجمان، لوحة ٩٤ ا، ٩٥ ا هذا الغلاء فذكر أن قوته بلغت ذروتها في الشام خصوصا حلب والبلاد الشمالية "وبقى الناس فقراء وباعوا ما فوقهم وما تحتهم. . . وما كان الخبز يباع إلا سرا، ثم اشتغل فقراء الناس بأكل البلوط الجبلي وخشاش الأرض قال حالهم إلى أن أكلوا الميتات والحمير والقطط والكلاب والدم. . . . ولقد شاهدت بعيني أكثر من مائتي نفس مطروحين في موضع واحد".
(١٠) العبارة التي بين الحاصرتين واردة في ظ فقط.
(١١) راجع ابن حبيب: درة الأسلاك، ٣/ ٤٨٤.
(١٢) في ز "تزايد منه".
[ ١ / ١٠٤ ]
ووقع (^١) الغلاءُ بالقاهرة في اللحم خاصة حتى بيع كل رطل بدرهم ونصف (^٢). وكان الغلاءُ أَيضا في حلب حتى بيع المكوك (^٣) [من القمح (^٤)] بثلاث مائة [درهم] ثم زاد إلى أَن بلغ الأَلف حتى أكلوا الميتة والقطط. والكلاب، وباع كثير من المقلِّين أَولادهم، وافتقر خلق كثير، ويقال إن بعضهم أَكل بعضا حتى أَكل بعضهم ولده، ثم عقب ذلك الوباءُ ففنى خلق كثير حتى كان يُدفن العشرة والعشرون في قبر بغير غسل ولا صلاة، ويقال إنه دام بتلك البلاد الشمالية ثلاث سنين، لكن أشدَّه كان في الأُولى.
وفيها استقر ولي الدين بن أَبي البقاء في قضاءِ الشام والخطابة عوض أَبيه، وكان أَبوه قد سعي أَن يكون مستقلا بذلك في مرض موته، فولى (^٥) شمس الدين بن مزهر وكالة بيت المال عوضا (^٦) عنه، وكان أَبوه قد سعى أَن يكون مستقلا بذلك في مرض موته فأُجيب ووافاه التوقيع بعد موت أَبيه، وذلك في جمادي الأُولى.
وفيها وقع حريق كبير بدمشق.
وفيها استقر بدر الدين الإِخنائي (^٧) في قضاءِ المالكية في رجب.
وفيها (^٨) وقع الضعف الشديد بالقاهرة بالباردة والنافض.
وفيها توجه إلى الحجاز - في رجب - جمع (^٩) كبير فمات منهم الكثير بالضعف.
وفيها تسلّم نواب السلطان سنجار وأُحضر صاحبها إلى القاهرة، واستناب السلطانُ فيها حيدرَ بنَ يونس المعروف بابن العسكري.
_________________
(١) في ز "ورجع".
(٢) هذا ما كان من ثمن لحم الضأن، أما لحم البقر فبلغ ثمن الرطل منه درهما وثمن درهم، راجع السلوك، ورقة ٨٩ ا.
(٣) المكوك قدر بسبع ويبات مصرية، هكذا قدره العيني في تاريخ البدر، ورقة ٩٣ ا، وعقد الجمان، لوحة ٥٤ ا.
(٤) أضيف ما بين الحاصرتين بعد مراجعة ابن حبيب: درة الأسلاك ٣/ ٤٨٤، س ١٠.
(٥) العبارة من هنا حتى "مرض موته" السطر التالي غير واردة في ز.
(٦) في ل "عوض أبيه".
(٧) انظر السلوك، ورقة ٨٩، وابن قاضي شهبة: الإعلام، ورقة ٢٢٩ ب.
(٨) هذا الخبر بأكمله غير وارد في ع.
(٩) كان أمير الركب المصري يومذاك هو الأمير سيف الدين بوري الخاصكي.
[ ١ / ١٠٥ ]
وفيها (^١) وصلت هدايا صاحب اصطنبول من الروم وفي جملة الهدية صندوق فيه شخوص لها حركات، كلما مضت ساعة من الليل ضربت تلك الشخوص بأَنواع الملاهي، وكلما مضت درجة سقطت بندقة.
وفي شعبان اتفقت كائنة عجيبة بدمشق وهو أَن بعض الشرفاء (^٢). كان يتنزّه فوقع بينه وبين خطيب الجامع مخاصمة، فتوجّه الشريف إلى الحاجب واستعدى على الخطيب بأَنّه سبَّهُ، وأَخذ معه جندارية (^٣) فتوجه لإِحضاره وأَخذوا الخطيب وشدّدوا عليه، وساروا به والشريف يستطيل عليه، فاتفق أَنه (^٤) وقع ميتا فجأَة، فكتبوا (^٥) بذلك محضرًا وأَحضروه إلى الحاجب، فأَطلق الخطيب. وكان في ذلك عبرة عظيمة.
وفيها ولي المجد إسماعيل الحنفي قضاءَ العسكر، وناصرُ الدين الطوسي توقيعَ الدست.
وفيها استقر بدر الدين بن مزهر في كتابة السر بدمشق عوضا عن أَحمد بن فضل الله بحكم وفاته.
وفيها انتقل سرى الدين بن المسلاتي عن مذهب مالك واستقر شافعيا، وناب في الحكم عن ابن جماعة، واستمر على ذلك.
وفي أَواخر (^٦) هذه السنة نُهب الحاج المصري في رجوعهم، وفي ذلك يقول شهاب الدين بن العطار:
لقد نُهِبَ الحجاج في عام سبعةٍ … وسبعين جهرًا (^٧) بعد ذبحٍ تمكّنا
وسار أميرُ الركب بوريُّ هاربًا … ولولا قليل كان بورِي مكفّنا
وجرى للحاج الشامي أَيضا (^٨) أَشد مما جرى للمصري فإنه جاءَهم سيل بخليص تلف منهم
_________________
(١) خبر هذه الهدية كله منقول - عدا كلمة "الليل" فانها فيه "الفلك" - من تاريخ البدر للعيني، ورقة ٩٢ ب.
(٢) نعته ابن قاضي شهبة: الإعلام، ورقة ٢٢٩ ب بأنه "شربر" أما "يتنزه" ففي هـ "ببرزة".
(٣) في ز "جندارمة".
(٤) أي الشريف.
(٥) من هنا حتى آخر الخبر غير وارد في ظ.
(٦) في ع، ك "اخر".
(٧) في ل "قهرا".
(٨) "أيضا" ساقطة من ز، ك.
[ ١ / ١٠٦ ]
بسببه شيء كثير، وفي الرجعة هبت عليهم ريح عاصف، ثم اشتد عليهم الغلاءُ في الطريق حتى
بيعت الغرارة الشعير بمائة درهم.
وفيها استولى الأَمير بيرما (^١) التركماني على (^٢) الموصل، وكان صاحبها بيرم خجا قد وقع بينه وبين التركمان ببزوان (^٣) فكسروه، فلما بلغه استيلاء بيرما على الموصل استنجد بالصالح صاحب الحصن وبالمظفر صاحب ماردين فأَنجداه بعسكرين فحاصر الموْصل، وانسلخت السنة وهم على ذلك.
وفيها عُثِر على رجلين رافقا تاجرًا فأَطعماه شيئًا فرْقد، وأَخذا ما معه فعُرِفا.
وفيها كانت بين أَبي زَيّان - بزاي وتحتانية مثقلة - وهو محمد بن السعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن بغراس وبين أَبي حَمُّو - بفتح المهملة وتشديد الميم - وهو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن بغراس - بتلمسان حروب شديدة قُتل فيها عبد الله بن صعير - أَمير دولة أَبي حَمُّو - وكانا يتنازعان المملكة، وأَول ما تملكها أَبو حمو. سنة ستين وسبعمائة.
وفيها استقر تمراز في نيابة القدس وهو أَول من ولي نيابتها، وكانت قبل ذلك يكون فيها والٍ من جهة والي الولاة بدمشق.
وفيها أَوقف (^٤) ناصر الدين بن براق داره مدرسة بدمشق وتقرر فيها شمس الدين الحيني (^٥) إمامًا.
وفيها غلا (^٦) البيض بدمشق فبيعت الحبة الواحدة بثلاثة دراهم تكون من حساب ستين بدينار.
* * *
_________________
(١) ف ع "صرما" بضم العباد وسكون الراء، وفي ز "سرما" أما اسمه فهو الخواجة بيرام وكان من أمراء جماعة قراقوينلو.
(٢) عبارة "على الموصل. . . . . . . . وبين التركمان" في السطر التالي ساقطة من ز.
(٣) في ع "بروان".
(٤) في ز "وفق".
(٥) في ز "الحبشي".
(٦) وسبب ذلك - كما قيل - وباء وموت وقعا بالدجاج، راجع العمري: الآثار الجلية، لوحة ٥٩ ا.
[ ١ / ١٠٧ ]