فيها وصل أحمد بن أُويس إلى القاهرة في ربيع الأول فتلقَّاه الأمراء وخرج له السلطان إلى الريدانية فقعد بالمصطبة (^١) المبنية له هناك فترجَّل له أحمد من قدر رمية سهم فأمر السلطان الأمراء بالترجل له ثم لما قرب منه قام له ونزل (^٢) من المصطبة فمشى إليه فالتقاه.
وأراد أحمد تقبيل يده فامتنع، فطيَّب السلطان خاطره وأجلسه معه على مقعده، ثم خلع (^٣) عليه وأركبه صحبته إلى القلعة فأنزله في بيت طقزدمر (^٤) على بركة الفيل، ونزل جميع الأمراء في خدمته، ثم أرسل له السلطان مالا (^٥) كثيرا وقماشًا (^٦) ومماليك للخدمة (^٧)، يقال قيمة ذلك نحو عشرة آلاف دينار.
ثم حضر الموكب السلطانى فأذن له السلطان (^٨) بالجلوس وأركبه معه إلى الجيزة للصيد.
ثم تزوّج السلطان بنت أخيه خوند تندي بنت حسين بن أويس وبنى عليها قريب السفر.
ثم أمر السلطان بالتجهز إلى الغزاة، وطلب من القاضي الشافعي أن يقرضه ما في المودع من أموال الأيتام فامتنع، فسعى بدر الدين بن أبي البقاء في القضاء وبذل مالًا وما طُلب منه، وذلك في ربيع الآخر فعُزل المناوى بعد (^٩) أن خرج السلطان إلى الريدانية، وأُعيد ابن أبي
_________________
(١) هي مصطبة الطير كما في النجوم الزاهرة (ط. بوبر) ٥/ ٥٥٣، أو مصطبة المطعم كما في تاريخ ابن الفرات ٩/ ٣٦٦.
(٢) في ل "فترك المصطبة".
(٣) كانت الخلعة تتألف من قباء بنفسجي مقرى قاقم بطراز زركش عريض، وفرس بقماش ذهبي السرج والكنبوش والسلسلة واللجام، انظر الجوهر الثمين لابن دقماق، ص ١٩٥.
(٤) في ل "صفر"، راجع تاريخ ابن إياس ١/ ٣٠١، ص ٢٢.
(٥) فيما يتعلق بهذه الناحية راجع تاريخ ابن الفرات ٩/ ٣٦٧، والنجوم الزاهرة ٥/ ٥٥٤، وتاريخ ابن إياس ١/ ٣٠١.
(٦) كان ما وصله به برقوق هذه المرة يتألف من مائتى قطعة قماش مقترح وسكندرى وثلاثة رءوس خيل بقماش ذهب ومماليك وجوار، راجع الجوهر الثمين، ١٩٥.
(٧) في ل "تخدمه".
(٨) ساقطة من ز، ل.
(٩) عبارة "بعد أن خرج السلطان إلى الريدانية" غير واردة في ظ.
[ ١ / ٤٦٩ ]
البقاء في (^١) يوم الاثنين الرابع عشر من شهر ربيع الآخر وخلع عليه بالريدانية ودخل القاهرة ومعه قلمطاى الدويدار وغيره من الأمراء، وسافر مع السلطان في رابع عشريه بعد أن بذل ما أرادوا منه، فقيل كان ستمائة ألف، وعَوَّض السلطان أصحابها أرضًا يستغلون خراجها إلى الآن.
واقترض السلطان من ثلاثةٍ من التجار ألف ألف درهم فضة، وهم برهان الدين المحلِّي ونور الدين الخروبي وشهاب الدين بن مسلم، وكتب لهم بذلك مسطورًا ضَمِنَه فيه محمود الأستادار، وكان ذلك بتدبيره.
واستصحب السلطانُ معه القضاة والخليفة وشيخ الإسلام البلقيني، واستأذن البلقيني بعد وصوله إلى دمشق لولده جلال الدين في الرجوع لأنه كان قاضي العسكر فأذن فرجع، وتوجه الشيخ صحبة الركاب إلى حلب. وخرج إلى السلطان - وهو معسكِرٌ بظاهر القاهرة - شخص يقال أحمد بن عباس الحريري فذكر له أنه رأى النبي ﷺ في المنام، وأنه قال له: "روح إلى برقوق وقل له إنك منصور بأمارة أنك تقرأ سورة الفاتحة على أصابعك العشرة عشر مرات عند الركوب، ثم تقول إن ينصركم الله فلا غالب لكم" فصدَّق البشارة ويكي، وأمر للرائي بمالٍ فلم يَقبل منه إلَّا نزرًا يسيرًا.
والذي يظهر لي كذب هذا الرائي وكأنه بُلِّغ الأمارة من بعض خواص السلطان المطلعين على سره (^٢)، وإلَّا فلو كان صدقا لكان قد انتصر، والواقع أنه لم يقع له قتال مع أحد.
* * *
وعُزل موفق الدين عن الوزارة واستقر ناصر الدين بن رجب، فقُدر في نظر الدولة سعد الدين بن البقرى.
* * *
وفيها كائنة الشريف العُنَّابي - يضم المهملة والنون - وكان السلطان يعتقده فاتفق مع جماعة من مماليك بركة على القيام عليه، فنمَّ عليه موسى بن محمد بن عيسى العائدي - شيخ عرب العائد وكان في الحبس - فأرسل إلى الوالى ورقة بخطِّ. العنابي يقول فيها: "يا موسى
_________________
(١) عبارة "في يوم الاثنين … في رابع عشريه" غير واردة في ظ.
(٢) في ل "أمره".
[ ١ / ٤٧٠ ]
أرسل إلى عربك (^١) يجتمعوا ويعسكروا قرب القاهرة، فإذا جاز السلطان قطية أركب أنا ومن معى من المماليك فنملك القاهرة ونخلِّصك من الحبس ونتساعد على ذلك، فإذا غلبنا قررنا سلطانًا نتفق عليه وأَسْتَقِرّ أنا خليفةً وأحمدُ بنُ قايماز أتابكَ العساكر"، فتوجه الوالى بالورقة إلى السلطان.
فأرسل يلبغا السالمي إلى الشريف العُنَّابي ليسأله عن ذلك، فأحسّ الشريف بالشر فهرب، ثم أمسك الوالى عبدًا من عبيده فأقرَّ أن سيده في بيت الصارم الحلبي بسويقة السباعين، فبادر الوالى وقبض عليه وعلى أحمد بن قايماز فأحضرهما إلى السلطان - وهو بالريدانية وقد برز بالعسكر للتوجه -، فاعترف العُنَّابي بأن الورقة بخطه وأن ابن قايماز هو الذي رتَّبه فيما يفعل، فأنكر ذلك ابن قايماز وتبرَّأ منه، فأمر السلطان بالتوكيل بهما.
فسعى عمر بن قايماز - أخو أحمد - عند أخت السلطان حتى شَفعَتْ في أخيه على مالٍ جزيل بَذَله وأطلقه، وأمر السلطان بتوسيط. الشريف العنابي فوسطه الوالى وكذلك وسَّط موسى بن محمد بن عيسى العائدي وعمه مهنا بن عيسى وجماعةً من نفره كانوا في القبضة، وذلك بعد سفر السلطان.
* * *
ووصل السلطان إلى دمشق في العشرين من جمادى الأولى فوصل إليه قاصد طقتمش خان ملك القفجاق يتضمن السؤال أن يكونوا يدًا واحدة على الطاغي تمرلنك، فكُتبَتْ أجوبتهم.
ثم وصلت إليه رسل أبي يزيد بن عثمان صاحب الروم يتضمن استئذان السلطان على الحضور إلى نصره (^٢) على قصد تمرلنك لما بلغهم من سوء سيرته، فكتب أجوبته أيضا.
* * *
وفى (^٣) أول هذه السنة سار تمرلنك بنفسه وعساكره إلى تكريت فحاصرها بقيةَ المحرّم
_________________
(١) في ل "ربك".
(٢) في ل "مصر".
(٣) إزاء هذا السطر في هامش ل جاءت عبارة "تتمة قصة اللنك"، لكن في ورقة ١٠١ أ في نسخة ظ وردت الجملة الآتية: "وفيها رجع تمر إلى بلاد العراق في جمع عظيم فملك أصبهان وكرمان وشيراز وفعل بها الأفاعيل المنكرة، ثم قصد شيراز فتهيأ منصور شاه لحربه، ونازل تمرلنك تكريت تقتل صاحبها، وبني من رءوس القتلى " الخ.
[ ١ / ٤٧١ ]
كله، ودخلها عنوة في آخر هذا الشهر (^١) فقَتل صاحبها وبنى من رءُوس القتلى منارتين (^٢) وثلاث قباب وخرب البلد حتى صار قفرًا.
وكان استولى على قلعة تكريت - وأميرها حسن بن دلتمور (^٣) - فنزل بالأمان فأرسله اللنك إلى دارٍ ثم دس (^٤) عليه من هدمها فمات تحت الردم، ثم أثخن في قتل الرجال وأَسْرِ النساء والأطفال.
ثم نازل الموصل وصاحبها يومئذ على بن بدرخجا فصالحه وسار في خدمته ثم نزل رأس العين فملكها، ونازل الرها فأخذها بغير قتال ووقع النهب والأسر والسبي وذلك في أواخر صفر، واتفق هجوم الثلج والبرد.
ولما بلغ ذلك صاحب الحصن جَمع خواصّه وما عنده من التحف والذخائر وقصد تمرلنك ليدخل في طاعته، فقرّر ولده شرف الدين أحمد نائبًا عنه وسار إلى أن اجتمع به بالرّها فقبل هديّته وأكرم ملتقاه ورعى له لكونه راسله قبل (^٥) ملوك جميع تلك البلاد، ثم خلع عليه وأذن له في الرجوع إلى بلاده وأصحبه بشحنَةٍ من عنده.
ثم (^٦) قصده صاحب ماردين فتنكر له لكونه تأخرت عنه رسله وتربّص به حتى قرب منه فوكل به، فصالحه على مال فوعده بإرساله إذا حضر المال، فلما حضر زاد عليه في التوكيل والترسيم، ثم أخذ في نهب تلك البلاد بأسرها، واستولى على الجزيرة والموصل وسار فيهم سيرةً واحدة من القتل والأسر والسبى والنهب والتعذيب، ثم أقام على نصيبين في شدّة الشتاء، فلما أتى الربيع نازل ماردين في جمادى الآخرة فحاصرها وبنى قُدَّامها جواسق يحاصِرُها منها، ففتحها عن قرب، وقتل من الناس من لا يُحصى عددهم، وعصت عليه القلعة فرحل عنها،
_________________
(١) بعد هذه الكلمة وردت في ظ على الهامش الأيمن وبخط ابن حجر نفسه، العبارة التالية: "ينقل بقية خبرها من الهامش في سنة ٩٤".
(٢) في ل "مئذنتين".
(٣) في ز "ركتمور" بلا تنقيط وفى هـ "يغمور".
(٤) في ز "دبر".
(٥) في ظ "قبل أهل تلك الديار".
(٦) هذه العبارة حتى نهاية ص ٢، ص ٤٧٣ واردة في هامش ١٠١ أ في نسخة ظ.
[ ١ / ٤٧٢ ]
ثم رحل إلى آمد فحاصرها إلى أن ملكها وفعل بها نحو ذلك، ثم توجّه إلى خلاط ففعل بها نحو ذلك.
وسبب (^١)، رجوعه إلى (^٢) البلاد الشامية أنه بلغه أن طقتمش خان - صاحب بلاد الدشت والسراى وغيرهما - مشى على بلاده فانثنى رأيه فقصد تبريز، وصنع في بلاد الكرج عادته في غيرها من البلاد، ثم رحل راجعا إلى تبريز فأقام بها قليلا، ثم توجّه قاصدًا إلى طقتمش خان صاحب السراي والقفجاق؛ وكان طقتمش خان قد استعدّ لحربه فالتقيا جميعا ودام القتال، وكانت الهزيمة على القفجاق والسراى فانهزموا وتبعهم الجقطاى في آثارهم إلى أن ألجأُوهم إلى داخل بلادهم، وراسل اللنكُ صاحبَ سيواس القاضي برهان الدين أحمد يستدعى منه طاعته فلم يجبه، وأرسل نسخة كتابه إلى الظاهر صاحب مصر وإلى أبي يزيد ملك الروم.
وفى (^٣) رجب غلب على سائر القلاع وتوجّه في ذى القعدة إلى جهة بلاده وأمر بسجن الظاهر في مدينة سلطانية، وفى غضون ذلك خرج من حلب أميران مقدّمان ومعهما نحو ألف فارس لحفظ الرّها، فوجدوا اللنكية فتحوها، فوقع بهم جمع كبير من اللنكية فحصل بينهم وقعة انهزم فيها اللنكية وقتل منهم جمع عظيم، وصادف ذلك رحيل اللنكية عن الرها، ورجع عسكر حلب بالأسرى ورءُوس القتلى، ووصل الخبر بذلك إلى الظاهر [برقوق] في ربيع الأول ففرح به وأخذ في التجهيز بالعسكر المصرى، فخرج في ربيع الآخر وصحبته في هذه السفرة الشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ شهاب الدين بن الناصح وأبو عبد الله الكركي والشيخ محمد المغربي والشيخ إبراهيم بن زقاعة وغيرهم.
* * *
وفيها وصلت رسل تمرلنك إلى الظاهر تتضمّن الإنكار على إيواء أحمد بن أُويس والتهديد إن لم يُرسَل إليه، فجهز السلطان إليهم مَن أهلكهم قبل أن يصلوا إليه، وأُحْضِر إليه ما معهم من الهدايا، وكان فيها أُناسٌ بزيّ المماليك فسألهم السلطان عن أحوالهم فقالوا له إنهم من
_________________
(١) من هنا حتى نهاية ص ١٧ غير وارد في ظ.
(٢) في ز "عن".
(٣) العبارة من هنا حتى السطر السابع عشر غير واردة في ل.
[ ١ / ٤٧٣ ]
أَهل بغداد؛ ومن جملتهم ابن قاضي بغداد، وأَن تمرلنك أَسرَهم واسترقَّهم، فسلَّمهم السلطان لجمال الدين ناظر الجيش، فأَلبس ابن قاضي بغداد بزًى الفقهاء.
وكان في كتاب تمرلنك إيعادٌ وإرعاد وأَوله: "قل اللهم مالك الملك فاطر السموات والأَرض عالم الغيب والشهادة، أَنت تحكم بين عبادك فيا كانوا فيه يختلفون، اعلموا أَنَّا جندُ الله، خَلقنا من سخطه، وسلَّطنا على مَن حَلَّ عليه غضبه، لا نرقُّ لشاك، ولا نرحم عبرة باكٍ"، وهو كتاب طويل، وفيه: "ودعاؤكم علينا لا يستجاب فينا ولا يُسمع، وكيف يَسمع الله دعاءُكم وقد أَكلتم الحرام، وأَكلتم أَموال الأَيتام، وقبلتم الرشوة من الحكام؟ ".
قلت: وأَكثر هذا الكتاب منتزع من كتاب هولاكو إلى الخليفة ببغداد وإلى الناصر ابن العزيز بدمشق وهو مِن إنشاءِ النصير الطّيبرسي.
وكَتب جوابَ اللنك كاتبُ السرّ ابنُ فضل الله، وهو كلام ركيك ملفق غالبه غير منتظم، لكن راج على أَهل الدولة، وقرئ بحضرة السلطان والأُمراء فكان له عندهم وقع عظيم وعظموه جدا، وأَعادوه (^١).
وكان النائب بحلب أَرسل رجلًا بعث به سالم الدوكارى، فلما وصل إلى القاهرة أَخبر السلطانَ بأَنَّ المقاتلة اللنك عشرون أَلفًا، وأَن له أُختًا معه تضرب بالرمل، ثم حضر شخص آخر كان من مماليك الأَشرف وخدم شَكر أَحمد التركمانى وأَنَّه توجّه معه إلى اللنك وهرب منه، فأَخبر بمثل ما أَخبر به التترى المذكور.
. . .
وفى (^٢) رابع عشرى ربيع الأَول قُبض على شخص من الططر، فعُرض على السلطان فضربه فأَقرّ على عدّة جواسيس، فقبض منهم على سبعة أَنفس ما بين تجار وغيرهم.
وتجهَّز السلطان إلى السفر وأَنفق في المماليك في ثالث ربيع الآخر لكل واحدٍ أَلفا درهم، فبلغه أَنهم تمنَّعوا فجلس بنفسه وأَمر بالنفقة فأَخذوا، ولم يتكلم أَحد منهم، وأَعطى كلَّ مقدّمِ أَلفٍ ستين أَلفًا وللخليفة عشرةَ آلاف، ويقال كانت جملة النفقة تسعة آلاف أَلف، كان عنها من الذهب الهرجة ثلاثمائة أَلف وستون دينارًا.
_________________
(١) عبارة "وأعادوه. التترى المذكور" س ١٦ غير واردة في ظ.
(٢) عبارة "وفى رابع … تجار وغيرهم" بالسطر التالي واردة في هامش ١٠٩ أ من نسخة ظ.
[ ١ / ٤٧٤ ]
وكان اقترض من التجار أَلف أَلف، ومِن موجود جركس الخليلي ثمانمائة أَلف، ومِن موجود أَرغون شاه نحو النصف من ذلك. ومن موجود إينال اليوسفى نحو ذلك أَو أَكثر.
فبرز [السلطان] في سابع الشهر وخرج من القلعة في عاشره وسافر من الريدانية في ثاني عشرى الشهر وترك في الاصطبل بيبرس أَمير آخور وبالقاهرة سودون النائب ونائباه، وبالقلعة قلمطاى ومعه ثلاثمائة ملوك، ودخل [برقوق] دمشق ثانى عشرى جمادى الأُولى فأَقام بدمشق خمسة أَشهر وعشرة أَيام، واسنترَّ الأَخبار فتحقق رجوع اللنك فجهّز أحمد بن أويس إلى بغداد ودفع له حين السفر خمسمائة أَلف درهم قيمتها عشرون أَلف دينار وخمسمائة فرس وستمائة جمل، وجهَّزه أَحسن جهاز. فخرج في مستهلَّ شعبان وسافر في ثالث عشره وسار معه عدّة من الأُمراء الكبار إلى أطراف البلاد، ثم صحبه سالم الدوكارى، ثم جهَّز السلطان: كمشبغا وجماعةً من الأُمراء إلى حلب فتوجّهوا قبله، ثم توجّه [هو] بعدهم في أَول ذي القعدة فدخلها في العاشر وأَقام إلى عيد الأَضحى ورجع إلى الديار المصرية في الثاني عشر منه، وكان أَمَر بعرض أجناد المحلقة و[أَن] يجهّز مَن له خُبز ثقيل بعبرة ثقيلة إلى السفر.
وأُلزم مباشرو الخاص أَن يؤخذ من كل واحدٍ بغلةً أَو قيمتها، ثم اختار من أَجناد الحلقة أَربعمائة فارس انتقاهم، ثم نادى للأَجناد البطالين بالحضور لينفق فيهم ليسافروا، فحضر منهم نحو الخمسمائة، فقبض قلمطاي منهم بأَمر السلطان على ثلاثمائة وسبعين فسجنهم وهرب الباقون، ثم عرضهم ابن الطبلاوى عند محمود، وأَفرج عن مائتين منهم.
ولما دخل الشام شكوا من الباعونى فَعَزَله ونكَّل به وخلع على علاء الدين بن أَبي البقاء، وأَقام الظاهرُ بدمشق خمسة أَشهر، وعَزل ابن المنجا الحنبلي وولَّى عوضه شمس الدين النابلسي، وعزل ابنَ الكشك وولي عوضه ابن الكفرى.
* * *
ثم وصل السلطان إلى حلب فوصل إليه ابن نعير وأَخبر أَن أَباه غلب على بغداد بعد رحيل تمرلنك منها، وخَطب فيها باسم الملك الظاهر فجهّز أَحمد بن أويس بجماعته إلى بغداد بعد أَن جهّزه جهازا حسنا، وأَرسل عسكرا كبيرًا فيهم كمشبغا الأَنابكي وأَحمد بن يلبغا وبكلمش وغيرهم إلى أَطْراف المملكة، وأَقام السلطان نازلًا على الفرات إلى أَن وصل قاصد أَحمد
[ ١ / ٤٧٥ ]
ابن أويس يخبره بأَنه دخل بغداد وجلس على تخت ملكه وخطب باسم السلطان بها، فرجع السلطان إلى حلب وحضر إليه - وهو بها - سالم الدوكاري التركماني طائعًا فخَلع عليه وعظَّمه، وأَلبسه بزى الترك، ووَصل إليه كتابُ القاضى برهان الدين أَحمد صاحب سيواس يبذل له الطاعة.
وذكر أَحمد بن أويس في كتابه أَنه لما وصل إلى ظاهر بغداد خرج إليه نائب تمر فقاتله فانكسر فأَطلق المياه على عسكر ابن أويس، فأَعانه الله وتخلَّص.
* * *
وفى هذه السفرة استقر بدر الدين محمود بن عبد الله الكلستانى العجمي في كتابة السرّ بعد موت بدر الدين بن فضل الله، وكان السلطان استدعى به من القاهرة بعد أَن سافر ليقرأَ كتابًا ورد عليه من بلاد العجم بالعجمي وذلك بإشارة جمال الدين ناظر الجيش، فتوجه وهو في غاية الخوف ظنا منه أَنْ قد وَشى به بعض أَعدائه وما درى أَنه نُقل أَمره إلى العز الزائد بعد الذل المفرط. واستقر في نيابة حلب - بعد رحيل السلطان - بإمرة تغرى بردى، وفى نيابة طرابلس أَرغون شاه، وفى نيابة صفد أقبغا الجمالي.
* * *
وفى هذه السنة كان بالقاهرة من الرخص ما ضُرب به المثل، حتى إن عنوانه أَن البطيخ العبدلاوي أُبيع كل قنطار بدرهم، وقِسَّ على ذلك.
* * *
ثم في آخرها توقَّف النيل حتى مضى نصف أَبيب الثاني، ثم مضى نصف مسرى الأَول ثم فتح الله فزاد في أَسبوعٍ واحد نحو عشرة أَذرع، وتزايد بسبب التوقف سعرُ القمح إلى أَن بلغ أَربعين درهمًا كل إردب، ثم زاد ضعفها.
* * *
وفيها (^١) أَرسل أَبو فارس بن أَبي العباس المرينى بعد موت أَبيه إلى تلمسان أَبا زيَّان بن
_________________
(١) هذا الخبر بأكمله ساقط من ل.
[ ١ / ٤٧٦ ]
أَبي حمو بعد أَن أَخرجه من محبسه بفاس وصار أَميرًا على تلمسان من قِبله، وأَرسل ابن عامر مالًا، فغدروا بيوسف بن أَبي حمو وأَرسلوه إلى أَبي فارس فقتله وبعث برأْسه إلى أَخيه أَبي زيان، واستمر أَبو زيان في إمرة تلمسان عن أَبي فارس.
* * *
وفى رجب أَخذت الفرنج (^١) عدة مراكب تحمل الغلال إلى الشام.
* * *
وفى هذه السنة أُشيع أَن امرأَة طال رمدها فرأَت النبي ﷺ تسليما فأَمرها أَن تأْخذ من حصًا أَبيض في سفح المقطم أَشيافًا وتكتحل به بعد سحقه ففعلَتْ فعوفيت، فتكاثر الناس على استعماله وشاع ذلك ثم بطل.
وأَوفى النيل ثامن عشرى مسرى وانتهت الزيادة في ذى القعدة (^٢) إلى الحادي عشر من الثاني عشر، فارتفعت الأَسعار، فأَمر سودون النائب أَن يتحدّث ابن الطبلاوي في الأَسعار ففعل، ولم يزدد الأَمر إلَّا شدة.
* * *