في ثالث المحرّم وصل رسل تمرلنك الذين قدمنا ذكرهم.
وفي رابع المحرم - بعد أَن أُمْسِك (^١) السالمي - قُرر ركن الدين عمر بن قايماز في الأُستادارية وتوارى ابنُ البقرى فطُلِب جمال الدين ليستقر وزيرًا فاستعفى من ذلك وصمَّمَ وأَشار بأَن يستقر [أَبو كم] في الوزارة ونظر الخاص فأَقام خمسة عشر يومًا، ثم ظهر ابن البقرى فأُعيد إلى الوزارة ونظر الخاص مضافًا إلى نظر الجيش، ثم أُرسل إلى الإسكندرية في صفر بعد أَن كان سُلم لابن قايماز فحبسه في مكان كان السالمي أَعده لحبس من يصادر وكان ابن قايماز سكن في بيت السالمي بإذنٍ من السلطان، ثم نقل السالمي إلى الإصطبل عند أَمير آخور فعرضت عليه آلات العقوبة بحضرة السلطان فكتب خطه بمال جزيل فسُلِّمَ لشادّ الدواوين ليستخلصه منه. وكانت ولايته لذلك في هذه الأَيام مضافةً إلى ولاية القاهرة والحجوبية، وشرع السالمي في بيع ثيابه وكتبه، ورفق به الوالى فحمل ما قدر عليه.
وفى الثالث من المحرّم وصلت الرسل (^٢) المتوجهة بأَطلمش إلى اللنك ومعهم علمان أَخضران وهدية للسلطان وهى فيل كبير وفهدان وصقران وملبوس للسلطان على صورة الخلعة له من اللنك بأَن يكون نائبه على الديار المصرية والشامية، فدخلوا (^٣) القاهرة، وكان بعض الرسل ينشر العلمين الأَخضرين بيديه وهو راكب الفيل.
ولما كان في السادس من المحرم عُملت الخدمة بالإيوان وعرضت الهدية فأَمر للرسل بالنزول في دار الضيافة ولم يخلع عليهم ولا لبس الخلعة، ومنع الناس من الدخول عليهم، ثم أذن لهم في الركوب والتعرّف في شوارع البلد والتنزّه في مواضع النزه. وكان من جملة
_________________
(١) الوارد في النجوم الزاهرة ١٢/ ٣٠٠ أنه باشر ثمانية أيام فقط، "ثم اختفى".
(٢) هؤلاء هم رسل تيمور لنك لا رسل السلطان، وأمامها في هامش هـ: "قد تكرر هذا".
(٣) عبارة "فدخلوا القاهرة" غير واردة في ظ.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الرسالة أَن يتزوّج الناصر بنت ملك من ملوك الشرق لتكمل المودة والمحبة، وأَقاموا مدة ثم كتبت لهم الأَجوبة وتوجهوا مقهورين.
وفى أَواخر المحرّم رجم المماليك السلطانية الوزيرَ بسبب تأَخر معاليمهم ثم هرب في جمادى الأُولى؛ واستقرّ في الوزارة تاج الدين وإلى قطيا وأُعيد ابن غراب إلى الأُستادارية وأُضيف له نظر الجيش وذلك … (^١)، وقرر في نظر الخاص بدر الدين حسن بن نصر الله [الغوى (^٢)] في خامس جمادى الأولى، ثم أعيدت الوظيفتان - الوزارة ونظر الخاص - إلى ابن البقرى في أَواخر جمادى الآخرة ثم هرب ثم أُمسك في سابع عشر شوال منها واستقر بدر الدين بن نصر الله في الوظيفتين.
وفى ثالث عشر المحرّم استقرّ شمس الدين الإخنائى قاضى الشام في قضاء الشافعية بالقاهرة عوضا عن الصالحي لمّا مات.
وفى أَول جمادى الأولى استقر كريم الدين بن النعمان الهوى في حسبة القاهرة وكان اتصل بالسلطان ونادمه فولَّاه الحسبة عوضا عن البجانسي، فاتفق أَن البجانسي مات بعد ثلاثة أَيام، ثم صُرف الهوى عن الحسبة بعد أَيام واستقرّ شمس الدين الشاذلي ثم صرف في عاشر المحرم واستقر محمد بن شعبان.
وفى (^٣) رابع ربيع الأَول صُرف الإخنائى عن قضاء الشافعية بالقاهرة واستقر القاضي جلال الدين البلقيني وهي المرة الثانية، وصُرف ابن خلدون في ثالث ربيع الأَول عن قضاء المالكية واستقر جمال الدين يوسف البساطى ثم أُعيد الإخنائي ثم شعبان، ثم صُرف في سابع ذى الحجة وأُعيد البلقيني، وهي الثالثة للبلقيني.
_________________
(١) فراغ في ز، وفى ظ إشارة لإضافة لم توجد ولكن لم يكتب ابن حجر في الهامش سوى كلمة "وذلك".
(٢) الإضافة من النجوم الزاهرة ١٢/ ٣٠٢.
(٣) راجع السلوك، ورقة ٥٢ ب.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وفيها زاد فساد مماليك السلطان وأَضرّوا بالمسلمين جدا واستلبوا النساءَ من الحمامات والصبيانَ من الطرقات للفساد بهم.
وفيها وصل الذين جُرّدوا إلى الإسكندرية - بسبب الفرنج - سالمين.
* * *
وفيها نازل الفرنج طرابلس فأَقاموا عليها ثلاثة أَيام، فبلغ ذلك نائب الشام فنهض إليهم مسرعًا فانهزموا وأَوقع بهم، وكان ذلك مبدأ سعادته؛ ثم توجّه الفرنج إلى بيروت وكانوا في نحو أَربعين مركبا فواقعهم دمرداش ومَن معه من الجند والمطوّعة، وقُتل بعض الناس من الفريقين وجرح الكثير، وكان نائب الشام ببعلبك فجاءه الخبر فتوجّه من وقته وأَرسل إلى العسكر يستنجده ومضى على طريق صعبة مشقة إلى أَن وصل إلى طرابلس في العشرين من المحرّم، ثم توجّه من فوره إلى بيروت فوجدهم قد نهبوا ما فيها وأَحرقوها، وكان أَهلها قد هربوا إلى الجبال إلَّا المقاتلة منهم، فوقع بين الفريقين مقتلة عظيمة، فأَمر النائب بإحراق قتلى الفرنج، ثم توجّه إلى صيدا وتبعه العساكر فوصل إليها وقد أَخذ الفرنج من البهار الذي للكتلان شيئًا كثيرًا، فوصل النائب بالعسكر فوجدهم في القتال مع أَهل صيدا ولم يتقدمه أَحد، بل كان معه عشرة أنفس لا غير فحمل على الفرنج فكسرهم ففروا إلى مراكبهم وكرّوا راجعين إلى ناحية بيروت، ثم نزلوا لأَخذ الماء فمانعهم بعض أَصحاب النائب فغلبوه على الماء وأَخلوا حاجتهم وتوجهوا إلى جهة طرابلس. ثم مروا منها إلى الماغوصة فركَّزَ النائب طائفة بصيدا وطائفة ببيروت وتوجّه إلى دمشق، وكانت مدة غيبته دون نصف شهر.
ولما رجع لاقاه الناس فلام القضاة على تأَخُّرهم عن الغزاة، فأَجابه الحنفى بجواب أَغضبه فأَهانه واستهزأَ به.
* * *
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وفيها في (^١) ليلة الرابع عشر من المحرّم توقف (^٢) النيل بمصر عدة أَيام، فاتفق (^٣) خسوف القمر بتمامه وهو في برج الدلو بحيث لم يبق من ضوئه شيء أصلًا، فاستشعر الناس عدم الزيادة، فأُمر الخطباء أَن يستسقوا في الخطب ففعلوا، فزاد في الجمعة التي يليها واطمأَنّ الناس بعد أَن اضطربوا، ثم توقَّف؛ فمضت مسرى من شهور القبط ولم يوفِ، ثم نزل إصبعين في أَيام النسيم ثم إصبعين، فبادرو (^٤) في أَول يوم من توت - وهو في العشرين من صفر - وخلَّقوا المقياس وكسروا السدّ بغير وفاء، ثم لم يزد ذلك سوى نصف ذراع، ثم انهبط دفعة واحدة فلم يصبح في الخلجان ماء، وشرق (^٥) غالب البلاد وذُعر الناس بسبب ذلك، وذلك في صفر. وخرج القاضي جلال الدين ماشيًا إلى الجامع الأَزهر بعد الظهر فاستمرّ فيه إلى العصر في الدعاء والتضرّع والقراءة، وانضم إليه جَمْع جم قبل ذلك، فبلغ ذلك القضاةَ وشيوخَ الخوانق فاستمروا إلى قرب المغرب، وذلك في تاسع صفر.
ثم توجّه إلى الآثار يوم السبت ثالث عشر صفر فوضعها على رأْسه وهو واقفٌ في المحراب يتضرّع ويبكى ويدعو، ثم رجع في أَول الأَول ربيع ووقع الغلاء في القمح، واشتد الأَمر وشرق غالب البلاد، وقدّر الله تعالى أَن الذي وقع فيه الريّ من البلاد زكت الأَرض بالزرع حتى جاءَ الفدان الواحد من الشعير بالفيوم واحدًا وسبعين إردبًا بكيل الناحية، يكون بالكيل المصرى مائة إردب، وجاء الفدان في غير الفيوم بثلاثين إردبا إلى عشرة
_________________
(١) عبارة "في ليلة الرابع عشر من المحرم" غير واردة في ظ، ويلاحظ أن الأخبار المتعلقة بفيضان النيل في هذه السنة وردت في أماكن متفرقة من ظ، واعتمدنا في إيرادها بالمتن على الصورة التي جاءت بها في بقية النسخ الأخرى المذكورة في هذا الجزء من التحقيق.
(٢) راجع في وصف هذا الانخفاض عقد الجمان ٣/ ١٩٨، والنجوم الزاهرة ١٢/ ٣٠١.
(٣) وردت هذه العبارة في هامش ١٨٣ أ في ظ بصورة أخرى هي: "فاتفق أن خسف القمر في ليلة الرابع عشر خسوفًا تاما بحيث لم يبق من ضوئه شيء".
(٤) الوارد في السلوك ٥٢ ا" السبت ١٨ - ٢٥ مسري" ولعلها ٢٩ مسرى، على أَنه ورد في التوفيقات الإلهامية، ص ٤٠٣، قوله: "في هذه السنة توقف النيل عن الزيادة إلى ثالث أَيام النسيء ثم نقص ولم يف"، كما أنه يستفاد من نفس المرجع أن ليلة ١٤ محرم سنة ٨٠٦ هـ توافق التاسع من مصرى سنة ١١١٩ ق.
(٥) عبارة "وشرق غالب البلاد" غير واردة في ظ.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وثمانية، وخرج الناس إلى الصحراء يستسقون بعد صيام ثلاثة أَيام، فخطب (^١) بهم الحافظ زين الدين العراقي في أَوائل ربيع الآخر ثم رجعوا؛ وتزايد السعر في القمح وجميع الغلال إلَّا أَنّ المأْكولات كثيرةٌ جدًّا، والشراء ماشى الحال، وأُعيد البجانسي في هذه الحالة إلى الحسبة.
وفى ربيع الأَول استقر شمس الدين أَلْبِيرِى - أَخو جمال الدين يوسف الأُستادار - في قضاء الشافعية بحلب، وهى أَوّل نباهة أَخيه جمال الدين بالقاهرة، وذلك أَنه عمل أستاداريّة سودون طاز ثم أُستادارية سودون الحمزاوى ثم عمل أُستادارية بيبرس ابن عمّة السلطان في سنة خمس وثماني مائة، فظهرَ حُسن مباشرته وأُهِّلَ للوظائف الكبار، وعُيِّن للوزارة فامتنع وأَصرَّ على ذلك وصارت له كلمة نافذة، وأَحبَّه الناس.
وفي (^٢) جمادى الآخرة حصل بالقاهرة سعال عقب هبوب ريح جنوبية شديدة البرد كثيرة الرطوبة، وفشَا السعال ثم الحميّ، وجاءَ الشتاءُ شديدا أَزيد من العادة، ففشى الموت في أَهل المسكنة، وكان يموت بالجوع والبرد كل يوم فوق الأَلف، وقام أَهل المروءَة بتكفين من يموت منهم مثل سودون المارديني وسعد الدين بن غراب، خارجًا عما يُكفَّن من المرستان ووقف الطرحاء، فيقال كان عدة من تَكفَّل ابن غراب مواراته - إلى سلخ شوال - إثنى عشر أَلف وسبعمائة نفس.
وفى شوال تزايد هبوب الريح المريسي فكثرت الأَمراض ووقع الطاعون بالأَمراض الحادة، وغلت الأَدوية حتى بيع القدح الواحد من لبّ القرع بمائة درهم، وبيع الرطل الشرخشيك (^٣)
_________________
(١) أشار السخاوي في الضوء اللامع، ج ٤ ص ١٧٤ ص ٢٣ وما بعده أَن آخر ما أملاه الشيخ كان في صفر ٨٠٦ هـ لما توقف النيل وشرق أَكثر بلاد مصر ووقع الغلاء المفرط، وختم المجلس بقصيدة أولها: أقول لمن يشكو توقف نيلنا … سل الله يمدده بفضل وتأييد
(٢) العبارة من هنا حتى "بدرهم ونصف، ص ٢٦١ س ٢ تكاد تكون نفس عبارة العيني في عقد الجمان، ج ٣، لوحة ٢٠٢.
(٣) في ك "الشيرخشك"، وفى عقد الجمان ٣/ ٢٠٢ "الشير خشك" هذا وقد ورد في الجامع لمفرادت الأدوية لابن البيطار، ج ٣ ص ٧٥، قوله عنه إنه طل يقع من السماء ببلاد العجم على شجر الخلاف بهرة، وهو حلو إلى الاعتدال، وهو أقوى فعلا من الزنجبيل ونحو أفعاله، وذكره باسم "شيرخشك".
[ ٢ / ٢٦٠ ]
بمائة وثلاثين، والقنطار البطيخ الصيفي بثمانى مائة درهم، والفرّوج الواحد بسبعين درهما والزهرة الواحدة من النيلوفر (^١) بدرهم، والخيارة الواحدة البلدية بدرهم ونصف.
وفي رجب غلت الأَسعار جدا حتى وصل القمح إلى أَربعمائة، وهو بالذهب خمسة مثاقيل، والفول والشعير إلى مائتين وخمسين ونحو ذلك.
وفى ذى الحجة غلت الأَنعام لأَجل النحر حتى بيع العجل الصغير بأَلفي درهم.
* * *
وفى أَوائل هذه السنة عُزِل دقماق عن نيابة حلب وأُمِر بمجيئه إلى القاهرة، واستقر عوضه آقبُعَا الجمالي الأَطروش، فهرب دُقْمَاق، ثم مات آقبغا في وسط هذه السنة فجاءَ دُقْمَاق وقد جمع جمعًا كبيرا من التركمان فاستولى على حلب، فقرّر السلطانُ دمرداش نائبَ طرابلس (^٢) في نيابة حلب، وقَرَّر في نيابة طرابلس الشيخ (^٣) السليماني [المسرطن] وكان نائبَ صفد، وقَرّر في نيابة صفد بكتمر (^٤) جلَّق وكان من أمراء دمشق.
ولما استقرّ دمرداش [المحمدى] بحلب (^٥) كاتب نعيْرٌ فيه إلى الناصر بأنه جمع جماعة وعصب عصبية وكذلك دقماق، وأَن كلا منهما لا يصلح للإمرة، وأَن نعيرا التزم أنه لا ينصر واحدًا منهما ويشير بأَن يولَّى غيرهما ليكون معه من جهة السلطان.
* * *
وفي رجب تجهز رسل تمرلنك.
_________________
(١) في ك "النوفر". وجاء في هامش هم بخط البقاعي "العبارة المتعارفة نوفر، واللغوية نيلوفر أو نينوفر" وقد جاء في معجم الألفاظ الزراعية للأمير مصطفى الشهابي (مطبعة الجمهورية السورية، سنة ١٩٤٣) ص ٤٤٣ قوله: نيلوفر ونينوفر، وهما من الفارسية، والكلمة الفارسية من السنسكريتية، والإسم العلمي Nymphea من اليونانية، وهى آلهة الماء، والإسم الفرنسي Nénutar من الإسم العربي، أي المعرب قديما، وهو جنس نباتات مائية من فصيلة النيلوفريات، فيه أنواع تنبت في الأنهار والمنافع، وأنواع تزرع في الأحواض لورقها وزهرها".
(٢) وكان إذ ذاك دمرداش المحمدى.
(٣) في هـ: "شيخ السلطاني".
(٤) انظر السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٣٨، وسترد ترجمته في وفيات ٨١٥.
(٥) كان استقراره في نيابة حلب في شهر رجب ٨٠٦ بعد موت نائبها الأَمير آقبغا الجمالي الأطروش.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وفيها توجه تمرلنك بعساكره إلى سمرقند بسبب جماعةٍ خانوه في أَموالٍ أَرسلها معهم إلى بعض القلاع فعصوا عليه، وكان بعد رجوع اللنك عن بلاد الروم، وأَغار على بلاد الكرج فنازلهم وأبادهم ولم يزلْ يحاصرهم إلى أَن غلب عليهم وطلبوا الأَمان فأُمِّنُوا، وشفّع فيهم الشيخ إبراهيم الحاكم بشيروان فشفعه وصالحهم على مالٍ ورحل عنهم.
وفيها توجّه مُنْكِلي بُغَا رسولًا بهديةٍ إلى تمر من الناصر فرج وفيها زرافة، فدخلوا حلب يوم عيد الفطر سنة ست، وكان الناصر قد وردت عليه هدية تمر بالفيل وغيره، وتوجهوا في شوال.
وفيها في الثامن من شعبان زلزلت حلب وأَعمالها زلزلة شديدةً وخربت أَماكنُ كثيرة، وزلزلت قبل ذلك في يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة وقت الاستواء ثم سكنت، ثم زُلزلت زلازل كثيرة متفرّقة في طول السنة، وكانت الزلازل (^١) بالجهة الغربية منها (^٢) أَكثر.
* * *
وفى ذى الحجة أَفرَج دمرداش - لمّا تحوّل من طرابلس إلى حلب - عن سودون طاز وجكم الدويدار، وكان دمرداش أَخرَج جكم من السجن بالمرقب وصحبه معه في حركاته، ثم سجنه لما حارب التركمان بالقصر ثم أَفرج عنه وأَخذه معه إلى حلب ثم فرّ منه إلى حماة ثم إلى أَنطاكية، فلما أوقع دمرداش بأَمير (^٣) أَنطاكية ورجع إلى حلب وصلَ الأَمرُ السلطاني بالإفراج عن جكم وأَن يسكن حيث شاءَ من البلاد، فتوجّه إلى طرابلس فاستولى عليها وأَخرج شيخًا السليماني - نائبها - عنها، ثم نازل حلبًا، فهَمَّ دمرداش ودخلها عنوة، فاستقرّت قدمه بها إلى أَن اتفقت حركة يشبك في ركوبه على السلطان، ثم انهزم ومَن معه إلى الشام، واقتفى رأْيُهم خَلْعَ الناصر من المُلك، فكاتبوا نوّاب البلاد فأَطاعوهم إلا دمرداش.
_________________
(١) أشار العينى، شرحه، ٣/ ٢٠٣ إلى حدوث الزلازل العظيمة في البلاد الطرابلسية وقد هدمت فيها أبنية كثيرة.
(٢) أي من حلب.
(٣) كان أمير أنطاكية حينذاك فارس بن صاحب الباز التركماني، انظر ص ٢٦٩ حاشية رقم ٢.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ثم كانت وقعة السعيدية (^١) فتفرّقوا، ورجع جكم إلى حلب فاستولى عليها وكسر التركماني، ودعا أَهل حلب إلى مبايعته بالسلطنة فأَجابوه، وذلك في تاسع شوّال، وكان قطْعُ الخطبة للناصر من جمادى الآخرة، وتلقبّ [جكم] "العادل" ولم يتسلطن إلَّا في شوال وخُطب له على المنابر ولبس خلعة السلطان في عاشره وَرَكب من دار العدل إلى القلعة وكتب إلى نواب (^٢) الشام فأَطاعوه إلَّا القليل، وبلغ ذلك الناصر فخرج طالبًا قتاله، فقُتِل سودون طاز، قَتله دويدارُ دمرداش بغير أَمره، وهرب جكم.
وفيها هرب قَنِبَاى العلائي من محبسه بقلعة الصُّبَيْبَة، وكان مع نوروز وغيره.
* * *
وفى ذى الحجة تقلَّد القاضي عزُّ الدين عبد العزيز البغدادي الحنبلي قاضي القدس سيفًا ووقف بالمسجد الأَقصى، وجَمَع الناسَ وأَشهد على نفسه أَنه حكم بزندقة القاضي شهاب الدين الباعونى خطيب المسجد الأَقصى ومَنع الناس من الصلاة خلفه، فسُئل عن مستنده في ذلك فَذكر أَنه سمعه يقول إنه رآى النبي ﷺ يقبّل يد الباعونى، فاستفتي الباعونى عند ذلك العلماءَ بالقدس فأَفتوا بأَنّ ذلك لا يقتضى كُفرًا ولا زندقة، فوصل الباعوني إلى دمشق في المحرّم من السنة المقبلة وشكاه إلى نائب دمشق، فأَرسل إليه ليحكم بينهما ففرّ إلى العراق.
* * *
وفيها حاصر قرا يوسف التركماني - صاحبُ تبريز - بغدادَ، فهرب صاحبها أَحمد بن أُويس إلى جهة الشام، فوصل إلى دمشق، فغَلب قرا يوسف على بغداد فجهَّزَ إليه تمرلنك طائفةً فكسرهم، فبلغ ذلك تمرلنك فجَهَز إليه ولده في مائة أَلف، فنازلوا قرا يوسف فهزموه فهرب إلى الرحبة ولم يُمَكَّن من دخولها، وتعصّب عليه جماعة من جهة نُعَيْر فهرب أَيضا إلى جهة الشام، فوقع بينه وبين نُعَير وقْعة، فانكسر قرا يوسف ووصل الشام في ربيع الآخر فأَكرمه النائب، وكان [قرا يوسف] قد تعب وجهد منذ
_________________
(١) راجعها بالتفصيل في عقد الجمان للعيني لوحة ٢١٦ - ٢١٧ تحت أحداث سنة ٨٠٧.
(٢) في ك "النامات"، وفى ز، هـ "الشامات".
[ ٢ / ٢٦٣ ]
توجّه من الرحبة إلى دمشق في البرية بلا ماءٍ ولا زادٍ حتى وصل إلى بيروت، فلم يشعر إلَّا وفاجأَه قاصدُ النائب بطلبه، فتوجّه إليه فبلغ ذلك الأُمراءَ بمصر فأَرسلوا بطلبه، فشفع فيه نائب الشام شيخ المحمودى فقُبلت شفاعته، واستقرّ بالشام أَميرًا يركب في خدمة النائب.
واعتُقل أَحمدُ بن أُويس - ملك بغداد - بدار السعادة، وكان وصوله إلى بعلبك بعد وصول قرا يوسف إلى دمشق وذلك في ربيع الآخر، ودخل دمشق في سادس جمادى الأُولى وتلقَّاه النائب وأَنزله بدار السعادة وكاتَب فيهما، فوصل الجواب بالقبض عليهما، والسبب في ذلك ما وقع من الاتفاق مع تمرلنك أنّ من جاءَ مِن عنده يُحبس حتى يُكاتب فيه، وكذا من جاءَ مِن عندنا إليه؛ فقيّد أَحمد وقرا يوسف وسجن أَحدهما ببرج السلسلة والآخر (^١) ببرج الحمام، ثم وصل مرسومٌ في شعبان بقتلهما، فتوقَّف النائب وراجع في ذلك، ثم وصل كتابُ تمر في شوال إلى نائب الشام يعاتبه على إكرام قرا يوسف ويستبطئ مجئ رسوله مسعود [الكججانى]، وكان قد توجه في رمضان من حلب، وكان وصل كتاب نعير يخبر فيه أَن تمرلنك أَرسل إليه يهدّده بعد أَن مكّن قرا يوسف من دخول الشام، فانزعج الناس لذلك، ومع ذلك فلم يتنكّر النائب لقرا يوسف، وكان السلطان قد جهّز مسعودًا ومَن معه من رُسل اللنك وصُحْبَتُهم منكلى بغا الحاجب، وصُحْبَتُه هدية جليلة، وتوجهوا في رجب ومعهم زرافة، وكان وصولهم إلى حلب يوم عيد الفطر (^٢)، وتوجهوا منها إلى جهة الشرق.
* * *
وفيها شرع نائب الشام في إعادة عمارة الجامع الأُموى.
وفى المحرم عُزل عز الدين الحنبلى عن قضاء الشام بابن عبادة (^٣)، ثم أُعيد في ربيع الآخر، ثم عُزل في جمادى الأولى بابن عبادة في شعبان (^٤). وفي ربيع الأَول أُعيد زين
_________________
(١) في ز "والأخرج".
(٢) راجع ما سبق ص ٢٦٢ س ٤ - ٧.
(٣) راجع ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٩٠.
(٤) علق العينى في عقد الجمان ٢٣/ ٢٠١ على هذا بقوله: وهذا كله ملعبة وفساد في المملكة لعدم سلطان رشيد متمكن".
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الدين الكفرى إلى قضاء الحنفية بدمشق عوضًا عن [الجمال يوسف بن محمد بن النحاس] ابن القطب، ثم عُزل في الأَول ربيع بمحيى الدين بن العزّ ولم يباشر فباشر ابن القطب، ثم عُزل ابن الكفرى في رمضان ثم أُعيد ابن القطب في ذي القعدة.
وفي جمادى الآخرة استقر علاء الدين بن أَبي البقاء في قضاء الشافعية بدمشق عوضًا عن ابن خطيب بَعْرين، وكان ابن الخطيب استقر في ذى القعدة في العام الماضي عوضًا عن شمس الدين بن عبّاس. وكان الحصنّاوى (^١) الذي وَليّ قضاء حلب قد سعى في قضاء الشافعية بدمشق وكُتب توقيعه، فسعى ابن العديم في الحطّ عليه وعُقدت له مجالس فبطلت قضيته، ووصل كتاب النائب فشفع في عود علاء الدين بن أَبي البقاء فأُعيد، ثم وصل مرسوم السلطان إلى النائب أَن يقبض من ابن أَبي البقاء مائتي أَلف درهم، وهي التي جرت عادة القضاة بدمشق ببذلها للسلطان، وأَنّ السلطان أَنْعَمَ بها على إينال حطب، وأَن إينال كتب إلى ناظر الجيش أَن يقبضها ويشترى له بها أَمتعة، وكانت هذه الكائنة من أَقبح ما نُقل؛ ثم وصل الخبر باستقرار أَبي العباس الحمصي (^٢) قاضي حمص في قضاء دمشق ولم يَصِل، وكاتب النائبُ أَيضا فيه.
وفي ربيع الآخر قدم الشهاب أَحمد الأُموى (^٣) على قضاء المالكية بدمشق عوضًا عن عيسى فلم يُمَكن من المباشرة وكُوتب فيه، فأُعيد شرف الدين ثم عُزل في شوال بحسن الجابي، وكان النائب توقف عن إمضاء ولايته وأَهانه، ثم أَمضاها ثم أُعيد في ذي القعدة.
وفى (^٤) سابع جمادى الأُولى صُرِف الهوى عن الحسبة واستقرّ الشاذلي، ثم صُرِف في ثالث عشري شعبان واستقرّ ابن شعبان.
_________________
(١) في هـ: "الحصفاوى".
(٢) ابن طولون: قضاة دمشق، ص ١٣٠.
(٣) ابن طولون: قضاة دمشق، ص ٢٥٤ - ٢٥٥، والسخاوى: الضوء اللامع، ج ١ ص ٣٦٩.
(٤) انظر العينى: عقد الجمان، لوحة ٢٠١.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وفيها استقر عبد الله المجادلى في وكالة بيت المال عوضا عن فتح الدين بن الشيخ شمس الدين الجزري.
وفيها باشر شمس الدين محمد بن يوسف الحلاوى وكالةَ بيت المال ونظرَ الكسوة بالقاهرة.
وفى رمضان باشر الشيخ شهاب الدين بن حجى خطابةَ الجامع بدمشق ومشيخة السميساطِيّة، انتُزِعَتا من القاضي الشافعي وهو ابن خطيب بعْرين.
وفى ذى الحجة أَوقع نائب الشام بعرب آل فضل (^١)، وكان كبيرهم على بن فضل قد قَسم بلاد الشام سنة ثلاثٍ وثمانى مائة فطمع أَن يفعل ذلك في هذه السنة، فبلغ ذلك النائبَ فاحْتال عليه إلى أَن قُبض عليه وكبس بيونه ونهب ما فيها.
وفيها وقع بين نعير [بن حيار بن مهنّا] أَمير عرب آل فضل وبين دمشق خجا بن سالم الدوكاري (^٢) التركماني وقعةٌ عظيمة قُتل فيها ابن سالم فانكسر عسكره وغَلب نعير وأَرسل برأَس ابن سالم إلى القاهرة، وكان ذلك في رمضان؛ قرأْتُ في تاريخ القاضي علاء الدين أَن دمشق خجا كان أَمير جَعْبر (^٣) وأَن محمد بن شُهْرِى - لما أَراد القيام على دُقماق نائب حلب - استعان به، فوصل في جمْعه، وحاصرا دقماق إلى أَن هرب، وعاث عسكر دمشق خجا في أَعمال حلب وأَفسدوا فيها الفساد الفاحش أَشد من فعلات اللنكية ولم يرحموا أَحدًا، بل بالغوا في النهب والعقوبة والفسق، وذلك في بلد عزاز (^٤) وغيرها؛ ثم رجع المذكور إلى جعبر في رجب فدهمه نعير أَمير آل فضل
_________________
(١) هم بنو فضل بن ربيعة ومنازلهم من حمص إلى قلعة جعبر إلى الرحبة، انظر في ذلك القلقشندي: قلائد الجمان، ص ٧٦ - ٧٩.
(٢) انظر ص ٢٧٤، ترجمة رقم ١٤ وكذلك الضوء اللامع ٣/ ١٨٢٣ وإن سماه السخاوي "بالدكزى" بدلا من "الدركاري".
(٣) قلعة على الفرات بين بالس والرقة، وكانت قديما تسمى "دوسر"، ثم ملكها رجل عربي من بني نمير اسمه جعبر فسميت باسمه، انظر في ذلك مراصد الاطلاع ١/ ٣٣٤، ولسترانج: بلدان الخلافة الشرقية، ص ١٣٣.
(٤) وتقع شمالى حلب، انظر ابن عبد الحق البغدادي: مراصد الاطلاع، ٢/ ١٣٧، Dussaud: Topographie Historique de la Syrie، pp. ١٩٥، ٥٠٣.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وكان يعاديه فتواقعا فيها بين جعبر وبالستين، واستمر القتال أَياما إلى أَن قُتل دمشق خجا في سابع عشر شهر رمضان، قال (^١): "وكان من المفسدين في الأَرض، كهفًا للُّصوص وقطَّاع الطريق، فأراح الله البلاد والعباد منه برأفته ورحمته".
وفي جمادى الأُولى أَبطل النائبُ من دمشق مكسَ الخضروات وكاتبَ في إبطاله إلى مصر، فجاءَ التوقيعُ بحسب ما رُسم به، واستمرّ ذلك وكُتب في صحيفته.
وفيها جَهّز النائبُ المحمل المكيّ وطيف به في شهر (^٢) رجب على العادة وكان قد تعطَّل الحجُّ من طريق دمشق إلى مكة و[تعطَّل] خروج المحمل سنة ثلاث واللتين (^٣) بعدها، فاهتمّ النائب بأَمره (^٤) في هذه السنة وجهَّزه فخرجوا في نصف شوّال، وأَميرُ الحج فارس: دويدار تَنَمْ، وحجّ من الأُمراء يرش باى أَحد الأُمراء، ويحي بن لاقى وكان نقيبَ الجيش.
وفى رمضان كُمل الجامع الذي بناه سودون من زاده ظاهرَ القاهرة وخطب به ابن الطرابلسي، ودَرّس به عزُّ الدين البُلْقِينى للشافعية، وبدرُ الدين القدسي للحنفية.
وفيه عُزِل الشريفُ النسّابةُ من مشيخة الخانقاه البيبرسّية، واستقرّ شهابُ الدين النبراوى - إمامُ السلطان - في المشيخة، وفى النظر شاهينُ (^٥) السعدى.
وفيها رُسم بإبطال القاضيَيْن: المالكي والحنْبلى من القدس فأُبطلا منه ومِن غزَّة، فعُزل عبد العزيز البغدادي فجاء إلى دمشق في ذى القعدة وسعى في العوْد.
_________________
(١) يعنى بذلك القاضي علاء الدين بن خطيب الناصرية.
(٢) كان الطواف به في ١٥ رجب، راجع عقد الجمان، لوحة ٢٠٢.
(٣) يعنى بذلك سنّى ٨٠٤، ٨٠٥ هـ.
(٤) أي بأمر المحمل.
(٥) هو شاهين السعدى الطواشي اللالا وقد ترجم له السخاوى في الضوء اللامع، ٣/ ١١٣٤ وذكر عنه أنه ولي نظر البيبرسية ولكنه وجعل وفاته سنة ٨٨٠ هـ، وهو ما لا يستقيم هنا، ثم عاد فقال "أظنه شاهين الحسني الطواشي" الذي ترجم له من قبل، شرحه ٣/ ١١٢٤، ولكنه جعل موته سنة ٨١٥ بناء على ما ذكره العين والأرجح أَنه هو المقصود هنا، وربما كان اسمه "الحسنى السعدى" والخطأ في سنة الوفاة المتأخرة.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وفي ذي القعدة نُقب برج الخيالة بقلعة دمشق وهَرب منه قطَّاعُ الطريق وكانوا أُمِسكوا بعد أَن قطعوا الطريق على ابن المغربل التاجر وباعوا بدمشق بعض الأَمتعة ورجعوا إلى نابلس، فقُطن بهم، فقُبض عليهم إلَّا واحدَا منهم ضخمًا لم يستطع الخروج فقُتل، وأُرْسِيل في آثارهم فأُخِذوا من عكا فوُسِّطوا إلَّا واحدًا منهم هرب، ووَسِّط معهم السجّان.
وفى ذى الحجة بلغ نائبَ دمشق - شيخ المحمودي - أَن سودون الحمزاوى تعيّن لنيابة الشام، فشقّ ذلك عليه وتوجّه إلى نوروز وهو في سجن الصبيبة ليتفق معه فلم يقع ذلك، وانسلخت السنة والأَمر على ذلك.
وفى أَواخرها وقع بين دمرداش والتركمان وقعة عظيمة فانكسر دمرداش. وكان النيل في هذه السنة احترق حتّى إنهم اعتبروا المقياس في آخر يوم على العادة فجاء القاع ذراعًا واحدًا ونصفًا بنقص إصبعين، ولم يُسمع بمثل ذلك قبلها، فزاد - إلى أَن انسلخت السنةُ - أَربعةً أذرع وثلْثىْ ذراع (^١)، ونقص سعر القمح من ثلاثمائة إلى مائتين وخمسين.
* * *
وفيها مات محمد سلطان بن خان تنكزْ بن اللنك وكان قد ولى عهده، وكان يحب العدل ويلوم جدّه على القتل ويحب العلماء والفضلاءَ، فاتفق أَن اللنك لما عَزَم على الدخول لبلاد الروم أَرسل إليه أَن يتجهز هو وجنوده فحضر إليه فمات بعد الوصول والظفر بابن عثمان، فبُدّل فرح اللنك ترحًا، وحَزن عليه حزنًا عظيمًا بحيث أَنه جعله في تابوتٍ وحمله إلى سمرقند فدفنه بمدرسته التي أَنشأَها هناك، واتفقت وفاة محمد سلطان ووفاة محمد بن عثمان في وقت واحد، ويقال إن ابنَ عثمان قال للنك: "إلى أعرف أَنّي لا أبقى معك، ولكنى أُوصيك بثلاث: لا تسفك دماءً الروم فإنهم درةً للإسلام، ولا تترك التتار بهذه البلاد فإنهم من أَهل الفساد، ولا تخرب قلاعَ المسلمين وحصونهم
_________________
(١) الوارد في التوفيقات الإلهامية، ص ٤٠٣، أَن النيل توقف من الزيادة إلى ثالث أيام النسيء ثم نقص ولم يف، وبلغت لغاية فيضان النيل بمقياس الروضة في هذه السنة ١٣ قيراطًا و١٦ ذراعًا، وهو ما يتفق مع ما ورد في أمين سامى: تقويم النيل ١/ ٢٠٠.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
فتسلط الكفرة عليهم،، فقبل وصيته في الأُمور الثلاثة، وعمل حيلةً قتل بها غالبَ رجال التتار.
وفيها بعد قَتْل اللنك ابنَ عثمان أخرج محمدا وعليا - ولدَىْ ابن قرمان - من حبْس ابن عثمان وخَلع عليهما، فاستولى كل منهما على جهةٍ، ووصل إسفنديار - أَحدُ ملوك الروم - وكان مِمَّن يعادي ابنَ عثمان - فأَكرمه أَيضا، ومن ممالكه سِينوب (^١)، وتُلَقَّب "جزيرة العشاق" ويُضْرب بظرفها المثل؛ فأَقبل اللنك عليه وأَكرمه.
وفيها زُلزلت حلب زلزلةً عظيمة فخرب من الجهة الغربية أَماكن كثيرة، ثم كثرت الزلازل فيها؛ وفي السنة التي بعدها تزلزلت بحلب أَيضا وكانت عظيمةً وبقيت ساعة وذلك في جمادى الأُولى؛ وجأر الناس بالدعاء والتوبة.
وفيها انضم جكم - بعد هروبه - إلى فارس بن صاحب الباز التركماني (^٢) بأَنطاكية، فبلغ ذلك دمرداش فحاصرهم مدّة ولم يظفر بطائل، وراسل جكم الحاجب بطرابلس فقَبض على النائب بها وهو شيخ السليمانى ودخلها جكم فغلب عليها، ثم كان ماسنذكره في سنة سبع.
* * *
_________________
(١) تقع مملكة سينوب على البحر الأسود، وقد أورد لسترانج: بلدان الخلافة الشرقية، ص ١٩١، وصفا لها نقلا عن ابن بطوطة جاء فيه أَنه يحيط بها البحر من جميع جهاتها إلَّا واحدة هي جهة الشرق، ولها هناك باب واحد. . وهى جامعة بين التحصين والتحسين، وبها قبر بلال الحبشي، وقد وردت في هـ برسم "سبيون"، وأمامها في الهامش: "يقال السينوب جزيرة العشاق".
(٢) هو صاحب أَنطاكية وقتذاك، وكان أَمره قوى عند اختلاف الأَمر بين العسكرين المصرى والشامي زمن الناصر فرج، وكان قتله سنة ٨٠٨، وإن دأب ابن حجر على تسميته بإلياس مقرونة بفارس، انظر فيما بعد ص ٣٤١، ترجمة ر قم ٢٢، والسخاوي: الضوء اللامع ٦/ ٥٤٠.
[ ٢ / ٢٦٩ ]