في أوائلها نازل التركمان مدينة حلب فحصرها على بك بن خليل بن قراجابن ذلغادر ومعه عدة أمراء من التركمان وعدةٌ من أمراء العرب، فنازلوا حلب أياما وقاتلهم العوام ومن بها، وكان بها يومئذٍ تمريغا المشطوب قد استنابه الناصر بها بعد قتل جكم ولم يظفروا بشيءٍ في تاسع المحرم، وكان لعلى بك ولدٌ محبوسٌ بقلعة حلب فصانع أهلُ حلب أباه بإرساله إليه مكرما فما أفاد ذلك وجد في الحصار، ونازل العجل بن نعير حماة وحاصرها، ونهب على بك ومَن معه القرى التي حول حلب وجدوا في الحصار، وبالغ أهلُ حلب في الذب عن أنفسهم وانتدبوا للقتال وهان عليهم خشيةً على أموالهم وحرمهم، بحيث إنهم كانوا كل يوم لا يرجعون إلا وقد انكوا في التركمان نكاية كبيرة، وكان القائم معهم في ذلك تمريغا المشطوب، فلم يزالوا على ذلك إلى ثانى عشر صفر فرجعوا لمملكتهم، وذلك أن نوروز أوقع بالعجل ومن معه من العرب على حماة وكسروهم وتَجهز من حماة إلى جهة حلب، فلما دخل نوروز حلب وصل النَّاصر إلى دمشق، ثم راسله الناصر وقرّره في نيابة دمشق، وقَرَّرَ تمربغا المشطوب في نيابة حلب.
* * *
واستهلَّت [هذه السنة] فارتفع الطاعون عن الديار المصرية بعد أن كان اشتدَّ الخطب به.
وفى أول المحرم تجهز الناصر إلى الشام لحرب نوروز.
وفى الثامن منه وصل عدةُ مماليك قَبَض عليهم شيخٌ في وقعة غزَّة الآتى ذكرها، ثم كتب كتابه يستحثُّ الناصر على التوجه إلى الشام، فخرج السلطانُ في العشر الآخر من المحرم.
ورخص الشعير في هذه السنة جدا بحيث كان يُباع بالصالحية - مع وجود العسكر - كل إردب بدرهمين: فضَّة.
* * *
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وفي العشرين من المحرّم درّس ناصر الدين بنُ العديم - وهو شابٌّ أوَّلَ ما بلغ - في المنصورية، نزل له أبوه عنها، فحضر يشبك فَمَن دونه من الأمراء والقضاة، وكان حينئذٍ أمرد.
ونُهب حاجُّ المغاربة ومَن انضمَّ إليهم من الإسكندرية وغيرهم في رجوعهم من المدينة وينبع (^١).
وفيه أرسل قرايلك رأس جكم إلى العجل بن نعير، فأرسلها إلى القاهرة ووصلت إلى الشام في المحرم.
* * *
وفى المحرم أرسل الناصرُ إلى نوروز في طلب الصلح فأذعن لذلك، وأرسل له أمير بلاط الذي كان في أسْره في العام الماضي، ثم أرسل نوروز تاج الدين بن الزهرى وعبد الملك ابن الشيخ أبي بكر الموصلى وجماعةً إلى شيخٍ في طلب الصلْح، فلقوه في بحيرة القدس (^٢) فأعاد الجواب بالإذعان إلى الصلح، واعتذر لما طلب نوروز منه أن يشفع له إلى السلطان بأن يعطيه نيابةً حلب فإنّ الأمر فات؛ ووصَلتْ عساكر السلطان إلى غزَّة، وشاع في دمشق أن شيخًا يريد التوجّه إلى دمشق فاستعدّ له نوروز وبرز إلى سطح المِزَّة، وفي غضون ذلك وصل بكتمر جلَّق من ناحية طرابلس منهزمًا: أوْقَع به جاهين الدويدار الشيخي، فأرسله نَوْرُوز إلى جهة شيخ مع عسكرٍ فلم يَنَلْ طائلًا.
* * *
وفيه كملت عمارة قلعة دمشق وكان ابتداؤها في العام الماضي، وصُرف على عمارتها مالٌ كبير جدا، وظُلم بسببه أكثرُ الخلق من الشاميين وغيرهم.
* * *
وعاد رُسل نوروز إليه بأمر شيخ كما تقدّم وبأنه وصلت إليه خلعة النيابة من السلطان، وكان خروج الجاليش من القاهرة، وأنه (^٣) لا يقاتل نوروز ولا يواقعه بل ينتظر مجيء السلطان،
_________________
(١) راجع في كل هذه الأحداث المقريزي: السلوك، ورقة ٦٤ ب - ٦٥ ا، ابن الصيرفي: نزهة النفوس والأبدان، محقيق حسن حبشي، ج ٢.
(٢) وتعرف أيضا ببحيرة حمص، انظر Le Strange: Palestine Under the Moslems، pp، ٦٠،٦١،٦٩ وهي واردة به باسم بحيرة قدس: بفتح القاف والدال.
(٣) الضمير هنا عائد على الجاليش.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
فلما تحقَّق نوروز ذلك خَذَلَهُ بعض أصحابه (^١) منهم محمود قمش وتوجهوا إلى شيخ فرحل نوروز إلى بَرْزة (^٢) وتوجّه نحو البلاد الشمالية، ودخل شيخ دمشق بغير قنالٍ في تاسع صفر ووصل معه ألطنبُغا العثماني، وكان الناصر أمَّره على نيابة طرابلس.
وفى الثامن (^٣) عشر من المحرم وصلَتْ رأسُ جكم ورأسُ ابن شُهْرى صحبة حاجب ابن نُعير فُعُلِقَّتَا بالقاهرة، وكان خروج الجاليش من القاهرة في ثاني عشرى المحرم.
وفيه [خرج] (^٤) يشبك وتغرى بردى وبيغوت وسودون بقجة وعلَّان، وخرج الناصر في الثامن والعشرين منه وتوجّه من الريدانية في ثاني صفر واستناب في غيبته تمراز، ومعظم الأمر والنَّهْي لجمال الدين الأُستادار؛ وقد ضُرِبت عنق والى الفيوم بحضرته في داره لأمرٍ اقتضى عنده قَتْلَه فقُتِل.
ولما كان في السابع عشر من صفر خرج شيخٌ لملاقاة الجاليش ودخل يشبك ومن معه في تاسع عشره، ودخل السلطانُ في الثاني والعشرين من صفر بأبَّهة السلطنة في احتفالٍ زائد، يحمل نائبُ الشام القبة (^٥) على رأسه بين يديه، ودخل جمال الدين الأستادار وقد جُمِعَت له الوظائف المتعلَّقة بالمباشرين من قبْل أن يخرج السلطان من مصر: مثل الوزارة والإشارة ونظر الخاص والأستادارية والكشف ونحو ذلك. فرسم على القضاة وعلى كاتب السر والوزير الشاميين وأهانهم وطلب منهم أموالًا عظيمة، وضَرب الوزيرَ بالمقارع، وضَرب المالكيَّ تحت رجْلَيْه ونسبه إلى أنَّه حكم بغيْر ولاية وقرّر عوضه عيسى، وهرب الحنفى بن القطب دونهم تقرر عوضه صدر الدين الأدمى.
_________________
(١) في هامش ز بخط الناسخ "في الأصل: ثقاته منهم قجقار وقمش".
(٢) برزة بتاء التأنيث قرية من قرى غوطة دمشق، ويقال إن بها مشهدا للخليل ﵇ وإنه ولد بها إبراهيم ﵇ في رأى ينكره الكثيرون، انظر ياقوت المعجم ١/ ٥٦٣، ومراصد الاطلاع ١/ ١٨٠٠.
(٣) في هـ "الثاني".
(٤) فراغ في الأصول.
(٥) "الجتر" في السلوك، ورقة ٦٦ ا.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وفى خامس عشرى صفر قُبض على يشبك وشيخ بين يدى الناصر واعتُقلا بدار السعادة، فبلغ ذلك جركس المصارع فهرب وهرب جاهينُ دوادار شيخ وجماعة،، ثم هرب أتباع شيخ وأتباعُ يشبك أولًا فأولًا، ثم هرب علَّان وجانم وإينال المنقار وخلقٌ كثير فوق الخمسمائة من الأمراء والخاصكية والمماليك فتفرقوا في البلاد، ووصل كثير منهم إلى نوروز، منهم: علَّان وإينال المنقار وجانم وجقمق أخو جركس فآواهم - وجقمق هذا هو الذي ولى السلطنة بعد اثنتين وثلاثين سنة من هذا الوقت - واستقر بيغوت في نيابة الشام.
وفى تاسع ربيع الأول قُبِض على تمراز نائبِ الغيبة بالقاهرة وحُبِس بالبرج بأمر الناصر واستقر مكانه سودون الطيار، وكان تمراز قد صرف الشيخ محمد البلالي عن مشيخة سعيد السّعداء وقَرّر فيها الخادم خضر السرّائي، فلم يلبث أن قُبض عليه بعد إثنى عشر يومًا، فعُدَّ ذلك من كرامات البلالي وتكلَّموا له فأعيد وعَزل خضرا.
ولما حُبس يشبك وشيخ بالقلعة خدعا نائبَ القلعة ووعداه وأوسعا له في الأماني فانخدع رعمل على إخراجهما والهرب معهما، وكان الناصر قد دخل عليهما ليْلًا وبيده سيف فعاتبهما وأراد قتْلَهما، فاتفق أنَّهما ترقّقا له فتركهما تلك الليلة (^١)، فأصبحا هاربَيْن وذلك في ثالث ربيع الأول، فهرب كل واحد في جهة، فأرسل الناصر بيغوت - الذي قرره في نيابة الشام - في جيشٍ فاتَّفق أنهم أدركوا نائب القلعة واسمه "مُنْطَق (^٢) "فقتلوه ورجعوا رأس وخفى خبر يشبك وشيخ.
فأما شيخ فإنّه اختفى بدمشق بغير اختيارٍ فإنه واعد فرسه في مكانٍ معيَّنٍ، فأبطأ عليه حتى فضحه الصبح لما أراد الله من بقائه، وأمّا يشبك فإنَّه استمر هو وسودون بُقْجَة وجركس وتَمَامُ أربعين نفسًا اجتمعوا عليه وساروا إلى جهة حمص، ثم لحق به شيخ وطائفةٌ كبيرة، وأرسلا شاهين إلى جهة حلب بكشف الأخبار، فظفر به نوروز فسجنه بقلعة حلب. ورُوفع
_________________
(١) أمامها في هامش هـ "عفو الناصر عن قتل شيخ وقد سجنه لأمر أراده الله الذي لا مرد لأمره".
(٢) الضبط من ز.
[ ٢ / ٣٨١ ]
حسين بن منصور المحتسب باختفاء شيخٍ عنده فضُرب بالمقارع ثم ظهرت براءتُه، فخُلع عليه بالحسبة. ثم سأل الناصرُ عن نوروز فقيل له إنه هرب إلى حلب فأرسل إليه خلعةً بنيابة الشام بشرط أن يرسل إليه الأمراء الذين خامروا على السلطان، فقبض عليهم نوروز وأرسلهم، منهم: إينال المنقار وعلَّان وجقمق وأسن باى صحبة سلامش، فولَّاه السلطان نيابة غزَّة وأرسل إلى نوروز بنيابة الشام فقَبِلَها وشرط أن لا يدخل الشام حتى يخرج الناصر منها، فرحل النَّاصر من دمشق وصحبتُه هؤلاء الأمراء، وقبض أيضا على سودون الحمزاوي وأقبردي وجماعة كثيرة من الأمراء الصغار وعدتهم سبعة عشر أميرًا، واستقر بكتمر جلَّق في نيابة طرابلس.
وكان دخول النَّاصر إلى القاهرة في رابع عشرى ربيع الآخر، فأمر بقتل الأمراء المذكورين إلَّا إينال المنقار وعلَّان فَحُبسَا بالإسكندرية وكذلك يلبغا الناصري، وكان الناصر قد جدّ في هذه النوبة في السير إلى مصر بحيث أنه أقام في الطريق عشرة أيامٍ فقط، وطَلع القلعة والأمراءُ بين يديه قد أرْكِبُوا خيولًا مقيّدين تحت آباط الخيل، ووراء كل واحدٍ راكبٌ بيده سكين مصوّب بها إلى ناحية بطنه.
* * *
وأما يشبك فإنه لمّا هرب ومَن معه لحق بهم شيخ وكثُر جمعُهم وتحقَّقوا رحيل السلطان عن دمشق وقد جعل فيها (^١) بكتمر جلَّق نائب الغيْبة عن نوروز، وأمره إذا وصل نوروز أن يتوجه إلى نيابة طرابلس، فلمّا بلغهم ذلك رجعوا إلى دمشق فهجموا عليها في الثامن من ربيع الآخر، فهرب بكتمر جلق نائب طرابلس قبل رحيله، وقبض على العرر (^٢) أستادار نوروز وغيره وشرعوا في جباية الأموال والخيول بعد النداء بالأمان، ورجع الذين ودعوا الناصر فاختفى بعضهم وظهر بعضهم؛ واستخرَج شيخ من دار السعادة مالًا له كان مدفونًا، وأجمعوا أمرهم واجتمع عليهم من يرى رأيهم، فبلغهم في حادى عشر ربيع الآخر أن بكتمر
_________________
(١) "فيها" غير واردة في ك.
(٢) هكذا في ظ، ولكنها "العرزا" في ز، و"الغرز" وفي هـ، و"العرز" في ك.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
جلَّق وطائفةً معه قليلةً قد نزلوا ببعلبك، فخرج يشبك وجركس ومَن معهما ليُوقعا به، وتأَخَّر شيخ بدمشق، فخرجوا إلى بعلبك عن طريق حمص لئلَّا يُفطن بهم فصادفوا مجئَ نوروز وعسكره وقد انضمّ إليه بكتمر جلق ومن معه، فوقعت العين على العين فتحاربوا عند وادي موتة (^١) من كروم بعلبك فكاثَرَهم نوروز ومَن معه، فقُتل يشبك وجركس وفارس دوادارهم وأُرْسِلَت رءوسُهم إلى النَّاصر فوصلت إليه بالقاهرة وكان عِلْمُ ذلك وصل إليه وهو بالطريق في العريش، فلمّا بلغ شيخًا خبرهم خرج من دمشق على طريق جرود (^٢) في ليلة الجمعة ثالث عشره ودخل نوروز دمشق في رابع عشر ربيع الآخر، ونودى بالأَمان، ورجع بكتمر جلَّق نائب طرابلس إلى بلده ويشبك بنُ أَزدمر نائب حماة إلى بلده في العشرين منها.
وفى سادس عشر ربيع الآخر حكم بعض القضاة بقتل سودون الحمزاوي قصاصًا بأَمْر السلطان فقُتل (^٣) بين يديه، ثم شاع أنه ذُبح بين يديه كثير من الأُمراء المأْسورين وغيرهم.
* * *
وفى ثالث جمادى الأُولى استقرّ تغرى بردى أَتابكَ العساكر بالقاهرة عوضًا عن يشبك، وكمشبغا المزوّق [أَمير آخور] (^٤) عوضًا عن جركس المصارع، وذلك في اليوم الذي قدم فيه قاصد نوروز برءُوسهما.
وفى آخر جمادى الأَول تجهَّز نوروز إلى الجهة الشمالية لمحاربة شيخ، ثم قيل إنه كاتَبَه وأَنهما قصدا الاجتماعَ والتَّصافي، فاجتمعا في الطريق وانفرد كلٌّ منهما عن جماعته، واتفق مجئ دويدار السلطان ومعه مكاتبات بأُمور كثيرة، فلمّا سمع باتفاق الأَميرين رجع إلى مصر، وتوجّه الأَميران بعسكرهما إلى بلاد ابن بشارة فأَوْسعوها نهبًا، وهرب ابن بشارة ثم قَبض عليه نائب صفد.
_________________
(١) كلمة غير مقروءة في جميع نسخ الإنباء المستعملة هنا؛ هذا وقد وردت في ياقوت: المعجم باسم "موته"، وعرفها بأنها قرية من أعمال بعلبك انظر أيضا Le Strange: op. cit p.٥١٠ .
(٢) في "جزوي"، وفى هـ "حرور"، مراصد الإطلاع.
(٣) الوارد في السلوك، ورقة ٦٦ ب، أن السلطان استدعى القضاة بين يديه وأثبت عندهم إراقة دم سودون الحمزاوي لقتله إنسانًا ظلما، فحكموا بقتله فقتل.
(٤) الإضافة من السلوك، ورقة ٦٧ أ.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وفي سابع رجب سُجِن بكتمر جلق (^١) بقلعة دمشق، ودخل الأَميران دمشق في ثامن رجب بعد أن رضِيَ شيخ بطرابلس وأَخذ في التجهيز إليها، ثم خرج في ثامن عشر رجب وودّعه نوروز، واستقرّ معه في قضاء طرابلس تاج الدين محمد بن القاضي شهاب الدين الحسباني، ثم فرّ بكتمر جلق في عاشر رمضان من سجن قلعة دمشق فتوجّه إلى صفد ثم إلى غزة، ثم بسط نوروز يده في المصادرات فبالغ في ذلك حتَّى إن بعض التجار كانوا يترحّمون على تمرلنك، وفرض على جميع الجهات: جليلِها وحقيرها حتى الخانات والحمامات وأرباب المعائش حتى الذين يبيعون الخزف تحت القلعة حتى باعة السراطين حتى الباعة في الطَّبالي حتى انقطعت الأَسباب وتعطَّلت المعايش؛ نقلْتُ ذلك من تاريخ ابن حجّى.
وفي رجب ضُرِب عبد الله المجادلي بين يدَىْ نوروز ضربًا مبرحًا لكثرة شكوى الرؤساءِ منه أَنه يؤذيهم بلسانه وسعْيِه، ثم شُفع فيه فأُرسِل (^٢).
وفي شعبان قَبض نوروز على يشبك الموساوى وكان السلطانُ أَرسله إلى نيابة الكرك.
وكان نوروز قد أَرسل إليها سودون الحاجب، فمنع يشبك المذكور فرجع إلى غزَّة وبها سلامش فحاربه، فأُسرَ يشبك ووقعَتْ فرسه في طينٍ فوقع فأَرسله إلى نوروز فسجنه بدمشق في أَول رمضان.
وفيه كان السيْل العظيم بطرابلس، قيل إنهم مارأَوا مثله فهدَم أَبنيةً كثيرةً وهلك بسببه خلق كثير.
وفي رمضان هرب بكتمر جلَّق من القلعة فتوجّه إلى نابلس، فبلغ ذلك نوروز فخرج إليه ففرَّ إلى غزة، ثم وصل يشبك بن أَزدمر من حماة فبلغه وهو في حمص أَن تمريغا المشطوب نائبَ حلب قصد النزول على التركمان فبيّتوه وكسروه ورجع منهزمًا، فردّ
_________________
(١) دأب المقريزي على كتابته "شلق".
(٢) أمام هذا الخبر في هامش هـ جاءت العبارة التالية: "استمر هذا المجادلي على عناده وأذاه إلى أن مات في حدود سنة أربعين وثماني مائة".
[ ٢ / ٣٨٤ ]
يشبك جماعته إلى حماة لحفظ البلد وأَقام هو بدمشق في ناس قليل، وأَرسل إلى نوروز يُعْلمُه بذلك، فقدم نوروز دمشق ورجع يشبك إلى حماة، ودار نوروز في الرملة وقايون والغور أَكثر من شهر ثم رجع، وكان قد نَهب للعرب إبلًا كثيرة، فلمّا تحقَّقوا أَنه دخل دمشق كبسوا عليها فاستنقذوها، وبلغه ذلك فخرج إليهم فلم يظفر بهم؛ ثم قَبض علَى نقيب الأَشراف علاء الدين كاتب السر ونسَبَه إلى مكاتبة المصريين ثم بَذل الشريف مالًا وأُطلق، ثم عُزل ابن القطب من قضاءِ الحنفية بدمشق وولى ابن القضامي قاضي حماة وكان هرب من نائبها فسعى فوُلِّيَ، والواقع في نفس الأَمر أَن القضاءَ باسم صدر الدين بن الأَدمي من الناصر.
وفي رمضان صُرِف الباعوني من خطابة جامع دمشق ونُقِل إلى خطابة القدس، واستقرّ شهاب الدين بن حجّي في الخطابة بجامع دمشق.
* * *
وفي شعبان كاتب شيخ الناصرَ يسأَله أن يولّيه نيابة الشام بشرط أَن يكفيه جميع أَعدائه ويقبض عليهم فأَجابه إلى ذلك، وكان بمصر يومئذ صدر الدين الأَدمي وقد هرب منذ هرب شيخ ويشبك خوفًا من نوروز فأَقام بالقاهرة، فولَّاه الناصر قضاء الحنفية بدمشق، وولى نجم الدين بن حجّى قضاءَ الشافعية بها، وأَرسلهما إلى شيخ وهو بطرابلس ليعلِماه برضى السلطان عنه وتفويض نيابة دمشق إليه، وحضرا حلْفَ السلطان والأُمراء له، وخرجا من القاهرة في أول شوّال ومعهما أَلطَنْبُغَا شَلَاق الحاجب وألْطَنْبُغا شَقَل ومعهما تقليد بَكْتَمِر جَلَّق بنيابة طرابلس وَيَشْبَك بن أَزْدَمُر بنيابة حماة، فوصلوا إلى شيخ في البحر في شهر ذى الحجة وهو على المرقب، وكانوا توجهوا في النيل إلى دمياط ثم إلى عكا ثم إلى صفد ثم إلى طرابلس في البحر الملح، وتلقاهم شيخ وقبل الرسالة ولم يلبس خلعة النيابة، وأرسل قاصده إلى نوروز يخبره بذلك.
وكان نوروز قد بلغه الخبر فأَرسل قاصدًا يستكشف ذلك، فأَرسل إليه شيخ
[ ٢ / ٣٨٥ ]
الخلعة والتقليد وابن الأَدمى القاضي الحنفي وجماعةً من الأُمراء فوصلوا إلى نوروز وأَعلموه بعدم قبول شيخ النيابة، وأَحضروا إليه التقليد والخلعة فرضِىَ بذلك وأَمَر بتزيين البلد، وكان قد نادى فى العسكر بالتجهيز ففترت همته بذلك، وكان نجم الدين ابن حجّي قد تغيّب فلم يصل صحبةَ المذكورين.
وفى ذي القعدة قدم نائب حلب تمر بغا المشطوب إلى دمشق لتأْكيد الاتفاق بينه وبين نوروز، وكان بلغ نوروز عنه أَنَّه مَالَأَ عليه نقدم ليظهر لنوروز كذب ما نُقل عنه فأَقام أُسبوعًا ورجع.
وفى أَوائل ذى الحجة حاصر جاهين -دويدار شيخ- صهيون فغلب عليها، وأرسل إلى دمشق بذلك فضُربت البشائر.
وفى هذه السنة استقر أرغون شاه النوروزى في الأُستادارية بدمشق ولم تزل تتنقل به الأَحوال حتى ولى الوزارة بالقاهرة في الدولة المؤيدية، ثم ولى الأستادارية بالقاهرة في الدولة الصالحية (^١).
* * *
وفي سادس جمادي الأُولى توجّه السلطان بثياب جلوسه إلى بيت قَرَاقَجا وكان مريضًا فعاده، ثم توجّه إلى تربة والدته بين القصرين في مدرسة والده فزارها، وأَنعم على أَهل المدرسة ببلد أُنبوبة ليُزَاد خراجها فى معاليمهم وفرحوا بذلك واستمر (^٢) بقية عمره، ثم توجّه إلى بيت رأْس نوبة الكبير وهو بالقرب من الجامع الأَزهر فدخل إليه، ثم توجه إلى بيت الحاجب الكبير كزل العجمي وهو بالقرب من باب البرقيّة فدخل إليه ثم صعد القلعة، وكان عَهْدُ الناس بَعُد بُعْدًا شديدًا من سلطان يفعل مثل هذا التبذّل، ولم يُعرف أن ذلك وقع لملك من ملوك مصر قبله؛ وقد تبِعَه على ذلك من جاءَ بعده.
* * *
وفيها قتل (^٣) ذريب بن أَحمد بن عيسى الحرامى أَمير حلى والمدينة -التي بين مكة واليمن
_________________
(١) أمامها في هامش هـ "أي الصالح أحمد بن شيخ".
(٢) أي وقف أنبوبة وهي إمبابة الحالية.
(٣) أشار السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ٨١٧ إلى أنه قتل سنة ٨١٧، ثم أشار، شرحه، ص ٢١٨ س ١ إلى أن ابن حجر أرخ قتله في حوادث سنة ٨١٠.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
على ساحل البحر- في حربٍ بينه وبين كنانة وهم العرب النازلون بها، واستقل أَخوه موسى بالإمرة، وكان شريكَ أَخيه دريب فيها لكن لا كلام له معه، فلما قُتل انفرد موسى بالإِمرة، فلما أَن غَلبت كنانة ثار حسن بن عجلان عليه فانتزع منه البلد،، فلجأَ موسى إلى النَّاصر صاحب اليمن، فسأَل ابن عجلان أَن يكفّ عنه فترك له بلده فاستمر به (^١) إلى أَن مات، كما سيأْتي في سنة ثماني عشرة.
* * *
وفي آخر ربيع الآخر أُحضر زين الدين عبد المعطي الكوم ريشي إلى منزل جمال الدين الأستادار فضربه بحضرة القضاة الأَربعة سبعمائة عصًا وسجنه، وحصل له من الناس - حالةَ مجيئه وتوجّهه إلى الحبس- صفع عظيم، وكان السبب في ذلك أَنه كان يتردَّد إلى آقباي الحاجب فأَقامه في عمارةٍ له برأْس البندقانيّين، وآقباي يومئذٍ نائب الغيبة، وكان المذكور ينوب عن الحنفيّ في الحكم وعنده رسلٌ فيأْمرهم بصفع من يريدُ مَنْ يتحاكم إليه فتحاماه الناس، فصار يرسل لمن يريد إهانته مِن بياض الناس فيصفع بحضرته، وشاع عنه أَنه رُفع له شاب نحو العشرين سنة وادُّعِىَ عليه أَنه أَكره صغيرًا مراهقا حتى فسق به فأَمر فى الحال مَن بحضرته من الفعلة الذين في العمارة أَن يفسقوا به قصاصًا بزعْمه، فعَظُمت لشناعة عليه بذلك، فأَرسل الأَمير أَحمد بن أُخت الأستادار -وهو يومئذٍ ينوب عن خاله- إليه فهرب واحتمى بآقباي، فعلم آقباي بصورة الحال فأَرسله إلى نائب الأستادار فضربه واجتمع عليه مَن تقدّم له منه أَذًى من العوامّ فكادوا يقتلونه وبالغوا فى إهانته وصفعه، ثم خلص وعاد إلى ما كان عليه.
فلمّا قدم العسكر شكى ولد القاضي الحنفي له ما جرى، وكان هو يبالغ في الإساءة لولد الحنفي ويزْدرى بجميع النواب، فتمالئوا عليه وأَنهوا إلى الأستادار قصّته فضربه كما تقدّم وسجنه، ثم بلغ خبره السلطان فأَمر بإحضاره فضربه بالمقارع وأَقام في الحبس مدةً طويلةً ثم خلص بعد ذلك بمدّة وتناسى الناس الخبر، وأَظهر هو الرجوع عن تلك
_________________
(١) في الأصل "بها".
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الطريقة فعاد إلى نيابة الحكم عن قضاة الحنفية، وبلغ من أَمره في سلطنة الأَشرف أن القاضي زين الدين التفهنى امتنع من استنابته، فأُرسل إليه ناظر الجيش وكاتب السر برهان الدين الشريف برسالةٍ من السلطان يأْمر القاضي باستنابته، وصار يحضر المولد النبويّ واستمر على طريقته ومجونه إلى أَن مات فى أَواخر سنة ثلاث وثلاثين مقهورًا، أَنه كانت له صرّة ذهب خشى عليه من السُّرّاق فأَودعها عند بعض القضاة، ثم احتاج إلى شيءٍ منها فادّعى أَنها سُرقت من منزله وحلف له على ذلك فما استطاع أَن ينازعه في ذلك لشدّة سطوة القاضي المذكور وبادِرَتِه، فكمد فمات.
* * *
وفيها أَرسل ملك الهند ببنجالة -واسمه أَحمد خان بن ميرخان بن ظفر خان- وكان أبوه كافرًا فأَسلم هو وقتل جدّه وأَحرق عمّ أَبيه واسمه "لان"، فأَرسل إلى مكة خيمةً حمراءَ كبيرةً جدا ليُظِلّ بها الطَّائفين حول البيت، فنصب بعضها وأُخِّر أَكثرها متوقِّفًا على إذْنِ صاحب مصر، ثم تنوسِيَت وتملَّكها صاحب مكة لنفسه.
وفيها بُنِيَتْ المدرسة البنجالية بالجانب اليماني ممّا يلى صنعاءَ وصَرف عليها أَلوف الدنانير، ورتَّب لها مدرّسين وطلبةً وغير ذلك، وأَهدى ملك بنجالة لأَهل مكة شاشات كثيرة جدا حتى قيل إنَّ الذي خصّ صاحب مكة وحده أَلف شاش.
وفيها بدأَ جمال الدين الأستادار في إنشاء مدرسته برحبة العيد وذلك في خامس جمادي الأُولى.
* * *
وفيها بعد قتل جكم جمع خليل بن قراجا بن علي بن ذلغادر التركماني -الذي يقال له علي بَك- جمْعًا من التركمان وقصد حلب لإخراج مَن فيها مِن أَتباع جكم، وكان جكم حبس ولده بالقلعة، فلما وصل إلى مرج (^١) دابق أَرسلوا إليه ولده فتوجّه إلى أَن نزل بالميدان الأَخضر شمالي البلد، وخرج أَهل البلد لقتاله فكسرهم، وذلك في سادس عشر
_________________
(١) هو من أعمال قنسرين، انظر ٥٠٣. Le Strange: op. cit p
[ ٢ / ٣٨٨ ]
المحرّم واستمر يحاصرهم، ونُهِبَت القرى وأَفسد فسادًا عظيما، ثم انتقل عن الجهة الشمالية إلى الجهة القبلية وجدّ فى الحصار، واتفق أَن نوروز هرب لما وصل الناصر كما سيأْتي ذكره، فوصل إلى حماة فوجد العجل بن نعير يحاصرها وأَهلها في شدّة، فلما وافى نوروز أَوقع بالعجل فانهزم، ثم استمرّ نوروز طالبًا حلب فهرب منه على بن ذلغادر وحصل الفرج لأَهل حماة من حصار العرب ولأَهل حلب من حصار التركمان؛ وذكر القاضي علاءُ الدين بن خطيب الناصرية فى تاريخه: "أَن بعض أَهل حلب ذكر أَنه رآى شيخنا سراج الدين البلقيني في المنام فقال له: قُلْ لبرهان الدين المحدّث يقرأُ "عمدة الأَحكام"، ليفرج الله عن أَهل حلب، فقصّها على البرهان فاجتمع عنده فقرأَها البرهان ودعوا، فاتفق أَنهم فى آخر النهار كسروا فرقةً حاصرتْهُم في حلب، وبعد يومَيْن رحلوا بأَسرهم عن حلب وحصل الفرج، ولله الحمد" وذلك في ثاني عشر صفر.
* * *