﷽
مقدمة
يتبوّأ ابن حجر العسقلاني - في جدارةٍ واستحقاق - مركزَ الصدارة بين المحدثين والحفّاظ في العالم الإسلامي منذ بداية القرن التاسع للهجرة. وهو مركز لم يستطع احتلاله أحدٌ مّمن عاصروه وزاحموه - وهم كُثر -، ولا مِمَّنْ جاءوا بعده وشغلوا أَنفسهم بهذا الضرب أو ذاك من تلك الدراسة، فانعقد الإجماع على أنه حامل رايتهم والمقدَّم فيهم والمهتَدَى برأيه وقوله حين تضطرب المسالكُ وتتشعّب ويُخشى الزلّل: وقد يسّر له ذلك ميل فطريّ لدراسة الفقه والحديث وولعٌ بمعرفة أسانيده، إلى جانب ما انطبع عليه من قدرةٍ على تبيان صفات رجاله، وذكاءٍ غريزي جعل منه محدّثا لم يظهر أَرشح منه فؤادًا، وحافظًا يبارى فهمُه سمعَه، فصار بذلك الحجةَ وعليه المعوّل فيما اختلف فيه المختلفون مما يتعلّق بهذا الموضوع.
وابن حجر متعدّد الجوانب من حيث الثقافة، فقد أَسهم في الحديث والفقه والأدب والتاريخ، وطُبِعَت مؤلفاته - صغيرها وكبيرها - ومجالسُ إملائه - كما يشهد تلاميذه وغير تلاميذه ممن عاصروه في مصر والشام وغيرهما من بلاد العالم الإسلامي - بطابع الدقة وتحكيم العقل والمنطق، فهو لا يورد خبرًا إلَّا بعد أن يكون قد انتظمت له عنده أسباب الدراسة والبحث والتمحيص والتحقيق والمقارنة والتثبت والإيضاح، وإلَّا بعد أَن يكون قد طَبّق عليه قواعدَ الجرح والتعديل، يعرض لذلك كله ناقدًا إيّاه نقد الصيرفي الحاذق يعرف الصحيح من الغث، لا يخدعه بهرج ولا يغرّه طلاء.
* * *
وهو أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر الشافعي، العسقلاني الأصل، المصريّ المولد، القاهريّ الدار والنشأَة. ولد على أرجح الأَقوال في الثالث (^١) والعشرين من شعبان سنة ٧٧٣ هـ (أول مارس ١٣٧٢ م)، واستقر أجداده في مصر التي انتقلوا إليها من عسقلان
_________________
(١) لم ينص ابن حجر على هذا اليوم في ترجمته التي كتبها لنفسه في كتابه: رفع الإصر عن قضاة مصر (ط. القاهرة) ص ٨٥ - ٨٨ ولكن الإجماع منعقد عليه عند من ترجموا له وعرضوا المولده.
[ المقدمة / ٧ ]
بأرض فلسطين، على أنه ليس من المعروف على وجه التأكيد أكانت أُسرته قديمةَ الاستقرار بعسقلان: وإلى أيّ زمنٍ أو جيلٍ يرجع ذلك القِدَم أم أنها طارئةٌ عليها، فليس ثمت في تراجم المتقدّمين إشارة إلى ما يهدى الباحث ويشفي غلّته ويكشف اللثام عن حقيقة هذه المسأَلة، كما أنه لا يُعرف التاريخ الذي نزحت فيه هذه الأسرة إلى مصر أو السبب الذي من أجله غادرَت عسقلان، فليس في التراجم المعروفة عن ابن حجر ولا في ترجمته الرائعة الوافية التي كتبها تلميذه ومريده السخاوى، ولا في التراجم القصار المبعثرة في ثنايا المعاجم التي ورد فيها ذِكرٌ لأجداده ورجالاتِ أُسرته ما يرشد الباحث إلى القول الفيصل في هاتين المسأَلتين.
على أننا إذا تأَمّلنا سلسلة نسبه، ولا سيما كما يرويها هو في كتابه "إنباء الغُمر بأَنباء العمر"، أو كما يوردها السيوطي في "نظم العقيان"، لوجدنا أنها تقف عند الجدّ السابع له، على اختلافٍ بين المصدرين في إسمى جدّيه السادس والسابع من حيث التقديم والتأخير، فهذان الجدّان عند صاحبنا هما "أحمد بن حجر"، وعند السيوطي "حجر بن أحمد"، وقد لا يعنينا كثيرا في هذه الأَسطر أيهما السابق للآخر بقدر ما يعنينا وقوف كل من الكاتبين عند الجد السابع فقط، غير محاول أحدهما تجاوزه ولو إلى نسبٍ قَبَليّ؛ فإذا جاز لنا أن نجعل لكل حلقة مدة ربع قرن من الزمان، وضممنا إلى هؤلاء الجدود السبعة جيل أبيه نور الدين عليّ صارت لدينا ثمانية أجيال تستغرق من التاريخ قرابة قرنين، وإذا تذكّرنا أن مولد صاحب الإنباء كان في سنة ٧٧٣ وأنقصنا هذين القرنين من عام مولده تبيّن لنا أن جدّه الأَكبر - وهو الأخير في سلسلة نسب أجداده - عاش في عسقلان في ختام الثلث الأَخير من القرن السادس للهجرة؛ فما أهمية هذه الفترة مما تصحّ أن تكون ذات اتصال - عن قرب أو بعد بأسرة ابن حجر.؟
للإجابة على هذا التساؤل نقول إنه في هذا الوقت بالذات الذي عاش فيه جدّ ابن حجر الأَكبر، وفي عام ٥٨٧ هـ بالتحديد اضطُر صلاح الدين الأيوبى - تحت الخوف من غزو الصليبيين لعسقلان وعدم قدرة حاميتها المسلمة على الدفاع عنها ضدّهم - إلى تخريبها، مما حمل الكثيرين من أَهلها على الانتقال إلى مصر والاستيطان فيها (^١).
_________________
(١) راجع ابن شداد: النوادر السلطانية (ط. القاهرة ١٣٤٦) ص ١٦٥ - ١٦٦، ٢٢٣، ٢٣٧، وخطط المقريزي، ج ٢، ص ٢٣٣، والسلوك للمقريزى (ط. زيادة) ج ١ ص ١٠٦.
[ المقدمة / ٨ ]
وليس بمستبعد أن يكون جدّه السابع قد هاجر بأُسرته مع مَن هاجر إلى البلد الذي حمل لواءَ الدفاع عن الإسلام والمسلمين وحمى الشرق العربي من خطر الجماعات الصليبية إذ ذاك ثم من الدمار المغولى بعدئذ، ووجدَت هذه الأُسرة ترحيبا من السلطان صلاح الدين فاستقر بها المقام ما بين مصر والقاهرة والاسكندرية، ومعنى ذلك أن أُسرة ابن حجر يرجع وفودها إلى الديار المصرية إلى نهاية القرن السادس للهجرة، واختلطت بالأَهالى - كما اختلط غيرها من الأُسر بهم -، وتمصّرت على مرّ السنين حتى غدت تعتزّ بمصريتها (^١)، وأنجبَت من الأَبناءِ والأَحفاد الكثيرين ممن أصبحوا من ذوى الثراءِ والنفوذ المالي والأَدبي في الدولة، كما صاهرَت كبار رجالات الدولة المماليكية، ومصدرُنا في هذا الخبر ابن حجر نفسه، حيث يشير إلى خال أبيه أحمد بن محمد بن براغيث أَحد أعيان القاهرة (^٢)، كما يشير في موضعٍ آخر إلى ابن عمّ أبيه محمد بن عثمان (^٣) وهو من فقهاءِ الشافعية بالإسكندرية حتى لقد ذكره العفيف المطرى (^٤) في ذيل طبقاته، بل إن أباه عليًّا تزوّج من أُخت زكيّ الدين الخرّوبي (^٥) كبير تجار الكارم في مصر والذي يقال إن دولة الكارمية انتهت بوفاته (^٦)، كما أن صاحب الإنباء نفسه تزوج من ابنة كريم الدين بن عبد العزيز ناظر الجيش في مصر.
_________________
(١) حفل ديوان ابن حجر (مخطوطة باريس) بالأمثلة على تعلقه بمصر وحبه إباها، كما في قوله، ورقة ٧٣ ب ٧٤ ا: متى يتجلى أفق مصر بأقمارى … وأروى عن اللقيا أحاديث بشار إلى مصر، وأشواقا لمصر وأهلها … تشوق صب للنوى غير مختار مرابع لذاتي، وملهى شبيبتي … ومبدأ أوطانى، وغاية أوطارى ومنزل أحبابي، ومنزه مقلتي … ومطلع أقمارى، ومغرب أفكارى. وقال أيضا يتشوق لها وهو بدمشق عام ٨٠٢ (الديوان، ورفة ١٠٠ ب): دمشق الغادة الحسنى … لوصف النهر بالصب على مصر ذهب حسنًا … ولكن موطني حبى وقالوا إنها أدنى … نعم، أدنى إلى قلبي وهو يحن إلى النيل كما في قوله، ورقة ٦٩ أ: تركت شراب النبل حلوا وباردًا … فكم خدمة لي بعده بسراب وفارقت من لا طاق لي بفراقه … فما طرق السلوان ساحة بابي
(٢) ابن حجر: الدرر الكامنة ج ١ رقم ٦٦٢.
(٣) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج ٤ رقم ١٢١.
(٤) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج ٢ رقم ٢٢٠١.
(٥) ابن حجر: رفع الإصر، ص ٨٦، والدرر الكامنة ج ١ رقم ١٢٠٥.
(٦) العيني: تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر (مخطوط بالمتحف البريطاني) ورقة ١٢٣ ب.
[ المقدمة / ٩ ]
هنا نعرض لمسأَلةٍ أخرى هي أصله، وقد أشار إليها في غير وقفةٍ طويلةٍ جماعةٌ من المؤرخين في عصره، وأول هؤلاءِ أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي صاحب النجوم الزاهرة في معجم تراجمه "المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي"، فذهب إلى القول بأَن أُسرة ابن حجر قدمت أصلًا من بلاد الجريد على حدود قابس في الجزائر: وأشار إلى ذلك في قوله (^١): "وابن حجرٍ نسبة إلى آل حجر، تسكن الجنوب الآخر على بلاد الجريد، وأَرضهم قابس"، ولم يجهد أبو المحاسن نفسه في تبيان المصدر الذي اعتمد عليه في تقدير هذا النسب، وإنّ ما ذهب إليه صاحب "المنهل" لينطوى على خطأ تاريخي ضخم، إذ ليس في سلسلة نسب ابن حجر - سواءٌ التي ذكرها هو نفسه أَو حفيده (^٢) أو غيرهما من ثقات المؤرخين - ما يفصح عن الإشارة إلى مثل هذا الموطن لأَحدٍ من أَسلافه، وليس في ثبته اسم بربري، وسكت عن هذه الإشارة العيني في "عقد الجمان"، والسخاوى" في الضوء اللامع"، والسيوطي في "نظم العقيان"، وظلّت مطوية حتى قُيّض لها أن تُبعث في القرن الماضي على يد المستشرق الفرنسي كاتميرر (^٣) الذي أرجع ابنَ حجر إلى قبيلة عربية سكنت منطقة بلاد الجريد، وليس من شك في أن كاترمير كان ناظرًا في بعض هذه النسبة إلى ما قاله ابن تغرى بردى، على أنه من الملحوظ أن كُلًّا من أبى المحاسن ثم كاترمير من بعده لم يحاول بيان العوامل التي أَدّت بالقبيلة التي نَمَيَا إليها على زعمهما ابن حجر للمجئ إلى بلاد المغرب، ولم يشيرا إلى العصر الذي نزحت فيه إلى تلك المنطقة، وهل جاءَتها من القبائل العربية التي كانت تعيش في مصر أم هاجرت إليها من بلاد الشام أو العراق أَو بلاد العرب ذاتها، وكل ما يعتدٌ به كلاهما هو كلمة "حجر".
وإذ ساق كاترمير هذا الخبر - بناءً على رواية المنهل - فإننا بمناقشة هذه الرواية يتجلّى لنا خطؤها، وحسبنا أن نقول إن أبا المحاسن كان حجةً في أنساب الترك وليس كذلك في أنساب العرب. إذ لم يتوفر له حظ كبير فيها وليس بذي القِدح المعلى في هذا الميدان، ومرجع هذا الخطإ التاريخي عند أَبى المحاسن هو خلطه بين قبائل "حَجَر" و"حُجر" و""حَجر"،
_________________
(١) أبو المحاسن: المنهل الصافي، مخطوطة باريس، ورقة ٨٩ ب.
(٢) يوسف بن شاهين: النجوم الزاهرة بتلخيص قضاة مصر والقاهرة، مخطوطة باريس، رقم ٢١٥٢، ورقة ١٨ ب.
(٣) Quatremére: Histoire de Soultans Mamlouks، t. I، pt. ٢، P. ٢١٩ ..
[ المقدمة / ١٠ ]
إذ كانت القبيلة الأخيرة وحدها - وهي من بني أسد - وليست قبيلة "حَجَر" - هي التي تعيش في بلاد الجريد حول قابس (^١)، ومن ثم خلط. أبو المحاسن بين "حَجَر" و"حَجر"، فأدّى به ذلك إلى نِسبة ابن حجر العسقلانى - صاحب الإنباءِ - إلى قبيلة "حَجر".
ومن ناحية أخرى نرى السيوطي - في ترجمته لصاحب الإِنباءِ - يذهب للقول بأَن ابن حجر عربيّ الأَصل، دون أن يسوق على هذا الرأى دليلًا قويا - أو شبه قويّ - يدعمه ويؤكد صحته، ولعلّ الذي حمله على سلوك هذا المسلك شدَّة إعجابه به وعظيم تقديره إيّاه؛ وربما بنى السيوطي هذا الزعم على ورود كلمة "الكناني" في سلسلة نسب ابن حجر، وإن لم تنهض في ذاتها دليلا على الوصول به إلى ذلك الأَصل، وربما قيل إن ابن حجر نفسه أشار إلى هذا الأَصل، غير أَن إشارته لم تَعدُ - في كل ما ألَّف وأَملى - مرتين، أُولاهما في إجازةٍ أجازها لأَحدهم جاءَ فيها:
من أحمد بن عليّ بن محمد ب … نِ محمد بن عليّ الكناني المحتد
ولجدّ جدّ أبيه أحمد لُقِّبُوا … حجرًا، وقيل بل اسم والد أَحمد (^٢)
وثانيهما إشارته العابرة بأَنه قرأَ بضعة أَسطر بخط أبيه يذكر فيها أنه "كناني (^٣) " الأصل، ولم يعلِّق ابن حجر على هذه الأسطر بنفى أو إثبات، وفى رأينا أَن لو كانت هذه النسبة ترتكز على أساسٍ مدعم قويّ لأوردها ابن حجر في مؤلفاته وفتاويه وإجازاته، ولكن ذقَّته في تحرّى الحقيقة التاريخية وتجريحه لكل ما تُشتَمّ فيه رائحة الضعف - وذلك بفضل حاسته كمحدّث - باعدَا بينه وبين الوقوع في مثل هذا الزعم، ولو شاءَ ابن حجر أن ينحو هذا النحو في نسبةِ أجداده لقبيلةٍ عربية لتيسّر له الأمر، ولمَا وجد مَن ينكره عليه في لا عصره سيما ما لوحظ. في العصر الذي عاش فيه صاحب الإنباءِ من وجود فئةٍ من المؤرخين سلكوا مسلكًا يجافي الحقيقة، وذلك حين نسبتهم جماعةَ المماليك إلى نبعة عربيةٍ، ولم يقتصر أمر هذه الفئة من المؤرخين
_________________
(١) راجع السويدى: سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب (ط. بومباي)، ص ١٠٠، والأزدي: المؤتلف والمختلف في أسماء نقلة الحديث (الهند ١٣٢٧)، ص ٢٧ - ٢٨، وراجع أيضا Wustenfeld: Gleichheit und Verschiedenheit der Arabischen Stammenamen، P. ٣٠.
(٢) السخاوى: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر (مخطوط باريس) ورقة ١٣ ب.
(٣) ابن حجر: المعجم المفهرس، مخطوطة بالمتحف البريطاني، ورقة ٨٧ أ.
[ المقدمة / ١١ ]
على صغارهم أو الذين يرتجون فضلا ورِفدًا ونوالًا من أصحاب السلطة والنفوذ بل تعدّاه إلى بعض كباراتهم، بل إن المقريزي ذاته - على جلالة قدره في التاريخ - لم يسلم من هذا الاتجاه الذي أُريد به - عند غيره بطبيعة الحال - التقرّب إلى ذوى السلطان والحكم، فنَسبَ الأَكرادَ إلى أصلٍ عربيّ، وما كان لرجل كالمقريزي - وقد استقامت له أدوات البحث والتقصي التاريخي ولو بمفهوم عصره، والمعرفةُ الدقيقة بالأَنساب العربية - أن يزلّ هذا الزلل وهو أول المدركين لخطئه وعدم صموده أمام النقد التاريخي (^١).
ولو كان ابن حجر عربيَّ الأصل تمامًا كما يذهب السيوطي لوجدنا ورود هذه الإشارة في كتاب "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" الذي ترجم فيه السخاوى لأستاذه ترجمة مطولة رائعة، قيّد فيها كل شاردة وواردة في حياة شيخه، لكن الواقع أننا لا نصادف مثل هذا الرأي في "الجواهر"، ولا شك أن السخاوى كان من أدرى رجال عصره ومؤرخيه - إن لم يكن أدراهم جميعا - بسيرة أُستاذه، وكان تعلُّقه به حاملًا إياه على ملازمته في غدواته وروحاته مهيّأً له الفرصة - أكثر من مرة - في رفع كل حجاب بينه وبينه، حتى إن ابن حجر - على جلالة قدره ورفعة مكانته وسَعيِ الجميع في خدمته - وقف يخدم بنفسه يوم عرَّس السخاوي (^٢)، وكان هذا للسخاوى شرفًا لا يطمع فيه طامع، ومن ثم فإنه كان لنا أن نتوقَّع من السخاوى وهذه وشيجته بشيخه - أن يشير إلى أَصل ابن حجر الكناني العربي، هذا فضلًا عن أن ابن حجر نفسه لم يورِد في كلامه - حين سأله السخاوى عن أجداده وأصله أيةَ معلومات وافية، ولم يستطع أن يتعرّف على أكثر من ستة أَجيال منها (^٣)، وعلى هذا الأساس يصحّ لنا أن نتساءل: "أيكون في قدرته - وهو عاجزٌ عن معرفة أجداده القريبين - أن يعرف عن أسلافه الذين تباعد بينه وبينهم قرون"؟.
إذن فما هو أصل ابن حجر؟
_________________
(١) راجع السلوك للمقريزي، (نشر زيادة) ص ٣ وحاشية رقم ١، غير أنه من الملحوظ أن المقريزي أنكر هذه النسبة في كتابه المواعظ والاعتبار، وقد يثير تناقضه في مرجعين كبيرين - ارتبطت بهما شهرته كمؤرخ - إلى مشكلة نسبة المواعظ إلى الأوحدي المؤرخ.
(٢) راجع زياده: المؤرخون في مصر، ص ٤١.
(٣) السخاوى: الجواهر والدرر، ورقة ١٨ ب.
[ المقدمة / ١٢ ]
نسوق فكرةً لا نقطع فيها برأى باتٍّ، وإنما نعرضها ولعل هناك من يستطيع تبيان الحقيقة - وما هي بالتافهة - سواءٌ أكان ذلك التبيان بالنفي أو التأييد، تلك الفكرة هي أَننا نلمح في أُسرة ابن حجر نسبًا قريبا لا يمتّ بصلة إلى أحد الرأيين اللذين جاءَ بهما أبو المحاسن ثم من بعده السيوطي، وهو نسب كرديّ ربما كان هو الآخر مسلسلا من أصل عربي. وللتدليل على ذلك نقول إن السخاوى يذكر أن شيخه ابن حجر ردّ أصله في كتابه "صفة النبيّ" إلى جد سمَّاه "أحمديل" في قوله: "هو أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن أحمديل (^١) "، وقد لاحظنا أن هذا الاسم - وهو أحمديل - يرد في ترجمة عم ابن ابن حجر واسمه "شعبان بن محمد". وورود هذه النسبة عند ابن حجر نفسه وبقلمه ذاته وعند السخاوى دليل على أن أحد جدود هذه الأُسرة كان يسمى "بأَحمديل"، وهو إسم كردى صريح لا شبهة في كرديته، وليس ابن حجر - وهو النَّسابة الثقة - بمن ينتحل لأحدٍ قبيلةً ليس له فيها عرق.
ولا شك أن "أحمد يل"، إسمٌ يتردّد في أسماء الأَكراد، وحسبنا أن نشير إلى رجلٍ يحمل هذا الاسم في عصر نور الدين محمود بن زنكي وهو "أحمديل (^٢) بن إبراهيم"، حاكم أذربيجان الذي سماه أمدروز Amedroz - ناشرُ ذيل تاريخ دمشق - بالأمير "الكردى (^٣) "، ثم جاء من بعد ذلك العالمان: الانجليزي سير هاملتون جب Sir.h. Gibb الذي ترجم إلى الإنجليزية مقتطفات من تاريخ ابن القلانسي تتعلق بالحرب الصليبية الأولى، ولم يتعرّض (^٤) لتخطئة ابن القلانسي أو لنقد أمدروز، ثم جاء مسيو "روجيه لي تورنو " Tourneau r.le. فسكت (^٥) كما سكت من قبل الأستاذ جب، وسكوت هذين المستشرقين الكبيرين بل عدم تعرّضهما بالتشكك في صحة الاسم عند ابن القلانسي أو النعت عند "أَمدروز" يعدّ قبولًا منهما لنسبة "أحمديل"، إلى الأكراد، فإذا تقرّر ذلك في الأَذهان، وصحَّت معه إشارة ابن حجر بخطه إلى هذا الاسم في
_________________
(١) السخاوى: الجواهر والدرر، ورقة ١٣ ب.
(٢) ابن القلانسي ذيل تاريخ دمشق، ص ١٧٤.
(٣) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق، فهرس الأعلام، ص ٣٦٦.
(٤) Gibb: Damascus Chronicle، p. ١١٤.
(٥) Roger Le Tourneau: Damas de ١٠٧٥ à ١١٥٤، pp. ١٠٦، ١٤٦
[ المقدمة / ١٣ ]
نسبه في "صفة النبيّ" برزت في بؤرة الترجيح فكرة العِرق الكرديّ في أسلاف ابن حجر، ومن الثابت تاريخيا أنه كَثُر وفود الأَكراد إلى بلاد الشام ومصر وفلسطين زمن نور الدين زنكي وصلاح الدين الأَيوبى مِن بعده، وكان وفودهم في هجراتٍ ظلّت تترى إلى مصر على وجه الخصوص - ويأخذ بعضها بحجز البعض الآخر مدة تقرب من الأعوام الثمانين الأولى من حكم الدولة الأيوبية (^١)، كما أن في المصادر والوثائق المملوكية دلائلَ صريحة على أن بعض القبائل الكردية قد استقر بها المقام في بلاد الشام وفلسطين كجاليات حربية (^٢)، ولا يستبعد والحال هذه أن تكون ثمت أُسرة تدعى بأُسرة "أحمد يل"، ترجع لأصل عربي قديم قد وفدت إلى فلسطين مع مَن وفد، وإلى عسقلان بالذات، ثم تناست اسمها الكردى، كما لا يُستبعد أَن يكون ابن حجر قد آثر الصمت عن هذه النسبة في عصر المماليك الجراكسة الذي كاد يخلو من جنس الكرد.
* * *
أما عن أسرة ابن حجر فليس بين أيدينا مراجع أو إشارات وافية دقيقة عنها، ولكنّ هناك نتفا قلائل مبعثرة في ثنايا كتب التراجم والمعاجم نستطيع - بضمّ بعضها إلى بعض - أن نكوّن صورة - قد تكون تقريبية - عن هذه الأُسرة، وكيف أن بعض - أفرادها شغلوا مراكز دينية في مصر، وكيف أن البعض الآخر اتخذ التجارةَ وسيلةً للرزق، وانصرفوا بها انصرافًا غير مبتور ولا مجزوءٍ عن التدخل في الشئون السياسية يومذاك، فلم يلحقهم من العنت والاضطهاد والمصادرة والتنكيل ما لحق بالغير مما تفيض به حوليات تلك الفترة.
فيحدثنا ابن حجر عن عم أبيه عثمان بن محمد بن علي العسقلاني المعروف بابن البزاز، وأنه سكن الاسكندرية، ومهر في الإفتاءِ على مذهب الشافعي حتى صارت إليه رياسة هذا المذهب في الثغر: وحتى نعته فخر الدين بن عمرو بأنه "مفتى الثغر وفقيه الشافعية في زمانه"، كما تفقه به جماعة ممّن نبه الجيل باسمهم في الحديث والفقه كالدمنهورى وابن الكويك (^٣).
_________________
(١) Ayalon: The Wafidiya in the Mamluk Kingdom (١٩٥١)،pp.٨٩، ٩٨ - ٩٩.
(٢) Cf. Poliak: Feudalism in Egypt، Syria، Palestine and the Lebanon(١٢٥٠ - ١٩٠٠).
(٣) ابن حجر: المعجم المفهرس (لندن) ورقة ٨٧ أ، والدرر الكامنة ج ٢ رقم ٢٦٠٧.
[ المقدمة / ١٤ ]
ومنهم أيضا قطب الدين محمد المتوفى سنة ٧٤١ هـ الذي كان يستبضع الحرير بالإسكندرية إلى جانب قيامه بتدريس الحديث الشريف، وأنجب خمسةَ أبناء أَصغرهم نور الدين على والد أحمد صاحب"إنباء الغمر"، وكان مولد عليٍّ سنة ٧٢٠ ونشأَ في كنف الثراء مما أتاح له فرصة العناية بالدرس والتحصيل، وكان له ولع بالفقه والأدب والشعر، حتى خلّف كما ذكر ابنه في ترجمته - "عدة دواوين منها ديوان الحرم وهو مدائح نبوية مكية (^١) "، ولم يَفُته أن يدوّن أحداث عصره الكبرى، ووجدَت هذه الأحداث لها انعكاسًا وصدًى تردّد في قصائده التي لم تقتصر على الجانب الديني فقط، وهو وإن فاتته المشاركة في الدفاع عن عن الاسكندرية وصدّ هجوم القبارصة عليها عام ٧٦٧ هـ (= ١٣٦٥ م) - ذلك الهجوم الذي عُدّ من نكبات الإِسلام يومذاك - فإنه لم يفته تصوير ذلك في شعره، وقد أورد له السخاوى بعض شعره في هذا الوقت في كتابه "الجواهر والدرر".
وقد هيأَته قدرته الأدبية ومكانته على أن تتوثَّق أواصر المودة بينه وبين جماعةٍ من نبهاء عصره في ميدان العلم والمال، كابن نباتة الشاعر وابن عقيل النحوى وزكيّ الدين الخروبى رئيس التجار بالديار المصرية الذي "دَاخَلَ الدولة وتعانى الرياسة إلى أن فاق الأَقران وخضع له أكابر التجار وصار عين أعيانهم"، وكان نور الدين على - والد صاحب الإنباء - قد احترف التجارة، وأَورد له أَبو المحاسن (^٢) شعرًا يشير فيه إلى استبضاعه الكتان، وفيه يقول:
اسكندريَّةُ كم ذا … يسمو قماشُك عِزَّا
فَطَمْتُ نفسِيَ عنها … فلستُ أطلب بزَّا
ولا مشاحة في أن اشتغاله بهذه بالتجارة قد درّ عليه من الكسب ما جعله يرتع في بحبوحة العيش وأغناه عن التمسّك بالوظائف وإن شغل منها وظيفة نائب الحكم بالقاهرة لابن عقيل الذي توثقت بينهما عرى المودّة (^٣) وارتفَعَت عن مظان الشبهة والمنفعة الذاتية، فآثرها على الوظيفة: يوم أن ولى ابن جماعة القضاء وغدا بينهما شيء من التنافس.
_________________
(١) راجع ترجمة رقم ٤٣ في وفيات عام ٧٧٧ ص ١١٦ - ١١٧ في هذا الجزء من الإنباء، وكذلك شذرات الذهب، ج ٦ ص ٢٥٢.
(٢) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة (ط. القاهرة) ج ١١ ص ١٢٣.
(٣) ابن حجر: المعجم المفهرس، ورقة ٨٧ ب.
[ المقدمة / ١٥ ]
وقد تزوّج نور الدين على من "تِجار" ابنةِ محمد بن إبراهيم الزفتاوى عام ٧٦٦ هـ، والدلائل متوفرة على أنها خرجَت من أُسرةٍ ثرية موفورة المال والجاه معًا، فأَخوها أَحد تُجَّار الكارم بمصر وقد أَسّس ماله الخاص قاعةً في تجاه مصر مقياس الروضة، وكانت تِجار - قبل خطبتها لنور الدين - تحت أحمد بن محمد بن عبد المهيمن البكرى الذي تعلَّق بتعاليم ابن عربي، فاستولدها ولدهما عبد الرحمن الذي نشأَ في بحبوحة الثراءِ وتقلَّبَ في مطارف النعمة، بيد أن القدر لم يمهله فما لبث أَن مات فورثه أبوه البكرى، ثم طُلِّقت تِجار من البكرى لسبب لا ندريه وزُفَّت بعده إلى نور الدين على فأَنجبت له طفلين هما: ست الركب التي ولدت وهم في طريقهم إلى الحجاز عام ٧٧٠ هـ والتي ترجم لها ابن حجر في معجم شيوخه (^١) وفى الإنباء وإن لم يترجم لها في الدرر الكامنة، أما الطفل الآخر فهو "أحمد" صاحب "إنباء الغمر بأَنباء العمر" وذلك في شعبان (^٢) سنة ٧٧٣ هـ بناحية مصر بجوار منطقة دير النحاس والجامع الجديد (^٣).
ولقد ظل صاحبنا أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الذي كنَّاه أبوه بأَبي الفضل (^٤) مقيما في هذه الناحية (^٥)، والظاهر أن تِجارا ماتت وأحمد لا يزال طفلًا فوجد الرعاية والعطف والحنان من أخته ستِّ الركب وبادلها حبًّا بحب، يتجلَّى في وصفه إياها - حين تقدّمت به الأيام ولم تزل ذكراها ترف رقيقة بخاطره - فقال: "كانت أُمِّي بعد أمى (^٦) "، والظاهر أن أباه كان شديد العناية به حريصا على أن يكون له ولدٌ ذكرٌ من صلبه كما يبدو ذلك مما نطالعه
_________________
(١) ابن حجر: المعجم الفهرس، ورقة ٨٢ ا وراجع أيضا ترجمة رقم ٢٠ ص ٥١٧ في هذا الجزء من الإنباء.
(٢) راجع: السخاوى: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، ورقة ١٤ أ، ونظم العقيان للسيوطي، ص ٤٥؛ والنجوم الزاهرة في قضاة مصر والقاهرة لابن شاهين (مخطوطة المتحف البريطاني ومها صورة على فيلم بمكتبة آداب جامعة عين شمس) ورقة ٢١ أ، ابن حجر Quatremére: Op، Cit. t. I، pt. ٢، p. ٢٠٩.
(٣) القلقشندي: صبح الأعشى، ج ٣ ص ٣٤٦.
(٤) هكذا كناه أبوه كما ورد في كلامه هو عن نفسه في معرض ترجمته له حيث قال "وأحفظ عنه أنه قال: كنية ولدى أحمد: أبو الفضل".
(٥) ظل ابن حجر مقيما في هذه الناحية المعروفة الآن بمصر القديمة حتى بلغ الثالثة والعشرين من عمره حين تزوج لأول مرة في شعبان ٧٩٨ هـ من ابنة كريم الدين بن عبد العزيز ناظر الجيش في مصر.
(٦) ابن حجر: المعجم المفهرس، ورقة ١٨٢.
[ المقدمة / ١٦ ]
في ترجمة أحد المعتَقَدين بمصر وهو الشيخ يحيى الصنافيري الذي "كثرت مكاشفاته حتى صارت في حدّ التواتر (^١) ".
وكان لنور الدين على ولدٌ من غير زوجته تجار، فَضُل وقرأ "المنهاج" في الفقه ثم أدركته المنية فكان موته نازلة ارفضّ لها صبر أَبيه فاستسلم للوجد وأَمسى لا يتقارّ من الجزع، غير أن عقيدته في الشيخ يحيى الصنافيرى حملته على تلقِّى المصاب بجُنَّةٍ من صبره وذلك حين بشَّره الشيخ بأَن الله سيخلف عليه ولدا ويعمره (^٢)، فولدت له "تجار" ولدهما أبا الفضل "أحمد"، لكن ما لبث الأب أن مات وابنه ما زال في الرابعة من عمره، وكان قد عهد برعايته - حين حضرته الوفاة - إلى اثنين من أبرز رجالات عصره أحدهما زكي الدين الخروبي وثانيهما شمس الدين محمد بن القطان (^٣) الذي نقل عنه ابن حجر مرات عدّة فيما شهده ابن القطان ثم دوّنه في ثنايا كتابه "إنباءِ الغُمر"، ثم انقطع آخُذُه عنه بموته عام ٨١٣ هـ (^٤) غير أن الشخص الذي عنى بتربية أحمد الصغير أشدّ العناية كان زكي الدين الخرّوبي الذي ربطته بنور الدين عليٍّ رابطة المصاهرة، نستدل على ذلك مما أَورده ابن حجر ذاته من أن أباه كان متزوجا من أُخته، ولسنا نعرف أكانت هذه الزوجة هي التي أنجبت له الولد الذي قُبض قبل أحمد أم غيرها، وعلى أية حال فما كاد نور الدين على يموت حتى كفل الخروبي أحمدًا اليتيم ورعاه وأدخله الكتّاب، وسرعان ما تجلّت قدرته وظهرت مقدرته في التحصيل، فما انقضت خمس سنوات حتى كان قد أتمّ حفظ القرآن وتجويده، كما وضح للعيان ما وهبه الله من حافظةٍ واعية حيث حفظ سورة مريم في يوم واحد، وقد عاونته هذه الحافظة القوية فيما بعد على استيعاب الأَحاديث والروايات، فكان لا يقرأُ شيئًا إلَّا انطبع في ذهنه وظل حيًّا رغم مرّ السنين وتوالى الأَحداث وتراكمها؛ والواقع أن الفضل الأَكبر في إبراز ملكات أحمد وتوجيهها التوجيه الصحيح يرجع إلى زكيّ الدين الخروبي الذي لم يَألُ جهدا في رعايته وتثقيفه، وكان الخروبي كريم المهزّة فيما يتعلّق بتربية أحمد فجعل له مربية
_________________
(١) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج، رقم ١١٩٩.
(٢) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج ٤ رقم ١١٩٩.
(٣) السخاوى: الجواهر والدرر، ورقة ٥٨ أ.
(٤) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج ٧ ص ١٠٤.
[ المقدمة / ١٧ ]
خاصة وجعل له مدرسين خصوصيين منهم شمس الدين بن العلاف الذي صار محتسب مصر سنة ٧٩١ هـ وهو الذي أقرأه القرآن، وكذلك محمد بن السفطى، فلما كان رمضان سنة ٧٨٥ هـ (^١) شخَص الخروبي إلى الحجاز وبصحبته أحمد، وجاورا بمكة مدة تقرب من السنة، وهنا أُتيحت لابن حجر الفرصة لمتابعة بعض الدروس الدينية تحت إشراف أول شيخٍ له في الحديث ونعني به عبد الله بن سليمان النشاورى (^٢) الذي نعته اليافعي (^٣) بأنه آخر أصحاب الرضيّ الطبرى، وكان النشاورى ممن يعتد بهم ويُعَوَّل عليهم في رواية الحديث، وقد تهيأَت الفرصة لابن حجر في هذه السنة التي أقامها بمكة مجاورًا - أن يحضر عليه "صحيح البخاري".
أما ثاني هذين الشيخين اللذين اختلف ابن حجر إلى دروسهما في مكة فهو جمال الدين بن ظهيرة (^٤).
وقد أتم ابن حجر أثناء إقامته بمكة القرآن الكريم تلاوةً وحفظًا، وكان المأمول - وقد حفظ الكتاب الكريم - أن يصلِّيَ بالناس إماما سنّةً جرى عليها القوم آنذاك يوم يتم الفرد حفظه، غير أنه جدّ من الأمور ما حال بينه وبين ذلك الشرف، على أنه مما لا جدال فيه أن شخوصَه إلى مكة كان حافزًا له على التعلّق بدراسة الحديث والانكباب على استيعابه والتحقق من رجالاته وأسانيده، حتى أصبح "المحدث" و"الحافظ"، وما كاد يؤوب من بيت الله الحرام وقد استظهر كتاب الله الكريم ووعت ذاكرته "صحيح البخارى"، حتى حضر دروس سليمان بن عبد الناصر الأبشيطى (^٥) الذي كان "جيد الاستحضار للعلم"، على حدّ قول ابن حجر ذاته عنه (^٦).
_________________
(١) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج ١ رقم ٥١٩.
(٢) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج ٢ رقم ٢٢٢٩؛ وترجمة رقم ١٨ من وفيات سنة ٧٩٠ ص ٣٥٨ - ٣٥٩ في هذا الجزء من الإنباء، وابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ج ٦ ص ٣١٣.
(٣) اليافعي: مراة الجنان، ص ٢٦٧ - ٢٦٩، وابن حجر: الدرر الكامنة، ج ٢ رقم ٢٢٢٩، والمعجم المفهرس، ورقة ٤٢ أ - ب، والسخاوى: الجواهر والدرر، ورقة ١٨ أ.
(٤) ابن حجر: المعجم المفهرس، ورقة ١٩٦.
(٥) السخاوى: الضوء اللامع ج ٣ رقم ١٠٠٣، وابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ج ٧ ص ٩١.
(٦) راجع الإنباء، سنة ٨١١ هـ.
[ المقدمة / ١٨ ]
بيد أن موت زكى الدين الخروبي عام ٧٨٦ هـ كان نكبةً عليه إذ فَقد العنايةَ التي كان يلقاها من وصيّه في حياة وصيه، وغبرت فترة ركود عاد بعدها ابن حجر - وقد بلغ السابعة عشرة من عمره - لمتابعة دراسته تحت إشراف وصيّه الثاني شمس الدين محمد بن القطان الذي درّس له الفقه واللغة والحساب (^١).
* * *
عنى ابن حجر بالدرجة الأولى بدراسة الحديث وانصرف إليه انصرافا غير مجزوءٍ مدى عشر سنوات امتدت من سنة ٧٩٧ هـ حضر خلالها مجالس شيخيه وشيخَي عصره في هذا الفنّ: عبد الرحيم العراقى والبلقيني، وشيخه في الفقه: ابن الملقِّن.
أما البلقيني فهو عمر بن رسلان الكناني العسقلاني (^٢) الذي كان يعدّ أبرز فقهاء عصره وضرب في هذا الفنّ بسهمٍ وافر حتى لقد استرعي انتباه اثنين من شيوخه هما تقى الدين السبكى المتوفى سنة ٧٤٤ هـ الذي يُجمع ثقات المؤرخين على أنه كان لا يجاري في هذا الميدان (^٣)، أما الآخر فهو محمد بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن عدلان (^٤) الذي لم يقدّم الإسنوى عليه أحدًا. وقد أظهر البلقيني منذ سنٍّ مبكرةٍ أصالةً في حلّ المشكلات الفقهية على قواعد من المنطق حتى لقد اختاره ابن عقيل ليكون نائب الحكم عنه (^٥)، كما أن ابن كثير جعله في مرتبة ابن تيمية.
وكان البلقيني ذا نزعة إصلاحية، ففي حوليات ذلك العصر إشاراتٌ صريحة لما كان له من فضلٍ في إلغاءِ بعض المكوس مثل ضمان المغانى زمن الأشرف شعبان (^٦)، وقد خلّف البلقيني مؤلفات قلائل ولكنها ذات أهمية بالغة في الفقه لا يزال معظمها موجودًا، ويتجلى تقدير
_________________
(١) ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية (مخطوط بالمتحف البريطاني)، ورقة ١٩٥ ا، السخاوى: الجواهر والدرر، ورقة ١٠٨ ب.
(٢) وردت هذه النسبة في طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ورقة ١٩٠ ا، ولحظ الألحاظ لابن فهد ص ٢٠٦، ٤. Brockelmann: Gesch. der. Ar. Lit.، II، p، ولكنها لم ترد في الإنباء، ولا في ذيل السيوطي ص ٣٧، ولا في الشذرات، ج ٧ ص ٥١.
(٣) التذكرة للدمشقى ص ٥١، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٣٥٢، والشذرات لابن العماد، ج ٦ ص ١٨٠، وابن فهد: لحظ الألحاظ، ٢٠١.
(٤) ابن حجر: الدرر الكامنة ج ٣ رقم ٨٩١، والشذرات ج ٦ ص ١٦٤.
(٥) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ورقة ١٩٠ ب.
(٦) راجع الضوء اللامع للسخاوى، ج ٦ ص ٨٥ - ٨٦، ولحظ الألحاظ لابن فهد، ص ٢٠٨.
[ المقدمة / ١٩ ]
ابن حجر لقفه أُستاذه في ترجمتيه اللتين أودعهما إنباءَ الغمر والمعجم المفهرس، وكذلك ترجمته إياه في ذيل الدرر، غير أن البلقيني كان ركيك الأُسلوب في العربية ضعيفه حتى ليقول النواجي (^١) الشاعر المصرى إن الشيطان "وجد سبله إلى البلقيني مقفلة فجاءه من باب ما نظم".
أما ثاني هؤلاء الأَساتذة الذين يدين لهم ابن حجر بالفضل فهو ابن الملقِّن الذي خلّف مجموعةً ضخمةً من الكتب القيمة (^٢)، وقد ولد ابن الملقن بالقاهرة سنة ٧٢٣ هـ، وكان أَبوه قد قدم في الأصل من وادي آش بإِسبانيا ومن ثم يرد اسمه أحيانا في ترجماته بالوادي آشي، وعدّه كل من ابن فهد والسيوطي بين جماعة الحفّاظ، وقد شرع ابن الملقن في أخريات حياته في وضع شرح لصحيح البخارى في قرابة عشرين مجلدة، على أنه يقال إنه كان في دروسه أحسن منه في كتاباته.
ولقد شارك ابن الملقن في مضمار الحديث معاصرُه عبد الرحيم بن الحسين المعروف بالعراقي الذي برز في القراءات واللغة وفقهها (^٣)، فأكثر من الرحلة في طلب الحديث، وهيّأَت له أسفاره العدة الفرصةَ لمعرفة رجالاته مما كان له أثر غير منكور في توجيه تلميذه ابن حجر حتى صار إليه الرجوع فيه، وعليه المعوّل في التثبّت من رواته، وقد ولى العراقى وظائف التدريس والإفتاءِ في مصر ودمشق ومكة، وخلاصة القول أن ابن حجر تتلمذ على يد ثلاثةٍ من أعلام فنونهم، ولقد أجمل ابن شهبة أَهميتهم في نعته إياهم بأَنهم كانوا معجزة زمانهم (^٤).
* * *
ولقد شَغل ابن حجر كثيرًا من الوظائف الهامة في الإدارة المملوكية المصرية، وهى وظائف هيّأَت له السبل للوقوف على ما جريات السياسة المصرية ودخائلها آنذاك، ومكّنته من الاتصال المباشر بالمصادر الأولى لأَحداث هذا العصر سواءٌ أكانت هذه المصادر هي السلاطين أنفسهم أم كبار رجالات الدولة أم طلاب العلم أم الوثائق التي لم تتوفّر كثيرًا لمن عاصروه من المؤرخين، ويتجلى هذا كله فيما ازدحمت به سطور "الإنباء" من الإشارات الجمّة إلى روايته عن بعض السلاطين كالمؤيد شيخ والظاهر ططر، وفى استعماله مكاتبات وتقارير لم ترد عند غيره،
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع، ج ٧ رقم ٥٧١.
(٢) لحظ الألحاظ لابن فهد، ص ٢٠١.
(٣) ابن فهد: لحظ الألحاظ، ص ٢٠١.
(٤) ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية، ورقة ١٩٢ ب.
[ المقدمة / ٢٠ ]
ومثال ذلك ما سيراه القارئ من التقرير الذي كتبه إبراهيم بن البقاعي عن حملات جقمق الثلاث التي أنفذها لمحاربة قراصنة الكتلان والاسبتارية ورودس مما يلقى ضوءا جديدا كل كل الجدّة على حقيقة هذه الحملات مما يغاير ما اتفق عليه حتى الآن بين المؤرخين (^١)، ومثال دقته حين يورد هذا التقرير يثبته بخط البقاعي.
واستطاع ابن حجر بفضل مكانته في دوائر الحكم العليا أن يصوّر في الأَنباءِ أحداثا معينة في حقيقتها مثل كشفه القناع عن محاولة فاشلة لمحاولة صليبية بين أراجون والحبشة في زمن برسباى لسحق قوة مصر وتحويل مجرى النيل (^٢)، وهو بهذا يرينا أن فكرة فيليب دي مزيير Philippe de Meziere قد ظلت حية في أذهان جماعاتٍ كثيرة من أهل الغرب في القرن الخامس عشر، وأهمية هذا عند المشتغلين بدراسة الحروب الصليبية هو إمكان كتابة فصولٍ جديدة فيها معلومات تظهر لأول مرة في الشرق والغرب على السواءِ.
وتهيأَ لابن حجر أَن يشغل وظائف التدريس المختلفة والإفتاء ودار العدل وقاضي القضاة الشافعية، ويلاحظ أنه عنى عناية فائقة بالتدريس الذي لم يصرفه عنه شيء ألبتة حتى أيام توليّه القضاء والإفتاء، وكان لا يقدّم عليه أي منصب مهما بلغ من الرفعة، وكانت مجالس إملائه تزدحم بشخصيات كبيرة لمعت في أفق الحديث والتاريخ والأدب.
تولى ابن حجر تدريس الحديث وقد اكتملت له أسبابه فعهد إليه السلطان فرج بن برقوق بعقد مجالس إملائه في المدرسة الشيخونية عام ٨٠٨ (= ١٤٠٥ م) ويشير القلقشندى إلى أن وظيفة التدريس بهذه المدرسة كان يُعهد بها - من قِبل السلطان - إلى أبرز رجالات هذا العصر، ولقد عكف ابن حجر على الإملاء وعكف تلاميذه على الأَخذ عنه، فإذا مجالس إملائه في الشيخونية تؤلف فيما بعد كتابه "الإمتاع بالأَربعين المتباينة بشرط الإسماع"، ثم قام في العام التالى بتدريس الحديث ولكن في المدرسة المحمودية التي كانت من أحسن مدارس عصرها في مصر والشام إلى جانب ما زخرت به من آلاف المجلدات في شتى فنون المعرفة السائدة يومذاك، والظاهر أن ابن حجر كان حريصا على تولِّى أمر هذه المدرسة نظرًا لمكتبتها، إذ يحدّثنا تلميذه السخاوى بأن شيخه عمل لها فهرستين إحداهما بالحروف الهجائية والأُخرى حسب
_________________
(١) Cf. H. Habashi Egyptian Expeditions against Dastelrosso & Rhodes
(٢) السخاوى: الجواهر والدرر، ورقة ١٣٣ ب.
[ المقدمة / ٢١ ]
الموضوعات، وظل ابن حجر بهذه المدرسة قيما على مكتبتها ثلاث سنوات نُقل بعدها إلى مدرسة جمال الدين الأُستادار عند أول افتتاحها سنة ٨١١ هـ، ويذكر المقريزي أنه كان بها خمسةٌ من شيوخ العلم يتناول كل منهم ثلاثمائة درهم شهريا.
* * *
وتتناول مخطوطة "إنباء الغمر بأَنباء العمر" تاريخ مصر والشام والدول التي تتاخمهما والتي كانت لها بهما علاقات أيا كانت صورة هذه العلاقات، وكذلك تراجم الرجال والنساء الذين قُدّر لهم أن يموتوا خلال هذه الحقبة التي تتضمنها "الإنباء" ونعني بها من سنة ٧٧٣ هـ (وهى سنة مولد ابن حجر) حتى عام ٨٥٠ م أي قبل وفاته بعامين، ومن ثم كانت الإنباء شاملة للفترة الأخيرة من حكم السلطان شعبان ثم برقوق وفرج والمؤيد شيخ محمودى وبرسباي ولجزء من سلطنة جقمق، ولم يقف ابن حجر عند حدّ الأحداث السياسية في عام يومه إذ ذاك بل تناول الأوضاع السياسية والاقتصادية والتجارية، كما تضمّن إشاراتٍ فريدةً إلى التكتلات الصليبية الغربية والمحالفات التي كان الغرض منها القضاء على قوة مصر، وهى أحداث ضخمة أيّدتها الوثائق المحفوظة في بعض دول أوربة.
كذلك ألمّ بالأوضاع الاجتماعية للشعب المصرى، ولم تفته الإشارة في كثيرٍ من الأحيان إلى الأدب الشعبي ممّا نستطيع معه رسم صورة حية لهذا المجتمع، ومن ثم تطرّق إلى ذكر الأُدباء والفقهاء والقضاة ورجال الدين والمعتقَدين وأصحاب الحرف وشهيرات النساء في عالم العلم والغناء والسياسة، كما أشار إلى التطورات التي أخذّت سبيلها إلى الحياة اليومية سواء ما كان منها نابعا من الناس أنفسهم أو متّصلا بتفسيرات ترتكز على أَساس من الفقه والشريعة كنظام الأوقاف وما كانت تمليه سياسة الوقت إذ ذاك، هذا إلى ما تضمنه "الإنباء" من وثائق ضاعت أصولها أو أخرى استكتبها من أصحابها أنفسهم فكانت له بذلك أسبقيةٌ على كثير من مؤلفات غيره.
* * *
وقد اعتمد ابن حجر في تدوين محتويات "إنبائه" على عديد من المراجع المعاصرة التي ذكر أسماء أصحاب البعض منها في مستهل كتابه، ثم أشار في كثيرٍ من المواضع - وحيث استلزم الأمر - إلى من أخذ عنهم، وقد كتب إليه البعض بأنباء حضروها وكان هو غائبًا عنها، ثم هناك فريق رحل إليهم ابن حجر ذاته فحدّثهم وحدّثوه وسمع منهم، وكان ابن حجر من
[ المقدمة / ٢٢ ]
أصحاب الرحلة في تتبع الأخبار ما بين صعيد مصر واسكندريتها وبلاد الشام والحجاز واليمن، ولقد أتاحت له هذه الأسفار مزيدًا من الأخبار والتراجم لا نجدها بهذه الوفرة وتلك الدّقة عن غيره ممن عاصروه كالمقريزى والعينى وأبى المحاسن. بل إن المقارنة بين الأحداث والتراجم التي ذكرها ابن حجر في هذا الكتاب وبين مثيلاتها عند هؤلاء المؤرخين الثلاثة على وجه الخصوص تجعل لصاحبنا الصدارة في المجال التاريخي، نقول هذا بعد نظر طويل في مؤلفات ذلك العصر على الإجمال، ثم إن هناك مصدرًا آخر لم يتوفّر لهؤلاء المؤرخين الآخرين - وإن توَفّر فتوَفُّرٌ مجزوء - وهو ذو شقين: أحدهما تولِّى ابن حجر بعض المناصب الكبرى في الدولة المملوكية ممَّن شاركه في بعضها غيره، أو مناصب لم يشركه فيها سواه كالإفتاء ودار العدل وقضاء القضاة الشافعية.
أما الشق الآخر فهو معرفته الشخصية لبعض السلاطين معرفةً ترقى إلى حد الصداقة والمجالسة واستشارتهم إياه فيما بَهُم عليهم وأغلق من أمور السياسة ذات الصلة بالشرع، حتى لقد أخذ بعض الأخبار عنهم ناسبًا كل خبر لمصدره، وبذلك توفرت له المادة التاريخية إلى جانب الصنعة التاريخية التي هيأتها لها دراساته العميقة للأحاديث الشريفة ورجالاتها.
* * *
ولقد كانت النية في مبدأ الأمر الاعتماد في نشر هذا الكتاب على النسخة التي كتبها ابن حجر بخط يده والمحفوظة بمكتبة الظاهرية بدمشق، ولم أكتف بذلك بل رجعتُ إلى سبع نسخ أُخرى، وهذا بيانها كلها ورموزها المستعملة في حواشي هذه النشرة:
ظ: نسخة بخط المؤلف في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم ٢٤١ تاريخ.
ز: نسخة بمكتبة الجامع الأزهر بالقاهرة رقم ٧١٠ تاريخ.
ل: نسخة بالمتحف البريطاني بلندن رقم Add. ٧٣٢١.
ك: نسخة بمكتبة أحمد الثالث بتركيا رقم ٢٩٤٢/ ١.
ف: نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس رقم ١٦٠١.
هـ: نسخة في السعيدية بحيدر أباد، بالهند، رقم ٩٤ تاريخ.
ش: نسخة المدينة المنورة، رقم ٥٢٣ مدينة.
ع: نسخة خزائنية بصنعاء، على فيلم بدار الكتب المصرية.
[ المقدمة / ٢٣ ]
وربما قيل إنه كان يمكن الاكتفاء بالنسخة التي كتبها ابن حجر ذاته بخط يده، وهى نسخة الظاهرية (ظ)، لكن تبيّن لي أنها لا تعدو أن تكون "مسودة"، أولى كتبها لنفسه، هذا بالإضافة إلى الإشارات القلمية التي دوّنها ابن حجر مما يشير إلى ذلك، وأذكر على سبيل المثال أنه في ترجمة رقم ٤ في وفيات سنة ٧٨٦ هـ كتب "يحوَّل من سنة ٧٨٥"، ويلاحظ أيضا في وفيات هذه السنة كما جاءت في نسخة ظ - أنها لم ترتب أبجديا فترجمة رقم ١ سنة ٧٨٦ جاءت في ظ بعد رقم ١٠، وقد لاحظ هو نفسه ذلك فكتب أمامها "ترتب"، مما يُفهم منه في يُسرٍ أنه جعلها مسودّةٌ، وقد اعتزم - لو أن الوقت أَسعفه والعمرَ مُدَّ له أن يجعلها في نسق كالذي اصطنعه في الدرر الكامنة، ثم سار على نهجه فيه تلميذه السخاوى في الضوء اللامع من حيث الترتيب الأبجدى في اسم الشخص ثم أبيه ثم جده وهكذا دواليك حيث اقتضَت الضرورة وألحَّت أن "أُرتب" التراجم حسب حروف المعجم حين يُعْوِز هذا الترتيب.
وحين ترجم لشاه شجاع (وهى الترجمة رقم ١٤ لوفيات سنة ٧٨٧ ص ٣٠٦ من هذا الجزء) جاء في ظ: "شاه شجاع صاحب شيراز وبلاد فارس، كان عالمًا فاضلًا محبًّا للعلماء والعلم، كتب الخط الفائق وشارك في العلم"، ثم أضاف في ورقة منفصلة (ورقة ٦٩ أ من نسخة ظ) الترجمة الواردة هنا داخل الإنباء رقم ١٤ وذلك مع شيءٍ من التغيير في بعض النسخ الأخرى.
ومما يدلّ على أن نسخة ظ هي المسودّة أنه كتب في ورقة ٦٧ ا منها في الصلب: "شرف الدين الأنطالى باللام، كان من الصوفية البسطامية"، ثم عاد في هامش نفس الصفحة فكتب الترجمة الواردة في المتن فيما بعد رقم ٢٨ ص ٣٠٠ هنا باسم "محمود"، وهي لنفس المترجم.
وفى أثناء دراستي للدكتوراه في جامعة لندن، أشار عليّ الأستاذ الدكتور برنارد لويس أن أُلحِق الرسالة الأَصليّة بنشر قسم من "إنباء الغمر"، وشاركه هذه الإشارة الأستاذان سير هاملتون جب، وهارولد بووين ثم زكَّى هذه الفكرة المستشرق الإيطالي الأستاذ ديلافيد، الذي بذل لي من وقته وجهده الكثير أثناءَ وجودى برومة فيسّر لي مكتبته الخاصة ومكتبة الفاتيكان، فاستجبتُ لهم جميعًا مرحبًا، وأقبلتُ على العمل إقبالًا ظلّ ملازمى منذ سنة ١٩٥٤ حتى الآن، فوثَّق معرفتي بابن حجر وحياته وأسلوبه وأقام وشيجةَ صداقةٍ عندى نحوه، ولقد وجدتني مضطرا - في لندن - إلى استعمال نسخة ظ فتفضلت جامعة عين شمس فبعثَت إليّ مشكورةً بصورةٍ كاملة منها هي اليوم في مكتبة كلية الآداب بها، ولقد
[ المقدمة / ٢٤ ]
أُتيح لي أثناءَ دراستي بالخارج أن أُقارن محتويات نسخة ظ بكثيرٍ من نسخ المخطوطة في رومة (مكتبة الفاتيكان) والمتحف البريطاني بلندن والمكتبة الأهلية بباريس وأرانى مدينا بالفضل الكبير لأصدقائي في هذه الدور وللعاملين بها فقد يسّروا لي سبل الاطلاع على ما أريد، ولم يبخلوا عليّ بما أردت وفوق ما كنتُ أريد دون مَنٍّ ولا ضجر. كذلك أشكر أعضاءَ لجنة إحياء التراث الإسلامي بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية فتمد رأوا أن يكون "الإنباء" من بين ما تقوم اللجنة بنشره.
ولقد نسخْتُ نسخة ظ، ثم قارنتها بالنسخ الأخرى التي هَيَّأَ لي الوقت توفّرها في مصر أو الخارج وجعلت التقدمة في النشر لما كتبه ابن حجر بخط يده إلا حيث اختلف الرسم فيوضع الصحيح مع الإشارة في الهامش إلى ما بين النسخ من اختلاف، وضبطت الأعلام بقدر ما وسعنى الجهد، كما رجعت في المادة التاريخية التي تضمنتها أخبار "الإنباء"، إلى حوليات ذلك العصر من مشاهدى العيان لهذه الحقبة ممن لا زالت كتب معظمهم رهن الخطيات في دور الكتب في القاهرة والاسكندرية ولندن وكمبردج وأكسفورد وباريس ورومة والفاتيكان وليدن وتركيا وكذلك أفلام قسم المخطوطات بالجامعة العربية كما رجعتُ أيضا إلى الأبحاث الحديثة التي وضعها بعض المستشرقين والمؤرخين من الكاتبين بالعربية أو الإنجليزية أو الفرنسية وأشرت إلى ذلك كله في الحواشي في موضعه الخاص به.
أما الأعلام الذين ورد ذكرهم في ثنايا "إنباء الغمر" من الفقهاء والعلماء والمحدّثين والرواة ورجال السياسة والدين والعامة فقد رجعتُ إلى تراجمهم في الكتب المطبوعة والخطيّات، متجنّبا الإطالة ومكتفيا بإحالة القارئ إلى تلك المظان - إلّا حيث يتطلب النص شرحًا وإيضاحا، والعَلَمُ تحقيقا - واتبَعْتُ ذلك الطريق حتى لا تتخم الحواشي وتطغى على المتن، وسيجد القارئ في نهاية هذا الجزء - وهو أول أجزاء تكمل بها الإنباء مطبوعة - ثبتًا بالمصادر والمراجع التي استشرتها في إخراج هذه النسخة أما الفهارس التفصيلية لأسماء الأعلام والأماكن والوظائف والكتب الواردة فقد أرجأتها إلى نهاية الجزءِ الثالث هذا من التقسيم للإنباء.
وبعد فأرجو أن أكون قد وفِّقتُ في إخراج هذه النسخة، وما التوفيق إلا من الله، عليه توكلت وإليه أنيب.
القاهرة في أول يناير ١٩٦٩
حسن حبشي
[ المقدمة / ٢٥ ]