إبراهيم بن عبد الرزاق بن غراب مضى ذكره في الحوادث.
إبراهيم الحنبلي الصواف برهان الدين أحد نواب الحكم، كان من طلبة القاضي موفق الدين، مات في العشرين من رمضان.
أحمد بن إبراهيم بن سليمان العكاري ثم الطرابلسي المعروف
[ ٥ / ٣١١ ]
بابن العلم، نسبة إلى جده علم الدين سليمان، تفقه ببلده، ثم دخل دمشق واشتغل بها على الحسباني ورحل مع الياسوفي إلى حلب، فسمع بها في سنة سبعين على الكمال ابن النحاس والكمال ابن حبيب وأحمد بن قطلو وغيرهم، وولي قضاء عكار، وكانت لديه فضيلة ويتكسب من الشهادة، ثم دخل مصر، وقرأ على البلقيني، قال القاضي علاء الدين: اجتمعت به بطرابلس، وكان فاضلًا مات في صفر هذه السنة بطرابلس.
أحمد بن طوغان بن عبد الله الشيخوني المعروف بدويدار النائب، مات أبوه وهو صغير فرباه سودون النائب فباشر الدويدارية عنده وأثرى، وكان يحب أهل الخير والصلاح، ثم ترامى على أهل الحديث واختص بهم ولازم مطالعة كتب أهل الظاهر واشتهر بذلك حتى صار مأوى لمن ينسب إلى ذلك وكان يتعانى العمل بما يقتضيه قول أهل الطب فيما يتعلق بالغداء والعشاء، فيكثر الحمية في زمن الصحة، ولا يأكل إلا بالميزان فلا يزال معتلًا، مات في جمادى الأولى بالإسكندرية والله يرحمه.
[ ٥ / ٣١٢ ]
أحمد بن عبد الله المعروف بالشيخ حطيبة بمهملتين مصغرًا الدمياطي أحد المجذوبين الذين يعتقد فيهم العامة الولاية، قيل: إنه كان متزوجًا فأحب المرأة فبلغه أنها اتصلت بغيره، فحصل له من ذلك طرف خبال، ثم تزايد به إلى أن اختل عقله ونزع ثيابه وصار عريانًا، وله في حالته هذه أشعار منها قال مواليًا:
سرى فضحتي وأنتي سركي قد صنت … قصدي رضاك وأنتي تطلبي لي العنت
ذليت من بعد عزي في الهوى ما هنت … يا ليت في الخلق لا كنتي ولا أنا كنت
مات في أول المحرم، نقلت ترجمته من خط الشيخ تقي الدين المقريزي.
أحمد بن عماد بن يوسف الأقفهسي الشافعي المعروف بابن العماد أحد أئمة الفقهاء الشافعية في هذا العصر، اشتغل قديمًا وصنف التصانيف المفيدة نظمًا وشرحًا، وله أحكام المساجد وأحكام النكاح وحوادث الهجرة
[ ٥ / ٣١٣ ]
وغير ذلك، سمعت من نظمه من لفظه وكتب عنه الشيخ برهان الدين محدث حلب من فوائده.
[ ٥ / ٣١٥ ]
أحمد بن محمّد بن إسماعيل بن عبد الرحيم بن يوسف بن شمير بن خازم المصري أبو هاشم ابن البرهان الظاهري التيمي، ولد في ربيع الأول سنة أربع وخمسين، واشتغل بالفقه على مذهب الشافعي، ثم صحب شخصًا ظاهري المذهب فجذبه إلى النظر في كلام أبي محمّد بن حزم فأحبه، ثم نظر في كلام ابن تيمية فغلب عليه حتى صار لا يعتقد أن أحدًا أعلم منه وكانت له نفس أبية ومروءة وعصبية ونظر كثير في أخبار الناس فكانت نفسه تطمح إلى المشاركة في الملك وليس له قدم فيه لا من عشيرة ولا من وظيفة ولا من مال. فلما غلب الملك الظاهر على المملكة وحبس الخليفة - أي في سنة ٧٨٥ - غضب ابن البرهان من ذلك وخرج في سنة خمس وثمانين إلى الشام ثم إلى العراق يدعو إلى طاعة رجل من قريش، فاستقرى جميع الممالك فلم يبلغ قصدًا، ثم رجع إلى الشام فاستغوى كثيرًا من أهلها وكان أكثر من يوافقه ممن يتدين لما يرى من فساد الأحوال وكثرة المعاصي وفشو الرشوة في الأحكام وغير ذلك، فلم يزل على ذلك إلى أن نمى أمره إلى بيدمر نائب الشام فسمع كلامه وأصغى إليه إلا أنه لم يشوش عليه لعلمه أنه لا يجيء من يده شيء، ثم نمى أمره إلى نائب القلعة ابن الحمصي وكان بينه وبين بيدمر عداوة شديدة، فوجد الفرصة في التألب على بيدمر
[ ٥ / ٣١٦ ]
فاستحضر ابن البرهان واستخبره وأظهر له أنه مال إلى مقالته فبث عنده جميع ما كان يدعو إليه فتركه وكاتب السلطان وأعلمه بقصتهم، فوصل كتاب السلطان إلى بيدمر يأمره بتحصيل ابن البرهان ومن وافقه على رأيه، وأمره أن يسمرهم، فتورع بيدمر عن ذلك وأجاب بالشفاعة فيهم والعفو عنهم وأن أمرهم متلاش وإنما هم قوم خفت أدمغتهم من الدرس ولا عصبية لهم، ووجد ابن الحمصي الفرصة لعداوته لبيدمر فكاتب السلطان أن بيدمر قد عزم على المخامرة فوصل إليه الجواب بمسك ابن البرهان ومن كان على مثل رأيه وإن آل الأمر في ذلك إلى قتل بيدمر، ولما أحضر ابن البرهان إلى السلطان استدناه واستفهمه عن سبب قيامه عليه فأعلمه أن غرضه أن يقوم رجل من قريش يحكم بالعدل وأعلمه بأن هذا هو الدين ولا يجوز غيره، وزاد في نحو ذلك فسأله عمن معه على مثل رأيه من الأمراء فبرأهم وأمر بضربه، فضرب هو وأصحابه وحبسوا بالخزانة المعدة لأهل الجرائم، وذلك في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين، ثم افرج عنهم في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين فاستمر ابن البرهان مقيمًا بالقاهرة على صورة إملاق حتى مات في أربع بقين من جمادى الأولى من هذه السنة وحيدًا غريبًا فريدًا، وحضرت جنازته والصلاة عليه في نحو سبعة أنفس لا غير، وكان حسن المذاكرة والمحاضرة عارفًا بأكثر المسائل التي يخالف فيها أهل الظاهر الجمهور، يكثر الانتصار ويستحضر أدلتها وما يرد على معارضها، وأملى وهو في الحبس مسألة رفع اليدين في السجود ومسألة وضع اليمنى على اليسرى ورسالة في الإمامة، سمعت من
[ ٥ / ٣١٧ ]
فوائده كثيرًا، وكان كثير الإنذار لما حدث بعده من الفتن ولا سيما ما حدث من الغلاء والفساد بسبب رخص الفلوس حتى رأى عندي قديمًا مرّة خابيًا كبيرًا من الفلوس فقال لي: احذر أن تقتنيها فإنها ليست رأس مال، وكان كذلك فإنها في ذلك الوقت كان القنطار منها يساوي عشرين مثقالًا أو أكثر، وآل الأمر في هذا العصر إلى أنها تساوي أربعة مثاقيل ثم صارت تساوي ثلاثة، ثم اثنين وربع ونحو ذلك، ثم انعكس الأمر بعد ذلك وصار من كان عنده منها شيء احتيط به لما رفعت قيمتها من كل رطل منها بستة دراهم إلى اثني عشر، ثم إلى أربعة وعشرين، ثم تراجع الحال لما فقدت، ثم ضربت فلوس أخرى خفيفة جدًا، وجعل سعر كل رطل أكثر من ثلاثين، وظهر في الجملة أنها ليست مالًا يقتنى لوجود التخلل في قيمتها وعدم ثباتها على قيمة واحدة، قرأت بخط البرهان المحدث بحلب: أنشدني أبو العباس أحمد بن البرهان عن الشيخ برهان الدين الآمدي قال: دخلت على العلاّمة أبي حيّان فسألته عن القصيدة التي مدح بها ابن تيمية فأقر بها وقال: كشطناها من ديواننا، ثم دعا بديوانه فكشف وأراني مكانها في الديوان مكشوطًا، قال المحدث: فلقيت الشيخ برهان الدين الآمدي فقال لي: لم أنشده إيّاها ولا أحفظها، إنما أحفظ منها قطعًا، قال: فكان الآمدي قد ذكر لي قبل ذلك الحكاية بزيادات فيها، ولم يذكر القصيدة، قال: ثم لقيت ابن البرهان بحلب في أوائل سنة سبع وثمانين فذاكرته بما قال لي
الأمدي فقال لي: أنا قرأتها على الأمدي فظهر أنه لم يحرر النقد في الأول، والقصيدة مشهورة لأبي حيان وأنه رجع عنها.
[ ٥ / ٣١٨ ]
أبو بكر بن عبد الرحمن بن فيروز تقي الدين الحواري، كان يقرئ أولاد القاضي تاج الدين السبكي، وسمع من بعض أصحاب الفخر، ثم ولي قضاء أذرعات، مات في المحرّم وله بضع وستون سنة.
جقمق الصفوي الحاجب بدمشق، قبض عليه في المحرم سنة خمس ثم أرسل إلى غزّة، فلمّا ولي نوروز في هذه السنة استصحبه لدمشق وقرره في الحجوبية، فلما انكسر نوروز مات.
دقماق الظاهري كان من الخاصكية وكان معه بالكرك - قال
[ ٥ / ٣١٩ ]
القاضي علاء الدين في تاريخه كان شكلًا حسنًا شجاعًا كريمًا، عنده حشمة زائدة وأدب كثير، وكان ممن فرّ في وقعة شقحب مع كمشبغا الكبير إلى حلب، فأقام بها، ثم أمّره الظاهر نيابة حلب ثم نيابة ملطية، فاستمرّ بها مدّة، ثم ولاّه الناصر بعد تنم نيابة حماه، ثم كان ممن أسر مع اللنكية، ومن بعد تنم ولي نيابة صفدن ثم نيابة حلب في سنة لأربع وثمانمائة فإنه واقع دمرداش النائب قبله فانتصر عليه، فلما كان في سنة ستٍّ وثمانمائة
[ ٥ / ٣٢٠ ]
تخيل من الناصر فهرب ووليها غيره، ثم بعد أشهر دخلها بغتة فملكها، ثم واقعه الذي كان نائبها مع جمع جمعه من التركمان فانهزم، وذلك في ثاني رجب منها، ثم رضي عليه الناصر وولاّه نيابة حماة بعد وقعة السعيدية، فلما كان في هذه السنة حاصره شيخ وجكم إلى أن كان من أمره ما كان وقتل، وكان ذلك في شعبان.
الشيخ زاده العجمي الحنفي قدم من بلاده إلى حلب سنة أربعٍ وتسعين، وهو شيخ ساكن يتكلم في العلم بسكون ويتعانى حل المشكلات، فنزل في جوار القاضي محب الدين ابن الشحنة فشغل الناس، وكان عالمًا بالعربية والمنطق والكشاف. وكان له اقتدار على حلّ المشكلات من هذه العلوم وقد طارحه سراج الدين الفوي بأسئلة من العربية وغيرها نظمًا ونثرًا منها في قول الكشاف إن الاستثناء في قوله تعالى: إنّا أُرْسِلْنا إلى قومٍ مُجرِمين، إلاّ آلَ لوطٍ متصل أو منقطع، فأجابه
[ ٥ / ٣٢١ ]
جوابًا حسنًا بأنه إن كان يتعلّق بقوم يكون منقطعًا، لأن القوم صفتهم الإجرام أو بمن الضمير في صفتهم فيكون متصلا، واستشكل أن الضمير هو الموصوف المقيد بالصفة، فلو قلت: مررت بقوم مجرمين إلا رجلًا صالحًا، كان الاستثناء منقطعًا، فينبغي أن يكون الاستثناء منقطعًا في الصورتين، فأجاب بأنه لا إشكال، قال: وغاية ما يمكن أن يقال إن الضمير المستكن في المجرمين وإن كان عائدًا إلى القوم بالإجرام إلا أن إسناد الإجرام إليه يقتضي تجرده عن اعتبار اتصافه بالإجرام فيكون إثباتًا للثابت إلى آخر كلامه، ومن نظمه في الجواب أيضًا وهي قصيدة طويلة أوّلها يقول فيها:
ولا الشعر من دأبي ولا هو شيمتي … ولا أنا من خيل الفكاهة في الخبر
ثم دخل القاهرة وولي بعد ذلك تدريس الشيخونية ومشيختها، فأقام مدة طويلة إلى أن كان في أواخر هذه السنة فإنه طال ضعفه فشنع عليه القاضي كمال الدين ابن العديم أنه خرف ووثب على الوظيفة فاستقر فيها بالجاه، فتألم لذلك هو وولده ومقت أهل الخير ابن العديم بسبب هذا الصنيع، ومات الشيخ زاده عن قرب، وكان له ولد يسمى محمودًا كثير الفضل والعلم عارفًا بالعلوم الآلية، وأقبل على الحديث يسمعه ويشغل فيه، وناب عن أبيه في الشيخونية فحرم من وظيفة أبيه، فقرّره جمال الدين في مدرسته لتدريس الحنفية فانجبر بذلك.
[ ٥ / ٣٢٢ ]
سالم بن سعيد بن علوي الحسباني أمين الدين، قدم القدس وهو ابن عشرين سنة فتفقّه بها، ثم قدم دمشق في حياة السبكي واشتغل وداوم على ذلك، وتفقه بعلاء الدين بن حجي وغيره، وأخذ النحو عن السكسكي وغيره، ثم قدم القاهرة فقرأ في النحو على ابن عقيل وفي الفقه على البلقيني وقدم معه دمشق، لما ولي قضاءها وولاّه قضاء بصرى ثم لم يزل يتنقل في النيابة بالبلاد إلى أن مات، وكان مكبًّا على الاشتغال وفي ذهنه وقفة وكان مخلا، مات في جمادى الأولى وقد جاوز السبعين.
شاهين بن عبد الله السعدي الطواشي، خدم الأشرف فمن بعده وتقدم في دولة الناصر، وولي نظر الخانقاه البيبرسية وغيرها.
[ ٥ / ٣٢٣ ]
الشيخ السليماني، ولي صفد ثم طرابلس، ثم قبض عليه جكم وسجنه بقلعة صهيون، ثم خلص منها وعاد إلى طرابلس، ثم ولي تقدمة في نيابة نوروز بدمشق، ثم قتله جكم في بعض المغازي في هذه السنة.
طاهر بن الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب بن شريح الحلبي زين الدين أبو العز ابن بدر الدين، ولد بعد الأربعين، واشتغل بالعلم وتعانى بالأدب، ولازم الشيخين أبا جعفر الغرناطي وابن جابر، وأسمع من إبراهيم بن الشهاب محمود، وأجاز له من الشام أحمد بن عبد الرحمن المرداوي ومحمد بن عمر السلاوي وغيرهما، ومن القاهرة شمس الدين ابن القماح وغيره، وتعانى الإنشاء ببلده وقرر موقعا، ثم سكن القاهرة واستقر بها موقعا وولي عدة وظائف، ومهر في النظم والنثر، وعمل شرحًا على البردة وخمسها أيضًا، وذيل على تاريخ أبيه بطريقته، ونظم تلخيص المفتاح، وطارح الأدباء القدماء منهم فتح الدين
[ ٥ / ٣٢٤ ]
ابن الشهيد بأن كتب له بيتين، فأجابه بثلاثة وثلاثين بيتًا، وطارح أيضًا سراج الدين عبد اللطيف الفيومي نزيل حلب ونظم كثيرًا، وأحسن ما نظم محاسن الاصطلاح للبلقيني، وليس نظمه بالمفلق ولا نثره، وله قصيدة تسعة أبيات قافيتها: عودي، وله فيما لا يستحيل بالانعكاس بيت واحد مع التزام الحروف المهملة، وله:
أيا فاضلًا في العلا سوله … له العلم والحلم صارا معا
أعد حال ملك وحل عدو … ودع لحوكل ملاح دعا
ودم سالمًا لا عداك السرور … ولا رام سعدك ساع سعى
وله:
قلت له إذ ماس في أخضر … وطرفه البابنا يسحر
لحظك ذا أو أبيض مرهف … فقال لي: ذا موتك الأحمر
[ ٥ / ٣٢٥ ]
وكانت وفاته في سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانمائة، اجتمعت به وسمعت كلامه وأظن أني سمعت عليه شيئًا من الحديث ومن نظمه ولم اظفر به إلى الآن.
عبد الله بن عبد الرحمن العلوي، تقدم ذكره في الحوادث.
عبد الرحمن بن علي بن خلف الفارسكوري الشيخ العلامة زين الدين الشافعي ولد سنة خمسٍ وخمسين، وقدم القاهرة ولازم الاشتغال وتفقه على الشيخ جمال الدين والشيخ سراج الدين وغيرهما، وسمع الحديث فأكثر، وكتب بخطه المليح كثيرًا ثم تقدم وصنّف وعمل شرحًا على شرح العمدة لابن دقيق العيد، جمع فيه أشياء حسنة، وكان له حظٌّ من العبادة والمروءة والسعي في قضاء حوايج الغرباء لاسيّما أهل الحجاز، وقد ولي قضاء المدينة ولم يتم له مباشرة ذلك، واستقر في سنة ثلاث وثمانمائة في تدريس المنصورية، ونظر الظاهرية ودرسها فعمرها أحسن عمارة وحمد في مباشرته، وقد جاور بمكة وصنف بها تصنيفًا يتعلّق
[ ٥ / ٣٢٦ ]
بالمقام، وكان يودّني وأودّه وسمعت بقراءته وسمع بقراءتي، وأسفت عليه جدًّا، وقد سئل في مرض موته أن ينزل عن بعض وظائفه لبعض من يحبه من رفقته فقال: لا أتقلّدها حيًّا وميتًا، مات في رجب وله ثلاث وخمسون سنة.
عبد الرحمن بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن الحسن بن محمّد بن جابر بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن عبد الرحيم الحضرمي المغربي المالكي المعروف بابن خلدون، ولد سنة ٧٣٣، وسمع من الواد ياشي وغيره وقرأ القرآن
[ ٥ / ٣٢٧ ]
على أبي عبد الله بن محمّد بن سعد بن بزال إفرادًا وجمعًا، وأخذ العربية عن أبيه وأبي عبد الله محمّد الخضائري وأبي عبد الله بن بحر، وأخذ الفقه عن محمّد بن عبد الله الحياني وقاضي الجماعة ابن عبد السلام، وأخذ عن عبد المهيمن الحضرمي ومحمّد بن إبراهيم الإربلي شيخ المعقول بالمغرب، وبرع في العلوم وتقدم في الفنون ومهر في الأدب والكتابة، وولي كتابة السر بمدينة فاس لأبي عنان ولأخيه أبي سالم ورحل إلى غرناطة في الرسلية سنة تسع وستين، وكان ولي بتونس كتابة العلامة، ثم ولي الكتابة بفاس، ثم اعتقل سنة ثمان وخمسين نحو عامين، ودخل بجاية بمراسلة صاحبها فدبّر أموره، ثم رحل بعد أن مات إلى تلمسان باستدعاء صاحبها فلم يقم بها، ثم استدعاه عبد العزيز بفاس فمات قبل قدومه فقبض عليه، ثم تخلّص فسار إلى مراكش، وتنقّلت به الأحوال إلى أن رجع إلى تونس سنة ثمانين فأكرمه سلطانها فسعوا به عند السلطان إلى أن وجد غفلة ففرّ إلى المشرق، وذلك في شعبان سنة أربعٍ وثمانين، ثم ولي قضاء المالكية بالقاهرة،
[ ٥ / ٣٣١ ]
ثم عزل وولي مشيخة البيبرسية ثم عزل عنها ثم ولي القضاء مرارًا كان آخرها في رمضان من هذه السنة فباشره ثمانية أيام فأدركه أجله، وكان ممن رافق العسكر إلى تمرلنك وهو مفصول عن القضاء، واجتمع بتمرلنك فأعجبه كلامه وبلاغته وحسن ترسّله إلى أن خلّصه الله من يده، وصنّف التاريخ الكبير في سبع مجلّدات ضخمة ظهرت فيه فضائله وأبان فيه عن براعته، ولم يكن مطّلعًا على الأخبار على جليّتها لا سيما أخبار المشرق وهو بين لمن نظر في كلامه، وكان لا يتزيّا بزيّ القضاة بل هو مستمر على طريقته في بلاده، مات في خامس عشري رمضان، قال لسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة: رجل فاضل جمّ الفضائل رفيع القدر أصيل المجد وقور المجلس عالي الهمّة قويّ الجأش متقدّم في فنون عقلية ونقلية متعدد المزايا شديد البحث كثير الحفظ صحيح التصوّر بارع الخط حسن العشرة مفخر من مفاخر المغرب، قال: هذا كله في ترجمته والمذكور في حد الكهولة: وقال العينتابي في ترجمة ابن خلدون: مات فجأة بعد أن أعيد إلى القضاء بثلاثة أيام وكان فاضلًا صاحب أخبار ونوادر ومحاضرة حسنة وله تاريخ مليح، وكان يتهم بأمور قبيحة، كذا قال.
عبد العزيز بن سليم المحلى عز الدين الشافعي، كان عارفًا بالوثائق، وولي قضاء المحلّة. مات بمكة مجاورًا عن ستين سنة.
[ ٥ / ٣٣٢ ]
علي بن أحمد بن علوان النحريري نور الدين شاهد الطواحين السلطانية، مات في أواخر جمادى الأولى، وكان كثير التودّد، وقد سمع من الشيخ محمّد القرمي وحدّث عنه.
علي بن. . . الشيخ علاء الدين الكاتب المجود كاتب المنسوب
[ ٥ / ٣٣٣ ]
الملقب بعصفور موقع الدست، ووقع عن جماعة من أكابر الأمراء، وهو الذي كتب عهد الناصر فرج في دولته الثانية، ومات عقب ذلك فقال فيه بعض أدباء العصر:
قد نسخ الكتاب من بعده … عصفور لنا طار للخلد
مذ كتب العهد قضى نحبه … وكان منه آخر العهد
وقد كتب عليه جماعة من الأعيان وانتفعوا به، وكان يكتب على طريقة ياقوت، وكان شيخنا الزفتاوي صديقه يكتب طريقة ابن العفيف، ودخل علاء الدين عصفور صحبة سودون قريب السلطان دمشق ووصل معه إلى حلب، فنهب مع من نهب بأيدي اللنكية ولكنه نجا من الأسر، وكان بارعًا في كتابة المنسوب على طريقة الشاميين وولي توقيع الدست فكان بعضهم يقول: ضاع عصفور في الدست، مات في رجب.
فارس بن صاحب الباز التركماني، كان أبوه من أمراء التركمان فلما وقعت الفتنة اللنكية جمع ولده هذا فاستولى على أنطاكية، ثم قوي أمره فاستولى على القصر، ثم وقع بينه وبين دمرداش في سنة ست وثمانمائة فانكسر دمرداش، ثم جمع دمرداش لقتاله بأنطاكية فحاصره وكان جكم مع فارس ثم رجع عنه بغير طائل، فاستولى فارس على البلاد الغربية كلها وعظم شأنه وبنى بأنطاكية مدرسة حسنة، واستولى على صهيون وغيرها من عمل طرابلس، وصارت نواب حلب كالمحصورين معه لما استولى على أعمالهم، فلما ولي جكم نيابة حلب تجرّد له وواقعه فهزمه
[ ٥ / ٣٣٤ ]
ونهب ما معه، واستمر جكم وراءه إلى أن حاصره بأنطاكية سنة ثمان وثمانمائة، ولم تزل الحروب بينهما إلى أن طلب فارس الأمان فأمّنه ونزل إليه وسلّمه لغازي بن أوزون وكان عدوّه فقتله وقتل معه ابنه وجماعة منهم في شوّال، واستنقذ جكم البلاد كلها من أيدي ابن صاحب الباز وهي أنطاكية والقصر والشغر وحارم وغير ذلك، وانكسرت بقتل فارس شوكة التركمان.
قوام بن عبد الله الرومي الحنفي قوام الدين، قدم الشام وهو فاضل في عدة فنون فصاهر بدر الدين ابن مكتوم وولي تصديرًا بالجامع وشغل فأفاد وصحب النوّاب، وكان سليم الباطن كثير المروءة والمساعدة للناس، مات في ربيع الآخر بدمشق.
ماجد بن عبد الرزاق المعروف بابن غراب القبطي الملقب فخر الدين، سمّى نفسه محمّد بن عبد الرزاق لما ولي المناصب بالقاهرة، وكان جدّه نصرانيًّا بالإسكندرية يتعانى صناعة الكتابة، فكان ممن اتهم بإعانة الفرنج على نهب الإسكندرية، فلما توجهوا عنها خاف فأسلم، ولما مات نشأ ولده عبد الرزاق واشتهر بمعرفة الكتابة والأمانة إلى أن ولي نظر الإسكندرية، ومات بعد الثمانين وخلف ماجدًا وإبراهيم وهو الأصغر، فاتصل إبراهيم بالأمير محمود الأستادار في سلطنة الظاهر برقوق وتلقب سعد الدين، وتنقلت به الأحوال على ما تقدم في الحوادث، وعظم قدر
[ ٥ / ٣٣٥ ]
أخيه فخر الدين في الرياسة، وولي الوزارة ونظر الخاص وغير ذلك، كل ذلك بعناية أخيه، ولم يكن فيه من آلات الرياسة شيء بل كان يلثغ لثغة قبيحة ويسير سيرة جائرة، ولما مات أخوه خمل وخمد وآل أمره إلى أن مات في حبس الأمير جمال الدين الأستادار، وتقدمت ترجمته في آخر الحوادث من هذه السنة.
محمّد بن أبي بكر شمس الدين الجعبري الحنبلي العابر كان يتعانى صناعة القبان، ونزل في دروس الحنابلة ونزل في سعيد السعداء وفاق في تعبير الرؤيا، ومات في جمادى الآخرة، وهو والد شيخنا.
محمّد بن أبي بكر بن سليمان بن أحمد العباسي أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عبد الله بن المعتضد بن المستكفي ابن الحاكم، ولد في سنة نيّف وأربعين أو نحوها، وتولى الخلافة في سنة ثلاث وستين بعهد من أبيه إليه، واستمر في ذلك إلى أن مات في شعبان من هذه السنة سوى ما تخلل من السنين التي غضب فيها عليه الملك الظاهر برقوق من ولاية
[ ٥ / ٣٣٦ ]
قريبه، واستقر في الخلافة بعده ولده أبو الفضل العباسي ولقب المستعين بالله، وكان قد عهد قبله بالخلافة لولده الآخر المعتمد على الله أحمد ثم خلعه وولي هذا واستمر ذلك مسجونًا إلى أن مات، ولما هرب الأشرف شعبان من عقبة أيلة سأل طشتمر المتوكل أن يبايع له بالسلطنة فامتنع وقال: بل اختاروا من شئتم وأنا أولّيه، فقدم معهم وأقيم المنصور بن علي بن الأشرف، وقام بتدبير الملك إينبك فخلع المتوكل من الخلافة وأقيم قريبه زكريّا بن إبراهيم في ثالث عشري صفر سنة تسع وسبعين، ثم أعيد بعد شهر إلى أن تسلطن برقوق فحسن له جماعة من أهل الدولة وغيرهم طلب الملك فكاتب الأمراء والعربان مصرًا وشامًا وعراقًا وبث الدعاة في الآفاق، فنمّ عليهم صلاح الدين بن تنكز في رجب سنة خمس وثمانين وأخبره عن حالة الطنبغا أن الخليفة اتفق مع قرط الكاشف أن الظاهر إذا ركب إلى الميدان قبض عليه ووافقهم إبراهيم بن طلقتمر أمير جندار، فاستدعى الخليفة في الحال وقيّده وسجنه في برج القلعة وقبض على إبراهيم وقرط فوسط قرط وحبس إبراهيم، وأقام عمر في الخلافة ولقب الواثق، ثم مات عمر وأقيم أخوه زكريّا ولقب المستعصم، واستمر المتوكل في الحبس إلى أن خرج يلبغا الناصري فأفرج برقوق
[ ٥ / ٣٣٧ ]
عن الخليفة في صفر سنة إحدى وتسعين، لأنه بلغه أن الناصري يشنع عليه كونه سجن الخليفة فأمر بالتضييق عليه فمنع الناس من الدخول عليه، فلما قوي الناصري أفرج عنه في ربيع الأول وأحضره عنده وتحادث معه ساعة وأعطاه مالًا وثيابًا، ثم أحضره في أول يوم من جمادى الأولى وخلع عليه وأركبه حجرة شهباء وأركبه من باب النحاس وأمره بالانصراف إلى داره، وركب معه الأمراء والقضاة، ونشرت على رأسه الأعلام السود، وفرح الناس به فرحًا عظيمًا، ولم يبق أحد حتى خرج لرؤيته فكان يومًا مشهودًا، فلما قدم الناصري وغلب على المملكة وأزال دولة برقوق قال يلبغا الناصري للخليفة بمحضر من الأمراء يا مولانا أمير المؤمنين ما ضربت بسيفي هذا إلا في نصرتك، وبالغ في تعظيمه وتبجيله، فأشار عليه بإعادة حاجي بن شعبان إلى المملكة ثم أخرج منطاش الخليفة والقضاة معه لما خرج برقوق من الكرك، فلما انتصر برقوق جدّد له الخليفة الولاية بالسلطنة وأحسن إليه، واستمر على حاله إلى أن مات برقوق فقلد السلطنة لولده الناصر فرج، ومات في أيامه محمّد بن أبي بكر بن محمّد بن الشهاب محمود بن سلمان بن
[ ٥ / ٣٣٨ ]
فهد الحلبي الأصل الدمشقي شمس الدين بن شرف الدين ولد في شعبان سنة ٧٣٤، وأحضر في الخامسة المنتقى من معجم ابن جميع علي البرزالي وأبي بكر بن قوام وشمس الدين ابن السراج والعلم سليمان المنشد بطريق الحجاز في سنة تسعً وثلاثين، وسمع في سنة ثلاث وأربعين من عبد الرحيم بن أبي اليسر والشرف عمر بن محمّد بن خواجا إمام ويعقوب بن يعقوب الحريري والعز محمّد بن عبد الله الفاروثي وغيرهم الأولين من مشيخة الفخر وحدث، وكان شكلًا حسنًا كامل البنية مفرط السمن، ثم ضعف بعد الكائنة العظمى وتضعضع حاله بعد ما كان مثريًا، وكان كثير الانجماع عن الناس مكبًّا على الاشتغال بالعلم، درس بالبادرائية نيابة،
[ ٥ / ٣٣٩ ]
وكان كثير من الناس يعتمد عليه لأمانته وعقله، مات في خامس عشري جمادى الأولى وله أربعٌ وسبعون سنة ونصف سنة، وكان أبوه موقع الدست بدمشق وقد ولي قبل ذلك كتابة السر.
محمّد بن الحسن الأسيوطي شمس الدين كان عالمًا بالعربية حسن التعليم لها، انتفع به جماعة وكان يعلم بالأجرة وله في ذلك وقائع عجيبة تنبئ عن دناءة شديدة وشح مفرط، وكان منقطعًا إلى القاضي شمس الدين ابن الصاحب الموقع، ونبغ له ولده شمس الدين محمد لكن مات شابًّا قبله رحمهما الله تعالى.
محمّد بن عبد الله الخضري - بضم المعجمة بعدها معجمة مفتوحة - المصري نزيل مكة الطبيب كان يتعانى الطب والكيمياء والنارنجيّات
[ ٥ / ٣٤٠ ]
والنجوم، وأقام بمكة مجاورًا بها مدّة، لقيته بها سنة ست، ودخل اليمن فأقبل عليه سلطانها الناصر، فيقال إن طبيب الناصر دسّ عليه من سمّه فهلك، وكان هو أتهم بأنه دسّ على الرئيس شهاب الدين بن المحلى التاجر سمًّا فقتله في آخر سنة ستٍّ وثمانمائة.
محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم بن جملة بن مسلم المحجي الأصل المشقي كمال الدين كان رئيسًا محتشمًا متمولًا باشر نظر ديوان السبع ثم تركه ومات في المحرم.
محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الخالق بن سنان البرشنسي - بفتح الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة بعدها نون ثم سين مهملة - اشتغل قديمًا وسمع الحديث من القلانسي ونحوه وحدث وأفاد ودرس مع الدين والخير، وله منظومة في علم الحديث وشرحها، وشرح أسماء رجال الشافعي وكتابًا في فضل الذكر وغير ذلك، سمعت عليه قليلا، ومات وله سبعون سنة.
[ ٥ / ٣٤١ ]
محمّد بن محمّد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي السبكي أبو حاتم ابن أبي حاتم بن أبي حامد ابن الشيخ تقي الدين اشتغل قليلا، وناب في الحكم من سنة تسعين عن ابن الميلق إلى أن مات في إحدى الجماديين وله أربع وخمسون سنة.
محمّد بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد الفارسي الأصل القدسي ثم الدمشقي المعروف بابن المهندس أخو شيخنا شهاب الدين وهو الأصغر أعني محمدًا، نشأ صيِّنًا جيِّدًا، وصحب الشيخ فخر الدين السيوفي وبمكة الشيخ
[ ٥ / ٣٤٢ ]
عبد الله اليافعي، وكانت له في نشأته أحوال صالحة ثم باشر بعض الدواوين وحصل أموالًا ولم تحمد سيرته، وكان قد سمع من الميدومي وغيره، ومات في شوال ودفن بتربته التي أنشأها شرقي الشامية البرانية بدمشق.
محمّد بن محمّد بن أسعد بن عبد الكريم بن سليمان بن يوسف
[ ٥ / ٣٤٣ ]
بن علي بن طنجا الثقفي القاياتي فخر الدين أبو اليمن اشتغل قليلًا، وسمع الحديث من نور الدين الهمداني وغيره، ونسخ بخطه الكثير، وجاور بمكة مرارًا، وتلا بالسبع على بعض المتأخرين، وكان قد استقر في قضاء مصر والجيزة نيابة، فباشرها مدة طويلة منفردًا ثم اشترك معه غيره مع استمراره على أنه الكبير فيهم، وعيّن للقضاء فامتنع ولازم النيابة إلى أن مات، وخلّف مالًا طائلًا وأوصى بثياب بدنه لطلبة العلم ففرّقت فيهم، مات في رجب وقد جاوز الثمانين.
محمّد بن محمّد بن حسن الأسيوطي شمس الدين بن شمس الدين، اشتغل بالفقه والحديث والعربية وتقدم ومهر في عدة فنون ورافقنا في السماع كثيرا، مات بعد أبيه في هذه السنة أحسن الله عزانا فيه.
محمّد بن محمّد بن محمّد الخضر ابن شمري الزبيري العيزري الغزي،
[ ٥ / ٣٤٤ ]
ولد في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وتفقه بالقاهرة على ابن عدلان وأحمد بن محمّد العطار المتصدر بالجامع الحاكمي ومحيى الدين ولد مجد الدين الزنكلوني وقرأ على البرهان الحكري ورجع إلى غزة سنة ٧٤٤ فاستقرّ بها، ودخل دمشق فأخذ عن البهاء المصري والتقي والتاج
[ ٥ / ٣٤٥ ]
السبكيّين وغيرهم، وأذن له البدر محمود بن علي بن هلال في الإفتاء وأخذ عن القطب التحتاني، وصنف تصانيف في عدة فنون، وكتب إلى أسئلة
[ ٥ / ٣٤٦ ]
في عدة علوم، وله مناقشة على جمع الجوامع، وذكر أنه شرحه واختصر القوت للأذرعي وله تعليق على الشرح الكبير للرافعي ونظم في العربية أرجوزة سمّاها قضم الضرب في نظم كلام العرب، ومات في نصف ذي الحجة هذه السنة، وقال القاضي تقي الدين الشهبي وقفت له على اعتراضات على فتوى للشيخ سراج الدين البلقيني فوصلت إلى ولده القاضي جلال الدين فردّ عليه وانتصر لأبيه، فبلغه ذلك فانتصر لنفسه وردّ ما قاله القاضي جلال الدين.
محمّد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري ثم المصري أبو البقاء كمال الدين الشافعي ولد في حدود الخمسين وتكسب بالخياطة ثم طلب العلم وسمع المسند تامًّا من العرضي وغير ذلك، ولازم خدمة الشيخ بهاء الدين السبكي وتخرّج به وبغيره، وكان اسمه كمالًا وبذلك كان يكتب بخطه في كتبه ثم تسمّى محمّدًا، ومهر في الفقه والأدب والحديث وشارك في الفنون، ودرّس بدرس الحديث بقية بيبرس وفي عدّة أماكن، ووعظ وأفاد وخطب فأجاد، وكان ذا حظٍّ من العبادة تلاوةً وصيامًا ومجاورة بالحرمين
[ ٥ / ٣٤٧ ]
وقد ذكر عنه كرامات وكان يخفيها وربما أظهرها وأحالها على غيره، وصنّف شرح المنهاج في أربع مجلّدات، لخّصه من كلام السّبكيّ وطرّزه بفوائد كثيرة من قبله، ونظم في الفقه أرجوزة طويلة، وصنّف حياة الحيوان، أجاده وأكثر فوائده مع كثرة استطراده فيه من شيء إلى شيء، وشرع في شرح ابن ماجه فكتب مسودّته وبيّض بعضه، ومات في ثالث جمادى الأولى.
محمّد بدر الدين بن منهال ناب في الحسبة وغيرها، وكان يرخي العذبة ويباشر عند بعض الأمراء.
محمّد الحنبلي المعروف بابن المصري شمس الدين، كان من نبهاء الحنابلة يحفظ المقنع وهو آخر طلبة القاضي موفّق الدين موتًا، وكان قد ترك وصار يتكسّب في حانوت بالصّاغة.
محمود بن أحمد بن إسماعيل بن العز الحنفي القاضي محيى الدين بن نجم الدين بن عماد الدين ابن الكشك، اشتغل قليلا وناب عن أبيه واستقل بالقضاء وقتًا، ولما كانت فتنة تمر دخل معهم في المنكرات وولي القضاء من قبلهم ولقب قاضي المملكة واستخلف بقية القضاة من تحت يده،
[ ٥ / ٣٤٨ ]
وخطب بالجامع ودخل في المظالم وبالغ في ذلك فكرهه الناس ومقتوه ثم أطلع تمر على أنه خانه فصادره وعاقبه وأسره إلى أن وصل تبريز فهرب ودخل القاهرة فكتب توقيعه بقضاء الشام فلم يمضه نائب الشام شيخ، واستمرّ خاملًا إلى أن مات، وتفرّق أخوه وأولاده وظائفه ثم صالحوه على بعضها، ومات محيى الدين في ذي الحجة، وهو والد رئيس الشام شهاب الدين.
محمّد أمير العرب نعير - بنون ومهملة مصغر - هو محمد بن حيار - بالمهملة المكسورة ثم التحتانية الخفيفة - بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة الطائي أمير آل فضل بالشام يلقب شمس الدين ويعرف بنعير ولي الإمرة بعد أبيه ودخل القاهرة مع يلبغا الناصري ولما عاد الظاهر من الكرك وافق نعير منطاشا في الفتنة المشهورة وكان مع منطاش لما حاصر حلب ثم راسل نعير نائب حلب إذ ذاك كمشبغا في الصلح وتسلمه منطاش ثم غضب برقوق على نعير وطرده من البلاد فأغار نعير على بني عمّه الذين قرروا بعده وطردهم، فلما مات برقوق أعيد نعير إلى إمرته ثم كان ممن استنجد به دمرداش لما قدم اللنكية فحضر بطائفة من العرب فلما علم أنه لا طاقة لهم بهم نزح إلى الشرق، فلما نزح التتار رجع نعير إلى سلمية ثم كان ممن حاصر دمرداش بحلب ثم جرت بينه وبين الأمير جكم وقعة فكسر نعير ونهب وجيء
[ ٥ / ٣٤٩ ]
به إلى حلب فقتل في شوال منها وقد نيف على السبعين، وكان شجاعًا جوادًا مهابًا إلاّ أنه كثير الغدر والفساد وبموته انكسرت شوكة آل مهنّا وكان الظاهر خدعه ووعده حتى سلم منطاش وغدر به فلم يف له الظاهر بما وعده بل جعل يعد ذلك عليه ذنبًا وولي بعده ولده العجل يحيى التلمساني في التي بعدها.
[ ٥ / ٣٥٠ ]
خاتمة الطبع
انقضى بحمد الله تعالى وحسن توفيقه طبع الجزء الخامس من إنباء الغمر بأبناء العمر لست عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة ١٣٩٢ الموافقة للتاسع والعشرين من شهر مايو سنة ٩٧٢.
وقد اعتنى بتصحيحه ومقابلة أصوله الأربعة بعضها بعض والتعليق عليه منها ومن غيرها الفقير إلى رحمة ربه الغنى السيد عبد الله بن أحمد بن محمد مديحج العلوى الحسينى الحضرمى رئيس شعبة التصحيح سابقا بدائرة المعارف العثمانية، وقد ساعده على ذلك العالم الفاضل سلطان محيى الدين كامل الجامعة النظامية و(ايم - اي) الجامعة العثمانية مصحح الدائرة.
ويتلوه الجزء السادس وأوله سنة تسع وثمانمائة: في الثالث من المحرم استقر شمس الدين محمد بن عبد اللطيف المناوي الملقب بالبديية.
[ ٥ / ٣٥١ ]
﷽