استهلت وقد صمم السلطان المؤيد على سف الشام لقتال نوروز فخرج في رابع محرم من القلعة إلى الريدانية في قليل من العسكر، واستناب الطنبغا العثماني في باب السلسلة، وقرر للحكم الحاجب، وفي القلعة صماي وبردبك، وقرر صدر الدين ابن العجمي في نظر الجيش بدمشق، وصرف عن التربة الظاهرية، وأعيد إليها حاجي فقيه، وأعيدت المواريث لديوان الوزارة، وفي هذا اليوم هبت ريح شديدة تلاها رعد وبرق ومطر غزير وبرد ملأ وجه الأرض كل واحد قدر. . . وأكبر من ذلك فخربت عدة دور، وجمع منه الكثير حتى بيع في الأسواق بستة كل رطل، وأحضروا للسلطان منه وهو معسكر بالريدانية في طبق، فأعجبه ذلك واستبشر به وتفاءل بأنه يدك بلاد الثلج، وكان ذلك في بشنس من الأشهر القبطية وقد وقع قريب من ذلك سنة تسع وتسعين في سلطنة الظاهر برقوق، واستمر متوجهًا في تاسع المحرم ومعه الخليفة الجديد والقضاة وأرباب الدولة
[ ٧ / ١٤٤ ]
ثم رحل فنزل على قبة يلبغا في ثامن صفر، وكان سبب تباطئه في السير الاحتراز على نفسه من أعدائه وممن معه، وفي غضون ذلك كان يحضر جماعة بعد جماعة من الظاهرية والناصرية يفرون من نوروز، وأكثرهم ممن كان يؤثر الإقامة بالديار المصرية، ومن أسباب ذلك أنه كان وقع الغلاء في الشام ثم التقت طلائع الفريقين فترجحت طليعة نوروز وكان شيخ بشقحب فركب م فدهمهم فانهزم أصحاب نوروز واستعد نوروز للحصار وحصن القلعة، فبعث المؤيد مجد الدين قاضي الحنابلة في طلب الصلح فامتنع فوقعت الحرب، ووصل كزل نائب طرابلس فحمل بمن معه فانهزم نوروز كعادته وامتنع بالقلعة، وملك المؤيد البلد ونزل بالميدان وحاصر القلعة إلى أن ضاق نوروز بالأمر ومال إلى طلب الصلح فأرسل قمش فقرر له الصلح، ونزل هو يشبك ابن أزدمر وسودون كسا وبرسبغا وإينال وغيرهم، فقبض عليهم جميعا وقتلوا في ليلتهم، وبعث برأس نوروز إلى القاهرة، فوصلوا بها على باب القلعة،
[ ٧ / ١٤٥ ]
صحبه شرباش فاشوق وكان يومئذ أمير عشرة، وكان أول ما تقدم نوروز تقدمة في صفر سنة سبع وسبعين في اليوم الذي تآمر فيه شيخ طبلخاناة، ثم توجه المؤيد إلى جهة حلب في ثامن جمادى الأولى، ثم توجه منها في أول جمادى الآخرة إلى الابلسيتن، ودخل إلى ملطية وقرر قواعد البلاد، ووافاه نواب القلاع فقرر من أراد وصرف من رأى صرفه، وقتل طوغان نائب قلعة الروم وقرر فيها جانبك الحمزاوي ورجع إلى القاهرة، واستناب في ملطية كزل وفي حلب إينال الصصلاي وفي حماة تنبك البجاسي وفي طرابلس سودون بن عبد الرحمن، وفي الكرك يشبك المشد - وقد صارت خرابا من الفتن، ثم قدم دمشق فوصل في ثالث رجب فاستناب فيها قانباي المؤيد - وسار القدس فوصلها في أول شعبان، ومضى إلى غزة فاستناب فيها طرباي، وسار منها فدخل سرياقوس في رابع عشري شعبان وأقام بها إلى آخر الشهر، وعمل أوقاتا بالقراء والمغنيين والسماعات، وفرق على أهل
[ ٧ / ١٤٦ ]
الخانقاه مالًا، وركب يوم الأربعاء سلخ شعبان فبات بالريدانية، وأصبح يوم الخميس فعسكر وطلع إلى القلعة، فانتقض عليه ألم رجله من ضربان المفاصل وانقطع به مدة.
وفي ثامن رمضان نفي شرباش كباشة وأرغون إلى القدس، واستقر الطنبغا العثماني أتابك العساكر بالقاهرة بعد موت يلبغا الناصري وكان قد مات في حال رجوعهم من الشام.
وفي ثاني عشرة قبض على قجق وننبغا المظفري وتمنتمرءارق وسجنوا بالإسكندرية، وعزل الأموي عن قضاء المالكية وأعيد جمال الدين الأقفاصي، وقرر صماي في نيابة الإسكندرية، وأحضر ابن محب الدين وكان قد ظلم فيها وعسف في غيبة المؤيد، فوصل في آخر الشهر وقدم تقدمة قومت بخمسة عشر ألف دينار فخلع عليه وأعيد إلى الإستادارية، وكان ابن أبي الفرج قد هرب من حماة إلى بغداد لأمر بلغه من السلطان خاف منه على نفسه، فسد تقي الدين ابن أبي شاكر متعلقات الأستادارية في هذه المدة إلى هذا الغاية، وفيه ضيق على الخليفة المستعين وكان قد أفردت له في القلعة دار فأقام فيها هو وأهله وخدمه، ثم نقل إلى البرج الذي كان الظاهر برقوق سجن فيها والده الخليفة المتوكل، فأقام فيه
[ ٧ / ١٤٧ ]
في ضيق شديد إلى أن أخرجه في ذي الحجة من السنة المقبلة إلى الإسكندرية.
وفي خامس عشر رمضان استقر سودون القاضي حاجبًا كبيرًا عوضًا عن قجق واستقر قجقار القردمي أمير مجلس وجانبك الصوفي أمير سلاح عوضًا عن شاهين الأفرم بعد موته، واستقر تاني بك ميق رأس نوبة عوضًا عن جانبك الصوفي، واستقر كزل العجمي أمير جندار عوضًا عن شرباش كباشة، واستقر اقبائي الخازندار في الديودارية الكبرى عوضًا عن جاني بك الدويدار، وكان قد مات في هذا السفرة من سهم أصابه في حصار دمشق فضعف منه إلى أن مات بحمص.
وكان سعر الغلال في هذا الشهر من هذه السنة في غاية الرخص حتى كان ثمن كل ثلاثة أردب من القمح دينارًا واحدًا هذا في البلد، وأما في الريف فكان يصح بالدينار الواحد أربعة أرادب وخمسة أرادب، وكثر حمل النارنج حتى بيع كل مائة وعشر حبات بدرهم واحد بندقي ثمنه من الفلوس اثنا عشر درهما.
وفي شوال سجن بالإسكندرية سودون الأسندمري وقصروه وكمشبغا الفيسي وشاهين الزردكاش، وأحضر كمشبغا العيساوي من دمياط، وفيه أمر المؤيد بضرب الدراهم المؤيدية فشرع فيها وكان
[ ٧ / ١٤٨ ]
ما سنذكره في السنة المقبلة.
وفيه جلس المؤيد في الحكم بين الناس بالإصطبل، واستقر ذلك يوم السبت والثلاثاء أول النهار وفي يوم الجمعة بعد الصلاة، وكان يسمع الحكومة ويردها غالبًا إلى القضاة إذا كانت شرعية.
وفي ليلة الخميس رابع عشر شوال خسف القمر وظل منخسفًا قدر أربع ساعات.
وفيه راجت الدراهم البندقية وحسن موقعها من الناس، وحض المؤيد الإستادار وغيره من المباشرين على مصادرة أهل الظلم من البرد دارية والرسل والمتصرفين، وكانوا قد كثروا جدًا في أيام جمال الدين يوسف وتزايدت أموالهم بحيث أن واجدًا منهم يقال له سعد أنشأ ببركة الرطلي دارًا صرف عليها نحو خمسين ألف دينار، فمال عليهم ابن محب الدين وصادر أكثرهم، واشتد المؤيد في جلوسه للحكم على طائفة القبط وأسمعهم ما يكرهون. وضرب جماعة منهم بالمقارع وحط من قدرهم، وأوقع التوكيل بود والنصارى حتى ألزموا بحمل عشرين ألف دينار مصالحة عما مضى لهم من الجزية، واستقر زين الدين قاسم البشتكي في تحصيل ذلك منهم وفي نظر الجوالي.
وفي سلخ شوال أضيفت حسبة القاهرة ومصر إلى التاج الوالي
[ ٧ / ١٤٩ ]
وقبض على منكلي بغا الحاجب المحتسب فوكل به أياما ثم أطلقه.
وفي أول يوم من ذي القعدة توجه السلطان إلى وسيم بالجيزة ثم توجه إلى تروجة. وقرر كمشبغا الميساوي في كشف الوجه البحري وفي شوال سعى كاتب السرابن البارزوي في احضار القاضي علاء الدين المغلى قاضي حماه فاذن له فاحضر في ذي القعدة فوجد السلطان في سفره تروجة. فأقام عند كاتب السر إلى أن قدم السلطان ثم كان ما سنذكره في السنة المقبلة.
وفي هذا السنة كثر الوباء بكورة البهنسا فمات خلق كثير.
وفي خامس ذي الحجة كان أمير الحاج وهو جقمق الدويدار قد منع عبيد أهل مكة من حمل السلاح في الحرم، فاتفق أن واحدًا منهم دخل ومعه سيفه ولم يسمع النداء، فأحضر إلى جقمق فضربه وقيده، فبلغ ذلك رفقته فأرادوا إثارة الفتنة، فبادر جقمق فأغلق أبواب المسجد وأدخل خيله فيه ومشاعله، فهجم عبيد مكة بالسلاح ركوبًا على الخيل إلى المسجد، فمشى أهل الخير وأشاروا عليه بإطلاق ذلك العبد تسكينا للفتنة، فأطلقه فسكنت، وقام الشريف حسن بإطفاء الفتنة ومنع القواد من القتال بعد أن وقع بينهم الشر، وحصل لبعض الحاج عند الدفع من عرفة نهب وجراج، وقتل في المعركة جماعة، ولم يحج أكثر أهل مكة خوفا على أنفسهم.
[ ٧ / ١٥٠ ]
وفيها مات يغمور بن بهادر الدكري من أمراء التركمان هو وولده بالطاعون في أول ذي القعدة.
وفيها تواقع قرا يوسف وشاه رخ ابن تمر لنك، ثم اصطلحا وتصاهرا.
وفي أواخر السنة عيد شاه رخ عيد النحر بمدينة قزوين، وأرسل إلى قرا يوسف يلتمس منه أمورًا ذكرها، فكان ما سنذكره في العام الآتي.
وفيها مات غير من تقدم من الأمراء سليمان بن هبة بن جماز ابن منصور الحسيني مسجونًا في آخر ذي الحجة وقد ولي إمرة المدينة مرة، وفي أولها مات طوغان.
وفي هذه السنة جددت مئذنة جامع الأزهر وكانت أصلحت في سنة ثمانمائة فكملت في هذه السنة فأمر المؤيد بتجديدها، فهدمت وأعيدت بحجر منحوت، وجددت تحتها بوابة جديدة وكتب عليها اسم السلطان، وكان تكميل ذلك في السنة المقبلة.
وفيها أخذ الفرنج سبتة، وكان السبب في ذلك أن أحمد بن أبي سالم المريني نزل عنها لابن الأحمر صاحب غرناطة، فانتقل ما كان فيها من العدد والأسلحة والذخائر إلى غرناطة، ثم اتفقت الفتنة المقدم ذكرها في سنة أربع عشرة بين السعيد وقريبه أبي سعيد إلى أن قتل السعيد،
[ ٧ / ١٥١ ]
وأعقب ذلك الغلاء والوباء بمدينة فاس والغرب كله، فولى السعيد على فاس رجلا سامهم سوء العذاب، ثم أرسل أبو سعيد إليها رجلًا من أقاربه يقال له صالح، بن صالح فتناهى في الظلم وفشا فيهم الموت، وبلغ ذلك الفرنج فعمروا عليهم عدة مراكب فحصر صالح أهل الجبال وأنزلهم على البلد، فرجع الفرنج إلى جزيرة بين سبته وجبل الفتح يسمى طرف القنديل فأقام بها، فطال الأمر على أهل الجبال وظنوا أن الفرنج رجعوا إلى بلادهم وقلت على أهل الجبال الأزواد فتفرقوا، فبلغ ذلك الفرنج فنازلوا أهل سبتة فقاتلوه فغالبهم بالكثرة، وملكوا منهم المينا، فخرج المسلمون بأهلهم وأموالهم وما قدروا عليه، فدخل الفرنج البلد في سابع شعبان من هذا السنة، ونقلوا ما كان بها حتى الكتب العلمية، وكان بها منها شيء كثير إلى الغاية، ونقلوا ما وجدوا بها من الرخام والآلات والأمتعة حتى الأنوال، وتركوها قاعا خرابا، ومع ذلك فهي بأيدهم فلا قوة إلا بالله.
[ ٧ / ١٥٢ ]