أهل بيوم الجمعة الموافق له من شهور القبط (^١) حادى عشره.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر فوجدوه قد ركب وتوجّه للقرافة، فانتظروه بالجامع الناصرى حتى عاد وطلبهم فدخلوا إليه بالدهيشة وكان قد فرغ من ترخيمها وتذهيبها وتنميقها وبياضها، ولما جلسوا بين يديه - وكنت حاضرا جالسا معهم - قال له قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى (^٢):
تهنى بكم كلّ أرض تنزلون بها … كأنكم لبقاع الأرض أمطار
فقال له السلطان: «الله يحفظكم» أو ما أشبه ذلك؛ ودعوا له وانصرفوا.
*** ووصل الخبر بقدوم الأمير أزدمر (^٣) الإبراهيمى الطويل الظاهرى - أحد المقدمين الألوف - إلى الخانكاه وهو ضعيف فى محفة، وكان بلغ السلطان قدومه قبل هذا وضعفه، فرسم له بالعود ولو يموت فى الطريق - فلم بمتثل المرسوم الشريف على ما قيل وحضر وما يزداد إلا شدة - ما دام المخذول شاه سوار فى قيد الحياة، ولذى صحّ أن أزدمر عاد إلى صفد وحضر جماعته كلهم ولم يتأخر سوى مملوك واحد وبواب وشربتلى وطباخ.
واتفق من يويميات (^٤) أن مولانا السلطان - نصره الله - أمر بعرض جوامك
_________________
(١) هو شهر توت، ويوافقه ٨ سبتمبر ١٤٦٩، راجع محمد مختار: التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٧.
(٢) بعدها فى الأصل «فقال له».
(٣) الضوء اللامع ٢/ ٨٥٤.
(٤) دأب الصيرفى على استعمال هذه الكلمة «يويميات» ويعنى بها أياما قلائل.
[ ١٣٦ ]
الإصطبل السلطانى فعرضوا، فقطع من المتعممين نحوا من مائة ألف درهم فى كل شهر أو أقل، والله أعلم.
ووعده السيفى جانم (^١) دوادار عظيم الدنيا ومدبرها المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير وما مع ذلك حفظه الله على المسلمين، وحصل له فهاق وطرف فالج، وأوصى بثلث ماله صدقة؛ تقبل الله منه.
*** وحضر قبل تاريخه بيومين قاصد نائب جزيرة قبرص وصحبته ثياب صوف ونقد ذهب فقدّم ذلك للسلطان، فقبل والله المستعان.
*** وفيه وقف للسلطان شخص من الأمراء العشرات الإينالية يسمى قانصوه (^٢) الإسحاقى وشخص آخر من مقولته يسمى شادنك انطه، وطلبا منه إقطاعين:
أحدهما إمرة طبلخاناة والآخر إمرة عشرة، فغضب وشاط وقطع ثيابه ورمى النمجاة (^٣)، وقام إلى الدوادار الثانى فقيل إنه لكمه، فوقعت عمامة السلطان وتوجه إلى البحرة وغلق الباب. والسبب فى غضبه من الدوادار الثانى أنه رسم له بمسك أحد اللذين (^٤) وقفا له فإنه كلم السلطان كلاما خشنا، فلما لم يقبض عليه قام له بالنمجاة فرده عنه الداوادار فوقع ما وقع وحصل غوغاء بين المماليك الإينالية وصارت عيطة (^٥)، وطلع جانبك حبيب فخفّض على السلطان فما رجع
_________________
(١) الضوء اللامع ٣/ ٢٥٨.
(٢) السخاوى: شرحه ٦/ ٦٧٧.
(٣) النمجاة كلمة فارسية الأصل «نيمجة» ومعناها الخنجر المقوس، انظر: G-Demombynes:La Syrie،p .١٧١.
(٤) وردت هذه العبارة فى الأصل بالصورة التالية «أحد الذين وقفوا له».
(٥) العيطة بالتعبير المصرى الدراج: ضوضاء.
[ ١٣٧ ]
ولا قبل، وهم فى أمر كبير، وإلى الله المصير، والسلطان نصره الله ما يفكر فى أحد وإنما هو متكل على الله وهو حسبه ويكفيه محمد وآله.
وفيه حضر نوروز دوادار المقرّ الأشرف العالى الأتابكى أزبك من حلب إلى القاهرة، وصعد بين يدى السلطان وأخبره بقضية شاه سوار وما حل بإخوته وأقاربه من القبض عليهم، فلم يلتفت لذلك ولا خلع عليهم، ونزلوا مكسورين منكوسين إلى دورهم.
وفيه كسر سد (^١) بنى منجا، كسره متولى الحرب السعيد ليشبك الدوادار الكبير - حفظه الله على المسلمين؛ وحضر الأمير تغرى بردى الخازندار، وكان له يوم عظيم.
ووصل الخبر عن شاه سوار أنه أصيب بسهم لما قبض على إخوته وأقاربه وأنه هلك، ولم يصح ذلك.
*** وفى يوم الخميس سابعه نقل المقر الأشرف العالى السيفى قانصوه الأحمدى الإينالى - شاد الشراب خاناه - إلى إقطاع وتقدمة ألف كانت باسم سودون القصر وهى، وصار من المقدّمين الألوف.
وخلع فى يوم الخميس سابعه - بل أنعم - على الأمير يشبك الإسحاقى الأشرف الأمير آخور الثانى المعروف والمشهور بيشبك جن بتقدمة ألف بالديار المصرية من التقادم التى توّفرت من قتل أصحابها فى واقعة شاه سوار المخذول، بلغ الله المسلمين فيه كل مأمول.
_________________
(١) كان بحر أبى المنجا قناة تخرج من النيل قرب شبرا الحالية وتمر ببليس وتتصل بالفرما، وقد حفره أبو المنجا بن شعيا اليهودى، وكانت العادة قد جرت قبل هذا التاريخ أن يفتحه السلطان وفى صحبته كبار الأمراء والناس، انظر المقريزى: الخطط ١/ ٧١، ٤٨٧.
[ ١٣٨ ]
وخلع على الأمير دولات (^١) باى حمام، الأشرفى برسباى واستقر فى شادية الشراب خاناه عوضا عن قانصوه الأحمدى بحكم انتقاله إلى التقدمة الألف.
وفى يوم السبت تاسعه خلع على الأمير بردبك المشطوب اليشبكى أحد أمراء العشرات، واستقر رأس نوبة ثانيا عوضا عن دولات باى حمام بحكم انتقاله إلى شادية الشراب خاناه.
وفى يوم الخميس رابع عشره خلع على الأمير جانبك حبيب الأشرفى إينال - أحد الأمراء العشرات - واستقر أمير آخور ثانيا عوضا عن يشبك الإسحاقى بحكم انتقاله لتقدمة ألف.
ووصل كتاب عظيم الدنيا ومدبرها ومشيرها المقر الأشرف الكريم العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير للسلطان نصره الله، يروم منه أن يستخرج المال المتأخر من الديوان، المقرّر من جهة من يذكر فيه كالمجدى ابن البقرى (^٢) وغيره من مباشرى (^٣) الديوان المذكور، فطلبهم السلطان ورسم للسيفى تغرى بردى - خازندار عظيم الدنيا المذكور - بالترسيم على الأمير مجد الدين ابن البقرى، فرسم عليه حتى يقوم بما عليه، ورسم على يحيى (^٤) ابن البقرى - ناظر الاصطبل - ورسم له أن يحضر بأخيه ولا يوزن عنه، فقال إنه يسافر ويحضره، فرسم له بذلك.
وورد الخبر أن المقر الأشرف الكبير العالى عظيم الدنيا الدوادار الكبير
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٨٢٦.
(٢) نسبة لدار البقر من الغربية، واسمه شاكرين غبريل، وقد أنشأ مدرسة قرب جامع الحاكم.
(٣) فى الأصل «مباشرين».
(٤) راجع عنه السخاوى، شرحه ١٠/ ٩٨٤، وهو ابن عم مجد الدين المشار إليه فى حاشية رقم ٢.
[ ١٣٩ ]
ظفر بشخص من المفسدين المجرمين العصاة من مشايخ بنى عدىّ فضربه بالمقارع ورسم أن يشوى بين يديه فى النار وهو حى، فصار يستغيث ولا يغاث، وآخر الأمر أطلقه وقيل للأمير، «لا يعذب بالنار إلا خالقها».
ليلة الاثنين حادى عشره ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجّه إلى بركة الحبش، وتوجه صحبته الخام (^١) والمطبخ والمأكل والمشرب، فأقام به إلى آخر النهار ورجع فى خير وسلامة.
وشاع وذاع أن مولانا السلطان - نصره الله - يعين عدة الأمراء والمماليك السلطانية تجريدة لقتال شاه سوار: غضب الله عليه ولعنه فما (^٢) أكثر [ما] قاسى المسلمون بسببه من البوار والدمار.
وفيه عمل المولد السلطانى بالحوش على العادة، وصعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام، وحضر الأمراء المقدمون الذين تجدّدوا كالأمير يشبك جن الظاهرى جقمق، والأمير قانصوه الأحمدى، و[حضر] غيرهما من القدماء كالأمير جانبك أمير آخور كبير والأمير لاجين والأمير سودون تستز، و[حضر] غيرهم من الطبلخانات والعشرات وغيرهم، ومد السماط العظيم على العادة.
وعند الفراغ من صلاة المغرب توجه (^٣) قضاة القضاة والمشايخ وخلعت الشقق (^٤) على الفراء والوعاظ، وكان مولدا عظيما جليلا.
_________________
(١) عرف دوزى (op.cit.I،٤١٩) الخام بأنه قماش من القطن.
(٢) وردت هذه العبارة فى الأصل على الصورة التالية «فما أكثر قاسوا المسلمين».
(٣) فى الأصل «توجهوا».
(٤) هى قطع من القماش جرت العادة بأن تكون من الكتان أو شعر الماعز انظر: Dozy:op.cit .
[ ١٤٠ ]
يوم الأربعاء العشرين منه ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى بركة الحبش وصعد نحو الجبل ورجع إلى القلعة قريب الظهر، ولا عنه خبر ولا أثر.
وأشيع أن السلطان - نصره الله - رسم أن يكون نظر جامع طولون تحت نظر المقر الأشرف العالى السيفى تانبك (^١) قرا و[أن] يخرج (^٢) من نظر الشافعى، فساعده المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر رئيس الدنيا وكاتب السر الشريف الأنصارى حفظه الله عليا المسملين - حتى عاد إليه، وسبب ذلك أن المستحقين كان يصرف لهم فى السنة ثمانية شهور وأكثر وأقل، فصاروا تصرف لهم فى أيامه فى السنة ثلاثة شهور، وفى الواقع فهو عقد ودين فى الأحكام، لكن الأوقاف فى أيامه أكلها (^٣) المباشرون.
يوم الثلاثاء سادس عشريه عقد مجلس بالقلعة بحضور السلطان بقضاة القضاة بسبب السيد الشريف نقيب الأشراف وأخيه (^٤) الذى كان إمام المقرّ الشهابى ابن العينى، فإن الأشراف شكوا منهما أنهما أخربا البلاد، وكان استعيض عن الشريف المذكور من نقابة الأشراف واستقرار الشريف نور الدين على الكردى صاحب السلطان نصره الله، فسعى الشريف المقدم ذكره عند السلطان بالأمير برقوق وغيره حتى عقد لهما هذا المجلس، وغضب السلطان - نصره الله - من نقيب الأشراف وحطّ عليه ونقم عليه سوء مباشرته فى بلاد الوقف وعدم التساوى بين المستحقّين فى النفقة، ونسب ذلك إلى صنيع أخيه، وأساء عليه بلفظ: «يا شيطان أنت نحس»، فصار يرعد ويقول: «السلطان
_________________
(١) أطنب السخاوى: شرحه ٣/ ١٧٧ فى مدحه والثناء عليه وعده من حسنات أبناه جنسه حيث قام ضد السيوطى.
(٢) أى نظر جامع ابن طولون.
(٣) فى الأصل «أكلوها».
(٤) فى الأصل «وأخوه».
[ ١٤١ ]
يعرفنى»، وحرجت أخلاق السلطان وعنّف الشريف نقيب الأشراف ووبخه، فكان جوابه: «يا مولانا السلطان، أنا أتوب إلى الله وأستغفر الله».
وانفصل المجلس على أن يعمل حساب الوقف بحضور نواب قضاة القضاة، من كل مذهب نائب، ويعملون ما يقتضيه الشرع، وأن يكون السيد الكردى ناظرا على البلاد والمال والمصرف، ونقيب الأشراف يصل إليه معلومه ولا يتكلم فى شئ، وهذا مع جوار السلطان لنقيب الأشراف عدة سنين واتحاده بصحبته؛ وأذكر قول الشاعر:
إذا كان هذا فعله فى محبّه … فياليت شعرى فى العدى كيف يصنع؟
ونصر الله مولانا السلطان فإنه قائم مع الحق.
*** يوم الخميس ثامن عشريه، خلع على الأمير يشبك (^١) الجمالى الذى توجّه فى السنة الماضية أمير الركب الأول واستقر فى حسبة القاهرة عوضا عن قانصوه، وقيل إنها شاغرة واستقر أمير المحمل.
وخلع أيضا على آقبردى المجنون زوج بنت يشبك (^٢) الأعرج واستقر أمير الأول.
وفيه خلع على نقيب الأشراف المقدم ذكره واستقر على عادته.
وخلع على السيد الشريف علاء الدين الكردى واستقر ناظر الأشراف.
وسأل السلطان عن متحصل الأشراف فقيل له ثمانية آلاف دينار، فقال:
«كم تصرفوا للأشراف؟» فقيل له: «النصف من ذلك»، وسأل عن المتأخر فذكر المباشرون أن عدتهم عشرون نفرا، فرسم باستقرار أربعة وإبطال
_________________
(١) الضوء اللامع ١٠/ ١٠٨٥.
(٢) الضوء اللامع ١٠/ ١٠٨٨.
[ ١٤٢ ]
ما عداهم، وأن يضاف المتأخر ويصرف على الأشراف بالسوية، فنصره الله.
*** وفيه نودى على الفلوس العتق (^١) المنقاة من الرصاص والحديد بأربعة وعشرين درهما الرطل على عادتهم، وضربت فلوس جدد، كل أربعة بدرهم ونصف، والرطل بستة وثلاثين درهما، وهذا فيه ضياع أموال المسلمين ليحصل للشياطين أهل دار الضرب مقصودهم من جمع المال، فإنهم يأخذون من الناس الفلوس بأربعة وعشرين ويخرجونها بستة وثلاثين، فيخسّرون المسلمين الثلث فى أموالهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وفيه توفى الأمير يحيى بن عبد الرزاق بن أبى الفرج (^٢) بقلعة الجبل، وله من حين مباشرة عظيم الدنيا المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى فى الأستادارية وهو بسجن البرج، وهدّد وخوّف وضرب ضربا فظبعا حتى طار لحم جسده عن بدنه، ونزلوا به من القلعة فى تابوت وعلى رأسه طاقية كشف، وتوجهوا به إلى منزله فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه، وحضر صلاته المباشرون وبعض الأعيان وصلّى عليه بالجامع الأزهر، ودفن بمدرسته (^٣) المجاورة لمنزله بالقرب من قنطرة الموسكى.
وكان رأسا فى الرياسة وصار فى أيام الملك الظاهر جقمق صاحب الحل والعقد، وعمّر عدة مدارس وجوامع وربط، و[عيّن] خطباء، وأوقف عدة أوقاف عليها وعلى ذريته، وصار لمّا ينكب فى دولة من الدول يستبدلون غالب أوقافه ودوره، ثم لما (^٤) يعيدونه يعيدونها، وله بهذه التكبة عشرون مرة.
_________________
(١) الفلوس العتق كما عرفها القلقشندى: صبح الأعشى ٣/ ٤٤٠ فلوس من نحاس مكسر من الأحمر والأصغر.
(٢) فى الأصل «الفرح» والتصحيح من الضوء اللامع ١٠/ ٩٨٣.
(٣) ذكر السخاوى: شرحه، أنه أنشأ مدرسة بالقرب من المدرسة الفخرية بين السورين.
(٤) فى الأصل «لما يعيدوه يعيدوها» وهو تعبير مصرى دارج.
[ ١٤٣ ]
وكان أصله كاتبا ثم تقرّب لخدمة المقر المرحوم الزينى عبد الباسط، فلما تولى عبد الرحمن بن الكويز (^١) الأستادارية استقر صاحب الترجمة ناظر الديوان المفرد، ثم ولى الأستادارية منه وباشرها مباشرة عظيمة فى الدولة الظاهرية جقمق، وساعدته الليالى والأيام، وعمر المدارس والجوامع كما قدّمنا والبيوت والربوع، واشترى المماليك حتى بلغ عدتهم مائتى مملوك وخمسين مملوكا، وفرّق الخبز والقمح الكثير فى الغلاء على الفقراء فى كل يوم، وعمّر المغاسل والأكفان للأموات فى الفصول، فصاروا يغسّلون ويكفنون ويدفنون من وقفه؛ وعمر بدرب الحجاز الشريف أبيارا على سلالم ينزلون إليها وساق إليها الماء، وهو الذى أنشأ أولاد البقرى وابن جلود وابن غريب وغيرهم، ولقى ما قدم وأمره إلى الله، ونفى إلى مكة المشرفة والمدينة المشرقة مرتين ولم يقدر أن يحج.
وكان أشقر اللون أزرق العينين، له سطوة وإقدام، وإذا غضب لا يطاق، وكان كريما جوادا، له سماط هائل إلى الغاية يجمع فيه بين اللبن والسمك وغير ذلك من المآكل العظيمة، وبلغ الأوج فى دولة الظاهر واتخفض بعده إلى الحضيض وصودر وأهين وضرب وسجن، فأراح واستراح بموته. فالله يعفو عنه بفضله.