أهل يوم السبت ويوافقه من شهور القبط ثانى (^٢) عشرى كيهك.
فيه تزايد السعر فى الحيوانات جدا بعد أن كانت انحطت قليلا، وأبيع القمح بتسعمائة درهم الإردب بعد أن كان بثمانمائة، وقس على هذا سائر الغلال من الأقوات.
وفيه أيضا فشى الطاعون بإقليم البحيرة من الوجه البحرى من أسفل مصر وبعض بلاد الغربية، بل وظهر الطاعون بالبلاد المصرية لكنه غير فاش، فإنه ظهر ببعض الأماكن، وبعض الأماكن لم يظهر بها شئ، والوقت بدرى فإنه خامس يوم من فصل الشتاء، والأمر لله يفعل ما يريد ولا يسؤل عما فعل.
وفى هذا اليوم اهتم السلطان - نصره الله - بتجهيز تجريدة ثانية لقتال شاه سوار، وذكر أنه يعينها فى أول شعبان.
وفى يوم الأربعاء خامسه ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش الخدمة فى نفر من خواصه وألزامه وقصد بركة (^٣) الجب فوصلها، ثم توجه إلى خانقاه سرياقوس، ثم رجع إلى مدينة عين شمس (^٤) الخراب التى بها العمود المسمى بمسلة فرعون، فنزل بها وأقام يومه هناك، وعاد إلى القلعة فى آخر النهار
_________________
(١) المقريزى: الخطط ٢/ ١٥٢
(٢) الوارد فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٧، أن السبت أول جمادى الآخرة يوافق الحادى والعشرين من كيهك القبطى (١٧ ديسمبر ١٤٦٨ م).
(٣) هذا اسم آخر لبركة الحجاج، راجع ما سبق ص ١٩ حاشية رقم ١.
(٤) راجع عنها محمد رمزى: القاموس الجغرافى ١/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
[ ٤٦ ]
للذكور بعد أن ساق السوق الشديد، والقالة موجودة بإثارة فتنة والركوب على السلطان نصره الله؛ ويأبى الله ذلك والمسلمون.
وفى الخميس سادسه حضر إلى خانقاه سرياقوس قاصد (^١) من شاه سوار المخذول وعلى يده مطالعات ومضمون كلامه «أنه يسأل فى الصلح من مولانا السلطان نصره الله»، فلم يمكنه السلطان من الحضور لخدمته وأمر برده، فرد على أقبح صورة، لا بارك الله فيه ولا فى مرسله، وخذله وأهانه قريبا.
[وفى] يوم الجمعة سابعه سافر الأتابك أزبك إلى جهة البحيرة فى هوتك عظيم وجحفل جسيم.
وفى السبت ثامنه ركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل ونزل من باب السلسلة إلى مصلى المؤمنى، فصلى على السيفى شاهين (^٢) الساقى الطواشى رأس نوبة الجمدارية، وتوجه من هناك إلى بساتين الوزير غارة، واستمر حتى وصل إلى بركة الحبش وأقام بها إلى آخر النهار، وفى خدمته نويسات قليلون وعاد إلى القلعة فى آخر يومه (^٣)، وأصبح من الغد - الذى هو الأحد تاسعه - فركب وتوجه إلى قريب المطرية (^٤) فنزل بها وأقام إلى آخر النهار وعاد إلى قلعته.
*** وفيه ذكر شخص يسمى يوسف السيفى ليشبك الصوفى أحد المماليك السلطانية أنه وجد حصاة مكتوب على شقها الواحد «قرب الوقت»، وعلى
_________________
(١) فى الأصل «قاصدا».
(٢) ويعرف بشاهين غزال، انظر الضوء اللامع ٣/ ١١٢٨.
(٣) فى الأصل «يوم».
(٤) المطرية من ضواحى القاهرة وبها الشجرة المعروفة التى يستخرج منها البلسان أو البلسم، وهى موقرة عند النصارى، انظر ابن عبد الحق البغدادى: مراصد الاطلاع، ٣/ ١٢٨٤.
[ ٤٧ ]
الشق الآخر «اعتبروا واتقوا الله»، والخط ناتى، كالعروق بغير نقط، ولونه فى الحصاة أسمر وهو إلى الصفرة أقرب والخط أغمق من لونها، ووزنها ستة دراهم ونصف وربع درهم، وذكر يوسف المذكور أنه رآها تمشى على الأرض بالقرب من دار الضيافة من تحت القلعة، قال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه عندما ذكر هذه الحصاة: «وأنا استغفر الله وأقول إنها مصطنعة» (^١).
*** وفى يوم السبت خامس عشره جلس السلطان - نصره الله - بالحوش السلطانى على الدكة كعادته، وعرض المماليك السلطانية الذين يريد تجهيزهم لتجريدة شاه سوار، وعين منهم جماعات كثيرين للسفر صحبة من عينه قبل تاريخه من الأمراء الذين سنذكر عددهم وتسميتهم عند توجههم من القاهرة لقتال شاه سوار. واتفق فى هذا العرض أمر غريب من السلطان وهو أنه لما عرضهم وصار يعين منهم للسفر صحبة من عينه من الأمراء كما قدمنا سأل من كان له إقطاع فيلزمه بإقامة بديل يسافر عنه أو يقوم بمائة دينار، وإن كان صاحب جامكية - أعنى ألفى درهم - أخذ منه عشرون دينارا، وتم له ذلك بعد أن فشر من فشر وظن من ظن، ولم ينتطح فيها عنزان. وأصبح العرض من الغد، وفعل فيه كما تقدم.
وفى يوم الاثنين سابع عشره جلس السلطان على الدكة بالحوش السلطانى من قلعة الجبل كعادته، وفرقت الجامكية بحضرته على المماليك السلطانية.
*** وفيه أمر السلطان باعتقال المقر الشهابى أحمد بن [العينى] (^٢) بالبرج من قلعة الجبل بسبب ما تأخر عليه من المال، فأقام به إلى يوم الأربعاء تاسع عشره
_________________
(١) عبارة «وأقول إنها مصطنعة» مكررة فى أول ورقة ٢٠ ب.
(٢) أضيف ما بين الحاصرتين بعد مراجعة ابن إياس: بدائع الزهور، ٣/ ١٢٥، س ا
[ ٤٨ ]
[ثم] (^١) أطلق بعد أن حمل المال، فخلع عليه السلطان - نصره الله - كاملية بمقلب سمور، وتوجه لداره مكرما معظما.
*** وفى هذا اليوم جهز السلطان نفقة السفر للأمراء الذين عينهم لقتال شاه سوار المخذول، فجهز للأمير قرقماس الأشرفى الجلب أمير مجلس ثلاثة آلاف دينار، وحمل إلى الأمير سودون القصر وهى رأس نوبة النوب بالشرح (^٢)، وكذلك الأمير تمر حاجب الحجاب، وكان أنعم عليه قبلها بمثلها لما يعلمه (^٣) من تقتيره وتبذيره وما حصل عليه. وكذلك وصل لقراجا الإينالى الأعرج الأشرف أحد مقدمى (^٤) الألوف وهو مسافر بالوجه القبلى لجهة إفطاعه. وهؤلاء الأمراء المذكورون (^٥) هم المعينون لتجريدة شاه سوار، ومقدم العسكر المذكور الأمير الكبير الأتابك أزبك من ططخ الظاهرى - عز نصره - مع أنه مسافر لجهة البحيرة.
ثم إن السلطان رسم لكل أمير من الطبلخانات بخمسمائة دينار، وهم جانبك (^٦) الزينى المؤيدى أحد رءوس النوب، وخير بك من حديد (^٧) الأجرود الأشرفى [برسباى]، وأرسل لكل أمير من أمراء العشرات بمائتى دينار وعدتهم أكثر من عشرين نفرا، فلما وصلت النفقة إلى الأمير
_________________
(١) أضفيت كلمة «ثم» لتستقيم العبارة.
(٢) أى بمثل ما قرر للأمير قرقماس الأشرفى.
(٣) عبارة «من تقتيره وتبذيره» واردة مرة أخرى فى أول ورقة ٢١ ا.
(٤) فى الأصل «مقدمين».
(٥) فى الأصل «المذكوريين».
(٦) راجع عنه السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٢٢٥.
(٧) ذكر الضوء اللامع ٣/ ٧٧٨ أنه «من حتيب لا من حديد كما هو على الألسنة» والإضافة منه.
[ ٤٩ ]
قرقماس الأشرفى المشهور بالجلب أمير مجلس طلع من الغد إلى السلطان يساله فى عدم السفر ويسأل أن يكون طرخانا، فلم يلتفت السلطان لكلامه ولا اكترث به وأغلظ عليه فى اللفظ وألزمه بالسفر، فامتثل ذلك.
ولما نزل قرقماس المذكور إلى داره واجتمع (^١) عليه خجداشيته (^٢) فأشاع لسخيفو العقول أن لابد من ركوب على السلطان، ويأبى الله ذلك والمسلمون.
ولما أصبح الغد من تاريخه ركب السلطان - نصره الله - حتى قلعة الجبل فى أناس قلائل جدا من خاصكيته وأعوانه إلى جهة خليج الزعفران واستمر يومه مقيما يتنزه ويتمتع بما أعطاه الله من نفوذ الحرمة والكلمة والعمل الصالح، وعاد آخر النهار إلى القلعة وهو غير مكترث بما أشيع من الركوب، فبطلت القالة وعلم كل أحد أنه مستخف بهم ولا يخاف إلا الله جل وعلا.