أهلّ بالأحد (^١).
ففى يوم الأحد بل الثلاثاء ثالثه حضر المرسوم الشريف السلطانى عز نصره إلى القاهرة المحروسة بطلب قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى (^٢) الشافعى ليصلى بالسلطان عيد الأضحى بمدينة فارسكور (^٣)، فبادر قاضى القضاة وسافر وحمل معه للسلطان من السكر أربعة قناطير، ومن الحاوى أشياء أكثر من السكر.
وفى عاشر ذى الحجة الذى هو يوم عيد الأضحى أخذ أمين النيل أبى الرداد قاع البحر فجاءت القاعدة (^٤) - أعنى الماء القديم وما أضيف إليه من زيادة هذه السنة - خمسة أذرع واثنين وعشرين إصبعا، وعيد
_________________
(١) الوارد فى جدول ترتيب السنوات بالتوفيقات الإلهامية ص ٤٣٧، أن أوله الإثنين ويوافقه ١٨ بؤنة (- ١٢ يونيو ١٤٦٩).
(٢) انظر السيوطى: نظم العقيان، ص ٢٣٥، السخاوى: الضوء اللامع ج ١ ص ٢١٠ - ٢١٣.
(٣) قرية من قرى محافظة الدقهلية، راجع الخطط التوفيقة ١٤/ ٦٤ وما بعدها، وقد رسمها مراصد الاطلاع ٣/ ١٠١٣ «بفارسكر» وقال إنها قرية بين مصر ودسباط.
(٤) أشارت التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٧، إلى غاية فيضان النيل بمقياس الروضة فقالت إنه غير معلوم، ثم ذكرت أن النيل وقف عن الزيادة أياما فقلق الناس وارتفعت الأسعار وقل القمح ثم «بعث الله الزيادة ووفى ثم هبط سريعا».
[ ٧٣ ]
السلطان بفارسكور وخطب به قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى كما تقدم ذلك، هذا والناس بالقاهرة فى أمر مرتج وقلق عظيم لعظم الغلاء ومخافة السبل والطرق، والمصيبة العظمى حزنهم على من مات لهم بالطاعون قبل تاريخه، والزيادة على ذلك قطع أضاحى الناس لسفر السلطان لأن المباشرين قطعوا غالب الأضحية، ولم يفرّق أحد (^١) فى هذه السنة من الرؤساء والأمراء شيئا من الأضاحى اقتداءا بغيبة السلطان نصره الله، وكان هذا العيد أشبه الأشياء بالمأتم لما طرق الخلق من الحزن والكآبة وقبض الخاطر، وافتقر بسبب هذا الغلاء خلائق من الأعيان وغيرهم لطول مكثه بالديار المصرية، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه: «هذا والسلطان دائر بتلك الأقاليم فى هوى نفسه، وأنه أخذ الأموال والتقادم من الناس حتى من كبار فلاحى البلاد، ويتوجه بنفسه إليهم حتى يأخذ تقدمتهم، ولم يكن فى سفرة السلطان هذه مصلحة من المصالح بل المضرة الزائدة ولا سيما على الفلاحين وأهل القرى، فإنهم شملهم ضرر الأعوان والضّرّيّة لأخذ الأحطاب، وكانوا إذا لم يجدوا حطبا أخذوا أبواب البيوت، وفعلوا ذلك بغالب الأرياف والطواحين وبالغوا حتى قالوا فعلوا ذلك بأبواب المساجد» انتهى كلامه.
قلت أقسم بالله لولا وجود هذا السلطان - نصره الله - فى الوجود وحرمته التى ملأت الأقطار والأمصار ودو سه البلاد وإرساله التجاريد ويقظته التامة لرأى الناس - والعياذ بالله - الموت عيانا.
وفى يوم الاثنين سادس عشره وصل الخبر للسلطان على جناح الطائر بأن قاصد حسن بك بن قرايلك الواصل إلى القاهرة صحبته رأس بوسعيد (^٢) ملك
_________________
(١) فى الأصل «أحدا».
(٢) انظر العزاوى: تاريخ العراق بين احتلالين ٣/ ٢٣٠ - ٢٣٤.
[ ٧٤ ]
العجم والتتار، فتعجب الناس لذلك لعظم مقام بو سعيد وكثرة عساكره.
وكان بو سعيد هذا قد جاء نجدة لحسن بن على بن جهان شاه لينصره على حسن بك بن قرايلك، ووصلت الرأس بعد ذلك مع القاصد وعرضت على السلطان وأراد المشاعلى أن يطوف بها فى شوارع القاهرة فمنعه السلطان من ذلك وأمر بدفنها، فدفنت.
وفى يوم الأربعاء ثامن عشره عاد السلطان من سفره ونزل بالمطرية وتغدى بها، وركب فى آخر النهار وتوجه إلى الريدانية وبات بها، وقد تقدم قول الجمال (^١) أن السلطان لم يبتّ أمرا فى هذه السفرة ولا ردع قاطع طريق ولا زبر مفسدا فيكذبه الحس والنقل، فإن السلطان - نصره الله - سلخ ابن سعدان قبض عليه بمدينة فوة قبل تاريخه بأشهر، ثم إن السلطان نصره الله لما عاد إلى جهة القاهرة ونزل على قرية جنين قبض على مهنا بن عطية وحمزة القرقاوى وضربهما بالمقارع، ووعد البلاد وأهلها أن يولى عليهم الأمير برقوق الناصرى أحد مقدمى الألوف كشف التراب بالشرقية ويضيف له كشف الدم، وأن برقوق يقيم له نائبا فى كشف الدم، ووفى لهم بالوعد بعد حضوره القاهرة.
وتوجه برقوق إلى الشرقية فأقام له نائبا فى كشف الدم يسمى جانم، فمهد له البلاد وأقمع المفسدين وصنع مع المسلمين ما ينفعه عند الله ﷿ دنيا وأخرى، كما سيأتى ذلك مفصلا فى محله إن شاء الله تعالى.
والمقصود أن السلطان لما أصبح بالريدانية فى بكرة يوم الخميس ركب بقماش الخدمة والموكب، وكان له موكب عظيم إلى الغاية والنهاية، وحمل على
_________________
(١) يقصد بذلك أبا المحاسن يوسف بن تغرى بردى صاحب كتاب النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة.
[ ٧٥ ]
رأسه القبة (^١) والطير الأمير برقوق أحد المقدمين الألوف، ولبس السلطان فوقانيا أبيض (^٢) بعلبكيا بطراز أسود، وتقلد بسيف مسقط بالذهب، وركب فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، ورقبة الفرس عليها الزركش على العادة، وحملت الغواشى (^٣) بين يديه وركب معه قضاة القضاة الأربعة ونوابهم وكنت صحبتهم، وسار فى هذا الموكب العظيم الضخم حتى دخل من باب النصر ففرشت له الشقق الحرير تحت رجل فرسه ونثر على رأسه الذهب والفضة، وكان لدخوله يوم (^٤) مشهود وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه «وكان الدعاء له قليلا، وإنما غالب ازدحام الناس للفرجة». قلت:
أنا شاهدت الركبة وركبت فيها مع نواب قاضى الحنفية المحب ابن الشحنة ورأيت العالم يبتهلون ويدعون للسلطان بدوام البقاء والعلو والارتقاء، ووافق أن قاض حسن بك بن على بك بن قرايلك وصل إلى الريدانية، فبلغ السلطان ذلك فأمر أن يتوجه به إلى مدرسة الأشرفية برسباى التى بخط العنبرانبين ليجلس بها وينظر موكب السلطان ليخبر به أستاذه وعسكره ففعلوا به ذلك، وحين صعود السلطان إلى القلعة وجلوسه على الدكة بالحوش السلطانى وافاه قاصد حسن المذكور فقبل الأرض بين يديه وأخرج رأس بوسعيد المقدم ذكره فرآها السلطان فأمر بمواراتها التراب إجلالا لأبى سعيد وكونه من ملوك الإسلام العظماء ومن ذرية ملوكها. وكان كتاب حسن بك بن قرايلك مكتوبا
_________________
(١) يقصد بذلك المظلة التى عرفت بمصطلح ذلك العصر بالجتر وهى قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب وبأعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب، وتحمل على رأس السلطان فى العيدين، راجع القلقشندى: صبح الأعشى ٤/ ٧ - ٨.
(٢) فى الأصل «أبيضا».
(٣) جمع غاشية وهى سرج من أديم مخروزة بالذهب حتى يظن أنها كلها من الذهب وهى تحمل بين يدى السلطان عند ركوبه فى المواكب ويحملها الركاب دارية رافعا إياها على يديه يلفها يمينا وشمالا، راجع القلقشندى فى: صبح الأعشى ٤/ ٧.
(٤) فى الأصل «يوما مشهودا».
[ ٧٦ ]
بالفارسية وفيه ألفاظ مكتوبة بالذهب تتضمن أمره مع بوسعيد، وأوسع وأرعد وأبرق، وغالب ألفاظه كذب، غير أن قتل بوسعيد صحيح.
وأما كيفية قتله على الحقيقة فلم أقف عليها لا أنا ولا غيرى لبعد المسافة، لكننا نذكر فى ترجمته عند الوفيات ما وصل إلينا علمه.
ثم خلع السلطان على القاصد المذكور كاملية سمور بمقلب سمور بعد أن رحّب به وأكرمه وأنزله فى دار عيّنها له وأجرى عليه الرواتب، ثم بادر وخلع على الأمير برقوق بكشف تراب الشرقية وكشف الدم وقد قدمنا ذلك، والله المولى والمالك.
وفى يوم الاثنين ثالث عشريه وصل الخير من البلاد الشامية على يد ساعى ونجاب بوصول العسكر المصرى والشامى وغيرهما من بلاد شاه سوار إلى حلب، فاضطرب الخلق أجمعون وكثر الكلام فى ذلك، فلما أصبح يوم الثلاثاء رابع عشريه قدم الأمير تنبك الظاهرى أحد أمراء العشرات والرؤس النوب، وهو أحد من كان بالتجريدة صحبة العسكر، وأخبر بوصول العساكر إلى حلب وبقتل جماعات كثيرين من الأمراء المصريين والشاميين والخاصكية وغيرهم، يأتى ذكرهم فى وفيات هذه السنة إن شاء الله تعالى.
و[أما] رجوع العسكر إلى حلب ففيه أقوال، والقريب منها هو أن العسكر المصرى لما خرج من حلب وتوجه إلى بلاد شاه سوار حصل منهم إتلاف الزروع وخراب البلاد والضياع من رعى المراعى، ثم إنه بعد أيام كثيرة واقع شرذمة من العسكر المصرى والشامى أعوان شاه سوار بل [واقعهم] هو بنفسه فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب شاه سوار فنجى بنفسه، وقبضوا على أخويه مغلباى وسليمان بن دلغادر الأقطع، ولو كان ثم أحد تبع سوارا فى هربه للحقه، غير أن القوم تقاعدوا عنه لأمر أراده الله
[ ٧٧ ]
فى الأزل، ثم تبعوه بعد ذلك فلم يقفوا له على خبر ولا أمر، وقالوا إنه دخل إلى جبل القرص (^١) وقيل دخل إلى الروم؛ وشرع (^٢) العساكر بعد ذلك يفعلون فعلهم الأول من خراب البلاد والضياع ورعى المرعى وأخذ أموالهم وانتقالهم من موضع إلى آخر، حتى شمل الخراب غالب بلاده، ووقع الغلاء والقحط فى العسكر فجهدوا وأبيعت البقسماطة بثلاثة دراهم فضة، والعليقة من الشعير بأشرفى من الذهب، ووصل نعل الفرس إلى دينارين، ومات من المشاة عدد كثيرون فى كل يوم، فعند ذلك اجتمعت آراؤهم على عود العسكر إلى حلب فعادوا منصورين مؤيدين إلى أن وصلوا إلى مكان فيه طريقان (^٣): طريق سهلة واسعة فيها بعيض بعد، وطريق ضيقة وعرة لا تسلك إلا شدة وفيها مخارج كثيرة يعرفها شاه سواه وعساكره، فاختار الأتابك أزبك التوجه من الطريق الضيقة فنهوه فلم ينته، وسار بقية القوم من الطريق الواسعة فلم يلقوا شرا.
وأما الأتابك أزبك والعساكر فأول من اجتاز منهم الطريق الضيقة إينال (^٤) الأشقر نائب حلب وسلم، وانجرّت العساكر بعده شيئا بعد شئ، وبينما هم فى المضايق دهمهم شاه سوار على حين غفلة فعرقب الجمال السائرة بأحمالها، فاستدت الطرق وقاتل، وقاتل من بقى من العسكر يوما وليلة، وتوجه الأتابك أزبك إلى إحضار نجدة ممن ساروا فى الطريق الواسعة فلم يعودوا، وقاتل من بقى مع الأمير قرقماس أمير مجلس حتى قتلوا، وقتل الأمير قرقماس
_________________
(١) ربما كان المقصود بذلك الناحية الجبلية التى درست واسمها «جبل قارن» من أعمال طبرستان، انظر لى سترانج: بلدان الخلافة، ص ٤١٣.
(٢) فى الأصل «شرعوا».
(٣) فى الأصل «طريقين».
(٤) هو إينال اليجياوى الظاهرى جقمق، وكان شديد الجور على الناس فى ولايته، راجع السخاوى: الضوء اللامع ٢/ ١٠٨٤.
[ ٧٨ ]
المذكور ومعه جماعة من الأمراء المصريين والشاميين يأتى ذكرهم فى وفيات هذه السنة إن شاء الله.
ثم انهزم شاه سوار وسدّ الطريق بينه وبين من بقى معه من العسكر وكانوا شرذمة قليلين (^١) حتى لا يتبعوه، وأقام من بقى من العسكر هناك يوما أو يومين ثم توجّه الجميع إلى حلب وقد سلم من لا قاتل، ودخل العسكر إلى حلب فى غاية القلة والجهد والتعب والنصب والوصب، فلم يطيقوا الإقامة بها - أى بحلب -، وخرجوا منها بغير إذن السلطان وعادوا إلى مصر خفية بل جهارا، وكان السلطان أراد يرسل رأس نوبة الجمدارية إلى حلب لينفق فى العسكر جامكية أربعة شهور وعليق أربعة شهور، فتوجه (^٢) إلى حلب فلم يجد بها غير أمراء الألوف لا غير، فرسم على لسان السلطان بالإقامة بحلب، وعاد مكس المذكور فوصل إلى القاهرة فى أواخر المحرم بعد أن ناله من العساكر سب كثير ولعن جزيل كونه أمرهم بالإقامة، فما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وانقضت هذه السنة بعد أن قاسى الناس فيها شدائد وبلاء ومحنا وإحنا من عظم الغلاء وكثرة الطاعون والفتن وخوف السبل والطرق والأراجيف بكل لسان، بحسب مقامه وحاله.
*** أمر النيل: الماء القديم فى هذه السنة خمسة أذرع واثنان وعشرون إصبعا، ومبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثمانية أصابع ولله الحمد والشكر على ذلك.
_________________
(١) فى الأصل «قليلون».
(٢) المقصود بذلك رأس نوبة الجمدارية واسمه مكس - كما سيأتى فى السطر بعد التالى - ولعله «مكى».
[ ٧٩ ]