فيه صعد قضاة القضاة ونوابهم وكنت معهم للقلعة لتهنئة السلطان نصره الله بالشهر على العادة، فهنّوا ودعوا وانصرفوا.
وفى يوم الأحد ثانيه ركب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - أعز الله أنصاره وأدام ملكه أبد الآبدين - من القلعة فى جمع يسير من خواصه بغير قماش الخدمة ولا سلاح، وتوجه إلى قليوب ثم إلى غيرها، ثم توجه إلى جسر بنى منجا فرآه وعاد إلى قبة (^٣) النصر فنزل بقبّة عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها وأستاداراها المعظم المفخم يشبك من مهدى الدوادار الكبير - مهد الله له البلاد والعباد وحفظه على الإسلام والمسلمين - وأقام بها إلى العصر وصعد إلى القلعة، فتعجب العسكر السلطانى من جنان هذا الملك وقوة قلبه وعزمه وحزمه وإقدامه: كيف توجه إلى هذه الأماكن ولم يستعد بسلاح، والصحيح عندى أن هذا السلطان - نصره الله - متوكل
_________________
(١) هكذا فى الأصل، ولعلها «فلبسها» أو لعل المؤلف أراد أن يقول «فخلعها عليه» فسقطت كلمة «عليه» سهوا.
(٢) فى الأصل «يهنوه».
(٣) كانت قبة النصر خارج القاهرة، وقد ورد فى خطط المقريزى ٢/ ١١١ أنها كانت زواية يسكنها فقراء العجم، انظر أيضا نفس المرجع والجزء، ص ٤٣٣.
[ ٦٨ ]
على الله فى جميع أموره، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه عند ذكره لركوب السلطان: «ولم يشكر أحد فعل السلطان لتوجهه إلى هذه المسافة البعيدة من غير استعداد ولا مماليك» انتهى.
وفى يوم الخميس سادسه ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه فى نفر يسير جدا، فسير إلى جهة من الجهات البعيدة ثم عاد إلى القلعة، وعندى أن مولانا السلطان - نصره الله - ليس عنده أعز من الركوب والتنزه ولا يبالى بأحد ولا يخاف إلا الله وهو حافظه ومعينه، وسبب هذا الركوب أن السلطان فى أمر عظيم بسبب هذا الخارجى (^١) الوضيع الذى ليس له ذكر فى القديم ولا لآبائه، وقد صدر منه (^٢) كسر العسكر المصرى والشامى وبهدلته ونهبه وقتل جماعات من أعيانه، فما شاء الله كان.
وفى يوم الجمعة سابعه وصل هجانى من الأتابك أزبك من ططخ مقدم العسكر المنصور للسلطان - نصره الله - مضمونه على ما بلغنى بالمعنى «بعد تقبيل الأرض والدعاء للسلطان أن العساكر المنصورة فى استظهار على عسكر شاه سوار المخذول، وأنهم ملكوا باب الملك وغيره من بلاد سوار، والنصر والظفر يكون عن قريب إن شاء الله تعالى».
وفى يوم الاثنين عاشره قدم إلى الديار المصرية الطواشى الحبشى المدعو سرور رسولا من ابن قرمان الذى هو الأمير شهاب الدين أحمد وعلى يده كتاب مرسله، مضمونه «الدعاء للسلطان، وأنه من جملة مماليكه، وأنه لا غنى له عن ملاحظة السلطان نصره الله»، وقدم هدية من مرسله، فقبلها السلطان وأكرم القاصد ورحب به وأنزله فى دار وأجرى عليه ما يليق به،
_________________
(١) يقصد بذلك شاه سوار.
(٢) أى من شاه سوار.
[ ٦٩ ]
واستمر مقيما بالقاهرة إلى بعد عشر شهر الله المحرم من سنة أربع وسبعين وثمانى مائة، [ثم] جهزه (^١) مولانا السلطان - نصره الله - إلى مرسله بعد الإنعام عليه، والهدية السنية لمن أرسله.
*** وفيه وصل للسلطان كتاب من نائب قلعة حلب يتضمن أنه ورد عليه الأمير إينال [اليحياوى] (^٢) الأشقر الظاهرى [جقمق] (^٢) يخبر فيه أنه واقع شاه سوار هو وجماعة من النواب وبعض عساكر المصريين، وحصل بينهم وقعة عظيمة هائلة، قتل (^٣) فيها الأمير خيربك البهلوان الأشرفى - أحد (^٤) أمراء دمشق - وجماعة من المماليك السلطانية قليلون، وانهزم شاه سوار، وقتل معظم أصحابه وعوّق (^٥) بعضهم فى نهر جهان (^٦)، وأخبر أيضا بالقبض على أخيه مغلباى وسليمان بن دلغادر، وأن شاه سوار لما هرب قطع الجسر الذى كان على النهر المذكور، وأن العسكر مهتمون بأمره ولحاقه حيث ذهب، ثم وصل كتاب المقر الأشرف العالى الأتابكى أزبك من ططخ مقدم العساكر يذكر فيه معنى ما ذكر مع اختلاف اللفظ، والمعنى متحد.
وفى يوم الأربعاء عاشره ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش الموكب، مع أن السلطان - نصره الله - من يوم جهز العساكر لقتال شاه سوار لم يعمل
_________________
(١) فى الأصل «جهزه السلطان جهزه مولانا السلطان».
(٢) الإضافة من الضوء اللامع ٢/ ١٠٨٤.
(٣) مكررة فى الأصل.
(٤) الوارد فى الضوء اللامع ٣/ ٧٧٩ أنه صار من مقدمى دمشق.
(٥) لعلها «غرق».
(٦) المقصود بذلك نهر جيحان (بفتح الجيم وسكون الياء) وهو نهر بالمصيصة. انظر مراصد الاطلاع ١/ ٣٦٤، وكلمة «جهان» هى اللفظ الجارى على ألسنة العامة، كما يشير إلى ذلك أبو الفداء، ص ٥٠.
[ ٧٠ ]
موكبا بالقصر إلا فى كل حين لأمر من الأمور، وتوجّه إلى ناحية طرى (^١)، وأقام هناك ساعة كبيرة ثم عاد إلى القلعة.
وفى يوم الخميس ثالث عشره وصل من الأتابك أزبك - مقدم العساكر - نجابان (^٢) وصحبتهما رأس مغلباى الأقطع أخى (^٣) شاه سوار، وأخبرا أن صاحب الرأس المحضرة صحبتهم مات من جراحات أصابته ورأسين أيضا معه، فطيف بها وعلقوا الثلاثة رءوس بباب النصر أياما كثيرة، وسأل السلطان - نصره الله - من النجابين عن العسكر فذكرا أنهم تبعوا شاه سوار حيث توجه، وأنهم ينهبون بلاده ويخرّبون ضياعه ومنازله وقراه.
وفى يوم الأحد المصبح (^٤) عن سادس عشره ركب السلطان من قلعة الجبل وسافر لجهة البحيرة على حين غفلة، ولم يعلم أحدا بنزوله ولا بسفره إلى بعد عشاء الآخرة، فعدّى النيل بعد العشاء من بولاق وسافر من فوره، وصار (^٥) الخلق يتبعونه أفواجا أفواجا وأرسالا أرسالا، ولم يعلم أحد من المسافرين والمقيمين أين يقصد السلطان ولا أين يريد، ومجموع من توجه من العسكر على قدر الثلث من القاهرة، فإن السلطان ليس معه من الأفراد المقدمى (^٦) الألوف غير الأمير برقوق الناصرى، واستمر السلطان سابقا بعسف وسوق وسرعة حتى وقف بل هلك كثير من الخيول والركاب، حتى وصل
_________________
(١) ناحية قريبة من القاهرة فى شرقى النيل قرب الفسطاط، انظر مراصد الاطلاع ٢/ ٨٨١.
(٢) فى الأصل «نجابين».
(٣) فى الأصل «أخو».
(٤) فى الأصل «المصبحة».
(٥) فى الأصل «وصاروا الخلق يتبعوه».
(٦) فى الأصل «المقدمين».
[ ٧١ ]
إلى النجيلة حيث أقام عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها وأستادارها المقر الأشرف الكريم العالى يشبك من مهدى حفظه الله على المسلمين، فدخل عليه ليلا وهو نائم على غفلة، فذعر الأمير يشبك المذكور لما رآه ثم سكن خبره وأقام (^١) عنده يومين وتوجه إلى جهة الغربية وقدمت له التقادم فقبلها، وأقام دون الثلاثة أيام ثم رجع إلى جهة الشرقية، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه: «ولم يظهر لسفره فى هذه الأقاليم الثلاثة نتيجة بل شمل الخراب غالب قراهم من النهب والكلف، ولم يفتكوا بمفسد، ولا ردعوا (^٢) قاطع طريق، بل كان دأبه أخذ التقادم والانتقال من بلد إلى آخر (^٣) من غير فائدة بل الضرر الشامل، فلما علم (^٤) المفسدون منه ذلك طغوا فى الناس وزاد شرهم وقطعوا الطريق وخافوا السبيل حنى أن بعضهم كان يفعل ذلك بقرب وطاق السلطان مع بعض حواشيه وأعوانه، وهو فيما هو فيه، فوقع بذلك غاية الوهن فى المملكة وأيس (^٥) الناس من ظلم العرب لهم وقالوا «إذا كان السلطان ما أزال ذلك عنا فمن بقى يزيله؟» انتهى كلام الجمال يوسف.
قلت هذا الذى ذكره الجمال مردود من وجوه، لأن السلطان - نصره الله - إذا توجه بنفسه إلى بلد أو قرية ضرورة أن أهل تلك البلاد من المفسدين وغيرهم يفرون (^٦) منه، فإن الكاشف أو الوالى إذا قصدهم يفرون منه فضلا عن السلطان، بل سفره طمن البلاد والعباد نصره الله. هذا والعسكر الذين صحبة السلطان يرسلون قصادهم للقاهرة بطلب الأفوات. وطالت إقامة
_________________
(١) يعنى السلطان.
(٢) فى الأصل «أردعوا».
(٣) فى الأصل «أخرى».
(٤) فى الأصل «علموا».
(٥) فى الأصل «أيسوا».
(٦) فى الأصل «يقرو».
[ ٧٢ ]
السلطان نصره الله بالشرقية.
وفرغ الشهر والسلطان غائب عن القاهرة نصره الله.