فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، ولم يتكلموا فى شئ من أمر ابن الفارض لا بنفى ولا إثبات (^١).
وطلع البرهان البقاعى فى هذا اليوم قبل كل أحد وجلس بالجامع وصحبته كتب كثيرة وليس هو راجعا عما قاله فى كلام الشيخ ابن الفارض وتكفيره، وبلغنى من عدة جماعات أنه أوصى، وعنده أن هذا الأمر ليس التكلم فيه إلا فرية محض، فإن قتل قتل شهيدا، فالله أعلم.
وفيه ركب العسكر بتمامه وكماله على مرات: فرقة الأمراء وفرقة المباشرين وفرقة قضاة القضاة وتوجهوا لبيت المقر الأشرف الكريم العالى السيفى عظيم الدنيا يشبك من مهدى أمير دوادار كبير وما مع ذلك فلم يجتمعوا به فإنه محجوب، حتى [كان] من جملة من توجه إليه المقر الأشرف الكريم العالى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ عز نصره وإينال الأشقر رأس نوبة النوب فلم يجتمعوا به وهو محجوب، ولم يصعد فى هذا اليوم إلى الخدمة.
وسبب ذلك أن السلطان - نصره الله - شكى له من ابن غريب قبل هذا ورفعت له قائمة بما استأداه الأمير الدوادار من الوجه القبلى من الجبايات وغيرها، فجاء مجموع ذلك مائتى ألف دينار وخمسين ألف دينار، خارجا عن الخيول والبقر والرقيق، فرمى الأمير الدوادار - حفظه الله - الوظائف، أعنى الوزارة والأستادارية فتدخلوا عليه أن لا يغضب فحلف لا يتكلم فى شئ إلا إن أعلمه السلطان بمن قدّم له القائمة، إن كان مباشرا فيحضر ويثبت مقالته إن كان كذبا أو صدقا،
_________________
(١) انظر بن إياس: بدائع الزهور، ٣/ ٤٤ - ٤٧.
[ ١٨٦ ]
ويعمل معه ما يستحقه، واستمر الأمر على ذلك. على أن الناس أشاعوا أن السلطان يقرر ابن غريب أستادارا وقاسم شغيته وزيرا ويحاسبهما على ما يتوفر من الديوان المفرد والدولة فيحملونه له فى كل شهر.
واستهلت هذه السنة والأسعار بحالها وزيادة، فإن القمح الطيب بتسعمائة وما دونه بثمانمائة الإردب، والدقيق كل بطة زنتها خمسون رطلا بمائتى درهم وعشرين درهما، والشعير بثلاثمائة وثمانين درهما الإردب، والفول بقريب ذلك، والقفة الدريس بدرهم وهو رخيص بالنسبة للعام الماضى، والتبن موجود كثير كل حمل بخمسة أنصاف وأكثر بحسب حشوه وما فيه، واللحم الضانى بعظمه (^١) بتسعة دراهم الرطل وبلا عظم بإثنى عشر درهما، والبقرى بستة دراهم الرطل، والدجاج لا يوجد إلا نادرا عند الأكابر، [أما] السمين منه فعديم الوجود، وكل طائر منه بأربعة أنصاف، والفروج الواحد بلغ إلى خمسين درهما وليس فيه أوقيتان من اللحم، والأوز موجود لكن بثمن زائد على ثمنه مرة أخرى، فإن ثمن الزوج المليح ستة أنصاف فوصل فى هذه السنة إلى ضعف ذلك.
وأما الخبز عند الباعة فصغير جدا، الماوى نصف رطل ويعجز أيضا عنه بدرهم، والرومى أقل منه بنصف أوقية مع سواد فيه، وصار الخبز غالبه من الشعير عوض القمح، وصار غالب الناس بأكلونه وما رأينا غلاء وقع واستمر نظير هذا، فالأمر إلى الله يفعل ما يشاء ويختار.
والجبن الحالوم بإثنى عشر درهما الرطل والأزرار والمشوى بثمانية دراهم الرطل، والمقلى بأحد عشر درهما الرطل، وأما العسل النحل من عند الزيات بأربعة وعشرين درهما الرطل، والعسل الأسود بإثنى عشر درهما الرطل، والسيرج بثمانية عشر درهما الرطل، والزيت الطيب كذلك، والحار بتسعة، والأرز
_________________
(١) راجع ابن إياس. شرحه، ٣/ ٤٤.
[ ١٨٧ ]
من عند الباعة بنصفين القدح، غير أن الفاكهة والبطيخ رخيصان، والعبدلى كذلك.
وأما الناس فصاروا ثلاثة أثلاث: الغنى افتقر، والمتكسب ما يفى بنفقته، والفقير فبعد أن كان يسأل فى الرغيف صار يطلب لقمة أو لبابة.
وأما غير ذلك فمن جهة: الظلم والجور والأحكام الباطلة وانتهاك حرمة الشرع وبهدلة القضاة والفقهاء وعدم نصرة المظلوم، وفشا هذا الأمر وانتشر فأهلك الله من يؤذى المسلمين، وصار من قدّمنا ذكرهم من القضاة والشهود والرؤساء وأصحاب الوظائف على قلبهم الوجيف بواسطة حكّامهم كالأمير إينال الأشقر وأمثاله كالمحتسب فإنه فعل مع الذين يقرؤن القرآن احتسابا عند الإمام الليث يبتغون بذلك وجه الله فمنعهم من القراءة بشروط، وكفعله مع قضاة الإسلام فى إبطال أحكامهم وينسبهم لما ليس فيهم، مع توليته نيابة الحسبة لمن شاع وذاع عنه من القبائح مالا يوصف، وغير ذلك أن غالب الأمراء فى بلادهم، وليس بالقاهرة سوى أمير كبير وأمير سلاح وأمير آخور، وإينال الأشقر رأس نوبة النوب - أزاله الله عن الحكم بين المسلمين بجاه سيد المرسلين - حضر قريبا من بلده، وأزدمر الطويل الإبراهيمى، والخدمة [لها] مدة بطالة ثم عملت فى ليلة الاثنين ثالث شهر تاريخه من هذه السنة، وفى الواقع فسلطان مصر الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - نصره الله - سلطان عظيم شجاع فارس معدود من الفرسان، ديّن عفيف الفرج لا يلوط ولا يزنى ولا يسكر، وله ورد فى الليل من صلاة وقيام، وعنده تؤدة عظيمة سيما فى العزل والولايات، ولو بلّغه المقربون لحضرته ما يحصل على المظلومين من أمرائه ومحتسبه على الوجه الصحيح لأنصف المظلومين من الظالمين، غير أن أرباب الوظائف من المباشرين صاروا باخلين بمالهم على الفقراء حتى وبجاههم؛ وأما عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها المقر الأشرف الكريم
[ ١٨٨ ]
العالى السيفى أمير دوادار كبير وما مع ذلك - عظم الله شأنه - فما عنده من يعلمه بهذه الأمور.
وأما السلطان - نصره الله - فقريب لكن من يعلمه؟ والله أسأل أن يهلك الظالمين والساعين عندهم فى أذى المسلمين، وأن يرمى كيدهم فى نحرهم آمين آمين، يا رب العالمين.
يوم الثالث منه ضرب أبو الحجاج (^١) نائب القاضى الشافعى ببيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير، وسبب ضربه أن شخصا يسمى أبا الحسن [كان] مباشرا بالدولة فى بلدة تسمى دلجا (^٢) تأخّر عليه مبلغ كثير، فرسم عليه من بيت الأمير المذكور فهرب، فتكلم قاسم الوزير عند الأمير المذكور أن أبا الحجاج صهره وأنه اختفى عنده، فهجموا دار القاضى فلم يجدوا فيه أحدا فحملوه وحملوا عليه الأمير فحصل ما حصل، والأمر لله.
وفيه ختم على حمام قاضى القضاة الحنفى المحب بن الشحنة المجاور لمنزله من باب عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله على المسلمين، وسبب ذلك أن الحنفى اقترض من شخص من نوابه يسمى محمد بن الدهانة (^٣) أربعمائة دينار ورهن عنده الحمام المذكور، ثم اطّلع صاحب الدّين أن الحمام رهنها سابقا عند غيره من التجار وهو من طلبة الشيخ أمين الدين الأقصرائى فشكى حاله لتغرى بردى خازندار الدوادار وله به معرفة بواسطة الشيخ أمين الدين المذكور، فوصّله لأستاذه، فأرسل ضرب رنكه وختم عليها، وذكر ابن الدّهانة أن الحمام المذكورة باعها
_________________
(١) لعله يوسف بن فلك الدين الذى ترجم له السخاوى فى الضوء اللامع ج ١١ ص ١٠٣ رقم ٣٠٠.
(٢) ذكرها مراصد الاطلاع ٢/ ٥٣١ باسم دلجة، وقال: بالفتح ثم السكون، قرية بصعيد مصر.
(٣) واسمه عبد القادر بن محمد المحيوى القاهرى الحنفى، انظر الضوء اللامع ٤/ ٧٩٣.
[ ١٨٩ ]
بيع أمانة على ما بلغنى وما بقى الدوادار يرضى إلا بأخذ المكان فإنه أعظم القائمين عليه، وسيما الساعين عليه عنده مثل القاضى تاج الدين بن قاضى القضاة سعد الدين الديرى فى قضاء الحنفية بمبلغ ثلاثة آلاف دينار، والملك لله الواحد القهار.
ووقع لى من وجه صحيح أخبرنى به الشيخ العلامة الربانى شيخ الإسلام زكريا الشافعى أبقاه (^١) الله تعالى أن الجناب العالى العلائى على بن خاص بك - صهر المقام الشريف نصره الله - أنه ركب إلى جهة القرافة ورآى شخصا أمامه عليه سمت وهيئة جميلة، فصار يحبس لجام الفرس وهو خلفه إذ وافى الرجل رجل عظيم الهيئة جدا فتحادثا، وانصرف الرجل المذكور أعنى الثانى فسأل سيدى على من الأول: «من هو هذا الرجل؟» فقال له: «أنت ما تعرفه؟» ثلاث مرات وهو يقول: «لا» فقال: «هذا عمر بن الفارض، فى كل يوم يصعد من هذا المكان وهو يسعى فى أن الله يكفيه فيمن تكلم فيه»، وذهب الرجل فلم يعرف من أىّ مكان توجه. والله أعلم.
يوم الخميس سادسه رسم السلطان بقطع يد ابراهيم الصيرفى المشهور بابن فريعين (^٢) بحضور السلطان، وسبب ذلك أنه سأل السلطان عنه فى الجامكية هل هى مغلقة كاملة؟ فقال: نعم، ثم تلعثم بعد ذلك، وكان السلطان قد ضربه مرارا ضربا مبرحا وأكّد عليه أن لا يطلع بالجامكية من الأستادار إلا كاملة، وآخر الأمر عدم (^٣) يمينه وحزن المسلمون عليه حزنا كبيرا، وصار منقطعا بالجامع
_________________
(١) المعروف أن الشيخ زكريا الأنصارى مات سنة ٩٢٦ هـ كما جاء فى ابن إياس ٣/ ٢٤١.
(٢) لم ينقط الجوهرى من الكلمة فى الأصل سوى «الفاء» ولكن ضبطت الكلمة من الضوء اللامع ج ١١ ص ٢٦٥ س ٢ - ٣ فقال «بضم - مصغر»، انظر نفس المرجع ج ١ ص ١٧٩ س ١ - ٣.
(٣) أى قطعها.
[ ١٩٠ ]
الأزهر فى حلق الذكر والعبادة والفراءة، فحسن حاله وعمل له عدّية (^١) ورتّب له جامكية ولحما وعليقا وكسوة وأضحية على ديوان السلطان، والله الأمر يفعل ما يشاء.
وفى هذا اليوم عقد مجلس - حضر فيه قضاة القضاة إلا الحنبلى فلم يحضر - ببيت رئيس الدنيا المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين بسبب تركة قاضى القضاة حسام الدين بن حريز وأولاده وأولاد أخيه وأخيه سراج الدين، وانتهى أمرهم على غير شئ.
يوم الجمعه سابعه بعد الصلاة وصل المبشر من الحجاز المسمى قانصوه الجمالى وهو عريان وليس معه أحد سوى هجّان واحد، وذكر أنهم عرّوه فى أكبرة (^٢) ورجعوا به إلى خيبر وأرادوا قتله، فنهضت امرأة وأظهرت أبزازها وحمته منهم وحضر بهذه الحالة، وذكر أن الوقفة كانت الجمعة، موافقة لمصرنا، فله الحمد على ذلك، إنه الولى والمالك.
وفيه بعد صلاة الجمعة توفى بدر الدين محمد الشاب الحسن ولد الشيح العلامة سراج الدين العبادى بعلة عسر البول والخصية، وانقطع ثلاثة أيام ودفن من الغد بالصوفية، وكانت له جنازة حافلة حضرها قضاة القضاة الثلاثة إلا الحنبلى وغالب الأعيان وأجلّهم كالمقر الزينى بن مزهر كاتب الإنشاء الشريف حفظه الله على المسلمين، والمقر الشرفى الأنصارى وغالب فقهاء البلد، وتوجّهوا صحبة والده إلى التربة. وكان شابا جميلا بلا لحية، وفيه أهلية للاشتغال بالعلم، وقرأ عدة كتب فى مذهبه، وخطب بجامع الزاهد وجامع الغمرى، وكثر الأسف عليه وفجع فيه أبوه؛ عوضه الله الجنة.
_________________
(١) كلمة غير مقروءة فى الأصل،
(٢) كلمة غير واضحة فى الأصل، ولعلها ما اثبتناه بالمتن، انظر مراصد الاطلاع ٢/ ١٠٧.
[ ١٩١ ]
وفيه شفع المقر الأشرف الكريم الأتابكى أزبك - عز نصره - فى ابراهيم بن فريعين الصيرفى الذى قطعت يده فأطلق من بيت الوالى وتوجّه إلى منزله، وسعى فى وظيفته جماعة فما قبلهم السلطان.
وفى أول هذا الشهر ضرب الأمير إينال الأشقر رأس نوبة النوب غلاما من غلمان أحد الأتراك بسبب أنه سرق طائر أوز وعليقة شعير، فضربه ضربا مبرحا ومثّل به فجعل فى أنفه سهما مثقوبا وأشهره بالمدينة، فلا قوّة إلا بالله.
يوم الاثنين عاشره نودى فى البلد على لسان المقام الشريف بين يدى الوالى وأتباعه للعسكر المنصور المعروض المكتوب قبل تاريخه [أن] يحضروا غدا تاريخه ليتوجهوا إلى جهة «سوار» بسبب ما بلغهم عنه، وعيّن إينال الأشقر رأس نوبة النوب رأس الباشق، وعيّن معه من الأمراء العشرات والطلبخانات قوم كثيرون ونحو ألف من المماليك السلطانية.
ووصل الخبر أن عرب لبيد نزلوا على البحيرة ونهبوا ما حولها.
وأرسل الأمير يشبك الإسحاقى المقيم بها يخبر أن المماليك المتوجهين صحبته رجع غالبهم من عنده ويطلب نجدة، فقيل إن عظيم الدنيا الأمير يشبك من مهدى - مهّد الله له السعادة - يتوجّه له فى عدد وعدد من المماليك السلطانية، فالله أعلم.
يوم الثلاثاء حادى عشره عرض السلطان العسكر فأنفق فيهم مائة دينار لكل مملوك، وصار يقول: «من له غرض فى السفر يتقدم بلا أمرى»، فبرز ثلاثة نفر من الخاصكية فكتبوا أنفسهم، فرسم لهم إذا شغرت إمرة فى غيبتهم تكون لهم.
وجهز فى أمسه للأمير إينال الأشقر إثنى عشر ألف دينار، والملك لله الواحد القهار.
[ ١٩٢ ]
يوم الخميس ثالث عشره رسم السلطان بتوسيط مملوك من المماليك السلطانية الظاهرية خشقدم يسمى يونس فوسّط بالرميلة بعد أن اجتمع عليه من الظاهرية خشقدم عدد ولكن لا ينطقون ببنت شفة، وما التفت إليهم الوالى، وبادر المشاعلى فرماه قطعتين، وسجن رفيقه المسمى «شرمنت» بالبرج؛ وسبب ذلك أن المذكورين سكرا، والذى رسم السلطان - نصر الله - بتوسيطه رمى شخصا من المماليك الظاهرية خشقدم بفردة نشاب فجاءت فى بزه فمات من وقته، وأما المسجون فإنه لم يضرب شيئا، وإنما كان حاضرا لذلك، والله الدائم المالك.
وفيه نودى فى البلد على لسان المقام الشريف - نصره الله - صحبة والى القاهرة: أن أحدا من المماليك السلطانية لا يحمل سلاحا ولا يضرب أحدا من العوام ومن فعل ذلك وسّط بلا معاودة؛ وتكرر أيضا النّداء المماليك السلطانية بالعرض فى غد تاريخه، ولما عرضوا وأنفق فيهم صار السلطان نصره الله وأدام ملكه يقول لهم: «من له غرض فليتقدم» فتقدم جمّ كثير من الخاصكية والأمراء العشرات باختيارهم، فوعدهم بالإمرة والانتقال من الجندية إلى الخاسكية ومن الخاسكية للإمرة، والسلطان مهتم بأمر خروج العسكر، فإنّ سببه ما بلغ المسامع الشريفة أن شاه سوار - خذله الله - وقع بينه وبين ابن رمضان التركمانى مواقعة واقتتلا وانهزم ابن رمضان فتبعه شاه سوار إلى قلعة أياس، والله أعلم بصحبة ذلك، فإنه الولى والمالك.
وفيه أشيع موت برهان الدين إبراهيم بن … (^١) الحلبى النحوى الفرضى الشافعى - الذى حصل له الفتوح من الظاهر جقمق - فجأة فى ليلة هذا اليوم الذى هو الخميس، وكان فاضلا فى العربية والفرائض والفقه بالفقيرى، وكان
_________________
(١) فى الأصل «كذا» ولم أستطع التعرف عليه فى تراجم هذا العصر.
[ ١٩٣ ]
له ولد صغير سنه نحو سبع سنين، فأقرأه القرآن وعلّمه إعراب بعض آيات من كتاب الله، وصار يسأله عنها بحضور السلطان ومن عداه فيجيبه حفظا سردا لما تقرر فى ذهنه وقريحته فيحسن له السلطان بالذهب والكتب مثل البخارى، واشترى له ملكا بنحو خمسمائة دينار، ويتردد لمن عدا السلطان من المباشرين والأمراء وأعيان الدولة، ويعلّم أولادهم الكتابة والقراءة والعربية والفرائض والنحو والإعراب.
ومن جملة من علمه السرى سيدى عبد البر بن (^١) الشحنة وأولاد أخيه القاضى أثير الدين واشتهر بذلك وصار له سمعة بين الناس فطلبوه لتأديب أولادهم، ومن جملة من طلبه لذلك المقر المحيى ابن الأشقر والمقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى حفظه الله، والمقر الكمالى ناظر الجيوش المنصورة والشيخ سرى الدين عبد البر بن الشحنة كما قدمنا هو وأقاربه لنفسهم، وصار يسعى عند الأكابر فقرروا له على الجوالى ورتبوا له على الأوقاف الشافعية والحنفية، وكان باسمه تصوّف بمدرسة جمال الدين، وآخر بمدرسة بيبرس الجاشنكير، وأخذ التكلم على زاوية الشيخ نصر الله بخان الخليلى وغير ذلك، لكنه كان يرمى بأنه شيعى وأنه والعياذ بالله ما يحب السيدة عائشة، وأنه يوم العاشر يأخذ معزاة وينتف شعرها بيديه ولكنّا ما ظهرنا على ذلك منه، وكان يحضر دروس العلماء خصوصا شيخنا العلامة تقى الدين الشمنىّ (^٢) الحنفى وكنت أحضر معه، وكان الفارئ على الشيخ نور الدين السّهيلى البصيرفى «العضد» الذى هو الآن عالم المالكية، وكان صاحب الترجمة يتكلم كلاما غالبه مقبول.
وكان يعرف النجارة معرفة تامة وكذا الحدادة، ويصنع الأسفيداج
_________________
(١) الضوء اللامع ٤/ ١٠٢.
(٢) الضبط من الضوء ٤/ ٤٩٢، وذلك نسبة لمزرعة ببعض بلاد المغرب، ولم ترد فى مراصد الاطلاع ٤٢/ ٨١٢ - ٨١٣، انظر أيضا شذرات الذهب ٧/ ٣١٣ - ٣١٤.
[ ١٩٤ ]
وغير ذلك من الصنائع، ورتب له فى البخارى صرة بألفى درهم فى كل سنة، وكان لا ينقطع عن الترداد لبيوت الأكابر ويحسنون إليه وهو يركب حمارا قصيرا جدا مثل حمار القرّاد و[معه] عبد صغير جدا، وملبسه زرىّ إلى الغاية وعيشه كذلك، ولم يخلف ولدا، وذكر أنّ له أولاد أخ بحلب وزوجة صحبته.
وخلّف من الذهب العقد تسعمائة دينار ذهبا وفضة، وقيل أخذ الوزير سبعمائة دينار خالصة غير ما أخذه مباشروه أرباب المواريث، وخرّجوا وظائفه لعدّة من الطلبة المجتهدين فى السعى المترددين لبيوت الأكابر كأمير الدوادار الكبير دامت سعادته والمقر الزبنى ابن مزهر كاتب السر حفظه الله، والله يعفو عنه.
وفى هذا اليوم الذى هو الخامس عشر شهر تاريخه توجّه المقر الأشرف الكريم الأتابكى أزبك إلى سفر البحيرة وفى خدمته عدة كثيرة من الأمراء والمماليك السلطانية بسبب عربان لبيد، فإنهم نزلوا على أخذ غلال الناس وحصروا الأمير يشبك جن (^١) أحد المقدمين الألوف الذى توجّه قبل هذا بأشهر وصار بدمنهور، وركب هو وأهل دمنهور الأسوار يرمون على العربان بالسّهام والحجارة وأرسلوا يطلبون النجدة. وتوجه أيضا فى صحبة الأمير الأتابك من الأمراء المقدمين أزدمر الطويل وقراجا الطويل وتنبك الدوادار الثانى؛ وأما عدد المماليك السلطانية فخمسمائة نفر، فافترقوا فرقتين حتى يقبضوا على العريان، فالله ينصرهم آمين.
يوم الأحد سادس عشره أو قبله بيوم وصل المبشّرون بكتب الحجاج من عيون (^٢) القصب، وأخبروا بأن الحاج قاسى شدائد فى الدورة، وأن قاضى الركب الذى توجّه مات، واستقر عوضه القاضى بدر الدين بن الشيخ شمس الدين القرافى (^٣) عوضا عنه.
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٠٧٩.
(٢) محلة واقعة على البحر الأحمر ومنها يفد المبشرون بمقدم الحجاج.
(٣) نسبة إلى القرافة، انظر السيوطى: نظم العقيان، ص ١٣٦، الضوء اللامع ٩/ ١٨٠.
[ ١٩٥ ]
يوم الخميس العشرين منه ضرب زين الدين الأبوتيجى (^١) الذى كان فى خدمته قاضى القضاة شرف الدين المناوى (^٢) من إينال الأشقر ضربا مبرحا نحوا من ثلاثمائة روتن على مقاعده، وسبب ذلك أن امرأة ادعت على ورثة المناوى أن بيدها مكتوبا يشهد لها بأراضى أنبوبة (^٣)، وأن المناوى وضع يده عليها (^٤) بغير طريق شرعى، فسئل عن ذلك كونه وصيا على أولاده القاصرين عن درجة البلوغ، فأنكر أنه ليس بوصى فخرج فى الترسيم لتبيّن المرأة عليه، فصالحها على عشرة دنانير وبخل على النقباء والرؤس النوب بشئ من الحطام، فبّلغوا الأمير إينال المذكور عن ذلك فطلبه وقال له: «كيف أنكرت وصالحت؟» فأغلظ فى الرد فضربه ضربا مبرحا.
وبلغنى (^٥) ممّن أثق بنقله أن امرأة من مدة ستة شهور ولدت ولدا بلا يد ولا رجل ولا ساق، والحكم لله الواحد الخلاق.
ووصل الأمير الأول بالحاج فى الجمعة الحادى والعشرين شهر تاريخه بعد الظّهر إلى البركة (^٦) وأصبح المحمل فحضر صحبة أميره ظهر يومه و[كان] أمير الأول آقبردى المجنون، وأمير المحمل يشبك الجمالى المحتسب، وأخبروا بالأمن واليمن والرخاء، غير أنهم صادفهم فى طريق المدينة يومان (^٧) شديدان من الهواء السخن مات فيهما عدة من الناس والجمال.
_________________
(١) نسبة إلى مدينة «أبو تيج» إحدى مدن صعيد مصر.
(٢) نسبة إلى قرية من أعمال الجيزة، وقال عنها ابن عبد الحق البغدادى: مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٢٨ إنها فى أول الصعيد قبلى الفسطاط، ثم ذكر أن بينها وبين مدينة مصر يومين.
(٣) وتعرف الآن باسم «إمبابة» بمحافظة الجيزة.
(٤) فى الأصل «عليهم».
(٥) أمامها فى الهامش «كائنة المولود».
(٦) يقصد بذلك بركة الحجاج.
(٧) فى الأصل «يومين شديدة».
[ ١٩٦ ]
ووصل الخبر بوفاة برهان الدين الرقى الموقع، وكان فاضلا فى صناعة الإنشاء، له لسان وقلم، غير أنه حصل له صمم وكان [الصمم] سبب تأخره، ورسم السلطان بوظيفته للوزير المعزول شرف الدين يحيى بن صنيعة وفيها من المعلوم ستة آلاف درهم فى كل شهر خارجا عن ذلك.
يوم الأحد ثالث عشريه ركب السلطان من قلعة الجبل فى عدد قليل وتوجّه إلى طرى ورجع إلى طوق البحر على مصر وبولاق والمنية وشبرا، وصعد القلعة من ناحية الصّحراء.
وصنع عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ومشيرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير المقر الأشرف الكريم العالى يشبك من مهدى - مهد الله له الأرض وأدام نعمته عليه - مع الحجاج خيرا كثيرا من الجمال والشقق والسقادف والقمصان والمداسات والمأكل والمشرب ما لا يحصر إلى العقبة ولافوا المنقطعين وغيرهم فحملوهم وكسوهم وأطعموهم فتكاثرت الأدعية له، تقبّلها الله تعالى.
وصنع حفظه الله تعالى على المسلمين فى العسر خيرا كثيرا مع الفقراء وأهل القرافتين وأهل جامع الأزهر والزوايا وغيرهم، حتى بلغنى أن صدقته وصلت إلى أربعة آلاف دينار.
يوم الخميس سابع عشريه وصل سيف المقر الأشرف الكريم العالى الكفيلى السيفى بردبك (^١) الفارسى الظاهرى جقمق المشهور بالبجمقدار على يد أحد الحجاب بها، وأخبروا بوفاته فى ثانى عشر المحرم سنة تاريخه، ودفن من الغد.
وكان من قدماء مماليك الظاهر جقمق، وأمّر قبل الظاهرية الموجودين،
_________________
(١) لم ترد فى ترجمته بالضوء اللامع ٣/ ٢٤ كلمة «الفارسى»، أما بالنسبة لموته فقد تردد السخاوى بين شهرى المحرم وصفر.
[ ١٩٧ ]
وهو من الفرسان الشجعان غير أنه كان مسرفا على نفسه، وترقّى إلى أن استقر حاجب الحجاب فى الدولة الظاهرية خشقدم، ثم استقر نائب حلب، ثم توجّه إلى الشام منها نائبا ثم قبض عليه فى دولة يلباى، وتوجه إلى القدس ثم أعيد إلى الشام فى دولة الملك الأشرف قايتباى - عز نصره - عوضا عن المقر الأشرف الكريم العالى الكفيلى أزبك من ططخ بحكم استقراره فى الأتابكية والإمرة الكبرى بالديار المصرية.
ومات قبل بردبك المذكور بأيام يسيرة دواداره أبو بكر، وخلّف أموالا جمة، قيل إنها بلغت إلى مائتين وخمسين ألف دينار بما فى ذلك من قماش وخيول وجمال وبغال وسلاح وأمتعة وغير ذلك، والملك والبقاء لله مالك الملك والممالك.
وكان المذكور أصله فلاحا ثم خدم بجمقدارا عند الأمير المذكور، ثم غضب عليه وضربه وصرفه من خدمته مرات، وصار فقيرا لا يملك شيئا، فانتمى إلى العلائى ابن الفيسى (^١) فصار يطعمه وبكفيه بالفقيرى، ثم عدل عنه إلى المهتار علىّ المشهور بفطيس فى دولة الملك الأشرف إينال، وصار قائما بأموره كلها إلى أن استقرّ أستاذه فى نيابة حلب فتوجه فى خدمته وصار مقربا عنده بواسطة أن أستاذه أرادوا أن يدخلوا عليه السم مرارا وهو يمنعه من ذلك، فارتقى عنده وصار فى أوج العظمة إلى أن حصّل ما حصل من الأموال وقدم على ما قدم، وندم على ما فرط، وحسابه على الله تعالى.
وفيه وصل رسول حسن باك بن قرايلك وأخبر السلطان بما ملكه من البلاد والقلاع ما لم يجتمع بيد أحد من الملوك قبله، مع إظهار محبته اولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - عز نصره - وكثرة
_________________
(١) هو على بن اسكندر المعروف بابن إلفيسى، وقد باشر المعلمية ثم الحسبة ثم الولاية ثم نقابة الجيوش.
[ ١٩٨ ]
دعائه وثنائه له، وأنه مملوك السلطان، وأنه قتل من أولاد تمرلنك عدة، وأنّ مقصوده رضى السلطان، فأنزل رسوله فى دار الضيافة وأكرم، ووصل صحبته هدية من بلخش وعين هر وغير ذلك فقبلت.
وكذا وصل الخبر عن ابن عثمان أنه ملك أعظم بلاد الفرنج التى هى البندقية ولله الحمد والمنة على ذلك.
يوم السبت المبارك تاسع عشريه خرج إينال الأشقر - لا ردّه الله - إلى مصر إلى الريدانية للقتال مع شاه سوار خذله الله وأراح المسلمين منه.
وبلغنى أنّ السلطان - نصره الله - لما مرّ به طلب إينال المذكور ويرقه وبركه وهو جالس بالقصر فما أعجبه شئ منه، مع أنه دفع له إثنى عشر ألف دينار، ومن السلاح والخام والجمال والخيول والغلال شئ كثير، خارجا عما أنعم عليه به عظيم الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى السيفى يشبك من مهدى - أدام الله سعادته - من ذهب وغير ذلك، ومع ذلك سأل السلطان فى نيابة الشام فأعرض عنه وغضب وأمره بالخروج ولم يخلع عليه خلعة السّفر، وهكذا وصل إلىّ الخبر.
والسبب فى سفره أن قرقماس (^١) الظاهرى جقمق الفارس البطل الشجاع الذى جاهد بقبرص وأقام بها مدة سنين وقتل من إخوته بها من المماليك السلطانية نحو المائتى نفر وسلمه الله تعالى وخلص، وكل ذلك فى دولة الأشرف إينال - هو الآن نائب ملطية وبيّض وجهه عند السلطان فى وقائع شاه سوار، وقبض على إخوته ونهب ما معهم أرسل إليه يهدده ويقول له إنه يهدم ملطية ويفعل به كذا وكذا، فأرسل لنائب حلب يخبره بذلك ويطلبه إليه، فامتنع إلا بإذن السلطان، فقام بعض الأمراء من حلب لما سمعوا بذلك وكلموا نائب
_________________
(١) أمامها فى الهامش بالأصل «قرقماس المذكور منسوب إلى الأشرف إينال».
[ ١٩٩ ]
حلب فى التوجّه له، فلما بلغ السلطان ذلك غضب من النائب المذكور وأمره بالتوجه إليه هو ومن عنده من الأمراء، وهذا كان أمير عشرة فصيّره نائب الاسكندرية ثم نقله إلى نيابة طرابلس ثم إلى نيابة حلب فتوجهوا إليه، ثم أرسلوا يسألون السلطان فى «باش» يكون عليهم من مصر فبرز إينال الأشقر وسأل فى ذلك.
وفيه توفى الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد بن جلال الدين عبد الرحمن القمصى (^١) الشافعى المسند الفاضل الصالح صاحب السند العالى فى الحديث الشريف فإنه أدرك الأشياخ المتقدمين، وأخذ عند الناس وعمّر نحوا من ثمانين عاما تخمينا، وكانت له فضيلة ومشاركة وذوق صحيح وفهم مليح، وعنده بشاشة، وصلى عليه بالجامع الأزهر، وحضر القاضى الشافعى وصلّى عليه إماما، وكانت جنازته حافلة، وخلّف أخا رجلا كبيرا شاهدا مباركا ديّنا، وكان رحمه الله تعالى يحفظ أربعة عشر كتابا، ورافق شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر ﵀ فى السماع، ولم يخلف بعده مثله.
يوم الأحد الثلاثين منه رسم السلطان بتوجه إينال الأشقر من الريدانية فتوجّه منها فى وقته.
وفيه شكى للمقر الأشرف العالى المولوى أمير دوادار كبير عظم الله شأنه جماعة الضمان بالخشابين أن مملوك تمر الحاجب ونواتيته (^٢) ضربوا الضّمّان وشجّوا رءوس بعضهم كونهم طلبوا منهم ما [جرت] العادة بأخذه من المكس وبهدلوا الجهة، فكشف الأمير - أعزه الله - عن ذلك فوجده حقيقة، فأرسل للأمير تمر بريديا يطلب المملوك والتواتية موثقين فلم يمكّنوهم منهم،
_________________
(١) نسبة إلى منية القمص بالقرب من منية بنى سلسبيل كما ورد فى الضوء ٥/ ٦٥٦.
(٢) النواتية بمعنى الملاحين، ومازال هذا الاسم مستعملا فى مصر بهذا المعنى، وهو مشتق من اللفظ اللاتين Nauta بمعنى «الملاح».
[ ٢٠٠ ]
فأرسل إليهم خمسة وعشرين مموكا وعدّة من القضاة والرسل ونائب رأس نوبة فأحضروهم على أقبح هيئة، فضرب مملوك الحاجب على رجليه وقيل وضع [على] الأرض فشفع فيه وضرب النواتية بالمقارع وأشهرهم على بيت الحاجب إلى بولاق، فتبهدل تمر الحاجب إلى الأرض، وقويت شوكة الأمير الدوادار نصره الله - إلى الأوج.
وفى هذه الأيام اعتدى عمر المناوى أحد نواب الحنفية الذى كان عزل وضرب وحبس وفعل فيه مالا يوصف بسبب ما اشتهر عنه من الزور فى مكتوب وقف، واستمر معزولا، فركب شيخنا الشيخ تقى الدين الحصنى بسببه إلى قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة وسأله فى إعادته فامتنع، فألحّ عليه ففوّض أمره إليه فأعاده.
ووصل الخبر من المقر الأشرف الكريم الأتابك أزبك أن العربان الذين حضروا إلى البحيرة أرسلوا له هديتهم، وشرط أن لا يقيموا أكثر من عشرين يوما ويرحلوا، فالله أعلم بذلك.