أهل بالجمعة، ويوافقه من شهور القبط ثانى عشرى هتور.
لبس السلطان القماش الصوف المعد لبسه لفصل الشتاء وخلع على الأمراء الألوف الفوقانيات الصوف بباب الحريم على العادة كل سنة، وخلع السلطان الفوقانى - الذى هو لابسه - لرأس نوبته الكبير، ثم يصير كل جمعة لمن دونه وهلم جرا إلى أن ينتهى الشتاء.
وفى يوم الاثنين رابعه انتهت نفقة السلطان على مما ليكه من الجامكية بعد أن قطع منها جمع توفر منه نزر يسير على ما قيل بالنسبة لمقام السلطان، وأكثر من قطع من المتعممين وأولاد الناس، وأما اللحم والعليق فتوفر منهما جانب كبيرا، ولا بد نذكر ما تحرر من متوفر الجامكية واللحم والعليق إذا انتهى، فإن الأمر إلى الآن ما سكن.
وفى يوم الخميس (^١) حادى عشريه سافر الأمير تمراز الإبراهيمى (^٢) بل الشمسى أحد المقدمين الألوف إلى الوجه الغربى من أسفل مصر لمصلحة الجسور وعملها، وصحبته ما تقدم ذكره من المماليك هيئة تجريدة لردع المفسدين فتوجه للمحلة وأقام بها.
_________________
(١) فى الأصل «الاثنين»، على أنه ورد فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٧ أن اول جمادى الأولى كان يوم الخميس، الموافق ٢١ هاتور ١٧ نوفمبر ١٤٦٨.
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ١٥٢.
[ ٤٣ ]
وفى يوم الاثنين خامس عشريه ورد الخبر على السلطان بأن درندة ملكها شاه سوار عنوة، وأخذ المدينة والقلعة من نائب السلطان المشهور بابن بلبان، وذلك بموافقة أهلها مع شاه سوار، وقتل (^١) أعوان شاه سوار المذكور ابن بلبان واحتاطوا على موجوده، ولم يصل إلينا تفصيل أخذها على التحرير، فشق هذا الخبر على السلطان - نصره الله - بل وعلى كل من سمعه، وعظم هذا الأمر على المسلمين، ولله عاقبة الأمور.
وفيه حضر السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - نصره الله - تفرقة الجامكية على المماليك السلطانية، ففرقت بين يديه بالحوش السلطانى من قلعة الجبل على حكم الشهر الماضى، لكنه لم يبد ولا يعيد، فإنه تنكد وحصل عنده أمر عظيم من خبر درنده، واستمر يفرقها بحضرته فى كل شهر، ثم ترك ذلك، ثم طلب تفرقتها بحضرته.
*** وفيه خلع على الأمير جوهر النوروزى (^٢) الطويل الحبشى الذى كان استقر فى نيابة تقدمة المماليك ثم فى التقدمة، واستقر فى وظيفة الزمامية والخازندارية عوضا عن الأمير جوهر التركمانى (^٣) الهندى ببذل شئ من الحطام.
وفى يوم الجمعة ثانى عشريه قدم المقر الأشرف المعظم المفخم عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها وداودارها الكبير وصاحب حلها وعقدها من بلاد الصعيد وصحبته عدة من العربان ونسائهم وأولادهم نحو أربعمائة نفر، ففرقوهم على الحبوس فنال ذنب عقابه فيه، وقال الجمال يوسف بن تغرى يردى المؤرخ فى تاريخه عند ذكر قدوم الأمير المذكور دامت نعمته وسعادته: «وصل الأمير
_________________
(١) فى الأصل «وقتلوا».
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٣٣٢
(٣) السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٣٣٣
[ ٤٤ ]
يشبك الدوادار من بلاد الصعيد بعد ما نهب أهلها وبدد شملهم وأخرب عدة قرى من شرقى بلاد الصعيد، وأحضر معه من نسائهم وأولادهم أكثر من أربعمائة امرأة إلى ساحل بولاق فى المراكب، هذا بعد أن مات منهم عدة كثيرة من الجوع والبرد، وجعلهم فى وكالة الأتابك قانم (^١) فاشترى لهم بعض الناس إردبىّ فول صحيح ورماه (^٢) لهم، فأكلوا فى الحال من شدة الجوع والإجاحة (^٣) ثم شرع أهل الخير فى الصدقة عليهم بقدر حالهم؛ وداموا على ذلك إلى يومنا هذا، ولا يعرف أحد مقصود الدوادار فى حبس هؤلاء النوة، وبواسطة تعويقهن شرع أزواجهم فى قطع الطريق وأخذوا بعض مراكب المغل القادمة من بلاد الصعيد ونهبوا ما فيها ثم أحرقوا المراكب، وقيل إنهم فعلوا ذلك بعدة مراكب. وبهذا المقتضى ارتفع سعر القمح وغيره من الغلات فما شاء الله كان. وفى الجملة فإن سفرة الدوادار إلى الصعيد فى هذه المدة كان فيها مصالح ومفاسد، فمن المصالح قتل ابن جامع وسلخه وجماعة أخر ونهب بنى هلبا المذكورين فإنهم كانوا أشر من كان، ومن المفاسد خراب البلاد التى كانت بنو هلبا تأوى إليها، وحضور هذه النسوة إلى القاهرة». انتهى كلام الجمال.
قلت: ولولا وجود مثل هذا الملك الذى حرمته ملأت الأقطار على رؤوس الأشهاد وسفره إلى الوجه القبلى وتمهيده وتنظيفه من المفسدين وإرداعهم بالقتل والنهب وأمثال ذلك لرأينا مالا يطاق وصفه؛ ولله الحمد على كل حال.
وفى يوم الخميس ثامن عشريه رسم السلطان بتفرقة الجامكية على المماليك السلطانية بالإيوان (^٤) على العادة، ثم ركب من فوره بعد الخدمة السلطانية
_________________
(١) هو قائم من صفر خجا الشركسى المؤيدى المعروف بالتاجر، وقدمات فى صفر ٨٧١، انظر عنه الضوء اللامع ٦/ ٦٩٥.
(٢) فى الأصل «أرماه».
(٣) لعلها «الإجاعة» أو «الحاجة».
(٤) وكان يعرف بديوان العدل أيضا وهو الذى أنشأه المنصور قلاون، وقد جرت العادة أن يجلس فيه السلاطين لنظر المظالم، انظر المقريزى: الخطط، ٢/ ٦.
[ ٤٥ ]
ونزل فى خواصه إلى جهة بركة الحبش (^١)، وأقام بها لقريب العصر، فجهز له رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر الشريف حفظه الله - الغذاء والحلوى والفاكهة والمشروب فأكل وشرب وانشرح وعاد إلى القلعة فى أمن وأمان، والله هو المستعان.