أهل بيوم الجمعة الموافق لثامن عشرى (^٢) بابه.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة
_________________
(١) انظر الضوء ٧/ ٧٣٤.
(٢) فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٨ «٢٩» بابه وهو يوافق ٢٦ أكتوبر ١٤٧٠.
[ ٢٢٣ ]
وكنت فى خدمة قاضى القضاة الحنفى، فرحب السلطان بهم وأكرمهم ودعوا وانصرفوا.
وفى يوم السبت ثانيه خرج برك المقر الشرفى الأنصارى المتوجه للبلاد الشامية بسبب تجهيز الإقامات والعلوفات والمقاتلة وتحصين القلاع لمقابلة شاه سوار.
يوم الاربعاء سابعه وصل المقر الأشرف العالى الأتابكى السيفى أزبك من سفره وهرع الناس بل غالبهم لخدمته، ووافق وصوله سحر هذا اليوم، وركب السلطان نصره الله على عادته المألوفة التى صارت ديدنه لا ينفك عنها واستمر إلى آخر النهار فصعد القلعة فعاد إلى منزله وصعد [السيفى أزبك (^١)] من الغد فقبل الأرض وانصرف.
يوم الجمعة ثانيه ركب السلطان وتوجه نحو الصحراء ورجع بعد هنيهة.
يوم السبت تاسعه ضرب وكيل متصرف من مجلس القاضى خير الدين الشنسى الحنفى مقارع ومقترحا (^٢) وأشهر بالبلد من باب عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله، وسبب ذلك أنه كان صال وطال وجال فى الأخصام، وشكى لبيت الأمير المذكور ومنع من الوكالة فلم يرجع، وأنهى خصمه الذى شكاه أنه طلبه - وهو صاحب حق - فادعى عليه دعوى مقلوبة وأساء عليه وغرمه مالا، وقيل غير ذلك؛ فلما رآه الأمير الدوادار الكبير قال له: «أنا ما منعتك من الكلام بين الناس وأن لا تعمل وكيلا ولا رسولا؟» وكان قبل هذا ضربه لكن عفى عنه كما ذكرنا، فشفع فيه الأمير برقوق الذى استقر فى نيابة الشام وخلص له القسامة.
_________________
(١) أضيف ما بين الحاصرتين لعدم الالتباس.
(٢) الضرب المقترح هو غير المميت.
[ ٢٢٤ ]
يوم الاثنين عاشره عتين السلطان من الأمراء المقدمين الألوف - لتجريدة البلاد الشامية صحبة المقر الأشرف الكريم العالى السيفى عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها وتدبيرها وأستادارها ودوادارها الكبير يشبك من مهدى مهد الله له السعادة وختم له بخير، فإنه باش العسكر - وهو قانصوه الأحمدى الإينالى الشهير بالخسيف وخاير بك من حديد وقراجا الطويل وتمراز الشمسى قريب السلطان، وقيل تمر، وأزدمر وأمراء وطبلخانات وعشرات ولكن بعد البرسيم، وقول الشاعر معنى لطيف استحضرته وهو:
ما بين طرفة عين وانتباهتها (^١) … يقلب الدهر من حال إلى حال
وتكرر ركوب السلطان جدا، وما رأينا ولا سمعنا بملك سبقه إلى مثل هذا، وهذا من ضيق (^٢) الحصيرة وهو معذور لما دخل عليه فى هذه السنين من الأمور سيما واقعة شاه سوار، وفعله فى العساكر والبلاد والعباد، فالله ينصر السلطان ويظفره ويعامله والمسلمين باللطف العميم ويظفره بأعدائه، إنه على كل شئ قدير.
يوم السبت سادس عشره توفيت المصونة المحجبة [آمنة ابنة اسماعيل (^٣)] المشهورة ببنت الخازن، وكانت عمرت وخلفت أموالا جمة، ولها أوقاف كثيرة من قبل أبيها يؤول النظر فى الأوقاف بعدها إلى قاضى قضاة الحنفية، وأراد القاضى الشافعى الوثوب والتكلم فى الأوقاف فبلغ السلطان ذلك فقال: «أنا أحق من الاثنين، ولكنى أعمل فيهم بالشرط وأحميهم عن الغاصبين».
_________________
(١) فى الأصل «وأنت باهتها» بفتح الباء وضم التاء، على أن هذا البيت يجرى على الفسق التالى: ما بين غمضة عين وانتباهتها … يغير الله من حال إلى حال
(٢) تعبير مصرى دارج بمعنى «الشدة».
(٣) فراغ فى الأصل بقدر ثلاث كلمات، والإضافة من الضوء اللامع ج ١٢ ص ٣.
[ ٢٢٥ ]
يوم الثلاثاء ثامن عشره خلع السلطان على قاسم الذى كان وزيرا وهو الآن نائب عظيم الدنيا الدوادار الكبير فى الوزارة بعد أن وزن عشرين ألف دينار نقدا، ولولا عظيم الدنيا أيضا المقر الزينى ابن مزهر ما وصل إلى شئ، وما كان قصد خصمه ابن غريب إلا أخذ روحه وماله، وآخر الأمر اقتضى الحال إعادته لما كان عليه بعد ألف جهد، وأن يقوم فى مدة مباشرته للخزائن الشريفة بأربعة آلاف دينار.
يوم الاربعاء العشرين منه ركب السلطان على عادته وتوجّه وسير ورجع آخر النهار.
وتقدم قبل هذه الأيام عزل الأمير بلاط نائب حماه بسبب ما بلغ السلطان عنه أنه أرسل يسأل فى الاستعفاء فى سنته والتوجه إلى قتال شاه سوار، وأن يستقر أميرا كبيرا بطرابلس عوضا عن خير بك القصر وهى، وأن يستقر خير بك القصر وهى - الذى كان واليا بالقاهرة - نائب حماة.
يوم الأحد رابع عشره ركب السلطان - نصره الله - وسير ورجع إلى القلعة على العادة.
يوم الخميس ثامن عشريه طلب كاتبه (^١) لبيت عظيم الدنيا المقر الأشرف السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير دامت سعادته، وسبب هذا الطلب أن امرأة رفعت قضية لقاضى القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفى مضمونها بعد البسملة: «المملوكة قريبة فلانة البكر المعصر تقبّل الأرض وتنهى أنها فقيرة وتعبت من الشحانه، وأبويها غائبين مدة تزيد على ثلاث سنين عن القاهرة وأعمالها، وسؤالها إذن كريم لأحد من السادة النوّاب بتزويجها
_________________
(١) يقصد الصيرفى بذلك نفسه.
[ ٢٢٦ ]
ممن يرغب فى تزويجها بمهر المثل والكفاة، صدقة عليها» إلى آخره، فكتب عليها القاضى نور الدين الخطيب أعزه الله تعالى: «ينظر فى ذلك على الوجه الشرعى يعد اعتبار الكفاة متحريا»، فاستوفى كاتبه (^١) الشرائط الشرعية وقامت عنده بيّنة أن والدها ووالدتها غائبان الغيبة الشرعية عن القاهرة وأعمالها، وزكّى لها ثلاثة نفر منهم خاصكى، وعقد العقد ودخل بها وهى بنت اثنتى عشرة سنة، غير أنها ذميمة من جهة الهيئة، ولم أأذن له فى الوطء. فاتفق أنه طلقها عن شهود غيرنا بعد الدخول والوطء وسألته خالتها فى جميع حقها وكتبت عليها مسطورا له بسبعة دنانير حتى طلقها، والزوج غلام لشخص من الجند يسمى «فارس» من المماليك السلطانية، وأصله مملوك سيفى، فتوجهت خالتها إلى سكنها ببولاق وأخبرتهم بقصتها وكيف تزوج بنتها وأزال بكارتها وطلقها وكتب عليها مسطورا وشكاها بنقباء وغرّمها دينارا، واجتمع أهل بولاق وحملوا الصغيرة وتوجهوا بها إلى بيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير، فرسم لبريدى ونقيبين بإحضار الغلام وأستاذه، فخضرا فى أسرع وقت، فلما مثل الزوج بين يديه [قال له]: «أنت فعلت كذا وكذا؟» فتعلم، فأراد ضربه، فنهض أستاذه الجندى وأعلى صوته وقال: «بأى ذنب يضرب غلامى؟ وهو ما فعل شئ إلا بالقاضى والشهود؟» فقال: «اطلبا القاضى»، وكانت بلغتنى المسألة فركبت، فعند مواقاتى لباب الأمير الدوادار الكبير لم أجد الطلب قد توجه لى فدخلت إليه ووقفت بين يديه فقال لى: «يا قاضى: أنت زوجت هذه بهذا؟» قلت «نعم» قال: «كيف؟» قلت: «أذن له مستنيبى فى ذلك بقصة مشمولة بخطه» فقال لى: «هذه تزوّج؟» ويومئ إلى أنها صغيرة فقلت له: «مذهبى ذلك، لأن النبى ﷺ تزوج عائشة أم المؤمنين ﵂ وهى بنت تسع سنين» فقال لى:
_________________
(١) يقصد الصيرفى بذلك نفسه.
[ ٢٢٧ ]
«تشبّه هذه بهذه أو مثل هذا بهذا؟» فقلت: «لا يا مولانا وإنما النبى ﷺ مشرع ونحن أمته ومتّبعين (^١) سنته»، فسكت عنّى والتفت إلى من حضر فى مجلسه من القضاة والأمراء وقال لهم: «القاضى عبّا لى هذا الجواب، ليس لى عنده شغل، مالى شغل إلا عند المملوك والغلام». فبادر الشيخ شمس الدين الأمشاطى الحنفى وقال لى: «إنت ثبت عندك بيّنة بالغيبة؟» فقلت:
«نعم» فقال: «من هم» قلت: «مذكورون فى صداقها» فقال: «أحضروهم» وأشار إلى الجندى بذلك، فأغلظ عليه الأمير الدوادار - حفظه الله - إذ ذاك وأمره بإحضارهم وإن لم يحضرهم ضربه ألف عصاة، وخرجوا على ذلك، فأقمنا إلى يوم الاثنين ثانى شهر جمادى الآخر، فطلبنى أيضا بعد ما أحضر البينة والمزكين وأمرنى بالتوجه، وضرب الغلام مائة شيب بالمقارع ومقترحا نحو المائتين، ورسم بإشهاره بالبلد على من يفتح البنات هو وأستاذه ويأخذ منهم ما لا يستحقه. وكانوا أنهوا إلى الأمير المذكور - أعز الله به الإسلام - أنه تسلط على البنت هو وأستاذه وصاروا يفعلون فيها ما لا يجوز فعله فهربت منهما فغضبت خالتها، وكتب عليها مسطور بغير حق، ثم طلب المملوك وأمر بنزع سلاريه فشفع فيه الحاضرون فى مجلس المقر الأشرف، ثم أمر أن توضع البنت على ظهره وينادى عليه فشفعوا فيه، ورسم بتوجههم لبيت القاضى الحنفى وتساءلوا معه ماذا يلزمه للبنت فوقع بينهما براءة بعد [أن] دفع الغلام لها أربعة دنانير، وصار لها فى البلد غوغاء؛ وفى الواقع فالذى فعله الأمير الدوادار - حفظه الله - مع هذا الغلام وأستاذه صدر من أهله فى محله، فإن هذا الجندى ساكن بحارة (^٢) بهاء الدين قراقوش بمنزل شيخنا شيخ الإسلام ابن
_________________
(١) آثرت هذا الضبط من عندى رغم عاميته لمطابقته للنطق المصرى الدراج الذى كان يتكلم به المؤلف.
(٢) تنسب إلى الأستاذ بهاء الدين قراقوش الصلاحى الخادم الخصى بانى السور وقلعة الجبل، وكانت تسمى قديما بحارة الريحانية وهم طائفة من الجند الفاطميين اتخذوها محلة لهم حين بنى الفواطم القاهرة، انظر النجوم الزاهرة ٤/ ٤٩، ص ٣٨ حاشية رقم ٧.
[ ٢٢٨ ]
حجر ﵀، وأخربها هو وهذا الغلام من كثرة ما يؤذى السوقة والباعة ويأخذ أموالهم هو وأستاذه، وأحرموا تبنا أو دريسا أو دجاجا أو غير ذلك يمر حتى يخطفوه، وإن دفعوا ثمنا فيدفعون ربع القيمة، وفرح فيه أهل تلك الخطة وانخفض جانبه، ولله الحمد على ذلك، إنه الولى والمالك، وكنت أظن أن هذا الغلام يموت من الضرب فلما أصبحت وجدته ماشيا كآحاد الناس الأصحاء وليس يشكو من شئ، فتعجّبت من ذلك، وصدق من قال فى مقاله «إن فى الليل والنهار عجائب»، والحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله.
يوم الجمعة تاسع عشريه أعنى جمادى الأول الموافق سابع عشرى هتور القبطى، لبس السلطان الصوف الملون وألبسه الأمراء الألوف بعد صلاة الجمعة وتأخر لبسه عن العادة القديمة بعشرين يوما - أعنى عن عادة الملوك المتقدمين مثل الأشرف برسباى وقبله - وعن السنة الماضية بعشرة أيام.
وفيه توفى الأمير يشبك الإسحاقى الشهير بيشبك جن وبالبهلوان الأشرفى برسباى أحد مقدمى الألوف بعد مرض طويل اعتراه وانقطع منه فى بيته أياما، وصلى عليه من الغد بمصلاة المؤمنى، وحضر السلطان جنازته والقضاة ومشى فى جنازته المقر الأشرفى الكريم العالى عظيم الدنيا يشبك بن مهدى الدوادار الكبير وليس له تربة، بل دفن فى فسقية على قارعة الطريق، ونقلوا إليه ولديه الصغيرين، فأنزلوهما معه على ما بلغنى؛ وكان المذكور غاية فى الظلم والأذى والتجبر والتكبر، كثيرا لحط على الفقهاء والعلماء، حتى إنه أهلك القاضى فتح الدين السوهائى (^١) من كثرة ما يحط عليه ويسبه، فإنه كان جاره بسكنه
_________________
(١) بضم السين ثم واو ساكنة وهاء مفتوحة نسبة إلى سوهاج بلدة من أعمال إخميم الصعيد الأعلى، أما السوهائى فهو محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل المتوفى سنة ٨٩٥ هـ، انظر الضوء اللامع ٩/ ٥٠١.
[ ٢٢٩ ]
ببركة الفهادة (^١)، وأصله خاسكى فى الدولة الأشرفية برسباى، وكذا فى الدولة الظاهرية جقمق، ثم ترقى وصار أمير عشرة، ونقله السلطان الملك الأشرف قايتباى عز نصره إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية وأرسله إلى البحيرة فى السنة الماضية فأقام بها شهورا وحضر متعللا إلى أن قضى نحبه، وخلف بنتين على ما بلغنى، وكان سئ الأخلاق على ما بلغنى، إذا ضرب لا يرحم، وإذا خاصم فجر، وإذا غضب لا يطاق، وفرح بموته كثيرون ولقى عاقبة ما قدمه، وأخذ تقدمته الأمير برسباى قرا (^٢) الظاهرى الخازندار، واستقر عوضه فى الخازندارية قجماس أنى (^٣) السلطان الذى كان مسافرا بالشام وحضر، وقدّمت خيوله للسلطان وجماله ومماليكه وبرقه وبركه، وهكذا شأن الزمان، وبلغنى أن الأمير الدوادار الكبير - حفظه الله - لما أنزلوا يشبك القبربكى وحزن، ومع ذلك فماثم من يعتبر ولا يحسب حساب الآخرة، فسبحان الحليم.