أهل بيوم الاثنين (^٢)، ويوافقه من أيام الشهور القبطية عاشر هتور. وفيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر، وكنت ممّن حضر من نواب الحنفية فجلسوا بين يديه بالحوش ودعوا له وانصرفوا.
وفيه سافر السيد الشريف علاء الدين بن الصابونى إلى القدس أو الخليل منفيا كما قدمنا (^٣) ذلك، وذكر له السلطان وقائع، والمحب ما يبغض وضده.
وفيه سافر السيد الشريف علاء الدين القصيرى الكردى الذى استقرّ ناظر الأشراف وشيخ الخانقاه السرياقوسية إلى البلاد الشامية حسب المرسوم الشريف له فى ذلك، واختلف فى توجهه فقيل لقبض أموال السلطان، وقيل بخلعة من السلطان لنائب الشام، وقيل غير ذلك والله أعلم.
_________________
(١) فى الأصل «فثاروا».
(٢) ويوافقه السادس من نوفمبر ١٤٦٩، انظر التوفيقات الإلهامية ص ٤٣٧.
(٣) راجع ما سبق ص ١٤٩ ص ١٢ وما بعده.
[ ١٥٠ ]
يوم الجمعة خامسه ركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل على عادته وتوجه إلى القرافة فى نفر يسير من مماليكه.
يوم الأحد سابعه قدم الأمير قراجا السيفى جانبك - نائب جدة أحد أمراء العشرات الذى كان استقر فى نيابة جدة عوضا عن مخدومه - من حلب، وأخبر بوصول المقر الأشرف العالى السيفى جانبك قلقسيز الأتابكى، وقايت بن أخت المقرّ المرحوم السيفى قرقماس أمير مجلس وصحبتهما بعض أمراء، وحضرت أمه وبعض أمرائه إلى حلب، وصحبتهم مفاتيح القلاع التى أخذها من معاملات السلطان ويعتذر عما صدر منه، ويقول إنه مات من عنده أكثر ممن (^١) بقى، وقيل إن شاه سوار مر عليهما يوما فتضرعا له وتخضعا فأطلقهما وسيرهما إلى حلب، وندب شاه سوار الأتابك جانبك أن يكون سفيرا بينه وبين السلطان فى الصلح والرضى عنه، وما علم أحد الصلح يكون على أى وجه.
وفيه توفى القاضى علم الدين أبو الحسن ابن الصاحب تاج الدين ابن الهيصم مستوفى الخاص وله مدة ضعيف يعالج، وكان عريا من الإسلام كثير الميل إلى دين النصرانية، مدمنا على السكر لا يكاد يوجد صاحيا لحظة، ولماولى البباوى (^٢) الوزر طلبه وضربه ثلاث علقات فى مجلس واحد بسبب أنه لم يشهد صلاة الجمعة، ودفن فى يوم العاشر وحضر جنازته المباشرون وقاضى القضاة ولىّ الدين الأسيوطى الشافعى لأن المقر الكمالى ناظر الجيش قريبه من أمه، وصلى عليه بباب النصر ودفن بمقابر المسلمين، والله أعلم بما هو عليه.
وفى ليلة الأربعاء عاشره ركب السلطان الملك الأشرف - نصره الله - من
_________________
(١) فى الأصل «من» وجوازها ضعيف.
(٢) تولى الوزارة فى ربيع الأول ٨٦٨ هـ، وقد ذكر ابن إياس: شرحه ص ١٣٦ فى معرض توليته إياها أنه أول زفورى تولاها بمصر، وقد انحط قدرها منذئذ؛ وكان البباوى فى الأصل طباخا من معاملى اللحم وكان أميالا يقرأ ولا يكتب.
[ ١٥١ ]
قلعة الجبل إلى (^١) بركة الحجاج قبل أن يلبس الصوف، وعاد فى يومه.
وفى الجمعة ثانى عشره الموافق له من أيام شهور القبط حادى عشرى هتور لبس السلطان القماش والصوف الملون المعد لبسه للشتاء فى كل سنة عندد خوله لصلاة الجمعة، وتأخر عن العادة أكثر من عشرة أيام، هكذا قال الجمال يوسف ابن تغرى بردى فى تاريخه، وعندى إنما هو متأخر عن عادته بخمسة أيام، وقيل سابق بخمسة أيام، والأول أصح.
وفى هذه الأيام ارتفع سعر الغلال فأبيع الإردب القمح بألف درهم ومائتى درهم الإردب، والفول والشعير بدون السبعمائة، والحمل التين بثلثمائة، والرطل الخبز بسبعة دراهم، لكن الأشياء موجودة، فلله الحمد على ذلك.
وتقدم قبل هذا بأيام أن السلطان - نصره الله - خلع على شرف الدين موسى ناظر حبس (^٢) طرابلس.
وفيه خلع أيضا على تاج الدين بن القاضى أبى الحسن بن الهيصم واستقر فى استيفاء الخاص عوضا عن والده بحكم وفاته، ووزن على ذلك من الذهب ألف دينار، وقد استقر فى هذه الوظيفة إسما لا غير، ذلك لأنه ما يحصل له منها غير المعلوم، وأما المباشرة فمتعلقة بولى الذلة النصرانى الكاتب المشهور.
يوم الأربعاء سابع عشره ركب السّلطان من قلعة الجبل واتجه إلى ناحية الخانكاه، وأمطرت السماء مطرا غزيرا واستمرت الترحمة منهمكة عليه وعلى أهل مصر وما حولها مدة ليلتين ويومين آخرهم يوم الخميس مع ليلته المصبحة عن التاسع عشر من شهر تاريخه حتى دلقت البيوت ووهى بنيانها من كثرة الهواء والمطر، وحكى غالب النّاس أن لهم سنين عديدة ما رءوا مثلها، وأخبر
_________________
(١) كلمة غير مقروءة فى الأصل.
(٢) غير منقوطة فى الأصل مما يحتمل معه قراءتها على الوجهين «حبس» و«جيش».
[ ١٥٢ ]
الفلاحون وأهل البلاد أن [قد] حصل لهم بهذا خير كثير فى مزارعهم وزرعوا الأراضى العلوّ التى ما وصل إليها البحر، وحصل لهم بها فرح وسرور، ومع هذا فالأمطار قد ملأت الأسواق والدروب، والناس يخوضون فى ذلك إلى قريب أوساطهم: والخبز لا يوجد والناس يزدحمون عليه فى الأفران وهو أسود كمكم، والرطل بسبعة ونصف فلوس. وأما الفقراء والمساكين ففى أمر عظيم، والأمر إلى الله العلى العليم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقّب لحكمه وهو على كل شئ قدير.
ووصل الخبر عن المقرّ العالى السيفى يشبك جن أحد المقدمين الألوف الذين توجّهوا للبحيرة بأن العربان وثبوا عليه، وأنه رجع منهم إلى دمنهور بعد أن قبل من مماليكه عدة، فلما بلغ المسامع الشريفة ذلك عيّن له عدة من المماليك السلطانية لينصروه، ويكونون فى خدمته على العادة.
وفيه ورد الخبر عن عظيم الدّنيا المقرّ الأشرف الكريم العالى المولوى النصيرى البصيرى يشبك من مهدى الدوادار الكبير - حفظه الله على المسلمين - أن العربان وثبوا فاقتتل معهم، وقتل من الفريقين ما الله أعلم بذلك، إنه المولى والمالك.
وتقدم فى يوم الأربعاء سابع عشره أن شخصا من نواب الحنفية يسمى محمدا ويلقب بمحيى الدين وينتسب للحلبيين وليس منهم، وإنما هو من كفر كنا (^١) والناصرية من عمل صفد، وكان قد سعى عند المحب بن الشحنة لعدّة من الناس ولازم السعى حتى قرّر قاضيا، فصار يصول ويطول ويعزّر، وعمل له سوقا فصار نافقا، ولقبه أهل مصر «بكبش العجم» حتى قال بعضهم:
_________________
(١) ورد التعريف بها فى مراصد الاطلاع ٣/ ١١٧١ بأنها بلد بفلسطين وبه مقام يونس ﵇.
[ ١٥٣ ]
«هو ما تأدّب بالخروف الذى تقدّمه فى دولة الظاهر خشقدم»، وفتح له صاحب هذه القضية مجلسا فى رحبة الأيدمرى بجوار مدرسة الأمير بردبك الذى كان دويدار الملك الأشرف إينال، وعندما جلس به منع شهوده وعجزوا فيه أن يعيدهم، حتى إن عظيم الدولة فى عصره المقر الأشرف العالى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف أرسل له رسالة بسببه على يد صاحبه وخصيصه الشيخ نجم الدين بن عون الشافعى فلم يقبل الرسائل وردّها ردا شنيعا ولم يلتفت لأحد، وصار ساكنا بالحارة المذكورة يضرب ويرشى ويكشف الرءوس ويسجن، ويبلغ مستنيبه ذلك فلا يكلّمه ببنت شفة، بل لما بلغه أن المقر الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى سأل فى الشهود وامتنع كتب لهم بعدم المنع ورفع التعزير، ومع ذلك فلم يمتثل له أمرا.
واتفق فى غضون ذلك أن امرأة -[كانت] زوجا لشخص صاجاتى بالبند قانيين (^١) تحتمى عند شخص من الأمراء العشرات يسمى أزدمر من إخوة المقر الأشرف العالى قانصوه الأحمدى الخسيف أحد المقدمين الألوف - وقفت لهذا القاضى وطلبت زوجها من عنده فأرسل إليه رسولين، فلما وصلا إليه توجه معهما إلى بيت أزدمر المذكور واحتمى به، ومباشر أزدمر أخو نور الدين بن عرب فكتب بخطه ورقة إلى القاضى يعلمه أن هذا المطلوب من جهة الأمير، وأن زوجته لها ثلاثة أيام غائبة من بيتها، وأنهما تقدم لهما دعاوى ببيت قاضى القضاة سراج الدين بن حريز المالكى، وأن المصلحة إرسال هذه المرأة، فلما وصلت إليه الورقة قام وقعد وزبد وأرغى وتوجه إلى مقدّم المماليك السلطانية الأمير سيف الدين مثقال وأعلمه بصورة الحال، ووافق أن الأمير مقدم المماليك بينه وبين ابن عرب وقفة بسبب أوقاف تحت نظره، وأولاد [ابن]
_________________
(١) ويعرف بسوق البند قانيين وكان يعرف قديما بسوق بئر زويلة بالقاهرة، وكان من من أكبر أسواقها راجع المقريزى: الخطط ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.
[ ١٥٤ ]
عرب كثيرون، ثم توجّه القاضى إلى بيت مستنيبه المحيى بن الشحنة وكان مطواعا له، فإنى رأيته مرة أخذ خصما من بيته بحضورى وتوجّه به إلى منزله ليقضى فيه، فحكى له حكاية جميلة أنه طلب شخصا واحتمى عليه وأنه بلغ خبره إلى مقدّم المماليك، «وأنه يريد إشارتكم للتقدم بنصرة الشرع» وأن يطلب المحمى، فأمر برسول يتوجّه صحبته له، فلما وصل الرسول إليه أخذه وتوجه به إلى السلطان وأخبره الخبر، وأن قاصد القضاة الحنفى أرسله بسبب ذلك.
وأوقف السلطان على الورقة التى بخط ابن عرب وحط عليه، فغضب السلطان ورسم بطلب أزدمر وابن عرب والصاجاتى فنزلوا فى طلبهم، فهرب الصاجاتى ومسكوا أخا ابن عرب وأزدمر فصعدوا بهما للسلطان، ووافق نزول المطر الغزير فى ذلك الوقت، فعرضا على السلطان فأنكر عليهما وقال لابن عرب: «هذا خطك؟»؛ قال: «لا وإنما هذا خط أخى ويحضر بين يدى السلطان».
فرسم السلطان للمحتسب أن يكونوا عنده وينظر فى أمرهم ويحرر أمرهم ويطالع السلطان به.
فقام أزدمر - وهو من كبار الإينالية - وتعصّب معه الأمير الدوادار الثانى ويشبك المحتسب، وبهدلوا المقدم وعرّفوا السلطان أن المرأة التى طلبت زوجها لها ثلاثة أيام مقيمة عند القاضى، فبمجرد وصول ذلك للمسامع الشريفة غضب وهو معذور. ثم إن بعض أركان الدولة شرعوا يقولون: «حدث قضاة جدد وهذا منهم»، وقام بعض الأتراك يشكون فى بعض نواب الشافعى السوهاجى وغيره، فرسم أن يكون فى كل مذهب عشرة، وإذا قطعوا ما عداهم فيحصل لهم ضرر كبير بواسطة فقدهم، وعيّنوا من العشرة محيى الدين الطوخى والبدر
[ ١٥٥ ]
ابن القطان (^١) من الشافعية، ومن الحنفية شمس الدين الأمشاطى (^٢) وبدر الدين ابن الغرس (^٣) من الحنفية، والمذكورون لهم مدة لم يحكموا عن أحد.
وقال رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله: «القضاة المعتبرون الذين تقدم ذكرهم ما يرضوا (^٤) أن يكون أحدهم رفيقا لهؤلاء القضاة»؛ وهذه القضية - أى منع القضاة - وقعت كثيرا ولم ينتج منها شئ، كلما نقصوهم عادوا وزادوا، فالله يقطع رزق من يتسبب فى قطع أرزاق المسلمين، بمحمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وكانت حادثة هذا النائب فيها مشقة زائدة على رفقته بل وسائر نواب المذاهب، ولولا أن الخواجا ابن الزّمن (^٥) صاحب السلطان - نصره الله - أرسل حريمه إلى خوند وأعلمنها (^٦) أن المرأة التى اشتكت زوجها كانت مقيمة فى بيتهن مدة غيبتها، وأن القاضى برئ مما نسب إليه: ما كان حصل له خير.
واستمر القاضى وابن عرب فى الترسيم فى بيت المحتسب ثمانية أيام حتى أطلقا معزولين، وسكت الأمر عن بقية النواب حتى استمر كل أحد على حاله ومنهاجه، فما شاء الله، ولا قوة إلا بالله.
***
_________________
(١) هو محمد بن محمد بن عيسى السمنودى الأصل، انظر ترجمته المفصلة فى السخاوى: الضوء اللامع ٩/ ٦٠٠.
(٢) راجع عنه السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ١٠٠٤.
(٣) راجع عنه السخاوى: الضوء اللامع ٩/ ٥٤٠.
(٤) هكذا فى الأصل، وقد أبقينا النص على صورته باعتباره منطوق ابن مزهر.
(٥) هكذ ضبطه معاصره السخاوى فى الضوء ١١/ ٢٤٩، وكان أول اختصاص ابن الزمن بقايتباى وهو أمير، فلما تسلطن عينه لمشارفة العمائر المكية، انظر نفس المرجع ٨/ ٧٠٣.
(٦) فى الأصل «وأعلموها فى بيتهم».
[ ١٥٦ ]