أهلّ بيوم (^١) الثلاثاء بالرؤية لأن ذى القعدة جاء ناقصا.
فيه صعد قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر وكان يلعب الكرة فانتظروه حتى فرع منها، وكان هذا ختمها يعنى من اللعب، ودخلوا إليه بالحوش السلطانى وكان قاضى القضاة عز الدين الحنبلى صعد لتهنئته وله مدة متضعف، فجلس فى وسط الحوش على الأرض والسلطان ينظر إليه ثم لما جلسوا قالوا للحنبلى:
«سلامتك، لأى شئ استعجلت؟»، وأمثال ذلك.
وفيه خلع على الأمير بقر عوضا عن عيسى المقدم ذكره، وتسلّم عيسى بعد الضرب الذى تقدم ذكره بين يدى السلطان.
يوم الخميس ثالثه قتل شخص رومى شاب أمرد بلا لحية بالصحراء بجوار سيدى الشيخ المقانعى، وكان له رفيقان من بلاده فوجداه مذبوحا ولا يعلم له قاتل، هذا بعد أن وجدوا فيه عدة ضربات بالسكاكين. والأمر إلى الله تعالى.
يوم الأحد سادسه ضرب شخص - من الذين هم فى سجن المقشرة ويسألون فى الحديد صحبة الجندار - نفسه بسكين، فخرجت (^٢) مصارينه فى وسط السوق فمات، وسبب ذلك أن هذا الذى قتل نفسه [كان] عليه مقرّر فى كل يوم
_________________
(١) يطابق هذا ما ورد فى التوفيقات الإلهامية ص ٤٣٨، ويعادل هذا التاريخ يوم ٢١ مايو ١٤٧٠ م.
(٢) فى الأصل «فخرجوا».
[ ٢٩٠ ]
للسجان ثلاثة أنصاف، وللذى معه قدر آخر فإن (^١) لم ينهض فيعاقب عقوبة شديدة ويجعلون رجليه فى الخشب، وطال ذلك عليه فقتل نفسه، وحسابه على الله.
وفيه توجه المقر الأشرف العالى السيفى تمر حاجب الحجاب إلى الشرقية لأجل ردع العربان المفسدين الذين ملأ وا البلاد والعباد فسادا من نهب وعرى وقتل، وهم سعد ووائل، وأحرموا الطير يطير. فبلغ خبرهم السلطان فرسم. للأمير المذكور بالتوجه لردعهم وتطمين البلاد وكتب مراسيم شريفة للكشاف بالتوجه فى خدمته وكذلك لمشايخ العربان حتى نائب غزة وعدة من المماليك، وخرج فى هوتك عظيم وموكب جسيم.
وفى هذه الأيام سافر قانصوه الأحمدى المشهور بالخسيف - أحد مقدمى الألوف - إلى بلاده كأنه هرب من تفرقة الأضحية، وفرّق السلطان - نصره الله - الأضحية على المماليك السلطانية وغيرهم فجزاه الله خيرا دنيا وأحرى بمحمد وآله وصحبه.
عيد الأضحى فى عاشر ذى الحجة، خلع فيه على قاضى القضاة ولى الدين أحمد الأسيوطى الشافعى كونه خطب بالسلطان على العادة، وخلع على المقر التاجى ابن المقسى ناظر الخواص كونه سد الأضحية ومن له عادة، وشكر الناس ودعوا للسلطان بسبب تفرقته فى هذه السنة الأضحية على الغنى والفقير.
يوم السبت ثالث عشره ركب السلطان من قلعة الجبل بعد أن ذبح وأكل وسيّر وتوجه لبيت المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك من ططخ فلم يجده، ومرّ من الوراقين وشقّ البلد وصعد إلى القلعة وهو فى نحو خمسين مملوكا: أمامه عشرة والباقون خلفه.
_________________
(١) فى الأصل «فلم».
[ ٢٩١ ]
وفى العشرين منه وصل عدة سعاة من عظيم الدنيا يشبك من مهدى الدوادار الكبير حفظه الله وصحبتهم كتب للسلطان - نصره الله - ولجماعته وبيته، واتضح الخبر على أن الأمير الدوادار - بلّغه الله مأموله - يضحى بمدينة حماة، وغير ذلك أن المبشرين (^١) وصلوا فى رابع عشريه وأخبروا أن الوقفة الخميس مخالفة لهذه البلدة فإنها كانت الأربعاء، وأخبروا عن الحاج بالخير والسلامة.
*** واتفق أن القاضى برهان الدين ابن ظهيرة الشافعى قاضى مكة وعالمها لما بلغه العزل على لسان أمير الحاج يشبك الجمالى جمع أهل مكة: تجارها وأوساطها وفضلاءها وعلماءها وقال لهم: «هل أخذت من أحد منكم رشوة؟ قبلت له هدية؟ ظلمته مظلمة؟ فعلت معه شيئا ونسيته؟ ذكرونى به» فأجابوه بالثناء عليه ومدح صفاته وأوصافه وعفته وصيانته وديانته وأمانته سيما فى مال الأيتام، ثم أحضر ما كان تحت يده من أموال الأيتام - وجملة (^٢) ذلك عشرون ألف دينار - وقال لأمير الحاج المذكور: «هذا المال لزيد ولعمرو، ولى سنين أتجر فيه مع أقوام حتى سلم للأيتام بحمد الله وأوزن زكاته لمستحقها، وها هو خلص من ذمتى وبقى فى ذمتك». فامتنع أمير الحاج حتى يشاور السلطان؛ وكان حاضرا هذا المجلس القضاة الذين تولوا، فبرز المالكى المتولى وتكلم مع القاضى برهان الدين المفصول كلاما كثيرا. وآخر الأمر انفصلوا ولم يسلّمهم المال.
_________________
(١) فى الأصل «المباشرين».
(٢) الوارد فى الضوء اللامع ج ١ ص ٩٤ س ٢٣ «نحو ستة عدو ألف دينار ذهبا».
[ ٢٩٢ ]
وأصل هذه الفتنة فى عزل القاضيين الشافعى والمالكى قصة الخواجا ابن (^١) الزمن لما أراد أن يبنى بالمسعى حوانيت (^٢) فمنعه القاضى برهان الدين من ذلك (^٣) وجمع الناس وجدد المسعى فوجد ما يروم بناءه ابن الزمن داخلا فى المسعى فمنعه، فلما ولى القاضى محب الدين بن أبى السعادات عوضا عنه أقام عنده الخواجا ابن الزمن بينة أن هذا البناء وضع بحق وأنه يملكه وأنه تلقاه بالشراء، وهو حوانيت على الهيئة التى يروم فعلها وثبت ذلك عليه وحكم به، وشرع فى بنائه ليلا فما (^٤) أصبح النهار إلا وقد بلغ مقصوده.
وغير ذلك أن غرس الدين خليل قاضى القدس الذى وقع بينه وبين المقادسة ما تقدّم ذكره من وثوبهم عليه ونهبهم لداره وقتله، ولولا اللطف لفتكوا به، ثم حضروا إلى القاهرة فانتصف عليهم أولا ثم انتصفوا عليه بعناية الله ومساعدة رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين، فإنهم علماء صلحاء، غير أن القاضى أراد الترفع عليهم وما ساعه (^٥) إلا أن اختفى، وذلك مع مساعدة عظيم الدنيا الدوادار الكبير والسلطان وضرب أحد من خاصمه بالمقارع، ومع ذلك فإن أركان الدولة ما هم راضون به، وأيضا فما هو
_________________
(١) أورد السخاوى ثلاثة باسم «ابن الزمن» أحدهم محمد بن عمر (الضوء اللامع ٨/ ٧٠٣) وثانيهم ابنه «محمد» (نفس المرجع ٩/ ٤٥٣) وابن أخيه إبراهيم بن عبد الكريم (شرحه، ج ١ ص ٦٩) دون أن يشير فى إحدى هذه التراجم إلى ما أورده ابن الصيرفى بالمتن، غير أن الأرجح أن المقصود أعلاه هو الأول منهم.
(٢) فى الأصل «حوانيتا».
(٣) الوارد فى الضوء اللامع ج ١ ص ٩٤ أن التوقيع بعزله كان بسفارة الشمس بن الزن أحد خواص الملك لمعارضته إياه فى البناء لما أنشأ رباطه بالمسعى ومنه العمال من الحضر لكونه فى المسعى، وساعد القاضى من كان هناك من العلماء المجاورين ونحوهم حيث كتب ابن الزمن بما تقتضى عزله، فأجيب لذلك.
(٤) فى الأصل «فلما».
(٥) يعنى بذلك «ما وسعه».
[ ٢٩٣ ]
أهل لمشيخة الصلاحية، وولايته لها تخالف شرط الواقف على ما بلغنى. فالله أعلم.
ورسم السلطان بعمارة الإيوان المجاور للقصر السلطانى بقلعة الجبل الذى هو إنشاء المنصور محمد بن قلاون، ورسم لرئيس الدنيا ابن مزهر - كاتب السر - أن يكون هو القائم على عمارته وقدّر مصروفه مبلغا جملته عشرة آلاف دينار ويحتاج إلى مثلها. ودفع السلطان أول نقدة من ماله خمسة آلاف وخمسمائة دينار.
ووصلت الأخبار عن الحجاج أنهم لما دخلوا مكة - أو قبل دخولها - كانت الشربة الماء وصلت لدينار، والعسل كل خمسة أرطال بدينار، والسيرج كذلك، والسمن واللحم بثلاثين الرطل. والله يلطف بالمسلمين آمين. إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
وانقضت هذه السنة على خير وسلامة وعلى ما سمعت ورأيت، فلله الحمد والشكر والمنة والفضل، لا إله سواه.
[ ٢٩٤ ]