أهل يوم الأحد لأن ربيع الأول جاء تماما، ويوافقه من شهور القبط عاشر بابه.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لقلعة الجبل بسبب تهنئة السلطان
_________________
(١) السخاوى: شرحه ٤/ ٢٢٤.
[ ١٤٤ ]
بالشهر وانتظروه بالحوض حتى حضر من الميدان وطلبهم، فجلس معهم ولم يتكلم معه سوى قاضى الحنفية ودعوا وانصرفوا.
وفيه أنعم السلطان على الأمير قرقماس الأشرفى - نائب ملطية - بخلعة بطراز زركش ورسم له بخمسة آلاف دينار ليتقوى بها على العدو باستخدام الرجال والسلاح وما أشبه ذلك، فنصره الله نصرا عزيزا وفتح له فتحا مبينا.
*** يوم الاثنين ثانيه أشيع الخبر أن المرسوم الشريف توجه للأمراء بالحضور من حلب بعد أن حضر بعضهم من العشرات.
وفى يوم الخميس خامسه رسم السلطان باستقرار الأمير قانصوه (^١) اليحياوى نائب طرابلس فى نيابة حلب عوضا عن الأمير إينال الأشقر الظاهرى بحكم عزله عنها وقدومه إلى القاهرة على إمرة مائة وتقدمة ألف، وأنعم عليه بثمانية آلاف دينار يستعين بها على كلفه ومصالحه ويرقه وبركه (^٢).
وفيه خلع على الأمير لاجين الظاهرى - أحد مقدّمى الألوف - بكشف الجسور بالبهنساوية من الوجه القبلى، وخلع على الأمير يشبك الإسحاقى - أحد المقدمين الألوف - بكشف الجسور بالبحيرة من الوجه البحرى، ورسم له بالتوجّه من فوره لإزالة المفسدين من البلاد والعباد سيما العربان الخارجين عن الطاعة والقادمين إليها فى طلب الميرة، وعين صحبته تجريدة من المماليك السلطانية فسافر من يومه.
_________________
(١) أمامها فى هامش المخطوطة «قانصوه نائب حلب».
(٢) البرك بالفتح هو المتاع، أما اليرق فكلمة تركية الأصل معناها السلاح، أما اليزك ففارسية الأصل.
[ ١٤٥ ]
وفى الأحد ثامنه قدم الأمير علان (^١) الأشرفى - أحد الأمراء العشرات الذى كان أسر عند شاه سوار وخلص منه - فلم يلتفت إليه.
وفيه أنعم السلطان - نصره الله - على الأمير يشبك البجاسى - نائب حماة - باستقراره فى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير قانصوه اليحياوى المنتقل لنيابة حلب عوضا عن تمراز بحكم انتقال تمراز إلى تقدمة ألف بدمشق.
ورسم للناصرى محمد بن المبارك أن يستقر فى حجوبية حجاب دمشق عوضا عن إبراهيم (^٢) بن بيغوت الأعرج.
وفى يوم الأحد الخامس عشر منه حضر إلى بيت السلطان مملوك الأمير الكبير الأتابك أزبك من ططخ، وعلى يده كتاب مرسله يتضمن أن ابن رمضان أخذ قلعة سيس من أعوان شاه سوار.
وفى هذه الأيام وصل المقر الزينى عبد الرحيم (^٣) بن البارزى من سفره من حلب وهو موعوك جدا، ونزل بمنزل القاضى كمال الدين.
وجهز (^٤) للسلطان هدية على يد المقر الزينى أبى بكر (^٥) بن المقر المرحومى عبد الباسط قيمتها بنحو خمسمائة دينار فردّها عليه وقال: «أنا ما أقبل منه أو أريد منه إلا فاكهة حلوى مشموم»، وكان بلغ عبد الرحيم المذكور أن السلطان قال: «عند من يهرب منى؟ هذا هو وقع فى القفص» فبلغه ذلك فازدادت علّته واستمر منقطعا إلى أن توفى فى يوم الإثنين المبارك تاسعه بعلة الصرع؛ وكان ﵀ بشوشا متواضعا أصيلا عريقا زهرا فى مأكله وملبسه ومركبه،
_________________
(١) هو علان من ططخ الأشرف برسباى، راجع الضوء اللامع ٥/ ٥٢١.
(٢) مات فى تجريدة شاه سوار سنة ٨٧٣ هـ، انظر الضوء ج ١ ص ٣٣، ٣/ ١١٦.
(٣) السخاوى: شرحه، ٤/ ٤٤٣.
(٤) يعنى بذلك ابن البارزى.
(٥) السخاوى: شرحه، ١١/ ١١٠.
[ ١٤٦ ]
وباشر استيفاء الصحبة عدة سنين، وخرجت عنه الوظيفة فى هذه الدولة قريبا باسم الشيخ الإمام برهان الدين الكركى إمام مولانا السلطان الأشرف أبى النصر قايتباى - عز نصره -، ومات وسنه نحو الأربعين تخمينا.
وكان قصير القامة طلق اللسان كريم اليد، ورشح لكتابة السر مرارا فلم يتفق له، وحضر جنازته والصلاة عليه الأعيان من قضاة القضاة والمباشرين والرؤساء، ودفن بالقرافة بعد الصلاة عليه بالجامع الأزهر، وكان عريّا من العلم، سئ المعاملة لا سيما ما يستحره من السوقة برسم المأكل، وخلف ذكرين وبنتا، وانقطع بموته بيت البارزى، ولم يتخلف من البيت سوى بنت المقر الكمالى زوج المحتسب الأمير يشبك الجمالى مملوك زوجها الصاحب جمال الدين بن يوسف والبهائى نجم الدين بن حجّى، وخلّف دنيا عريضة ولكنها بالبلاد الشامية والحلبية من أوقاف عمه وأبيه، وعليه ديون نحو ستة آلاف دينار والله يرحمه. آمين.
*** وفيه توفى الأمير قانصوه (^١) الساقى المصارع الأشرفى برسباى، وكان شكلا حسنا شجاعا، وتوجه السلطان للصلاة عليه وكذلك غالب الأمراء ومن حضر.
ووصل الخبر إلى الديار المصرية بوفاة الأمير الأجل قانبك (^٢) المؤيدى الذى كان مقدما على ألف فى دولة الظاهر خشقدم واستقر أمير مجلس وأمير سلاح فى دولة الظاهر يلباى، وكان أميرا مباركا عديم الشر والخير، وهو كما قال مخدومنا الجمال يوسف عين المؤرخين «لا يصلح للسيف ولا للضيف».
***
_________________
(١) الظاهر أن كلمتى «الساقى المصارع» قد جاءتا سهوا من الكاتب، ذلك أن هناك اثنين باسم «قانصوه» أحدهما يعرف بالمصارع وقد مات قبل هذا التاريخ بفترة تقرب من عشرين سنة أى أنه مات سنة ٨٥٦ هـ، (انظر السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ٦٧٨) أما الآخر فاسمه قانصوه الأشرفى برسباى (شرحه ٦/ ٦٧٩) وكانت وفاته فى ربيع الآخر ٨٧٤ هـ.
(٢) السخاوى: شرحه ٦/ ٦٧٥.
[ ١٤٧ ]
وحصل فى هذا الشهر أمور، منها أن قاسم الوزير - نائب عظيم الدولة الدوادار الكبير - كبسه الوالى بالجزيرة ومعه امرأة وأطلقت، ومنها أن المقر الأشرفى العالى السيفى قانصوه أحمد الإينالى وصل له غم من الوجه القبلى فأراد (^١) أخذها بغير مكس فعوّقها قاسم الوزير فأرسل إليه قانصوه يطلبها فامتنع، فهمّ قانصوه بالركوب إليه ليبهدله ويضربه، فبلغ قاسم ذلك فركب وحضر إليه ليصالحه على شئ، فضربه ضربا مؤلما ومع ذلك فلم يطلق له قاسم الغنم، وصار يقبل بأمر عظيم الدنيا المقر الأشرفى الدوادار الكبير، وآخر الأمر أقول كما قال الشاعر: «أوسعتهم سبّا وفازوا بالإبل»، وهذا بالغنم.
وفى هذه الأيام وصل المقر الأشرف العالى المولوى السيفى تمراز الشمسى أحد المقدمين الألوف الذى كان كاشف المحلة وكاشف التراب بها ليقيم فى هذه البلدة شهرا واحدا ويعود إلى محل ولايته.
واستقر فى كشف البحيرة والتخضير المقر الأشرفى الكريم السيفى يشبك جن أحد المقدمين الألوف، وخلع عليه بذلك ويسافر قريبا.
وطالع عظيم الدنيا المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير المسامع الشريفة - نصرها الله - فى طلب السيد الشريف سراج الدين قاضى المالكية إلى الوجه القبلى ليحاسبه على ما فى جهته من أموال الدولة، فأجيب أنه يرضيه فى المال والحال والمآل.
وفى ثامن عشره ركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل وتوجه إلى القرافة بمفرده ومر على «صبحة المحيا» التى يصنعها (^٢) ساداتنا بنو الوفا، ثم
_________________
(١) فى الأصل «فأراد أخذهم … فعوقهم قاسم … يطلبهم فامتنع».
(٢) فى الأصل «يصنعونها ساداتنا بنى الوفاء».
[ ١٤٨ ]
لحقه العسكر أفواجا أفواجا، واستمر إلى آخر النهار حتى صعد القلعة.
ووقع فى هذا اليوم أو قبله أن شخصا من العدول الجالسين عند أحد نواب الحكم العزيز الحنبلى بباب الصالحية قتل برحبة (^١) الأيدمرى، وألقوه فى بئر وقبضوا غلاما ومملوكا اتهمهما (^٢) ورثته بقتله، ووقفا للسلطان، ورسم - نصره الله - بالفحص عن أمرهما.
وفى هذه الأيام عرض السلطان الجوالى المرتّبة للناس على البلاد الشامية والحلبية والطراباسية وقطع منهم جماعة كالصدر البهوتى (^٣) والشيخ إبراهيم القادرى (^٤) وأمثالهما.
وفى يوم الثلاثاء رابع عشريه الموافق لرابع هتور القبطى ركب السلطان وتوجّه إلى التربة التى أنشأها بالصحراء عظيم دولته المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير فأقام بها وعاد بعد ذلك إلى القلعة.
وفى هذا الشهر رسم السلطان - نصره الله - للقاضى علاء الدين ابن الصابونى بالتّوجه إلى المدينة الشريفة على هيئة المنفى، فشفع فيه إلى القدس والخليل فخرج مقهورا، وسبب ذلك أنه سأل بعض أركان الدولة السلطان له فى شئ يقوم بحاله فغضب ورسم بذلك، وقيل - وهو الصحيح - إن ابن المزلّق (^٥) كاتب السلطان فيه «ما ينهض يباشر» والقاضى علاء الدين
_________________
(١) وهى منسوبة إلى بيدمر البدرى أحد المماليك الناصرية الذى أسس مدرسة عرفت بالبيدمرية أو المدرسة البدرية كما سماها المقريزى فى الخطط ٢/ ٣٩١، انظر أيضا نفس المرجع ٢/ ٤٨، ٧٥، وابن حجر: الدرر الكامنة ١/ ٥١٣، والطباخ: إعلام النبلاء ٢/ ٤١٩.
(٢) فى الأصل «اتهموهم».
(٣) بضم أوله نسبة لبهوت بالغربية، انظر الضوء اللامع ج ١ ص ٣٧٠.
(٤) السخاوى شرحه، ج ١ ص ٨٠ - ٨١.
(٥) الضبط من الضوء اللامع ٦/ ٣٨٩ وإن لم تكن ترجمته.
[ ١٤٩ ]
المذكور موجود عند السلطان، وأنه أشاع أن السلطان - نصره الله - وعده بأن يقرره فى وظيفة عظيمة، وثار (^١) عليه خصومه، فحصل ما حصل.
وفى يوم الأحد البارك - تاسع عشريه - ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى جهة القرافة، فسير على عادته وعاد بعد ذلك، والله الولى والمالك.
وتقدم فى الخامس عشر من هذا الشهر حضور مملوك المقر الأشرف العالى السيفى الأتابكى أزبك مقدم العساكر السلطانية من البلاد الحلبية بين يدى السلطان - نصره الله -، وعلى يده كتاب مرسله يتضمن أن ابن رمضان أخذ قلعة سيس من أعوان شاه سوار، والأمر الله الواحد القهار.